هذا هو النهارُ يطلعُ على الحارة المستيقظة، وأنتَ الشمسُ في سمائِها الرملية الخشبية المتغضنة، تلغي دعواتَ الملوك والأمراء والرؤساء لتشربَ القهوةَ في حانةٍ صاحية.
الأزقةُ لم تغتسلْ بعد، وخولة بعيدة، مأسورة في القصر، وقصتُها المخيفةُ أسرتَها في غرفة ربما، في زنزانةٍ عائلية.
شامخٌ هنا، يعرفك هؤلاء العامةُ العابرون الدائمون في الدم، يمضون لينزفوا بضع ساعات، وأنت عروقك مربوطةٌ بنهرِ الحياة، ومدنٌ كثيرة تصحبكَ وتدعوكَ وتلتمسُّ ذراتَ نورك المتساقطة من يدك وكم دعتك المنابرُ والمخافرُ والعنابرُ والشاشاتُ وما لبيت سوى دعوة القيامة.
تخرجُ من كهفكَ هذا الحصى العتيق الذي تناثر على كتفيك تراباً وسخاماً، فكأنك حدادٌ خارج من النار.
كم يطولُ بك هذا الليلُ وإلى متى لا يحضنكَ ترابكَ ويهربُ منك أصحابكَ ويتبرأُ منك أهلك؟
تنزفُ منذ الصباح الباكر، لا كأسَ ولا سيجارة، ولا علبةَ، ولا امرأةَ، ولا ولدَ، ولا خزانة، وملكوتٌ واسعٌ من الكلمات، وعيونٌ أكثرُ من الرمل تراقبكَ وتسمع دبيبَ قلبك وتفتشُ مسوداتك عسى أن تجدَ ثعباناً فيها أو سحراً يفكُ عقدك.
ماذا تريدُ من هذه الأزقةِ ومن هؤلاء الترابيين الشاكين الصامتين الحالمين النائمين الخائفين المتشاجرين؟
ضيعتَ عمركَ في الأحلام وبين الأنام وغيرك يسهرُ ويغني ويسمعُ العودَ ويجيءُ متراقصاً في الفجر يسيلُ فتاتُ عقلهِ في الثقوب والدروب.
إلى متى…؟
«شاعر الضياء» هي رواية أدبية للروائي البحريني عبدالله خليفة. صدرت الرواية في عام 2018 . بعد وفاته في عام 2014.
نبذة عن الرواية والكاتب وطبيعة العمل: تنتمي الرواية إلى النتاج الغزير الذي تركه الكاتب الراحل وتم نشره بعد رحيله لتوثيق مسيرته الأدبية.
أسلوب الكاتب: يُعرف عبدالله خليفة بتركيزه على قضايا الفقراء.
مركزية المثقف «البروميثيوسي» (حامل الضياء) أزمة المبدع: كما يتضح في روايته «شاعر الضياء»، يظهر المثقف في أعماله كبطل تراجيدي يواجه جداراً من القمع أو العزلة.
«شاعر الضياء»: لفتت الانتباه إلى أن أبطال كتاباته الأخيرة باتوا يتمتعون بـ نزوع تراجيدي حاد.
أصبح البطل يمثل المثقف المعزول، المحاصر، أو البحار الذي يواجه مصيراً عدمياً؛ وهو ما فُسّر نقدياً بأنه انعكاس لمعاينة الكاتب الشخصية لانحسار المد الفكري اليساري والنهضوي في الساحة العربية وتحول المجتمعات نحو الاستهلاك.
تُمثّل شخصية المثقف «البروميثيوسي» (المستوحاة من أسطورة بروميثيوس الذي سرق النار ليعطيها للبشر) الركيزة الأساسية في فلسفة عبدالله خليفة السردية. المثقف في أعماله ليس مجرد مراقب للأحداث، بل هو حامل لـ «مشعل الضياء» الذي يدفع ثمن تنوير المجتمع من حريته وحياته. تتجلى أزمة هذا المبدع البطل في رواية «شاعر الضياء» وأعماله الأخرى عبر ثلاثة أبعاد تراجيدية:
1- جدار القمع المزدوج (السلطوي والمجتمعي) قمع السلطة: يواجه المثقف الملاحقة والتضييق بسبب أفكاره التي تفكك بنى السيطرة والفساد.
قمع المجتمع: يصطدم المبدع بجدار من الجهل أو العادات البالية؛ فالمجتمع الخائف يرفض أحياناً التغيير، ويعزل المثقف ويراه مصدراً للقلق، مما يحوّل «الضياء» إلى لعنة على صاحبه.
2- العزلة والـ «كهف» الثقافي الاغتراب النفسي: يعيش البطل وهو الشاعر هنا، حالة اغتراب حادة؛ فهو يعيش بين الناس بجسده، لكن وعيه يسبق عصره بمسافات، مما يخلق فجوة تواصل عميقة.
الانكفاء الاضطراري: يتحول سكن المثقف أو محترفه الأدبي إلى ما يشبه «الكهف» الرمزي، حيث ينعزل اختيارياً أو إجبارياً ليحمي جذوة أفكاره من الانطفاء.
3 -التضحية التاريخية (الحتميّة التراجيدية).
المصير المحتوم: يدرك المثقف عند عبدالله خليفة أن طريقه محفوف بالمخاطر (السجن، الإقصاء، أو الموت)، لكنه يرفض المساومة.
الأمل في الرماد: التراجيديا هنا ليست استسلاماً، بل هي تضحية واعية؛ فالبطل قد يسقط أو ينكسر، لكن أفكاره تظل مثل «الجمر تحت الرماد» تضيء الطريق للأجيال القادمة..
