دانت له الأرض، قـُطعت رؤوس كبيرة، لكن العصيان لا يتوقف. جثة أبي مسلم ملفوفة في سجادة، يفتحها كل من يريد التأكد من موته، لكن كثيرين لم يروا الجثة، وشاع إنه حي وقد هرب وأختفى في مكان ما، لعله في الجبال، مثلما جاء فجأة وذاب بين الأشياء والناس! وبدأتْ الأرضُ تتقلقل هناك!
وبدا للمنصور إن أسطورته أقل خطراً من وجوده، ثم صارت أسطورته تخلقُ الجيوشَ والسحرة والأنبياء والأدعياء.
لو كان جعله جثة في تابوت يتأكد منها كلُ شاك؟!.
لديه كراهية شديدة للرؤوس الكبيرة المتحدية المستقلة، يريدُ حقلَ برسيم من الرؤوس، فتدفقت قواهُ نحو عمه عبدالله بن علي في البصرة تستخرجه من هناك بالحيلة، ويذهل من كتابة أحدهم ويُسمى ابن المقفع وشروطه القاسية، فابتسم (أية شروط وقيود تحد إرادتي يا أحمق!) وصرخ؛ (أحضروا هذا الكويتب أيضاً!)، وجاءت جماعة البصرة الهاربة المتمردة، وبعد أن تجردت من عقولها تجردت من سلاحها وضاعت بين السجون وسيوف حاكم خراسان، وشبعت أسماكُ دجلة!
كلُ درجة يرتفعُ فوقها تـُبنى بطبقة من الجماجم، كلُ لحظة يقترب فيها من السماء تتدفق ينابيع الدم، يرتفع في سفينة أهله وخدمه وعبيده، في طوفان الأشلاء، (كل شيء جعله الله لنا، أنما تـُفتح الخزائن بكلماتنا، من أطاع قربناه ومن عصى ذبحناه).
وجاءهُ قائدٌ مهووس وقال:
– ظهر أبومسلم في جبال خراسان يا مولاي!
«مصرع أبي مسلم الخراساني» هي رواية تاريخية للروائي والمفكر البحريني الراحل عبد الله خليفة، صدرت عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع.
تنتمي هذه الرواية إلى المشروع الروائي التاريخي الممتد للكاتب، والذي أعاد من خلاله قراءة التاريخ العربي والإسلامي بأسلوب تحليلي يمزج بين السرد الأدبي والرؤية الفلسفية والاجتماعية.
الخط الدرامي والمضمون:
تمحور الرواية حول الشخصية التاريخية الجدلية أبي مسلم الخراساني، القائد العسكري الأبرز الذي قاد الثورة العباسية وأسقط الدولة الأموية.
يركز عبدالله خليفة في هذا العمل على:
النهاية المأساوية: يتتبع السرد قصة الصراع المحتدم على السلطة بين أبي مسلم الخراساني والخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور، والتي انتهت باستدراج القائد الخراساني واغتياله في قصر الخلافة.
صراع مراكز القوى: تسلط الرواية الضوء على اللحظة التاريخية التي تحولت فيها الثورة إلى «دولة»، وكيف تبدأ الأنظمة السياسية الناشئة بالتخلص من مؤسسيها وقادتها العسكريين بمجرد استتباب الأمن لها لتأمين كرسي الحكم.
البعد النفسي والسياسي: لا يكتفي الكاتب بسرد الوقائع الجافة، بل يغوص في تحليل شخصية المنصور الحذرة والذكية، وشخصية أبي مسلم الواثقة بنفوذها وقوتها في خراسان، مما يبرز حتمية الاصطدام بينهما.
تستعرض هذه الرواية النهاية المأساوية لأحد أبرز قادة الدعوة العباسية ومؤسسي دولتها أبي مسلم الخراساني، الذي قُتل بأمر من الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور عام 137 هـ.
لمحة عن الحدث التاريخي: كان أبو مسلم الخراساني صانع ملوك الدولة العباسية والذراع العسكرية الأقوى، لكن نفوذه الواسع وشعبيته الجارفة بين أهل خراسان أثارا قلق الخليفة أبي جعفر المنصور. استدرج المنصور أبا مسلم إلى قصره بحجة التشاور، ثم غدر به وقتله ولف جثته في بساط، ليتخلص من أكبر تهديد لسلطة الخليفة.
تناول عبدالله خليفة للقصة: في رواية «مصرع أبي مسلم الخراساني»، وظّف عبدالله خليفة هذه الحقبة التاريخية في قالب أدبي وفلسفي. ولم يكتفِ بسرد وقائع القتل، بل غاص في دراسة الصراع على السلطة، وطبيعة التناقض بين الإرادة السياسية الفردية المتمثلة في الخلفاء، وبين القوى الاجتماعية والشعبية الكبرى التي ساهمت في قيام الدولة (كأهل خراسان) وتمثلها شخصية أبي مسلم.
بطاقة تعريفية بالكتاب المؤلف: عبدالله خليفة.
الناشر: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع.
عدد الصفحات: 180 صفحة.
نوع الكتاب: رواية تاريخية.
