ساعد أمي البض يتلألأ في المقعد الأمامي ، وشعرها الكث الأسود، ووجهها المتوردُ، لوحتي الجميلة الحبيبة .
أتعلقُ بها وأنا في المقعد الخلفي ، أقبلُ زندَها المضيء ، فتدفعني صائحةً ، غاضبة. أحشرُ أختي في زاوية المقعد لتصرخ هي بدورها . فتتطلع إليّ أمي من المرآة الأمامية الصغيرة ، لتبدو عيناها الواسعتان المكحولتان تتأججان بالجمال والغضب: «ألا تكف يا عفريت ؟».
حين تقفُ السيارةُ أمام المتجر ، وتنزلُ أمي جارة عباءتها بيدها ، لتضعها بسرعةٍ على كتفها ، تتدلى رؤوس الرجال من فوق أكتافهم ، وتطلعُ ألسنتهم من حلوقهم ، ويدرك بعضهم حاجته إلى السلع ، ويحدقُ بعضهم إلى الزجاج .
يصيبني الهم والغمُ ، أرفع يدي في وجوههم ، أغمغمُ بشتائم عنيفة تهدرُ داخلي وتتحطم على الزجاج وفي الهواء .
أفتحُ البابَ ، واركضُ إليها ، أتعلقُ بساقها ، أو أحمل كيساً يحني قامتي ، أتطلعُ إلى الرجال حانقاً ، لكنها لا تلتفتُ إلى أحد ، تجمعُ البضائع وقطعَ النقد الصغيرة والصمت .
ღდღ
هذه هي روحي تخرجُ مني وأنا أرى سهراتهم الغريبة . هل يمكن أن يكونَ هذا أبي ؟
صالةٌ واسعةٌ ، وطاولة كبيرة فوقها أطباقٌ مفعمة بالروائح الخلابة المثيرة ، وزجاجات ملونات غريبة ، تتدفقُ منها سوائلٌ مزعجة قاتلة في الكؤوس ، وأبي يقدمها إلى أمي وضيفه ، الذي يضع يده على كتف أمي ويقهقه ، ويقبل خدها ، وأبي يثرثر معه على الكرسي المقابل ، بدلاً من أن يحطم رأسه الكبيرة الصلعاء المشوهة ، بقعر الزجاجة !
ثم يتثاءب أبي ، ويغمغمُ بشيءٍ ما ، وينسحبُ من القاعة متوجهاً إلى غرفة نومه . أتزلزلُ في موقعي خلف باب غرفتي ، أودُ أن أصرخ ، والرجلُ الأصلع دفن رأسه في صدر أمي ، وهي ألقت بنفسها على الكرسي ، دون أن تتفوه بكلمة !
توقظني من الصباح الباكر ، تدغدغُ صدري بأصابعها ، وأشمُ روائحَ غريبة مثيرة ، لكن وجهها لم أعد أراه . تحاولُ أن تجذبَ عيني بدون جدوى . تريدُ أن توصلني إلى المدرسة ، لكن قدمي الرقيقتين ، وساقي العودين ، تحملني إلى المبنى المليء بالأولاد الساخرين مني .
اتجمدُ في ركني ، اصمتُ طوال الوقت ، والسبورة شاشة ليل كئيب تضيءُ فيها زجاجاتٌ وألوانٌ ورؤوسٌ باروكية وهدايا من الخواتم الذهب والمزهريات الرقيقة الشفافة.
ღდღ
امتلئ بالعرق والبخار الساخن ، أمسكُ سريري بأظافري ، ثمة أطيافٌ من النار تتراقصُ حولي . جسدي يدغدغهُ ثعبانٌ كبير ، وأنا أركضُ في العتمة والضباب والعواء ، أعبرُ مستنقعاتٍ من جمرٍ وضفادع وفحيحِ رجال .
اتقلبُ على الفراش ، أودُ أن أعبر تلك الظهيرة المشتعلة ، أن أتخلصَ من جسمي ، وأذوبَ ، أقفز هذا البيت ، وصراخ الرجال في القاعة ، ضحكات أمي التي تفتقُ ضلوعي ، أصيرُ فراشةً في حقلٍ ، أو ناسكاً في كهف ، أموت ، أتحولُ إلى ظلامٍ أبدي ، أرفرفُ نحو السماء ملاكاً .
الحرارةُ تزدادُ ، جسدي يهربُ مني ، الفراشُ كلهُ ماءٌ ، أصرخُ ، أصرخُ بأعلى صوتي، والغرفةُ المظلمة تفتحُ على نور ، وجسد من ياسمين وثلج ، تضمني إلى صدرها ، تلتقطُ تلك الجمرات من كبدي ، تتوغلُ أصابعها الباردة في قلبي . لو أننا نرحلُ بعيداً!
أي غابة من فل وظلمات تغطيني ؟ البيتُ يسترجعُ عروقه من الزجاجات المنتفخة بالصرخات والشهوات، وجسدي يستوقفُ أمي عن الغابة القاعة .
لا تزال الأشباحُ الصفراءُ تطاردني ، والعرقُ الغزيرُ خيوطٌ من اللذة الغريبة ، والحمى صديقة لطيفة في جلدي ، لكن أمي تغادرني إلى نداء أبي ، والبيتُ كله مظلم ، وثمة رجلٌ يضحكُ ويشعلُ الجدران .
ღდღ
غادرنا أبي فجأة ، قبلنا أنا وأختي على عتبة الباب ، وتطلعَ إلينا بعمق وغرابةٍ ، وهمس «وداعاً!». ركضتُ نحو السيارة ، ضربتُ بابه بقبضتي ، ولكنه غاب وذاب.
جاءَ رجالٌ غرباءٌ ، وفتحوا أوراقاً رنحّت أمي على الأرض . كنتُ أرى سريري وألعابي تشحن في سيارة كبيرة . لم يتزحزح الرجال عن فكِ أصابعي عن الأشياء . صراخي عند الثلاجة ، لم يحدث أثراً .
كان البيتُ فارغاً ، ثم سارت بنا أمي خارجةً أيضاً ، لنقبع في غرفةٍ كبيرة موحشة ، كان سقفه يهتزُ من الهواء ، وينتفخُ بالمطر ، لنضع أوانٍ تلاحقُ قطراته العجلى المجنونة .
الجوعُ يقطعُ دواخلَنا ، وارجلنا تضطربُ فوق درجات العمارة الملتفة ، وبين أكوامِ القذارة والأطفال الصارخين وأحذية الأجانب الكثيفة .
تنتزعُ أمي ثياباً جميلة ، تزيح طبقات الصمت والحزن ، تفجرُ وجهها بأقواسٍ من الضياء والربيع ، ويبدو جسدها الملتف بعباءةٍ سوداء زاهية ، كصفعةٍ للعمارة الكئيبة .
الحليبُ الذي تجلبهُ لا أتذوقه ، السيارة الرائعة التي تقفُ تحت الشقق الرثة ، لا أدخلها، جسدي يذوي ، وهي تضعُ اللقمات بقوة في فمي ، ألبس الثياب المرقعة وأهربُ من بدلاتها الملونة ، أتحملُ هزءَ التلاميذ وأغوصُ في الحروف ، أقرأ القرآن وأبكي ، أدخلُ داخلي وأرحل ، لا شيء في روحي ، سوى أوجه مكفهرة وجداول من وحلٍ ، محنط فوق الثياب والقمامة والأحذية الكثيرة .
سأهربُ من هنا ، سأتركها ، بل أنتزعُ أختي ، واجري بها نحو مدينةٍ أخرى ، سأعملُ، سأكنسُ الشوارعَ ، سأغسلُ الملابس والصحون . .
أترنحُ فوق الأرض ، يبللني عرقٌ كثيف ، أتحشرجُ باحثاً عن نفثة هواء ، يحيطني غرباءُ العمارة ويحجزون الضوء والمَلَّاك .
ღდღ
هذا بيتها الجديد الشامخ الآن ، فيلا وأشجار وأثاث ناعم ، وقاعة فسيحة ، وليال مليئة بالعطر والهمسات وقرع الكؤوس . وثمة رجال متأنقون ، هائدون ، يثرثرون بنعومة في أول المساء ، يتداخلون مع النساء ، يتراقصون كالثعابين الملتفة ، يحمحمون ، يطلقون صرخات الزجاجات وزبدها الطائش ، يزيحون المعاطف وأربطة العنق والعقل ، يتداخلون ، يصرخون ، تهتز الأرضُ بقرقعات أحذيتهم ، وتنطلقُ الموسيقى حيات من صناديقها المعتمة ، وتهدأ الأضواءُ ، لنسمع تأوهات في الحديقة، ونرى أقداماً راكضة نحو السيارات أو الأشجار ، وأحياناً تنفجرُ خدودٌ من صفعات حانقةٍ ، ويتعرى المنزلُ من ملابسهِ وأقنعته ، وكأنه دغلٌ يضجُ بالنداءات الوحشية .
أنا وأختي ننعزلُ في شقٍ بعيد من المنزل ، نمعنُ في صلواتنا الهادئة ، أنزلُ رأسها عن النافذة الفاضحة ، وأسدُ أذنيها عن الموسيقى الصاعقة ، لكن الجدران تتزلزلُ ، وكأن الجمعَ الغفير اللاهي يمدُ شوكاته في حلوقنا ، ينتزعُ الأبوابَ ويرقصُ عارياً أمامنا ، أنهضُ حانقاً ، غاضباً ، وأنفجرُ في القاعة الرقيقة الأضواء ، كأنني أحطمُ حاجزاً من الزجاج الشفاف .
يتطلعون إليّ بذعر ينقلب إلى ضحك . يتطلعون إلى ثوبي القصير ، ولحيتي الكثة ، ويزعقون:
ـــ ماذا يفعل هذا الغوريلا هنا ؟
لا أستطيع أن أزحزحَ واحداً من مقعدهِ ، أو أحطم زجاجة ، فعيونها الشرسة تحيطني بزنارٍ من نار ، لكنني في هذه الليلة ، اندفعتُ بقوةٍ نحو الطاولة المثقلة بالزجاجات والكؤوس والشهوات ، وأزحتها عن الأفق .
كانت تصطكُ مع بعضها البعض ، وتتأوهُ ، ثم جاءت فرقعتها المشتركة المدوية كأصنامٍ تتحطمُ معاً .
ღდღ
اختي ورائي وليس لنا سوى كومة صغيرة من الملابس . نداءات أمي المنفجرة لم توقفنا عن التوغل في الليل المبهم البهيمي ، لكن كانت النجومُ تزفنا إلى فجر أبيض وإلى مأذنة يصل صوتها إلى السماء .
غرفة أخرى صغيرة ولا ثلاجة أو هواء ، ظلمة خانقة ، وجدران كالحة ، وقيظٌ يفتت الحصى ويجعلُ المروحة تئن ، ولكن الدرب انفتح لضياء عميق ، كأنه ملائكة يهبطون من الأعالي ، وينثرون أزهاراً من ثلج ومحبة .
كانت أمي تخنقني في أحلامي ، تضعُ وسادة من مسامير وخفافيش على وجهي ، وتسحبُ أختي من يدي ، أصرخُ ، أرفسها ، أطعنها بسكين المطبخ ، لكن النصلَ لا يتغلغل في صدرها ، واسمعها تقهقه . أرى أختي تفرُ إلى ساحتها المضاءة بالمصابيح والرجال البيض الملونين وبالزجاجات التي صارت بالونات ضخمة ، تسبحُ أختي في مائها الواسع ، ليغدو جثثاً طافحة وأيدٍ ، وأنهضُ زاعقاً ، لأجد أختي نائمة قربي .
أبحثُ في متاعها ، أجدُ «روجاً» كانت تخفيه في قعر الحقيبة . أوقظها ، تــُذعر ، أصبغُ وجهها بالروج، وكأني أحفر بالدم ، كأني أكتبُ بالنصل غير المثلوم .
كانت تصيحُ:
ـــ أرحمني يا أخي !
سددت النوافذَ بقطعٍ سميكة من الخشب ، أغلقت عليها الغرفة ، جثمتُ في الخارج خائفاً أن تستطيع التسلل ، بشكلٍ ما ، من المكان.
مشيتُ في الأزقة بحثاً عن رجلٍ ما يتزوجها . لم يرض أحدٌ بها .
انحنيت على يد الشيخ أقبلها وأبكي . كان المسجد خالياً من المصلين . راح الشيخ العجوزُ يربت على رأسي ، ويتساءل:
ـــ لماذا تعذبُ نفسك يا ولدي ؟
ـــ أمي . . أمي . . يا سيدي . . عارها يلاحقني في كلِ مكان . لم أعد أنام . لم أعد آكل ، وأختي قد تصيرُ مثلها . . حينئذٍ سأقتلها وأقتلُ نفسي . . أرحني أيها الشيخ !
ـــ كفْ عن تعذيب نفسك وأمرح في الحياة !
أتطلع إليه مذهولاً . ألم يكن ضيفاً ذات مساء عند أمي ؟ ! لماذا يمتلئ وجهه بزيتٍ مضيء ، وترتجفُ عروقهُ بسعادةٍ مريبة ؟ ألا يعيش في بيتٍ كبير ، ويحب الغناء ، ويثرثر في المقاهي ؟
اركضُ مفزوعاً إلى أختي . قد تكون هربت ، أو ساعدها رجلٌ ما في اقتلاع خشب النافذة واختفت معه في منزله . أجري ، أنفض المارة من دربي المفزوع ، المترب ، وأجدُ الحجرة مغلقة ، ورائحتها عطنه لم تفتح .
وجهُ أختي أصفـر ، مثلثُ العظام ، وخيطها المربوط بالسرير لم يــُقطع . أفكها وأضاحكها ، وأضعُ أمامها الأكلَ . لكنها لا تأكل . تتطلعُ إليّ من كهفين بعيدين . تهمسُ:
ـــ أريدُ أن أرى أمي !
أفاجئ ، أُذعر:
ـــ ماذا ؟ تريدين أن تكوني معها ، تصيرين مثلها ؟ !
أرفسها بقوةٍ فتتدحرجُ إلى الحائط . أصفعها . فأرى خيطاً من الدم يتوهجُ على جبينها. أضمها إلى قلبي . أبكي .
ـــ أصفحي عني ، أرجوك !
ღდღ
لا بد كي أنهي أحلامي المخيفة ، وأنام ، وآكل ، وأضمُ أختي بحنان ، أن أفعل شيئاً ما ، لتلك المرأة .
أدورُ حول فيلتها الكبيرة المضيئة ، ولم تزل قعقعات الزجاجات والأغاني والقبل تدوي في الفضاء الرحب الفارغ الصامت . السياراتُ الفارهة تحيطُ بالمنزل كالذباب يقبعُ حول جثة نتنة .
صفيحة الكيروسين التي أحملها قد تنقذني من كلِ شيء ، تندلعُ النارُ فجأة ، وتبقبق في السيارات ، وتندفعُ إلى الأشجار والجدران والأثاث ، ويندفعُ الجمعُ اللاهي ، أجساده مشوية بنارٍ مخيفة ، والنساء تحترقُ رؤوسهن كتعاويذ السحرة .
لكنني أجبنُ عن اشعال الفتيل . أسمع كأن أمي تناديني وأنا طفل ، تدعوني إلى المائدة ، تركضُ في الظهيرة إليّ ، وعباءتها تشتعلُ بالشمس .
يدي تهتزُ ، وأمشي حانقاً من خوفي ، أنفجرُ ، لا بد أن أزيح هذه المرأة من عالمي !
صفيحة الكيروسين تمتلئ بالحياة والنار في دكان خمور . زجاجاته تقرقعُ وأخشابه تنفجر قاذفة عفاريت وصيحات مجنونة . وأنا أقف سعيداً مذهولاً ، وقبضة شرطي تقتحمُ فرحي فجأة !
ღდღ
خرجتُ من السجن النتن ، كومة من الحشرات وتنكات البول والضربات . كانت أمي هي التي ذهبت لأحد أصدقائها الضباط ليفرج عني . صرختُ ، لا أريد أن أخرج بسببها ! فقذفوني إلى الشارع .
لم تكن أختي في الغرفة . هربت ! رحتُ أدقُ رأسي في الجدار . السلسلة مكسورة ، والكتب ممزقة ، وكلمات بذيئة مكتوبة على الحيطان .
هناك أنا مسجى ، بركة من العرق ، والشعر الغزير ، والأصوات الغريبة التي تناديني، وأمي التي تزورني وتضع أطباقَ الأكل الذي لا أمسه وأسلمه للقطط . تقبلني، فأصيح:
ـــ أخرجي من هنا !
أدخل المسجد . الشيخ العجوز ، كتلة الشحم والشخير ، توفي ، وجاء أبنه مكانه . شابٌ صلدٌ ، متفجرُ الروح ، صارخٌ ، ناريٌ على المنبر .
كانت عيناي تترقرقان بالدموع فرحاً وحباً .
جئتُ إليه:
ـــ أنا تعبٌ يا سيدي . . أمي عاري الذي أحمله في كل مكان . .
أفضيتُ بكل شيء . قال:
ـــ أتريدُ أن أعلمك واجبك ؟ لماذا أنت جبان رعديد هكذا ؟ كتلة من الخرق والذعر والقذارة ؟ الا تجد حجارة وحصى في كل مكان ؟ لعل أختك تواصل رحلة الأم الموحلة!
كلمات الشيخ قتلتني . لم أعد أنام الآن . صرختُ في نفسي: جبان ! اشتريتُ سكيناً حادة . نصلها يتوغلُ في الخشب . ذهبتُ إلى منزلها . سأغرزُ السكينَ بحدةٍ في بطنها . وأذا وجدتُ الأخرى هناك سوف ألاحقها وأطعنها أيضاً . لن أتركهما حيتين أبداً . انتهت حياتي ، سأودعُ كلَ شيء .
الشارعُ الضاجُ بالأضواء والألوان والفساتين لا يغريني . السماءُ الزرقاء العميقة تعبرُ فيها الطائرات كنقاطٍ من اللؤلؤ الزائف .
ها هو البيت أمامي . سافاجئهما وأطعنهما بلا خوف .
لكن البيت لم يعد لها . ثمة رجل آخر خدعها وسرقها وهجرها . أين هي الآن ؟ عليّ أن أفتش عنها في كلِ مكان .
مضت سنوات وأنا أتعثر بالأشياء . أقلقل براميل القمامة والقطط والأبواب . أفتشُ وجوهَ الفنادق والخمارات . سأعثرُ عليها ، أهتفُ: سأطعنها ! ولا أجد سوى أشباح رثة.
ღდღ
التفتُ بذعر . ها هي هناك ! غرفة حقيرة في بيتٍ شائه ، من هذه العجوز ، الحطام، الهيكل الخشبي ، ذات الشعر الثلج ، التي تمسكُ صحناً خائفاً . . ليست أمي ! تلك غزالة جميلة ، نفثة ضوءٍ وعطر ، من هذه ؟ أين السكين ؟ صدأت منذ سنين.
تطالعني أمي من تحت أهدابها المحترقة . أمسكُ يدها العود . أين ذهب الماءُ الرقراقُ والعشبُ الأخضر؟
يتقاربُ رأسانا المهزومان . تختفي في صدري ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ツ 4 – سهرة «قصص»، 1994. ❖ «القصص: السفر – سهرة – قبضة تراب – الطوفان – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».
سهـرة ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
أشربْ هذه الكأس المترعة بالزبد والضياء والألم. أشرب ولا تدفع ولا تجزع. واضحك حتى الصباح واحفر في ذاكرتك هذه الوجوه، وهذه الأجساد الرائعة، أحفرها بتقاطيعها الدقيقة، وبنظراتها السكرى المفعمة بالنشوة والشهوة، فلعلها تنسيك عذابَ الليالي القادمة، لعلها تسليك في الفراشِ المهترئ والظلام. فبعد ساعات سيسألك «البارمان»:
ــ الفاتورة يا سيدي!
ستضحكُ بعمقٍ وتقولُ:
– إنني رجلٌ مفلس وعاطل.. أسأل المدينةَ كلها. أسألْ السماء، البحر والمتشردين. أسألْ أقسام البوليس، أسأل الأحذية المهترئة على الأرصفة، أسأل الأرغفة الهاربة من الفم!
وسيقولُ بأدبٍ جم:
– ولكنني مضطرٌ يا سيدي لإخبار الشرطة..
– تفضل.. أفضل مكانٍ يقضيه العاطلُ زنزانة صغيرة محترمة تتحققُ فيها الشروط التالية: الأكل المنتظم، الأصدقاء المرحون، الشاي، السجائر، قطعة صغيرة من الشمس.
كان البارُ مزدحماً، قطعة من الجنة المؤقتة. الأقدامُ تحكُ الأقدامَ، والصدورُ النافرة تتحكمُ في العيون الشاردة، والمؤخرات لا تتأخر عن الهزات الخفيفة والانحناءات الخاطفة، والثرثرات تطولُ وتطولُ ولا تقول إلا تعال!
وفي كل لحظة تأتي موجة من الحسناوات. هذه الأجسادُ الرقيقة الرهيفة من فصلها؟ هذه الوجوه البيضاءُ والوسيمة الناعمة من قبلها؟
«لا تجعلوني أسكر وأموتُ هنا على هذه الطاولة الصغيرة المتوحدة. تعالوا إليَّ، ستشربون على حسابي أو عذابي. ستضحكون من النكات الكثيرة التي أحفـظها والتي لا تقال إلا همساً. أنتِ أيتها الشقراء، يا من تشبهين فرساً خــُـلقت من الفضة والزهرة، أقتربي مني وأعطيني ضحكةً أو كلمة أو صفعة!».
النادلُ يعيطيه زجاجة بعد زجاجة، مستغرباً من قدرته على الشرب السريع المكثف، يقتربُ منه رجلٌ عجوزٌ ويستأذن في الجلوس قربه.
«هذا هو حظي دائماً . صديقٌ للعجائز. أمي العجوز في البيت لا تكفُ عن إزعاجي. هل أشتغلت؟ هل ذهبت للشركة الورقية؟ جارنا فلان اشتغل براتب كبير، وعلانة صارت سكرتيرة للوزير، وابن حمدان راعي الحمير السابق بنى لنفسه عمارة. أما أبي فمن المسجد إلى الدكان، ولأن الدكان شبه فارغ فهو دائماً نائم. وبين كلِ غفوةٍ وغفوة يسألني: هل اشتغلت؟ هذا هو مصيري منادم للعجائز، خاضعٌ لاستجواباتهم الطويلة والثقيلة».
لحسن الحظ اتضح إن العجوز ذو لغةٍ غريبةٍ خاصة، لا تفهمها سوى قبعته الواسعة، ورغم إنه انحنى واقترب وغمز بعينه فإنه لم يفهم منه شيئاً. ولكن بدت حركة عينيه غريبة مزعجة ولأول مرة يشعر بالانزعاج والغضب في هذا الجو المرح الزاعق الراقص. فلماذا يغمزُ بجلدهِ المتغضن الذي يشبه نسيج العنكبوت؟
«لو أن صديقي الشاعر كان معي لاختلف الأمر. ذاك الشاب الكهلُ الساخرُ من كلِ شيءٍ، أعجوبة هذه المدينة، يقولُ: مدينتنا تفاحة البحر، جدفنا نحوها، وغصنا إليها فأعطتنا سمك القرش. يشربُ وثرثرُ ويناوشُ النساءَ في الحارة، ويغرفُ منهن الشعر، وتلمعُ عيناهُ بالسعادة وهو في غرفته الوحيدة بين أكداس الكتب والورق والثياب المعلقة كالرجال المشنوقين. يظهرُ في النهار ويختفي في الليل، تجدهُ شهوراً طويلة ثم يختفي سنين. غرفته محكمة الإغلاق أحياناً، وأحياناً أخرى فارغة ليس فيها سوى وريقات ممزقة يلعبُ بها الصغارُ. وفي آخر مرة ظهر فيها لم يجد غرفة ووجد عمارةً كبيرة مكانها. أقولُ له: لماذا تهلك نفسك ألا ترى شعرك الأبيض أين أولادك وزوجتك وأسهمك وأحذيتك القوية وسيارتك الفارهة المكيفة وقمصانك النايلون؟ أفي كل مرة تقول لي: قصيدة، قصيدة! أهي امرأتك؟ هل تضاجعها ليلاً؟ هل تتأوه من اللذة؟ هل تقول: لم أشبع، قبلني، قبلني؟ ويضحك باكياً. هنا تتشقق اللغةُ، الحروفُ تغدو أطفالاً وأفراساً، والكلمات جزراً ونخيلاً مقطوعاً ومسامير في اليد وعصافير في القفص!
لو كان هنا لسخرنا معاً من هذا العجوز الذي يتأهب للرحيل وبلا خليل!».
نهضَ العجوزُ وتركهُ للفوضى الجميلة، قمصانٌ بلون الفراشات، فساتين هي حدائقٌ وحرائــقٌ متنقلة. البشرة ديناميتٌ لمن لا يذوق. ضحكاتُ الفتيات صهيلُ أفراسٍ مدربة على الوثب والقتل.
تطلع إلى المليونير الشاب يقودُ زهرتين من البار إلى سيارته يداه على الخصور وعيناه توزعان الابتسامات بالعدل والقسطاس. وأنظر إلى وكيل الوزارة العجوز الأشيب يحصل على فاتنة هي برقٌ ورعدٌ ومياه.
هل سيكفي الليل؟ ألن يتأخر عن الدوام وربما العمر؟
ارفع الكأسَ وأشرب في صحة الأسرة السعيدة! في صحة الحزن الوطني. في صحة العاهرات القادمات من كلِ فجٍ عميق. في صحة القواد والقوادين. في صحة الأخوة العرب القادمين إلى الأخوات العربيات!
«أنظر! يا إلهي ثلاث فتيات مثيرات الفوضى والهلع. حركاتهن رقص ودعوة مستعجلة للحب. تعالين، هنا الوحيد المحزون. ستشربن إلى الصباح. ولكن المشكلة بعدها أين سأذهب بكن؟ ليس لدي يختٌ ولا قصرٌ ولا فلل مفروشة وفارغة ولا مرسيدس بلون فستان الفتاة التي معي. لدي غرفة وحيدة فيها فراشٌ وحيدٌ تعبٌ أضنته أحلامي وآلامي، ولدي كرسيان مهزوزان، حاولت مرة أن أن أنتحر على واحدٍ منهما فسقط بي وأفشل محاولتي، وأحسست به يضحك عليّ ويقول: عشْ كما نعيش نحن في هذا البيت المقفر والحجرة الخربة!
لقد ذهبن إلى غيري. جلسن مع رجلين يلبسان الثياب العربية الرائعة، وليدهما كرشان يصارعان الطاولة الفقيرة بضراوة. وعلى سطح الطاولة هناك مظاهرة حاشدة من زجاجات الغرب والشرق وأنواع المزة. هنيئاً لكما هذا الفوز!».
تطلع يمنة ويسرة لكي يتحدث مع أحد. فرأى الحشد الهائل مشغولاً بالثرثرة مع نفسه، الأيدي الخشنة تتلمسُ الجلود الناعمة، والآذان البيضاء تصغي للأفواه الواسعة السمراء ذات الأسنان الصفراء، وثمة كركرة وكأن ساحراً ما يدغدغُ الجمعَ فيضحك ويتأوه ويشرب ويمضغُ ويشير إلى الساعة وينتشي بالرغوة والموعد المنتظر ويعد النقود ويوقع الشيكات المفتوحة ويهتفُ في سبيل عينك أيها الغزال الأبيض!
«أذكرُ الشاعرَ الذي جاء إليَّ في تلك الظهيرة. دق البابَ بقوة، قلتُ: ربما حدثت كارثة كالعادة. فتحتُ فإذا به يقول: هل لديك ورق أبيض؟ قلت: تعرف إنني لا أحتفظ به حتى لا أُتهم بأي تهمة، صرخ: لا تمزح، أعطني ورقاً، وإذا كان لديك شاي وسيجارة وسندويتش جبن فلا بأس!.. أعطيته ورقاً وسرقتُ من مطبخنا الشاي والخبز.
في ذلك الوقت كان لديه غرفة، والآن لا أحد يعرف. قبل فترةٍ وجيزةٍ كان ينتقلُ في بيوتِ الأصدقاء وعلى قوارب الصيادين النائمة على الشطآن. قلتُ دائماً: سيتحولُ إلى مجنون. ولكن ظني خاب، فها هو يبكي ويضحك، ويقرأُ الأشعارَ ويتجرأ على حبِ امرأة. في الفترة الأخيرة اختفى. كانت أمي تكرهه وتقول: لم يخربك إلا هذا الملعون! أيوجد أحدٌ يقبلُ أن يكون متشرداً؟ وحين اختفى راحت تسألُ الناسَ في الأزقة، بل وذهبت إلى البحر تسأل الصيادين، وحين لم تعثر على شيءٍ بكت في غرفتي وصاحت: إلا تبحثُ عن صديقك؟!».
ها هي امرأة تتقدمُ إليك. ها هو حظك المعتق يتفتقُ ورداً ورقياً ذاوياً. ها هي العجوزُ تسحبُ المقعد بخجلِ العذراوات وتجلسُ وهي تروض فستانها عن إثارة القلاقل. تواضعٌ، وهدوءٌ، وثقة.
تشربُ شيئاً من الويسكي وتدخن سيجارة. إنها ليست عجوزاً تماماً. جلدها كأنه مدبوغ تواً. ثنياته وتعرجاته كتضاريس أرضٍ جبلية. الخواتم الذهبية تملأ يدها، كمصابيح في مقبرة. وثمة عقد ماسي يتلألأ فوق صدرها.
نظراتها رغبة جامحة محمومة لم تروضها السنونُ ولا أشبعتها الأيام. لهفة على ماضٍ وخوف من القادم. رجاءٌ لهدنة بين الموت والحياة، بين المقبرة والزهرة.
تتطلعُ بدعوةٍ محمومة، تهزُ رأسها نحو الخارج، وتتشبث بالقلادة الماسية وتقول، قمْ، قمْ.
جاء حظك أخيراً. جاءك التابوت وأنت فتى تضجُ بالحياة. ولكن عليك أن تستجيب لدعوتها فلماذا تقبل الزنزانة الضيقة وأنفاس أصحاب الإبر والمساحيق والسطو؟ لماذا الخبز الجاف في الصباح والعيش الأبيض اليابس في الظهر والشاي الأسود الحامض في المساء؟ أتريد المرأة قبلة؟ أعطها إياه. رقدة في الهزيع الأخير من الليل؟ لا تبخل بها، فأنت لن تدري أين أصابعك ولن تعرف حديد السرير من جلدها!
تبتسم لها. وأخيراً تنطقُ بكلمةٍ مع أحد. وتقول: «نعم، معك أيتها الطحالب والأسنان الصناعية.. ما دمتِ ستدفعين الفاتورة كلها، معك إلى بوابة الفندق ربما، أو بوابة بيتك ولكن فيما بعد لا سيدتي!».
تكلمتْ هي أيضاً. صوتها كصوت آلة تقطع جيداً، شيءٌ يذكره بالسفن القديمة الخربة والماء يفتقها قليلاً قليلاً، أو بالرحى وهي تطحنُ.
تقتربُ وتهمسُ في أذنها:
– أنا معجبٌ بكل هذه الأناقة والجمال!
تبتسم المرأة بالفخر. تتلطعُ أنت إلى الآخرين فترى غزلاناً جديدة تمرحُ. فتاة طويلة ناعمة ذات وجهٍ بريءٍ كاعتراف زهرة بحب، تلتفتُ إليك وتبتسم. آه، ها قد حصلتَ على الأعجاب أنت أيضاً، ربما كان سخرية أو غزلاً. تغمزُ لها فتصدُ عنك باستياء. شــُنقت الفرحة!
قالت العجوز:
– أتحبُ أن تأكل؟
– إنني لا أريد إلا أن آكلك أنتِ!
وأضفتَ بالعربية «حتى أخلص العالم من شرك!».
دفعت المرأةُ الحساب وهي مندهشة لعدد الزجاجات التي أفرغها في جوفه ثم قادته إلى الخارج، واحتواهما المصعدُ لوحدهما. وكانت تنتظر قبلة حارقة مجنونة لكنه احترق من الرائحة وتمنى الهواءَ الطلق.
كان المطعم على سطح الفندق الضخم. تعريشةٌ من الضوء والخيام والطاولات الكثيرة الأنيقة المزدحمة بالأكل والأواني الغريبة والزجاجات والكؤوس البراقة. وكانت رائحة الشواء تسيلُ لعابَ النجوم الصغيرة المزروعة في مظلة السماء كالفقراء المحتشدين في الظلام، كالأيدي الممدودة في السوق والحارات والزحام!
قدموا لهما قائمة الطعام فلم يفهمْ شيئاً ولكنه وضع أصبعه على خطٍ منها وهو يبتسم. التفت إلى المدينة فرأى لؤلؤاً منثوراً وأضواءَ ملونة. اشتعلت البنايات والشوارعُ وجاءت ضجةُ الليلِ خافتةً مفعمةً بالندى كقطةٍ ناعمة الملمس. المدينة والسماء والبحر تسبحُ في الضوء.
أسكرْ مع هذه الحلوة وتمتع بالطعام اللذيذ. العجوز تسألك: ما هي أعمالك؟
«أسألي يا سيدتي البنطلون المرقع، دكان أبي الفارغ، سنوات التشرد الخمس، بشرتك التي أشعلها النفطُ، حارتنا المهجورة، أمي المجنونة وأبي الذي هدهدته التعاويذ!
لا أعرف لماذا صلبوني في الظهيرة. هل لأنني صديق المغضوب عليه: شاعر الحارة المختفي؟ ذلك الإبليس الذي لا يهدأ، والذي ربما الآن يطفحُ على مياه الخليج مع الزيت والدم؟
هيا انهضي أيتها الحلوة لأمارس عملي الجديد. عاشق للخريف والصقيع. الحاضرون يتطلعون إلينا بدهشة. موتوا بغيظكم أيها السادة. هل رأيتم أجمل من هذا الوجه؟
إنني أقبلها أمام الملأ، أنا فارسها الجديد، اضحكوا!».
يحضنها بيدهِ ويهتزُ قرب المصعد، ويرى المدينةَ تدورُ، المصابيحُ تعانق النجومَ والغيوم تهبطُ فوق المطعم، وكل شيءٍ غدا ناعماً وساماً.
ها أنت تمشي إلى السيارة وتترنح على المقعد وتندفعُ الشوارعُ في وجهك وتسمعُ المرأةَ تفحُ:
– هل أنت هنا يا حبيبي؟
« أنا لستُ هنا، ها أنتِ تقودينني إلى قصرك يا أميرة أحلامي، يا كابوسي، يأجوجٌ ومأجوجٌ أنتِ، خذيني برفق ودعيني أرى قصرك الكبير. إنه يكفي لحارتنا كلها يا سيدتي. أعطونا جناحاً!».
بركةٌ وأشجارٌ وممرٌ مفروشٌ ومغطى بالياسمين، وهي تمسك بذراعك وكأنها خائفة أن تفر في آخر لحظة ثم تدخلك غرفة نومٍ واسعة فتجلسُ على السرير وأنت تمسكُ رأسَك. بك دوارٌ وغثيان.
«المرأةُ تتعرى. ها هو الهيكل العظمي يرقصُ. الأفضل أن تطفئ الأنوارَ، لا، لا أحبُ أن أرى عاري أمامي!». لمسُ الجلدَ المتغضن، والنهدَ الميت ويدخل في نفقٍ مظلم، يرى أشباحاً تتطلعُ في وجهه، ويسمعُ صديقه الشاعرَ يئنُ وكأنه يتلقى ضربة قوية في صدره، يودُ أن يمزقَ جلدَ العجوز، لكن النفق طويل ومتعب، ومرة أخرى يتأوهُ الشاعرُ وهو يتلقى طعنة سكين في خاصرته، الشعرُ والدمُ والتأوهاتُ تذوبُ معاً وتشكلُ ناراً يحسُ بلسعها في عينيه، يودُ أن يصرخ في وجه المرأة لكنه يمضي، يحسُ بنفسه يغوصُ في الوحلِ ويحسُ بمذاقهِ كما لو كان حذاءاً يعبرُ مستنقعاً.
العجوزُ فرحة وسعيدة، عصارة الشرق تنتقلُ إلى جلدها المتيبس، تتوهجُ قليلاً، تعضُ صدره بأسنانها الصناعية، تطلبُ المزيد والمزيد، لكنه تجمد، شعر بفداحةِ الثمن، بصرخاتِ الشاعر وهو يحتضرُ والأحذية فوق وجههِ، بصراخ الحارة وبكائها، ولكنه لا بد أن يعطي عصارته للجسدِ المتجمدِ، لا بد أن يكمل الرحلة التي طالت، وهو يحسُ إنه يقتاتُ بنشارة الخشب ويشربُ دموعه.
فتح عينيه وإذا بالضوءِ الساطعِ يملأ الغرفة، وإذا عصافير قرب النافذة وهو عارٍ ومغطى بالدثار. أحس كأنه فتاة تفقد عذريتها مع كلب، به رغبة شديدة في الهرب.
جلسَ فدهشت العصافيرُ ثم طارت خجلةً. الضوءُ يدلُ على تأخر الوقت. بحث عن ساعة فوجد أنها الثانية بعد الظهر. كم أمتصتهُ العجوزُ!
تــُروى في الحارة قصصٌ غريبةٌ عن الذين ينامون مع العجائز. أحدهم مات بعد أسبوع وآخر جن وثالث غرق في البحر!
يخيلُ إليه أن الشاعر لم يمتْ. موجودٌ في مكانٍ ما. مختفٍ عن الأنظار. يبعثُ قصائدهُ إلى محبيه. ذات مرةٍ اختفى ثلاث سنين كاملة، وكانت تصل منه الرسائلُ والقصائد، فيكتبها بخطٍ أنيق ويرسلها إلى الجرائد التي لا تنشرها. كانت أنفاسهُ تتجولُ في الأزقة. وتظهرُ صورتهُ هنا وهناك. وفي ليلةٍ قرأ لأمه قصيدى فحفظتها وبكت. يودُ أن يبكي. يحسُ بكآبةٍ خانقةٍ. لا فائدة من النور والعصافير والشوارع والزهور.
جاءت العجوزُ مبتسمة، متألقة. سألها:
– ماذا يعملُ زوجك؟
– إنه مهندسٌ. ها قد جاء الآن ويحسن بك أن تذهب وتأتي في الليل.
– هل يوجد بابٌ خلفي؟
– لا، أخرجْ من الباب الذي جئنا منه.
ثم وضعت في يدهِ ثلاثين ديناراً. اندفع بقوة ورأى وجهه ممزقاً في مياه البركة الزرقاء. ثلاثون ديناراً؟ عندما كان الشاعرُ ينشرُ قصيدة كانوا يعطونه خمسة دنانير. لماذا لم يترك الشعرَ ويعمل مثله؟
سمع صوتاً خلفه، فوجد الرجلَ العجوزَ يناديه فأسرع إلى البوابة واندفع في الشارع، كانت الشمس قد استولت على السماء، أبعدت النسمات الصيفية الرقيقة وأوقدت الأرضُ فتصاعد وهجٌ وحشي من أسفلت الشارع، أحاطت بهِ دوائرٌ من اللهب والعرق. سمع صوتاً خلفه أيضاً، أبصر العجوزَ يطارده بسيارته، راح يركضُ على الرصيف المشتعل، يودُ أن ينتهي من هذا الألم، من هذا الزحف على الرمل المحترق، تساءل: هل سيطلقُ عليه الرجلُ رصاصة صامتة في ظهره؟
«أودُ أن أموتَ حقاً ، ولكن على طريقتي الخاصة!».
اقتربت منه السيارة. توقف لـه. رأى العجوزَ يبتسم ويغمز بعينيه أيضاً!
بصق عليه واندفع يجري إلى بيته. تناول حبلاً ودخل غرفته. تحسس الكرسي فوجده قوياً وعابساً. عمل مشنقة وسمعَ أمَهُ تناديه وتسألهُ: أين كان البارحة، وهل بات في أحد مراكز الشرطة؟
أسرع بتعليق حبل المشنقة في المروحة. وجده قوياً وثابتاً ويصلح تماماً خاتمة لحياته. وضع المشنقة في رقبته، وما عليه الآن إلا أن يدفع الكرسي ويتأرجح في الهواء. البارحة كان أقصى حلمه أن يدخل زنزانة..!
أليست الحياة جميلة؟ أليس غداء الوالدة لذيذاً؟ يجب أن ينسى العجوز ودنانيرها. أحكم الحبلَ حول رقبتهِ وسمع خطوات أمه تقترب.
سمعها تقول:
ــ أين أنت؟ ألا يجب أن تذهب لتهنئة صديقك الملعون بسلامة
ــــــــــــــــــــــ ツ 4 – سهرة «قصص»، 1994.
❖ «القصص: السفر – سهرة – قبضة تراب – الطوفان – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».
دهشة الساحـر ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
كانت ضجة عنيفة على الباب.
لملم العجوز أطرافه المبعثرة بين النوم والحلم، وتعكز على ظلال الظهيرة، وفتح، وفوجئ بانهمار مطر بُني من المفتشين ورجال الشرطة.
وُضعت زجاجات الكافور والزعتر والورد، وارتجافات المواليد، وشظايا أماني العمر المديد وحبوب البصر، في الأكياس.
لم يكن هناك في الحي من يرمق المشهد.
الأغراب الذين سكنوا وصاروا رجال المليشيا، والجبليون المغمغمون بلغة رهيبة، لم يكونوا يدرون به.
كانت الشمس وحدها ساطعة مثل مليون قنبلة.
تعثر طويلاً ليركب «الجيب». كانت أبعد مشاويره «الخباز» ودكان الأصحاب، وسطح بيته المهُاجم بدوي المكيفات.
في المكتب واجه وجهاً بارداً مغسولاً بغبار الكولونيا. تراءت وراءه الكتب والمناظر الأجنبية. ثمة نباتات غريبة تغمغم.
تأمل الطبيبُ المسئولُ المشعوذ، وهتف في نفسه: «الآن وقع في قبضتي! يا لثارات تلك الأيام المرتجفة من خطواته المخيفة، ونظراته الميدوزية القاتلة!».
فكر كم مضت من سنوات وهو لم يزر الحي، منذ أن حمل والديه المنهكين من السنين فوق كتفيه وحط بهما في برية قاحلة، بمنزل واسع مريح لا يدنو منه القذرون.
في تلك الليالي البعيدة، حيث تلسعه عصي الأولاد الأشقياء، وألعابهم البذيئة، سمع بانتهاكات هذا الساحر للأجساد والأرواح. إنه المخيف الذي لديه أسرار الحي، وأعشابه تكوّن دورة المواليد، وتهيئ الذكورة، وتُعطي القطط السوداء أرواحاً ثامنة.
قال الطبيبُ:
– يا سيد أنت متهم بالقضاء على حياة إنسان. دمرت جنيناً في بطن أمه. هذا إذا تغاضينا عن ممارستك للشعوذة والتطبيب بدون ترخيص.
لم يسمع صوتاً. كأن العجوز غرق في مقعده. تهدلت كوفيته على جبينه، وبانت يده المعروقة محفورة بأخاديد بيضاء وارتجافات زرقاء. ثمة يد كأنها ثعبان مسالم.
انتبه العجوز إلى دوي المكيف، ورأى النبات مذعوراً، وثمة سحابة من الكيمياء الخبيثة في جو الغرفة. الكتب ضخمة وعناوينها مثيرة. لم يستفد من عمره المديد ورحلاته للدخول فيها؟!
سأل الطبيب:
– أتسمعني أيها الرجل.. أنت في موقف خطير، ولا بد أن تدافع عن نفسك؟
وقع نظر العجوز على أسم الطبيب. دُهش. انطلقت به طائرة نفاثة في محيط من الصور والمشاعر، وبرزت أعمدة النور الأولى في غابة الأكواخ. ورأى خطواته تتبعثر مع قنديل في زقاق ضيق، ورجل مذعور يحاول أن يقوده إلى كوخه. كان أنين الأم يسبق الريح.
أعاد البصر على وجه الطبيب، فرأى قناعاً من البلاستك اللدن الموشى بالعظم. وبدا جمهور كثيف من الصغار يسن الرماح ويذوب في الزمن.
في زمن كان النخل وحده مسئولاً عن التراب، جاءته امرأة حزينة. لم تخطُ أبداً إلى منزله. كانت مذعورة، وعريشه كان مواجهاً للهواء والبحر والسفر. أدخل في جوفه الزجاجات والأعشاب والمخطوطات العتيقة. هناك كان يكلم أبن سينا والعيون المنتفخة وارتعاشات النسوة الغامضة.
وكانت الأكواخ وحدها تمتد متحدةٍ ببرية معادية وسيول جارفة، وتمشي النخلة فوق الثرى مكونةٍ الحياة.
أدنى المرأة، ولم يتحسس مبيضها، وغمرها بأسئلة داخلية عميقة، فاكتشف أنساغ الدم الوافرة، وضجيج الخصب ونداء الأنوثة الشاهق.
قال:
– ليأت زوجك إليّ.
ازداد ذعر المرأة. همست:
– زوجي لا يعرف إني جئت هنا، ولو عرف لذبحني..!
يتذكر الآن كيف شهق. وتذكر رحلاته المريرة فوق «الأبوام»* الخشبية المتقلبة في عباب المحيط الهندي، وتجار الذهب المهّرب والعبيد الذين نجوا بفضل أعشابه وإبره، وكيف ساح في الهند ملتقطاً حبوب وبذور المعرفة من أشداق الحيتان واللصوص والحكماء.
صار شوكة مَرةً، وقمحاً وموقوفاً ومديوناً وهارباً مرات. كان يسأل الله والملائكة والنجوم أن يعود إلى أرضه. أعطته الهجرة جلد تمساح وقلب عصفور. أصبحت خرقه وجيوبه وتلافيف أعصابه مشحونة بمسحوق نوراني يجعله بين الأرض والسماء.
شعوذ واغتصب المال وحوّل النساء إلى شراب نبيذي يومي، وانشرخ بأسئلة مرعبة ليصحو في الظهيرة موزعاً الماء والخبز والمال، وليحضن الصبية والصبايا المجدورين، ويقلع عينيه في الكتب الصفراء ليعرف الأوبئة ومدافع الغزاة ترج المدن.
والآن بعد كل هذا الخضم الدموي، لا تزال الشكوك تطارده، والمرأة الأرض العطشى للخصب، تطالعه بخوف وتخشى أن تحدث زوجها!
كان لا بد أن يصرخ ويتهمها بالجهل والجبن، ويعطيها عشباً سرياً للكلام.
جاء الزوج بعد شهور، مرتبكاً منهاراً مسلماً جسده للغموض.
امتدت أصابعه إلى عروقه، وقرأ سائله الشاحب، المتكسر، وكان جسده متوحداً مع الآيات والصلوات، مُشكّلاً صَدَفة كبيرةً من المحرمات والمخاوف، وكان يكره المشي في الليل وغناء البحر وألعاب الطفولة وبيض الطيور وارتجافات النهود.
سحبه إلى رقص الأخطبوط ذي اللحم الأبيض الفاتن في الأرز، ولاختباء السرطان في الرمل وفي سوائل البهار المشتعلة، وسّرب نسغاً من النبيذ الغائر بالرغوة والشهوة إلى أخاديده الشاحبة، وأعطاه أجنحة الطيور ليضع أعشاش الحب والإنسان.
بعد شهور جاءه صاخباً، ساحباً تيساً يضج باللحم والفحولة، وأعطاه إياه وهو يصرخ:
– حبلت امرأتي!
⊛ ⊛ ⊛
كان الطبيب يتأمل المشعوذ مستغرباً، فلم تبدُ على الرجل علامات الخوف. وبدا واثقاً، شامخاً، يجلس في قمة مضاءة بالهدوء والتعالي. كان يود لو ترنح، وصرخ، وطلب الغفران، مثلما يفعل كل المشعوذين والسحرة.
لقد أُعطي مهمة أن يسحق الدجل في المجتمع، ولم يبق الآن دجالون، صحيح أن بعضهم تحول إلى لصوص وقتلة، لكنهم تركوا الطب إلى الأبد.
كان يود أن يقول:
– أيها الرجل تستطيع أن تعترف وتتوب لنخفف عنك العقوبة!
لكنه توقف. أحس كأن عيني الرجل تتكلمان بقوة، وتلك الأخاديد العميقة المحفورة في الزمان والمكان، ترسل برقيات متلبثة إلى كائنات غير مرئية.
أهو ريش الطيور يتحرك خادعاً الغزاة أم موج البحر يهدي القواقع إلى الأطفال؟
أم هي أرجل الصغار المجلودة في الكتاتيب، والأسياخ المحمرة الداخلة في أجسادهم مانعةٍ الأشباح والعيون؟!
كان زمناً يخنق شبحُ النخلة فيه هرولات الصغار، وتُلقى سبع نوى تمر في عين الشمس بديلاً عن حليب مفقود.
وهذه هي فزاعات ذلك الدهر؛ هياكل عظمية لا تزال تجرجر ذيولاً دامية على موائد الفطور.
الآن يتذكر الطبيب لماذا تملكه كل هذا الحقد على النفاثات في العقد؟ في ذلك العريش امتدت له يد صلبة، قطعت جزءً حساساً زائداً من جسده.. الآن تنمو ألوان الإزار البشع، والوجه القميء ويقع في قبضة شبحها المطل. وراح ذلك الألم يكبر مع جزعه المتطاول، وغرفته البعيدة عن صوت الشارع، وتفاقم تلعثمه الدائم، وخجله الحزين، وكان يقذف حجراً دائماً فوق ذلك الوجه المتواري المراوغ، ألا يشبه هذا العجوز؟!
أدمن النيتروجين والأوكسجين وأنابيب الاختبار ولغة المناطيد المحلقة في السماء العذراء، وسبح مع الدلافين المحملة ديناميت لنسف مغارات الظلام، وجاء بجبال من المعادلات والأجهزة، وراحت قبضته تطارد الخفافيش في كل مكان.
الآن عليه أن يرتاح فقد أنجز مهماته، وكون خريطة من النور والرماد.
كان العجوز غارقاً في النوم والحلم.
كانت غابة من الوجوه والأزهار وراء سماده. سحابات تضحك وهي تحصد جداول الضرب. وهو غارق في مياه، يحاول أن يصعد ويتكلم، إلا أن بالونات الهواء تنفجر بعيداً عنه، ووجه ضخم ذو نظارة بحجم بارجة يحاصره في القاع.
——————–
* الأبوام _ البوم : السفينة الكبيرة
5 – دهشة الساحر «قصص»، 1997.
❖ القصص: «طريق النبع – الأصنام – الليل والنهار – الأميرة والصعلوك – الترانيم – دهشة الساحر – الصحراء –الجبل البعيد– الأحفاد – نجمة الصباح».
الدرب ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
إلى أين يسيرُ هذا الطابورُ الدامي الأقدام ؟
لا أثر للقرية أو القصر أو البحر أو الحدائق أو النسمات الشمالية ، تلالٌ من الرملِ وحقلٌ من النخيل الشيطاني ومرتفعاتٌ صخرية ومنخفضات كأفواهٍ جائعة ، والشمسُ هذا البركان المتنقل المتفجر يرسلُ قذائفهُ في الوجوه وهذا الطابورُ يزحفُ بمعاوله ورفوشهِ وجرارتهِ وخيامه وعرقه وأرقه وصرخاته وسياطهِ مجتاحاً الرمال والأعشاب والصخورَ والتلال والنخيل ، خيوطاً من الدخان تعلو فوقه ، يشقُ طريقَهُ مخلفاً خطاً أسود ودماً وعظاماً وبقايا الطعام . .
واجهنا حقلٌ من النخل ، جذوعٌ منتصبة بانحناءات مكسورة ، مجموعة من الشيوخ الشحاذين على أبواب الصحراء . . تمدُ أيديها للماءِ ولكن البلدوزر الأصفر يمدُ لها لها أسنانـَهُ . . تجتاحُ الأعشاب . . يجتاح الأعشابَ والفسائل الصغيرة يقطعها بحدة وقوة ، ننظر إلى الشمس الصاعدة نحو قلبِ السماء ونخفضُ رؤوسنا بسرعةٍ ، إنها تعصرُ القلبَ وتشربُ الدمَ .
يطعنُ البلدوزر النخلة الشامخة ، تلك التي تنتصبُ في عمق الطريق ، يجأر بالغضب وهي تقاوم بصلابة ، يتناثر ( الكرب ) فوق الأرض وتنتزعُ الأسنانُ تلك القشرة السوداءَ لتصلَ إلى البياض الجميل ، تنحني النخلة قليلاً ، تغوصُ الأسنانُ ، يرهفُ السمعَ إلى الأرض اللامبالية . .
أقطعُ بذوراً ، أجمعُ حجارة ، أصطدم بعامل آخر . .
جوزيف ينحني لي باتسامة جميلة ، كوجههِ الوسيم . . اكتسى سمرة الهند الجنوبية ، نتعاون على قطع نخلة صغيرة ، نضربها بحدةٍ وغضب ، لكنها لا تتأثر . . أرى البلدوزر يتراجعُ عن النخلة العملاقة ، ويفاجئها من الخلف بضربةٍ حادةٍ ، تهتزُ ، ضربة أخرى ، لكنها لا تسقط ، العامل الأنليزي الذي يقودُ البلدوزر يصرخُ بهياج ، نسمعهُ فنحفر لنخلتنا ونقطعها من الأسفل ، يتراجعُ الأنكليزي ويطلبُ من العمال الأنتباه . . يهجمُ بضراوةٍ ، تقطع السكينُ الضخمة النخلة فتتهاوى جثتتها بصخبٍ ، ننطلقُ إليها ، نرفعها بسرعةٍ وخفة ونلقيها حيث تجمعت الجذوعُ في مقبرة هائلة . .
تحتشدُ السواعدُ ، تتقاربُ أجسادٌ كثيرة لمئات الرجال ، العرقُ ينضحُ ويغسلُ الخرقَ الكاكية اللون ، الجذوع تــُقذف بعيداً ، الحصى يــُنزع ، الجذور تــُقلعُ بعنفٍ أو تــُقطع أو تــُحرقُ ، بقايا البركة تــُهدمُ وتــُسوى بالأرضِ . أنصتُ إلى صيحات الأطفالِ الذين كانوا يغوصون ويتسابقون من أجلِ حبة لوز ، يتذكرُ جوزيف مدينتَــهُ الكبيرة التي قدم منها ، إنها باتساع هذا الرمل وذاك البحر ، والبشر أنهارٌ تصبُ في كل مجرى ، والغاباتُ الساكنة قرب الجبال ، الخضرة بامتداد النظر ، الورقة الخضراء صفحة من كتابٍ مقدس ، والمطرُ والأنهارُ والمعابدُ والقلاعُ القديمة ومصنعهُ الذي غادرهُ ، وأصدقاؤه وزوجته وطفلتاه ، يضربُ الأحجارَ بعنفٍ ويرملُـها ، يتوقفُ ، يدخن ، يميلُ قبعة القشِ نحو عينيه ، يقول :
ــ يا للشمس ؟ ! نحن لدينا شمسٌ مؤذية ولكن ليست مثل هذه ؟
ذهبتُ مراراً إلى غرفتهِ الوساعة ، حيث عسكرَ جيشٌ صغيرٌ من زملائهِ ، أصطفتْ الأسرة قرب بعض ، فــُتحت النافذة على مصراعيها ، وأنهالت موسيقى الرقص والغابات والجبال والثلوج . . يحدقُ في السقف طويلاً أو يرمقُ صورة العائلة المشتركة . . ما أجمل وجه زوجته ! تنطقُ العينان والقسماتُ والفمُ الصغير والأنف الجميل : ( تعال ! ) ، يتأوهُ بحدة ، ويسحبُ علبة البيرة وينفثُ الدخان . . قطارٌ صغيرٌ يمضي في البحر أو الرمل وهو يلوحُ من بعيد عبر النافذة ، تضيع حقيبتهُ في المطار ، يقرأ نص العقد فيفاجئ بالغرفة الجماعية ، ينتظر دوره للحمام وهو يئنُ من الألم . . يلوحُ لزوجتهِ وتضيعُ ملامحها في النهر البشري المتدفق ، يتذكرُ إنه نسي أن يقبل أبنته الكبرى لآخر مرة ، يرفعُ يدَهُ ، يصرخُ ، وينطلقُ القطارُ ، تضيعُ صيحاتهُ في الأجواء والزحام والمطارات والتأشيرات والتفتيش والحجر الصحي وعقد العمل الغريب واللغات والوجوه المكفهرة ، ينهارُ على فراشهِ مفرغاً العلب والنقود والشجائر . .
يقتربُ رئيسُ الملاحظين الأنكليزي (ديفيد) ، يخزنا بإحدى عينيه ويهزُ العصا في يدهِ، أكتسي بالعرق :
ــ لا أريدُ أية أحاديث أثناء العمل !
طالما رددَ هذه الملاحظة ، أمس تشاجر مع عامل وضربه بالعصا ، توقفَ العمالُ لحظة وهم يسمعون شجاره مع الرجل ، تصاعدتْ صرخاتهُ ، هجمَ بحدة ، تحاوط الملاحظون العمال ، دفعوهم نحو العمل ، مهدنا الأرضَ بصمتٍ ، سمعنا عويلَ الرجلِ ثم رأيناهُ ينهضُ وينفضُ الترابَ ويندسُ في الجموع . .
استوت الأرضُ تماماً ، اختفتْ البركة والأوراقُ والجذورُ ، فرغتْ الشاحناتُ حملتها من الأسفلت . . اقتربنا من فلسعتنا أنفاسهُ الحارة ، غرفنا برفوشنا ونثرناهُ . . أيدٍ كثيرة ، تلالٌ سوداءُ عديدة ، بخارٌ يتصاعدُ ، أحسُ بوجهي يشوى ببطءٍ وبلا توقف . . كم بحثتُ في المكاتبِ عن عمل !
زاحمتني الاكتافُ والرسائلُ ودخلتُ مكاتبَ باردة كالثلاجات ، رمقتني السكرتيرات بلا مبالاة ، سرتُ على الأرصفة ، قرأتُ إعلانات الصحف ، ثم فتحتْ الشمسُ ذراعيها الطويلتين وضمتني ، تمددَ الأسفلتُ على الطريقِ النامي . .
بدأت الصحراءُ تسقبلنا ، الرملُ الأصفر لا نهاية له ، ثمة تلالٌ وحفرٌ وأتربة ، الطابورُ يغادرُ مكانَهُ ويمضي ، ثمة حفرٌ واسعة علينا أن نردمها . . الآلاتُ والرجالُ تنطلقُ حيث تكومَ الرملُ . . جوزيف أيضاً معي . يبدو أن تعباً عنيفاً قد تسلل إلى هيكلهِ الصغير . . يملأ الشاحنة بالرملِ ببطءٍ . .
أغرفوا ، أغرفوا ، أملأوا هذه الحفر بالرمل ، الطريق لا يعرف أحدٌ إلى أين تقود ، بعضهم يقول إلى قصرٍ فضخم ، البعضُ الآخرُ يؤكد إنه إلى جسرٍ ، أغرفوا ، أضربوا هذه التلال ، يتطايرُ الغبارُ ، أسمعهُ يتألمُ من عينيه . .
روى لي جوزيف إنه كان مدمناً على القراءة ، في المصنع الذي عملَ فيه اكتشف أشياءَ كثيرة ، الحروفَ وأسرارَ الكلمات ، الأصدقاءَ ، السواعدَ التي تقفُ معاً ، الابتسامات الطالعة من القلبِ ، جلساتِ الغناءِ والاكتشافاتِ والرحلاتِ ، كان المطرُ والشمسُ الهادئة ، كان الشتاءُ والمعاطفُ والجمرُ ، الطفلتانِ والأمُ والسمرُ ، هناك غرفتاه الصغيرتان ، أكتملَ كلُ شيء وراءه ! كيف وجدَ نفسه فجأة في صحراء يشتعلُ رملُها وتقذفُ سماؤها الحمم ؟
عيناهُ ، كأنهُ لا يرى ، يقذفُ الرمل بعيداًعن الشاحنة ، يملأ وجهَ أحدَ العمال ن يشتمهُ الآخر ، يقتربُ ديفيد منه ، يهزهُ بعنفٍ :
ـــ ألا ترى جيداً أيها الغبي ؟
ــ امتلأت عيناي بالغبار . .
ــ أهذه خدعة للراحة ؟
من جديد يغرفُ ، الحفر عميقة كالآمال الخائبة ، الشمسُ استوت فوق السماء ، اندفعَ اللهب من الرمل والقار . . الأعماقُ الخائبة لا ترتوي بالرملِ ، لم تعد لديهِ كتبٌ هنا ، في النهار تحت الشمس ، في الليل يقدمُ المشروبات في البار ، الدخانُ والسهرُ والأهاناتُ والتعبُ والرغبة في النوم والرحيل ، ومرة أسقط كأسَ البيرة المليء في حضن رجلٍ فلكمهُ بقوةٍ ، سقط تحت الطالولاة ، كانت الأشياءُ كلها تدور حوله ، الكؤوس والوجوهُ والمصابيحُ الصفراءُ والكوفياتُ البيضُ والطاولاتُ ، أحس بنفسهِ يرتفع ويحلقُ في الأعالي ، كأنهُ يجثمُ على مقعده في الطائرة ، كأنهُ يمدُ يدَهُ من القطار ويتذكرُ إنه لم يقبل أبنيته الكبرى المريضة ، لم يودع أصدقاءه في المصنع ، أخذت الأضواءُ الخافتة تدورُ كالزنابير ، الوجوهُ تدورُ ، كانت اللكمة موجعة وحد الطاولة موجعاً ، الندل يغسلون ثوبَ الرجلِ الذي راح يدور ، أبصر نفسَهُ يغرق في بحرٍ عميق من البشر والأحجار والزجاجات الفارغة . .
اقتربتْ سيارة فخمة منا . . أزيحت ستائرٌ داخلية وأطل وجهُ رجلٍ عجوز . . طالع ما أنجزناهُ بغضبٍ واضح. . ثم اندفعتْ العجلاتُ الأربع وأطلقت سحابة غبار عارمة . .
نصف ساعة الغداء ابتدأت . تجمعنا في الخيام الكبيرة المنصوبة . تزاحمنا في بقعةٍ ضيقةٍ وظهرت أكلاتٌ من الجنوبِ والشرق والغرب . تصاعدت الشكاوى والضحكات والآمال ، قال أحدهم : إن رجلين أصيبا بضربة شمسٍ ونقلا للمستشفى . كم تمنى جوزيف أن يصاب بضربة شمس ويرتاح عدة أيام ! أمس حطم ديفيد وجهَ رجلٍ رفض أن يعمل ، سمعنا صيحاته ، نظرنا إليه ، كانت الأيدي تمسكُ الرفوش والمعاولَ وتقودُ العربات والآلات ، ثمة لحظة خاطفة توقف فيها كلُ صوتٍ ، تلك اللحظة الغريبة التي لم يمسعْ فيها سوى الضرب ، وقفت الأيدي لحظة حدادٍ على شيءٍ مبهم ، أنصتنا غلى الرجل وهو يبكي ، الرجلِ ذي اللحية الكثة واسمال الجبال ، بدا أن النشيج قد انبعثَ من الشمس والأرض والتلال والخيام ، ملأ الصوتُ الفضاءَ. . استحالت اللحظة الخاطفة إلى وقتٍ طويل لا يريدُ أن يفضي إلى نهايةٍ . نظرنا إلى بعضنا البعض ، رجالٌ سود وصفرٌ وبيضٌ ، أنبتتنا جبالٌ وأنهارٌ ومدنٌ وصحار ثم القانا التيارُ الصاخبُ في جدولٍ ضيق . النظراتُ تقتربُ ، تكونُ شيئاً غامضاً ، كأن الأيدي تمتدُ زتتجمعُ . لكن البكاءَ توقف ، واستعادتْ الضجة مكانَها المفقود ..
انتهت نصفُ ساعةِ الغداء الخاطفة ، فترة لذية رغم التكديس في الخيام . غفوة صغيرة منعششة . لم تزل الشمسُ مرابطة فوق العيون ، لا نسماتٍ ، لا طيورَ ، لا نخيلَ . أسربة وأتربة وأفعوانٌ أسودٌ يزحفُ إلى جهةٍ مجهولة . قالوا إن الطريقَ يفضي إلى قصرٍ عالٍ في الصحراء ، وأنه ينتظر قدومَ مالكهِ من رحلة شهر عسل. قالوا إن زفافاً مذهلاً سيبدأ فيه . لم يعد يهمني شيءٌ في هذه الحياة ، سرتُ وسرتُ وركضتُ في الطرق ، بحثتُ عن عملٍ حتى أهترأت أصابعُ قدمي ، أنحنيتُ أمام تاجر سلعٍ مهربة ، انتظرتُ أياماً أمام بابِ مقاول ، حتى خفتَ صوتي . لا يبدو أي قصر في هذه الآفاق ، وعلنيا أن نهرولَ في هذا الرمل المجهول . حثتني زوجتي على أن أصمت دائماً ، أمسكتني بحدةٍ وهي تصرخُ ، خرجتُ من المنزل لاعناً كلَ شيء . .
زحفنا ، جاءتْ الشاحناتُ وألقتْ الأسفلت . الملاحظون انطلقوا يعنفوننا على الكسل والأحاديث ، ارتفعت عصيهم وأصواتهم ، أندفع الطابورُ الهائل إلى تلالِ القارِ المتكومةِ ، راحتْ الرفوشُ تأكلُ الوجبة السوداء بنهم ، تتصاعد الأبخرة وهو ينــُنثر على الأرض . .
اقترب مني جوزيف وقال :
ــ لا أستطيع أن أحتمل أكثر . .
الكلمات التشجيعية تتبخرُ في هذا الجو . سقط عاملٌ على الأسفلت . أندفعنا إليه ، غاصَ في القار وشوى ظهره . يتكلمُ بلغةٍ رنانة كالعصافير . نزعنا قميصه ورأينا آثاراً حمراء وانتفاخات في كلِ جسده ، يرتعشُ . أخذناهُ إلى إحدى الخيام . الملاحظون يدعوننا إلى ترك الرجل فوراً .
يتقدمُ ديفيد بحنق :
ــ عندما يسقط رجلٌ لا أريدُ أن أرى أحداً يقتربُ منه . .
يفضُ الصفوفَ بعصاه ويديه وبصاقهِ وشتائمهِ . نعودُ . أنصتُ إلى طائرٍ متعبٍ يرفرفُ في السماء ، يطلقُ نداءاتٍ من أعماقهِ إلى كائناتٍ بعيدة ، إلى أين تريدُ أن تمضي في هذه البراري الموحشة ؟ يلتفتُ جوزيف ويصغي . يقتربُ طائرٌ آخر ، ظهرَ من لهيبِ النار الذائبِ في الهواء . يمضيان معاً ، ويتغلغلان في الضوء..
أي هدير لهذا الطابور ؟ اهتزتْ الأرضُ ، ترنحتْ التلالُ من المعاول وآلات الحفر ، حاولتْ الصخورُ أن تصدَ التوغل ، أطنانٌ من الحصى تــُقذف بعيداً ، الطريق يبدأ خطوة ثم يستعُ ، العرقُ والكره لكلِ شيءٍ والحقد على الناس والحجارة والشمس والقصر والأكواخ . ذات ليلةٍ تـُضاءُ بقعة كبيرة في الصحراء ، تأتي قوافٌ من السيارات الفخمة ، عبر الطريق ، تنتشرُ المضاربُ حول البيت الفخم المتلألئ بالأنوار والنساء ، تشتعلُ النارُ تحت السفافيد والقدور الكبيرة السوداء ، رائحة السعف المحترق والشمبانيا والكافور تهفهفُ مع الريح ، دقاتُ الطبول والدفوفِ وضجة الجاز تسري في الصحراء الباردة . . هل سيرى المخمورون النائمون على مقاعد سياراتهم أية عظام على الطريق ؟
تتناثرُ الصخورُ بعيداً عن الطريق ، يريني جوزيف كائناً غريباً يزحفُ هارباً . كان ضباً كبيراً مذعوراً . قالت لي أصمتْ فصمتُ . اندفعتُ في الشوارع وأرصفة الميناء ، دخلتُ المكتبَ الأنيق فقال لي الرجلُ إننا نريدُ أن نوظفك ولكن . .سرتُ بين الحديد الخردة ، واسترحتُ في الظل ، قرأتُ في الجريدة ، أبصرتُ ألسنة مقطوعة وأنفاقاً مهدمة . .
سقطتْ قبعة القش التي يلبسها . يمسكها بصعوبة ، وجهه احتقن بالدماء في حمرة النفط المشتعل ، أضواءُ الآبار تسحبهُ من زحمة البشر المتكدسين . يلقي الكتابَ جانباً وينطلقُ ، القطارُ ضجة مدوية في الآفاق الخضراء ، قالتْ زوجتي : أصمتْ ! تضيعُ الحقيبة والحقيقة ويشعرُ بأنه طفلٌ ضاعَ في غابة ، قالت زوجته : تعالْ ! لم يرسلْ بطاقة العيد للأصدقاء ، ترنحَّ على الأرض ، ترنحَّ المعولُ والقبعة ، أمسك حجراً دخلَ في كتفه . . لم يتجمهر العمالُ حوله ، سرتُ نحوه ، الملاحظون تنبهوا ، سمعتُ نداءات خلفي ، خفتتْ الضجة قليلاً ، كان جوزيف بلا حراك ، كأن حربة سحرية ثقبت رأسه ، رفعتهُ ، نداءات وصرخات حولي ، توقفَ البلدوزر ، ورأيتُ النخلة تنحني ، قلتُ : سأحملهُ إلى الخيمة ثم أعود بسرعة ، دفعني أحدهم بقوةٍ ، رأيتُ ديفيد فوق رأسي ، خفتُ . .
ــ قلتُ لا تفعلوا ذلك !
ضربني بحدة على كتفي بعصاه . جاشَ صدري بماءٍ حارقٍ ، أستكنتُ وأنا أمسكُ حجراً ، النخيل المحتضر ، الضبُ الهاربُ ، البار الطاولة التي سقط تحتها جوزيف ، تدورُ ، الشمسُ التنورُ ، طابورُ العمال الصامت يدورُ ، اللافتاتُ ، إعلاناتُ الجرائد .
ــ لا يحقُ لك أن تضربني !
ــ أخرس !
حركَ رأسَ جوزيف بحذائهِ . أمسكهُ من ياقتهِ بعنف :
ــ انهض !
الرجلُ لا يقوى على الوقوف ، يضربهُ ، يصرخُ بهِ أن ينهضَ ، يضربهُ ، توقفت المحركات ، الرجلُ يسقطُ كخرقةٍ . تسكنُ الرفوشُ والمعاول . يتقدم عاملان نحو الخيام . صمتَ كلُ شيء . النظراتُ تلتقي . لغاتٌ عديدة تتكسرُ في النورِ الباهر . ثلاثة عمال يتقدمون أيضاً . الملاحظون ينتشرون . صرخاتٌ غاضبة تترددُ في البرية الشاسعة . لكن الصمتَ عادَ يلفُ كلَ شيءٍ .
ـــــــــــــــــــــــــــ ツ 3 – يوم قائظ «قصص»، 1984.
❖ «القصص: الدرب – أماه… أين أنت –الخروج – الجد – الجزيرة».
التـــرانيم ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
اقترب الطبيب من مريضه المتشنج.
ثمة جسد منفلت من الإيقاع. أطرافه تمتد من الأفق إلى الحريق. عيونه تستصرخ كائنات خفية، وأصابعه تلمس الرماد وبقايا الأحذية.
الإبرة المتغلغلةُ في جذوره النائية لا تكفي وحدها لإيقاف نظره، وإطلالة زهرته في الأرض الخراب.
لا يزال جسده ينتفض بين الماء والسماء، وقلبه يريد الإفلات من زنزانة الحمى.
هناك زائر لا مرئي يقترب من هذا الإنسان المبعثر. هناك خطوات لا مادية تعطيه جلده ويده، وتجعل الارتجافات الزلزالية تتوقف، والمتلاشي يستعيد أجزاءه بقوة مدهشة.
إنه يحتضن شيئاً، يتغلغل فيه، وبضع مرايا منه تتألق بوهج، وأجزاء أخرى تنبض أواناً وأطيافاً. يعرق بغزارة، وتمتد منه ينابيع وروافد من مياه فوارة، وتحل سكينة، وتحل طمأنينة، وكأنه طائر قادم من تنور، وكأنه نور اتحد بالتراب.
مشهد جعل المرضى والممرضات والزوار يُؤخذون، وتتوقف أفئدتهم عند عقارب الوجه وهي تتحد في انفجار الروح.
وجوههم الشاحبة والمتقلصة وعيدانهم النحيفة المهتزة وأسمالهم البالية كأنها انتفخت بهزة ريح.
الطبيب أغلق الغرفة. أقترب من الجسد الممدَّد، وفتح الضوء على دوائر التشنج والضجيج الدموي، فوجد جلداً رقيقاً برعم زهرات وأقحوانات، وتلك الكدمات وضربات الكهرباء الساحقة في جسد المريض توارت وراء صدى خافت، وجاءت طيور من خلف الشاطئ وأطلقت ترانيم في الفضاء.
⊛ ⊛ ⊛
أيها الأحبة الضائعون في البراري هلموا إلى نبعي. في زمن الصحراء الناري تعالوا إلى فيضي وغمامي. لا تكونوا مثل رجل حرق الغابة وحُوصر في أتونها، وامتلأت حفره بجثث الطيور والأرانب.
في مشيي الطويل في أسلاك الكهرباء الصاعقة لم أجد الراحة. في حبوب السراب لم أجد واحة. في الإعلانات الملونة وقوائم الطعام المليئة بالغزلان لم أر ذاتي. أدانني أطفالي لصمتي.
أيها المتعبون القادمون من الحمم والحمى والأنفاق، جيران النمل، تعالوا إلى خيمتي الوارفة، هناك بدأ نهر الماء يأخذني إليكم.
⊛ ⊛ ⊛
قال الطبيب:
– هل أنت بخير، هل أراحتك الإبرة؟
سأل المريض:
– هل رحل؟
تلفت الطبيب وانتبه إلى ضجة المرضى المتسربة إلى عمق المستشفى. قال:
– ذهبوا للنوم.
كان المريض يتغنى بالكلمات، يترنم، فيطلق حفيف الفراشات والأجنحة والأشعة، وتغدو أصابعه ثللاً من البشر يتدفقون على خيمة في عمق الألم والرمال والظلال تصير واحات وطرقاً ومناجم، وعيونه تبدو كأشرطة الأفلام الملونة العريضة حيث الغابات والآفاق والمدن اللامتناهية.
ارتجف الطبيب قليلاً، وشفتا المترنم تغنيان بوجد، ثم أسدل الستار على قامته حتى صوته.
وفي الأيام التالية لم يصدق الطبيب إن كل هذه التحولات والفوضى، يمكن أن تحدث.
امتدت أطباق الطعام المليئة من القرى والأزقة إلى غرفة المترنم. انتشرت الأغنام والعجول وأقفاص الدجاج في حوش المستشفى وراء سوره. وضعت أكداس النقود والشيكات وبطاقات الصراف الآلي على مكتبه. حشود من البشر تريد رؤية المريض.
وحين يخرج من غرفته، التي صارت مثل كهف بإضاءتها الشاحبة وبأكداس الكتب، لم يعد بإمكانه أن يمشي، كان المترنم يُحمل ويصير حمامة فوق كتلة النهر البشري، ذي الشلالات العارمة والصخور والقوارب الضائعة.
كان يقف فوق رؤوس الحشد ويترنم. كلماته مثل حلوى الأطفال، تبدو عسلية المذاق، تتدفق بحنو، وتفيض من غدير، وتطبطب على الأكتاف، وتضم الصدور والرؤوس، ليتشكل بكاء جماعي مرير مرهف، فتتساقط الخرق الملوثة وأردان الدم والطيور الجارحة.
ولم يعد بإمكان الطبيب أن يعمل، ورأى بعض الأطباء يستلون من ملابس المترنم خيوطاً يضعوها على أكتافهم، ويغمغمون بكلماته وهم يدسون الحبوب والإبر في أجسام المرضى.
حاول أن يمنع الزوار، ويوقف الأقدام والمأكولات الملوثة والتمائم والمجذومين والمتأيدزين، ويعيد المريض إلى علاجه، لكن السيول حصرته في مكتبه، وشاهد أطباء يحررون شهادة شفاء للمترنم.
خرج المريض إلى الشوارع مصحوباً بكرنفال من الألوان والموسيقى واللافتات، وراحت السماعات تقرأ ترانيمه بصوت أخاذ منغم، وظهر دارويش يتمايلون بمقاطعها ويحلقون بأجنحتها.
ثم استعاد المستشفى سيطرته على عـقله وجنونه.
دخل الطبيب تلافيف الأدمغة باحثاً عن سر هذا الاضطراب فعثر على أجسام ضوئية تتفجر مطلقة أصواتاً غامضة.
حرر طلباً إلى الجهات المختصة لإعادة المريض للعلاج اللازم، وبيَّن خطورة انفصامه المتعدد الجهات والإشعاعات.
لكن رداً لم يأتِ.
رأى صور المريض تغزو الشوارع، تحتل الحوائط بين الممثلين والماركات التجارية والُنُصب التذكارية. الصحف راحت تقتبس كلماته، وترانيمه يغنيها المطربون، وتتألق على المناطيد والبالونات الضخمة التي تخترق سماء المدينة.
غدت روشتة في الصيدليات واجتماعات السحرة واحتفالات المهرجين والمفكرين وعمليات الطهر والتطهير والحروب والنذور ولقاءات الغرام والخصام.
قاد الطبيب سيارته في شوارع مزدحمة، دخان وحشود وغبار وبائعة متآكلون وبنايات عملاقة وطوابق من الزجاج والفضة وقطارات قرب السحاب وقطارات في أعماق الأرض والنار وشاشات من النور تنتفض رقصاً ومشروبات وأغان، ورؤوس بلا أجسام وأجسام بلا رؤوس..
توقف باص سياحي. حدثت صاعقة هائلة تحته، انقلب متفجراً وتدلت رؤوس متدفقة بالدماء، وتعالت الصفارات والنداءات وولولة سيارات الإسعاف والحريق.
في النهارات المختنقة والمذبوحة كان طيفُ الترانيم يداعب روح الطبيب مثل النسمات. كان يتذكر وجه المريض الواثق فوق الحشود، وكأن نهراً من الحمام يستعيد صلته بالغيم.
راح يهز ذاكرته ويشك في عـقله، وخيل إليه مرات إنه هو المريض، وإن نوبات الدوار، التي تتحد بالأشباح والكوابيس، والعرق والأرق، ليست سوى أطياف داء عميق.
كانت كل النداءات والصرخات وأشرطة الترانيم المبثوثة كالهواء، والقنابل المنفجرة الموضوعة في المزهريات وحقائب الأطفال، والطائرات المتصدعة في الفضاء، والزلازل والأوبئة الصارخة والحطام والبشر المتبقين تحت الحطام والسمك المنتحر والمدن المشتعلة..
تضربه بريح عاتية فيتخلخل ويتبعثر في الحبوب والخمرة والكآبة وكره البشر والبحث عن حب.
ذات صباح وجد المريض المترنم يظهر في التلفزيون. كانت دباباته تحتل الأبنية والحشود والفضاء.
مضت الأرض كلها تتنفس ترانيم وتمضغ أعشاباً من الورق والدم.
حاول أن يجد رأسه، فرأى جنوداً يقتحمون مكتبه وينتزعون ملفات المترنم ويختفون.
لم ينتبهوا إلى الأشرطة المسجلة، التي بثها في أجهزة الضوء والصدى والصورة.
كانت أشرطة المترنم المسجلة كلها تصرخ في الهواء. هذيانه وبكاؤه من أجل الحبوب. تعطشه للنساء وخزائن المال. زحفه للسم الأبيض. كلها، كلها كانت مبثوثة بالنيون في المدينة.
في المساء كان الطبيبُ معلقاً في فضاءِ غرفة، يرشحُ دماً ورأسه استقرت على النخيل والعصافير، ووجد الخيوط والخطوط والشواطئ والنساء، تتكلم.
بعد ليال مجهولة العدد، كان الطبيب مهدم الملامح، يوزع أوراقاً فيها ترانيم جديدة.
———————
5 – دهشة الساحر «قصص»، 1997.
❖ القصص: «طريق النبع – الأصنام – الليل والنهار – الأميرة والصعلوك – الترانيم – دهشة الساحر – الصحراء –الجبل البعيد– الأحفاد – نجمة الصباح».
الأصنــام ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
اصطدمت جبهة الحاج مهدي وهو يصلي بشيء صلب .
كان حقلهُ الصغير قد توارى بزحف الظلام ، ولم تظهر في السماء حتى شرايين أخيرة للشمس ، ولجأت الطيور إلى البيات ، ولم يرتعش في الحقل سوى قنديل في عريش مفتوح لكل الجهات .
تغلغلت يده في التراب . ثمة شيء ثقيل يرفض دغدغة الأصابع .
تسلط ضؤ القنديل على الحفرة ، فتدفقت أحجارٌ غريبةٌ ؛ أطباقٌ وجرات وبشر مشوهون حولهم حيات وأغصان.
فكر: إنها أشياءٌ واضحة ومخيفة، إنها أصنامٌ!
روعته الأحجار والثيران التي تبول على يده . تجمد على حائط شجرة، والقمر المكتمل المشتعل بدماء القرابين يصعد من الشرق، متعالياً فوق الحقول وهوائيات البيوت .
نظر إلى الحقل الميت في العتمة .
لماذا لم يعطه بكل روحه ، لماذا عجز عن إنقاذ ولديه وألقاه كوخاً هزيلاً في أقصى القرية ، صديقاً لمقبرة ؟ لماذا تكسر فأسه وعمره فوق برسيمه المنتشر الرخيص وطماطمه المتكاثرة البائرة فجأة ؟
قرأ الآيات وعلق الاحجبة وبكي للحسين ووزع بقايا الأرغفة على العصافير غير أنه بقى ذلك السطر الموحش بين البرسيم والتراب . الآن انكشف السر، وفاحت أعماق الأرض بمكنوناتها الخبيثة .
طالما حذره أبوه من جوف التربة وطوابقها الداخلية قائلاً : لا تضرب الفأس بحدة. باسم الله الرحمن الرحيم . علق الأشرطة الخضراء على الأشجار . لا تعمل في الليل والوفيات وأعط السادة حقوقهم !
بعد كل هذا ، بعد ثلاثين سنة من دوران الثور حول الساقية ، تظهرُ الشياطينُ من الأعماق ساخرة ، مقدمة أغصانها وملابسها ، مطلقة القهقهات في العتمة !
أطفأ النارجيلة بيده شعاع القمر ليسير به في جنبات الحقول والبساتين النائمة، حيث لا توجد سوى الجنادب تصرصر في كل مكان، مؤنسة وحشته الضارية.
تقلب على فراشه ، وتخشب وسط ضجة البيت وبين روائح بيضه وشايه وحقائب الأولاد ، وتعكز على ما بقي من قلب ليقلب التربة ، ويطارد الأبالسة في عقر دارهم .
لكن السطر الأخضر الترابي لم يعدله . كان مدججاً بالسلاح والوجوه والملابس الغريبة . أناسٌ يحيطون بالأرض وآخرون تغلغلوا فيها ، وآخرون يسيجون الحقل بأسلاك شائكة .
لم يفهم أحدٌ لغته، وتركوه خارج البرسيم والحمام ملقىً قرب نخلة عجفاء .
نقلوا الجرات والأصنام والكؤوس والسهام . تشوهت التربة وانهار عريشه المفتوح على الجهات ، ورُميت النارجيلة ، واختفت الفأس ، وصمت البئر والعصافير، وتساقطت اللافتات الخضراء ، وكادت أسنان الأسلاك الشائكة أن تأكل لحمه وهو يحضنها ليطالع فعل الشياطين في روحه .
مرميٌ وراء الحقل، يرى خضرواته تصّفر ، ووجه جديدٌ ينقبُ بهدوء في أحشاء التراب .
لمسةُ سكينه هادئة ، كأنه يوشوش الأرض ، يناغيها بود ، ويحفر تحت الشمس الساخنة، وفي هوجة الريح والغبار ، وفي اقتراب المساء البارد .
أيامٌ وذنيك الجسدان يتواجهان بين ضفتي السور.
كان الأثريُ يرى مهدياً كإحدى المأثورات التي قذفتها التربةُ .
والفلاحُ يشاهد الرجل كحشرة دائبة التنقيب في جلده .
يتصور مهدي إن كل ذلك المهرجان قد تم لإنقاذ أرضه ، واستخراج الأرواح الشريرة من باطنها ، وجعل النخلات مزهرة ، وإطلاق سراح الينابيع الصافية ، وإلقاء الأصنام في محرقة .
وأخذ ينتظر .
كان الأثريُ يتطلع إلى الرجل الجالس تحت النخلة ، فيراه كجذع لها ، ويراها كقمة له.
اعتاد أن تشق المعاولُ أجساد الحقول ، وأن تنثر أمعاءها وأيديها عبر الفراغ الشاحب للزمن ، وأن تحمل صناديق خاصة تلك الكنوز إلى ما وراء المدن والبحر ، صانعة جنات ورافة لمن يحملونها ويبيعونها بعيداً وسراً.
اعتاد على ركض الرجال القرويين وتفتت أقدامهم قرب تلاله الدموية ، وكم من مرة نزف وكتب ورقة ليستبدل أحدهم أرضه بقطعة ترابية ضائعة وسط البرية ، أو ليحصل على ثمن لكفنه وجنازته .
ويبدو الشبحُ الجاثم أمامه كشكل مروِّع للصدمة والغياب .
جلس معه . أعطاه بقايا الأرض التي لم تدهسها أنصال المعاول ، وأسند عريشه معه ، وجثما تحت الظل وقرب النارجيلة الفائرة بالحرارة والألم ، يتحدثان .
كان مهدي لا يكاد يفهمُ ما يقوله الرجل . إنه يزعم إن هذه البقايا الآثمة المروعة تــُُـنظفُ وتبجلُ وتــُوضع في علب زجاجية مضاءة ، وإن قوماً غرباء يأتون وينحنون لها، يدفعون أموالاً ويقعدون قربها مأخوذين خائفين !
أرتعد ، والأثري يصور أدغالها تحت الأرض ، حيث تمتد إلى ما وراء سوره، وسوف تقلع بئره ، وتمضي شرقاً ناثرة شظايا الحقول والأكواخ والصدور .
ضرب على رأسه وصاح [ يا ويلي ! ]
لم تبق أية مدخرات في صرة زوجته ، والأكل سينفد كله بعد أيام ، والرسالة التي حملها دائراً بها على الوزارات والأقسام، تذوبُ من العرق والأختام ، وهو حائر ، متخثر الأعصاب ، زائغ النظرات ، في شوارع المدينة ، يحضنه مصران قهوة ويلفظه باصٌ مع الغازات والدخان .
تتآكل قدماه قرب حقله المهدم السور الآن ، الذي تعالت فوقه تلالٌ وتغلغلت فيه وديان ، وتكومت نخيله وأشجاره وعصافيره وأخيلة مآتاته فوق بعضها منتظرة شاحنة .
يعزمهُ الأثري على غداء . يقوده في سيارته بعيداً عن الكآبة. يعطيه معولاً وأجراً لنشر كومات التراب والأحجار والرموز.
يزيح الرمل ويرى بقايا جذور نخله ، وأبنية تتفتح عن معبد وجماجم وخواتم .
يتجول بين شواهد حريق ، وأيد مرفوعة للقمر ، وألسنة نارية مهولة تأتي من الفضاء وتنصب فوق الرؤوس ، وتتعالى الصرخات وتتصادم الأجساد ، وكرات الحمم تنقضُ فوق اللحم ويتصاعد البخور البشر .
الثيران تسير نحو بقعة ضؤ ضائعة في السماء ، والأبدانُ تنحلُ محروقة الجلد والروح ، تصرخُ عبر الزمان، وصياحها يتخثر في الفخار .
مهدي يحملق في الأثري وهو ينزل به إلى جوف المحرقة ، وكأن الصياح يتعالى والجمهور يرفع أيديه ، ثم يزول ولا تبقى سوى كومة العظام المتفحمة تضع إشارات أخيرة على الجدار .
من قلب القمر ، ومن الضوء الساطع على قرن ثور يكدح في الأرض ، ويصير شعاعاً معلقاً وآهة ؛ يرى قريته بسنابلها وأيديها المرفوعة إلى السماء ، علّ رحمة تنقض، ولا شيء سوى الرماد والخطوط السهام المتوغلة في الجلود، والبشر سمادٌ مغذيٌ للحياة.
في حلمهما المشترك، مد الأثريُ جرةً ثقيلة عليها نقوش وعلامات تجارية حديثة . طل فيها وكانت كالبئر الواسعة ، رأى قطعاً ذهبية على شكل حيات.
لم يعد ثمة موطئ قدم لبرسيمه، وعريشه المفتوح صار جريداً ملقىً . وأبناؤه سحبهم من المدارس وغلغلهم في الأسواق والمحاجر والطقوس .
وبدأ يهوم على أسنة الشمس المسنونة في المدينة .
——————————-
5 – دهشة الساحر «قصص»، 1997.
❖ القصص: «طريق النبع – الأصنام – الليل والنهار – الأميرة والصعلوك – الترانيم – دهشة الساحر – الصحراء –الجبل البعيد– الأحفاد – نجمة الصباح».
هذا الجســد لــك ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
في تلك البقعة المشرفة على الوادي ذي الآبار وقطعان الغنم والنسابل الزاهية ، في تلك القمة الحجرية المحاذية للغيوم والنجوم ، بين ذلك الحصى الصلد المنتزع من الجبال القريبة ، بين دهاليز رطبة وساحة ساطعة بالشمس:
تاهت خطواتها الطفولية ، وانتزعت أصابعها الطرية حشائش مفعمة بالوحشية والمياه الفوارة . صعدت أقدامها الرقيقة نحو الكوات الصغيرة المحدقة في الجهات الأربع ، وسمعت أنين المحتضرين في الطبقات السفلى الغائرة في الجبل ، ورأت بريقَ السيوف وشمت مذاق البارود فوق السطح المشرف على المدينة والبرية والطيور والسماء .
هنا كانت المزاريبُ تجمعُ شآبيبَ المطر وهديره وتطلقهُ في الوادي خطوطاً متعرجة ثائرة لتزدهر الأعشابُ والزهورُ والفراشات ، ولتملأ العصافير الشقوقَ القاسية بالأعشاب وكتل اللحم الصغيرة الضاجة بالجوع .
في ذلك السطح تبدو المدينة وهي تنضجُ الخبزَ ، وتطير ملابسها المغسولة النظيفة بأيدي الريح ، وتطلقُ صغارها حشوداً من الأناشيد التي تلقي الأعشابَ في الوادي ، والأسنان الطرية في الشمس .
في الليل تهتزُ البراحاتُ والخيامُ بالأضواء والأشباح ، وتبدو كأن المدينة تغتسلُ بالنور والبهجة ، وتبعث قناديل الأولاد الغيرة في النجوم ، وترقصُ الحارات باهتزازات منجور(*) الرجال وهم يحتفون بالأعياد ، ويذبحون الماعز عند أفواه الخيام السعيدة .
من لها تلك الصغيرة الزهرة الراكضة فوق السلالم العملاقة ، المتعلقة بأعناق رجالٍ ضخام تمتلىء وجوههم باللحى الخشنة ، وصدورهم بأحزمة الرصاص ، ورؤوسهم بالعــُـقل الثقيلة ، غير أختين تائهتين ، حبسهما غولٌ منغولي في تأتأة غامضة ، وألعاب رملية غبية ؟
من لها في ذلك البناء الواسع غير أمٍ واسعة الصدر كالنبع الرقراق في البستان ، التي لا تتوقف أبداً بين القدور السوداء الضخمة المليئة بالأرز ، الراكزة فوق أثافٍ كبيرة أتاحت فرجة للخشب المشتعل ذي الدخان الكثيف ، الذي تبعدُ أمــُها جسمها عنه لتنحشر بينه النسوةُ السوداوات العاملات ، الأم الراكضة بين الغرف الخلفية والدهاليز، المتلفة بعباءات وبراقع ، والملتهبة العيون وراء النافذة ، المحدقة بنارِ الرجال وفناجين قهوتهم ، والصامتة في غرفتها المليئة بالمرايا والرمانات الملونة ، والباكية في سريرها البارد ؟
حين تركض نحو الرجال ، وتحاولُ أن تعبرَ البوابة الخشبية الكبيرة ، من خوختها (**) الواسعة ، قافزة نحو رتلِ السيارات الطويلة المصطفة ، تنتزعها الأيدي القوية ، لتنتفض وراء النافذة الخشبية ، ولتدق الحصى والخشب ، وترى خطوطاً عرضية مبتورة من السيارات المنطلقة والرجال والصقور والبرية اللامتناهية .
ملتفة بأقمشة كثيرة ، جسدها الصغير البرعم ، ضائعٌ بين ثوب النشل المصبوغ بألوان الزهر والشجر ، المنسوج بخيوطِ الذهب ، و( الملفع ) الذي يحبسُ شعرها وجبينها وضحكاتها ، وهي تنفجرُ لاهيةً حين تدغدغُ أصابعها خيوطُ الحناءِ المرسومة كأغصان الشجر وأجنحة العصافير ، وتسمعُ من المرأة السوداء الحكايات الغريبة وهي تكادُ أن تلتهم بطنها بوجهها الواسع وأنفها الضخم . .
من لها غير الأم التي مشت لها ذات يوم ، لتسمعها تئنُ ، وتجدُ رجلاً ، من أولئك الذين يحملون الصقور والبنادق ، عارياً فوقها ، وجهه غائصٌ في صدرها ، كأنه يعضها ، وهي تنتفضُ ، ويداها العرايتان البيضاوان تلتفان بذلك الجسد الأسود ، كأنه المارد والليل ، فتجري مذعورة تبكي وتقول إن رجلاً يضربُ أمها في غرفة النوم . .
وترى الرجلَ ، الذي لا يزالُ عارياً ، مجرجراً بالسلاسل ، وسيخاً ملتهباً يوضعُ بين ساقيه ، وهو يعوي من الألم ، والأمُ توضعُ في مخزنٍ قديم مع الهوام والفئران ، لتكلَّ يدُها من ضربِ جدرانه دون أن يفتح لها أحدٌ ، ودون أن ترتمي مرة أخرى في ذلك الصدر الواسع .
في تلك الأيام الغارقة في الأنين والصمتِ امتلأت الغرفُ بالأبواب ، والنوافذ بالستائر، وغرقت المدينةُ البعيدة في النسيان ، وتعبتْ اللغةُ من النمو في رأسها ، ورأت دوماً ذلك الرجل يضربُ أمها وهي تمسحُ على رأسه .
لا تبدو المدينة ، من داخل السيارة السوداء الكبيرة ذات الستائر المعتمة ، سوى شبح ذي خطوط وامضة ، وسرعان ما تنفتحُ بوابةُ المدرسة وتأتي ضجةُ التلميذات كبركةٍ منعشةٍ من الأصوات والعيون .
لماذا هي وحيدة ، كئيبة ، منعزلة في ركن الساحة حيث يدورُ الريشُ والورقُ بفعل الريح الدائرية؟
لماذا ترجعُ إلى ذاتِ الغرفة الصغيرة المطلة على الوادي الصامت ، وشجرهُ يبدو قبعات خضراء لرجالٍ مختفين ؟
في طرطشة الماء النقي المضيء على ثوبها ، تتحسسُ أشياءً غريبة تنمو داخلها ، ثمة برعم يملأ الجلدَ والصدرَ حرارة خفية ، خلايا ، تتناغمُ دماً وإثارة . ليس ثمة امرأة، والثوبُ الأبيض الشفاف يلتصقُ باستدارات غريبة .
الماءُ يترنحُ على قمة شعرها الفاحم ، ويندفعُ نحو جبينها وأنفها الصغير المستقيم ويقتحمُ الثوبَ ويشخبُ بين صدرها ويقرقرُ وينتفضُ متلوعاً وهو يسقطُ بين قدميها .
بين المرايا والرمانات الشاحبة تطفئُ النهارَ ، وتمتدُ يدها نحو خزانة الجسد ، تلتقي أشياءً بلا لون ، وتختبئ عن الصراخ الضاج في الممرات للذكور القادمين من رحلةِ قنصٍ أو من غداءٍ فاخر .
يدقُ بعضهم الغرفة ليتأكد من وحدتها المطلقة . تفتحُ كتبَ العصافير والبرية والأغاني . تنصتُ إلى تأوهات صديقاتها ، وتبصرُ صورَ الفتيان الحلوين بين صدورهن .
ثمة شبحٌ أسود داخلها ، عيناهُ الحمراوان مشتعلتان بالخمر والجمر ، وشفتاه الضخمتان تطبقان على وجهها ، يعضها في عنقها حتى ينز الدمُ ، تصرخ ، تصرخ ، لكن لا أحد يفتحُ الباب . أمها تأتي من ممرٍ فارغ ، إلا من دخانٍ مشبعٍ بالأنين ، تحضنها ، تهدهدها ، فتجد سائلاً رهيباً يتفجرُ بين فخذيها . تبكي . أيكونُ الوحشُ الأسودُ قد اغتصبها ؟
ملفعات بالأسود ، أغطية معتمة من الرأس إلى القدمين ، عيونٌ تومضُ من بعيد كأن الوميض قادمٌ من آلاف السنين ، أسودٌ قاتم ، ذو حرارة وبخار ، مشحونات في باص المدرسة ، جامدات في الفصل ، وهي تندسُ بينهم وتذوي . المعلمة يدبجها الأسودُ الفاحمُ ، ويدها ترسمُ ثعابينَ وعفاريتاً تطلعُ من الحناجر والصدور .
تركضُ إلى الغرفة ، أين أمها ؟ تريدُ أن تذهبَ إليها . «خذوني إلى هناك ! أريدُ أمي! أين أمي ؟ !». تدقُ الأبواب ، تطلعُ الأشباحُ ، الأمطارُ المشبعةُ بالغبار والرمل والبكاء تخضُ غابةَ النخيل وتذروها في البرية القاحلة .
السكينُ توضعُ على رقبتها ، وترى الرجلَ وهو يتلوى ألماً ، والسيخُ يبعثُ رائحةَ شوي ودخان . . أمها بعيدة ، في المخزن كانت ، ثم حملوها منفوش الشعر ، صامتة الوجه واليدين .
من لهذه الصقور الحائمة في الأعالي ، المتجهمة في المجالس ، المنقضة في البراري، غير جسدها الغض ، نومها المثقل بالكوابيس ، في قلعةٍ تركضُ فيها من غرفةٍ إلى غرفة ومن دهليز إلى دهليز ، وحمحمة غريبة تنبعثُ من جدرانها ومن بخار حماماتها ؟
من لهذه الشوارب الغليظة والأصابع المصفرة من الدخان ، غير لحمها المنبوش بحثاً عن عفريت ، أو عشق مبرَّحٍ ، أو عن داءٍ غريب . . ؟
لم يبق منها غير هيكلٍ عظمي يهتزُ من شعاعِ شمس ، ويغوصُ في مستنقع الليل ، ولغة الجنادب المنادية لهبٌ كوني يحرقها ، لتركض في ضبابٍ مشتعل ويد غليظة تبحثُ عن عريها . .
هناك تنادي وتبكي وتستنجد .
تضعها التقاريرُ الطبيةُ والكراريس المدرسية في عاصمة بعيدة غريبة . الغاباتُ الصغيرة عرائش للحبِ بني الأبنية الجليلة . النهرُ سفنٌ من النبيذ والأنسِ تخترقُ سلسلة الأقواس الحجرية النابتة وجوهاً وملامحَ حية . الشوارعُ تزرعُ الموسيقى والقبل والكتب واللوحات . وقاعاتُ الدرسِ كالحدائق أزهارٌ من الضحك والبحث .
لماذا هذه الرعشاتُ تشتعلُ في بدنها وهي تحتضنُ المطرَ الناعم ، وتتدفأ بالنار ، وترى البشرَ خيوطاً من حرير ؟
لماذا توهج خدها ، وغزر شعرها ، وأسودت عيناها وغدا رأسها أفروديت وهي تشعلُ الفحولةَ في الباردين ؟ من هذه الآلهة الشرقية الباعثة ناراً وثلجاً في الخاملين ؟
عيونٌ كثيرة تتحجرُ ورؤوسٌ تتدلى ، لا تعرفُ أين الحنطة من لون البرتقال ومتى يشرقُ ضياءُ اللؤلؤ من دم الغزال ؟
وجسدها ناءٍ ، يزحفُ في طينٍ لزجٍ من مادةٍ حجرية مسمومة ، يدعُ ثرثرات العيون تدورُ حوله حتى تتلاشى ، ليعودَ الليلُ والصمتُ والرجلُ الأسودُ ، وخطاها تندفعُ في ممراتٍ لامتناهيةٍ ، لتجد ذلك الفتى الهادئ النبيل في انتظارها ، على لوحٍ في نهرٍ هائج ، يعطيها أصابعه ومواعيده ، ويتعلق فوق سور القلعة ويترنحُ ، يمدُ لها حبلاً ، وهي عارية بين السيوف ، تتآكل كالأطياف .
بين ألوف الوجوه تراه . تنزوي في ركن مقهى ، تندسُ في سيارةِ أجرة ، تنعزلُ شهوراً طويلة ، ترى يده ، تتحسسها ، تتخللُ أصابعهُ شرها وحزنها . تصرخُ فيه ، تتجاهله ، تمزقُ كلماته وأشعارَهُ ، تصعدُ إلى قمة البرج حيث الضباب البارد والثلج الذائب ، تسمعُ صوته داخلها ، فتحضنهُ برعماً في صدرها ، ليطلع ضوءٌ وينشقُ برق.
خائفة من شفتيه البريئتين ، من يديه النظيفتين ، وهو يحملها إلى شواطئ تضجُ بالألوان والصخورِ والأمواج ، ربيعٌ من الأجساد والسماء صحوٌ والرملُ سريرُ المتعة.
يدفنها داخله ، تندسُ بين شقوقه ، ترى قواقعه مزهرة بالعشب ، وأسماكه الملونة تبتسمُ بوقار ، وتشمُ عطرَ الموجِ وهو يتكسرُ على صخرتها ، يفتتها ، ويصيرُ زبداً وزيتاً .
ملتحفان تحت النجوم ، سائران تحت أسمال الغيوم ، وقبو القلعة انفتح للوحات مليئة بالسكون وضجة الطبيعة ، وسمعت شهيقَ أمها وعشيقها يدخلان برزخاً بين النهار والليل ، وعنترة يقودُ الإبل في الرمال المتحركة ، وجسدها المخبوء يزهو في ضوء الشمس ويرقصُ في صراخ الليلِ البهيج . .
من أعطى هذه الغزالة الحنطية المتشعلة ، هذا الفرحَ كلَهُ ، وتركها تسبحُ في فضاء اللذة والفكرة ، وتتألقُ في المتاحف والبرك ؟
في لحظات مباغتة تبرزُ الشواربُ الغليظة كالطائرات المنقضة ، تدوي في السماء وتومضُ خطوطها السريعة ودخانها الذيلي ، وتصحو على هزات المواعين والهاون وهو يحذرُ من ابتلاع الحوتة للقمر ، واللفائف السوداء تلتفُ حول عنقها وكأن القلعةَ تهتزُ ، وتتصدعُ ، وترى برجاً يترنحُ في هاوية الوادي ، فاتحاً فماً ملتهباً للقلعة يخرجُ منه الموتى والمعذبون في الطبقات السفلى والنسوة المذبوحات يحملن رؤوسهن بين أيديهن ، والمقطوعو الأيدي يبحثون عن أيديهم . .
يعودان إلى الوطن .
من هذه الفتاة الجميلة النضرة ، الفراشة ، القادمة من وراء البحر والنرجس ، المصدومة بالحجر الواسع ، ودهاليز قلعة دراكولا الضيقة الملتفة كالحية ، والرياش والأثاث الفخم الجديد الذي لم يخف بقع دماء أمها على الجدران ؟
من الكون المفتوح إلى الغرفة المغلقة ، إلى سعال الرجال المنبه بالقدوم ، إلى الخوف من مصافحة الأنثى ، إلى الليل المشنوق ، والفجر المذبوح ، والرمل المنتشر كالقيظ، والقيظ المستعر كالفيض ، ولا شيء يوحي بالحياة سوى أسلاك تليفون تهتز بصوته الجميل وشاشة تليفزيون مختلة العقل .
تندسُ بين شجيرات الواحة الصغيرة في قلبِ الوادي . البئر التي كانت تضجُ بالماء جفت . وثمة طاولات تحت النخيل الوارف تعطي إجازةً صغيرة من عسف الشمس .
يجلسُ على طاولة أخرى ، وهي تلتفُ بعالمها الحريري الأسود ، التنور ، وتتحدث إليه صمتاً .
يتقدمُ في المجلس العامر بالرجال ، ثلاثون عقالاً ضخماً ، ووجوه هادئة صلدة ، انتفخت من الأرز والدهن ، ونعست من الضجر .
يلبسُ بدلة أنيقة ، وحذاؤه نسي أن يخلعه ، وحيا الأبَ الرابضَ في صدر المجلس كالليث بعباءته الكلحية . جلسَ قربه وتناولَ فنجان القهوة ، وفاتحه بحبه .
حدقَ العجوزُ بنظرة صقر ، وتركه يذوبُ في الليل والشكوك والظلال .
كانت الأيدي الصلبة تتوغلُ في عظامها ، تنتزعُ ألقَ الشواطئ والعصافير ، وتحطم مرايا العرس وأقواسَ قزح الفرح .
في ذلك الليل القاتم ، الشاحب باحتمالات الشتاء ، تنبثقُ من الحصى والباب العملاق والسيارات السوداء والعُــقــُل السوداءِ والعصي والصقور وقبل الأنوف والخوف ، إلى الرجل المنتظر ، المتسلق جدراناً وعظاماً ، القابع عند البئر ، وسيارته وحقائبه تنتظر رجفة أقدامها ، كي تندفعَ إلى عوالم بعيدة .
عند البئر كانت سيارة باردة . وثمة رجل زائغ العينين ، فاغر الفم ، وحبل ثخين شده إلى الوراء بقوة وعنف .
في تلك القلعة البيضاء المتألقة بالمصابيح والأعلام ، المشرفة على الوادي ذي البيوت الكثيفة والدكاكين الضاجة بصياح الأشرطة واللغات ، بين ذلك الحصى المنتزع من الجبال الشقيقة ، بين ممرات مضيئة وسجاجيد عتيقة وأثاث باريسي ناعم، تجثمُ امرأة كأنها خطٌ متعرجٌ من العظام والجلد والذاكرة ، ترى دوائر من الضوء والضجيج والإبر ، وشواطئ بعيدة ذات قواقع جميلة ، وضحكات مخلوقين شقيين يتقلبان في الرمل على جمر الحب .
لا تزال القلعة تضجُ بصرخات الرجالِ العائدين من البراري ، وصيدهم من الطيور والغزلان ينزفُ في سيارات الجيب القوية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ツ 4 – سهرة «قصص»، 1994.
(*) منجور «آلة موسيقية شعبية تستخدم في رقصة (الطمبورة)، وهي مجموعة من الغضاريف الموحدة في نسيج خاص لتبعث نغماً أثناء اهتزاز الرجل الذي يحملها تحت بطنه ». (**) (الخوخة) باب صغير داخل الباب الخشبي الكبير في البيت العربي.
❖ «القصص: السفر – سهرة – قبضة تراب – الطوفان – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».
ياقوت ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
عندما كان خالد يقرأ، مستمتعاً بموسيقى خافتة سيمفونية تنبعث من جهاز صغير، نائياً عن إنشاءات الطرق وصيحات الصبية في الحي، سمع طرقاً متواصلاً على الباب.
نهض متثاقلاً، وفوجئ بياقوت مرتبكاً ومتلعثماً وراء الضلفة. أدخله بسرور، وقَدّم له شاياً، لكن الرجل بقي متكتفاً واجماً. وبعد لحظات، قال:
– طوّل الله عمرك، يا عمي، لا تعتب على أبي وعليّ لهذا الانقطاع عن زيارتك لقد كانت الوالدة، أعزك الله، مريضة..
– لا ترى شراً إن شاء الله.
– لقد توفيت يا عمي!
ارتبك خالد قليلاً، وبادر:
– عظّم الله أجرك!
– أحسنت!
صمت لحظة، ثم واصل كلامه الهادئ الخافت:
– لأبيك في ذمتنا دَيْنٌ قديم من أيام الغوص، وكان أبي يدفع لتسديده بانتظام، لوالدك رحمه الله… وانقطع سنوات، وأصابتنا مصائب وغفلة، حتى تذكر أبي..
ابتسم خالد ورد:
– أي دين وأي غوص يا أخي، هذا ماض اندثر إلى غير رجعة!
– كلاً يا عمي، كلاً.. هذه أموال في الذمة، ولابد من قضائها. النار ستلتهم أجسادنا، ويغدو رزقنا حراماً.. وأنت لا تريد أن يحدث لنا ذلك، أعزك الله!
نهض خالد شبه ضاحك.
– انس الموضوع يا ياقوت، أنت رجل حر الآن… وذاك عهد بشع مضى وأنقضى.. إنني لا أنسى تلك الأحجار الثقيلة، وتلك الأجساد المسكينة المُلقاة في القعر، وتلك اللقمات الهزيلة والسياط والجوع.. لا! لا يمكن أن نجدد ذكرى ذلك العالم البائس..
نهض الرجل أيضاً، ومد يده إلى جيبه، وأخرج ورقاً مالياً، فاستثار خالد بشدة، وصاح:
– أعدْ النقود إلى جيبك، وانسْ الديون والدفاتر الملعونة..!
– لا، لا، إنني لا أستطيع ذلك، هذا حرام يا عمي، إننا لا نريد أن نكون وقوداً للنار!
وحاول أن يدس النقود في جيب خالد، الذي تصاعد الدم إلى وجهه، وأعاد اليد بقوة، ولكن الآخر وضع النقود على الطاولة، ولاذ بالفرار، وتبعه خالد وهو يزعق، وجرى وراءه في الزقاق، لكن الآخر اختفى.
تأمل خالد الحياة الغريبة، وشبح ياقوت وجسده الفارع الهارب وتلك الوريقات المكرّمشة المُلقاة كأنها عقارب وابتسم بحزن.
عاد إلى كتبه وموسيقاه، وألقى النقود في دولاب عتيق، وراح يستمتع بأوقاته عبر الورق والهواء والبحر، متنفساً ألقاً وآفاقاً، متحدثاً إلى شباب حيه عن مدن النور، والغد، وراح يجري مكوِّناً جسداً جماعياً يخوض الموج والمسافات.
وفوجئ ثانية بياقوت يدخل عليه حاملاً نقوداً جديدة.
قال له بصرامة:
– سأعيد لك كل مالك. إنني لا أعترف بغوصك وديون أبيك وأجدادك، بل إنني أدين كل ذلك الماضي المعتم، وجلب سلالتك من أفريقيا مسلسلين معذّبين.. إنك لا تعطيني نقوداً بل ترش ملحاً على جراحي، وتغرز مسامير في ضميري..!
– يا عمي.. خذ هذه النقود وتصدق بها.
– خذها أنت وافعل بها ما تريد اشتر سبورات لأطفالك، وكتباً لأبناء حيك.. يجب أن لا تستمر في هذا الجهل يا ياقوت، العالم كله تغير، ولم يعد ثمة عبيد.. نحن أحرار جميعاً!
وكأن ياقوت اقتنع، فسلم وخرج بهدوء. وحين فتح خالد الباب، وجد النقود على العتبة، موضوعة في ظرف الأجور، الذي يتسلمه العمال، حيث يندغم العرق والخطوط المتبعجة والبصمات.
جن تماماً، ولم يستطع أن يبلع لقمة، وأصغى لمارشات بتهوفن وهي تخترق سماء العواصم الملبدة بالغيوم والهموم، ورأى صفوف الأحذية وهي تقفز الحواجز الدامية والحدود.
لم يتركه الرجل يستريح أبداً. كانت النقود تُلقى عبر النوافذ، ومن تحت الباب، وتأتي بالبريد، وتدق رأسه في النوم، وتنفتح «المكاتيب» عن جثث منتفخة تطفو على المياه، وأصوات وتأوهات تأتي ممزوجة بلسعات السياط، ويجد ياقوتاً يركب فوق صدره، ويخنقه بيديه الضخمتين اللامعتين..
يجمع كل ما لديه من كتب الغوص، ومن أشرطة سينمائية، وقصاصات الصحف وصور للمجلودين والمصلوبين والمشحونين في قيعان السفن، ويسجل شريطاً من عذابات البحر وأكاذيب الدفاتر.
وينطلق بسيارته الصغيرة المستعملة نحو حي ياقوت.
لم يكن حياً، بل سلسلة من المقابر والأنقاض والتلال، حشود من بيوت السعف والحطب، ومن أطفال عراة وذباب أكثر من النور، وملاريا تطفو فوق البقع السوداء، والأولاد يحملون الماعز النافق والإطارات.
تعب وهو يسوق، يرتفع وينزل، ويصطدم رأسه بالسقف، وتطفئ الشمس الخاصة بالمكان مكيفه الهزيل، وتشعل إطاراته وأعصابه، فيدخل في تل رملي عميق، فيلعن ياقوتاً وزمن الغوص وأجدادهما.
حين ساعده الأولاد على الطلوع من فخ المكان، وجد ظرفاً مالياً آخر في سيارته!
لم يعد ذاك سوى كابوس، وغداً مال ياقوت يختفي من الدولاب العتيق، ويتسلل إلى دمه، ويخثر ضميره، فتختلط أوراق روحه.
أجلسه آخر مرة بقوة أمامه، وأعطاه الكتب والأفلام والأشرطة، وصاح:
– أنت رجل حر، انتهى زمن الديون! وسيتحد دمي ودمك من أجل حياة جديدة، نظيفة لعيالنا، كلنا متساوون، ولم أعدْ عمك، فكف عن مضايقتي، وتعذيبي، وإلا شكوت أمرك إلى الشرطة!
أخرجْ ياقوت ورقةً طويلةْ فيها قائمة طويلة بالديوان. إنها تمتد من جذور الماضي حتى الأفق البعيد للشمس، فأمسكها خالد وكرمشها وألقاها بحدة.
وحين جلس خالد في الحانة، يحتسي الكؤوس الفضية، ويحلق مع الموسيقى ذات الأجنحة الضوئية فوجئ بدخول ياقوت، وجلوسه الرصين، وطلبه قدحاً، وبثرثرته اللطيفة، وذكرياته الصغيرة المريرة.
راحاً يحتسيان الزجاجات بلذة، والتصقت أيديهما وكلماتهما وضحكاتهما، ودهش حين قال ياقوت:
– كان زمناً مريراً.. لقد رأيت خطوطاً غائرة عميقة في جسد أبي، كان والدك قاسياً جداً في تعذيبه يا.. خالد!
– كيف تتجرأ على قول ذلك..؟!
– أليست هذه .. هي الحقيقة ؟!
– كان زمناً رهيباً لكن أبي… رجلٌ مختلف… إنه إنسان كبير..
– ومع هذا فقد عذّب أبي.. وسجل ديوناً كاذبة كثيرة..
– أبي لم يفعل.. أياً مما قلت.. كيف تجرؤ على قول ذلك؟!
خرج ياقوت، ولم ينس أن يدع الظرف المالي تحت إحدى الزجاجات الفارغة.
تبدلت أحوال خالد بقوة عندما تحول الدرب الصغير قرب بيته إلى شارع كبير، فباع منزله بمبلغ ضخم، أهّله ليدخل عالم المشروعات والمقاولات، فراح يلهث من أمكنة الإنشاء حتى مخازن المواد، ثم إلى مكائن الحفر والبلاط، والحديد، والأسمنت، حاملاً تليفونه النقال بين المواقع والعمارات والشقق، منطلقاً بسيارته وأصواته وشيكاته، غير مصغ إلا لعزف الجنازير والدراهم.
ومع هذا، لم ينمُ رصيده كثيراً، وجاءت خسائر غير متوقعة، ولم يشتر الزبائن البيوت لا بالسرعة ولا بالأموال المفترضة.
ولم يعد قادراً على قراءة الكتب ولا الالتقاء بالأصدقاء والجري عند الشطآن مثل السرب البهيج.
غدا تفكيره مشدوداً بسلاسل وأعصاب مرهفة مرهقة إلى أرقام رصيده المتقلقل، المهتز كقارب على موج عات، وكانت الأصفار التي تضاف إليه تهزه، وتقهقه مثل طفل، ويجري إلى الشيكات والإيجارات، أما الخسائر وقوائم الدفع والشيكات المسحوبة فتصير كطعنات الخناجر، تقطع جلده وتضعه في أسياخ «كباب» لاذعة ومُبهرة.
حين ذاك كان ينتظر ياقوتاً بشوق. يفتح له الباب بود، ويضمه داخل بدلته وعطوره، وربطة عنقه تضرب وجهه.
يخرج ياقوت أوراق النقد بخجل، ويسحبها ببطء، ويسللها إلى كف خالد، الذي يأخذها بلهفة، ويعدها، ويدقق في الأوراق المهترئة، ويطلب استبدالها.
ياقوت يقف مذهولاً. وقبل أن يمضي يسأله خالد عن موعد الدفع التالي، ويتمنى أن تكون لديه قائمة أخرى بالديون غير تلك الضائعة. لكن الآخر يتأتئ ويتلعثم ويغمغم ويمضي كرجل يمشي نائماً.
ويتساءل خالد بقلق: كيف يُنظم هذه العملية الدفعية السائبة، فهل يسجلها على شيكات أم في أوراق ثبوتية موثقة؟ ولعل ياقوتاً يستنكف فجأة عن الدفع، فماذا سيفعل وكيف سيقاضيه وما هي قرائنه؟
في المرة الأخرى، جاءه وهو يصلي في المسجد.
– حرماً!
– جمعاً يا ياقوت!
كان المسجد الفخم ذو الثريات الكبيرة، والسجاجيد الملونة المدبوغة جيداً، عالماً من الصفاء والهدوء العميق. وفي هذه اللحظات فحسب، كان خالد يستعيد نفسه من ماراثون الشيكات.
لكن عندما مد ياقوت نحوه كمية المال المعروفة فوجئ بنقصانها، فتذمر بصوت مسموع. فقال ياقوت:
– أبي.. أعطاك عمره.. فاقتطعنا لجنازته ونعشه..
– وما دخلي أنا؟ وأين الذمة التي طالما تحدثت عنها؟!
– إن شاء الله، في المرة القادمة، لا يكون أي نقص.. يا عمي..
– أرجو ذلك، هناك رب العالمين الذي يحصي كل شيء، ويحيل أي مال حرام ناراً في بطون آكليه..
– إنني.. يا عمي بدأت أقرأ الكتب التي أعطيتني إياها.. إنها صعبة.. ولكنني بدأت أفهمها..
– لا! لا! دعها يا ياقوت.. لا تتعب عقلك البريء بهذه الأشياء الصعبة.
– إن الغوص كله.. سرقة!
– أعوذ بالله من هذا الكفر! كيف نسيت الإيمان يا رجل؟!
توجس خالد خوفاً من تلك الكلمات، ورغم انشغاله بأعماله الكثيرة، فقد انتظر ياقوت بفارغ الصبر، ولما تأخر بدأ يتوجس خوفاً. وفي نهاية الأسبوع ظهر ياقوت، يمشي برزانة وهدوء وثقة، رأسه مرفوعة، ونظراته مهيبة وعميقة، حتى إن خالد نفسه أصيب بالهلع!
أنتظره عساه أن يضع يده في جيوبه ويخرج المال، لكن الرجل راح ينفث الدخان. قال:
– تعرف يا خالد.. لقد أثارني الفيلم الذي أهديتني إياه.. زمن الغوص.. كله.. عفونة.. حشد من الفقراء العميان مسلسلين إلى ورق كاذب.. تلال من الجثث تُلقى لقروش البحر والبر..
– لا، لا تقل ذلك!
– بل عبيد، صنعوا الأنوار في رقاب الحسان، ودفُنوا في التراب.. جدي.. قُتل.. لأنه.. حاول الهرب من زريبة الغنم.. التي..
– كف يا ياقوت! هذا الكلام يقودك إلى النار.. إن الذمة..
– وأنت كنت تقول كلاماً رائعاً، وتحاول أن تثقب جداري، وأنا ألوذ بالفرار، وأضع الوسائد على أذني حتى لا أسمع.. وأروح الآن.. أتتبع عروق أهلي.. يا إلهي.. إنها كلها ممتدة إلى النار والأسياخ والقيود وأمعاء القروش والقيعان.. إن مسامي كله ينضح بالدموع.. والزيت الحار..
– اسكت، اسكت! وأحرق كل هذا الورق.. إن عذابك في الآخرة سيكون رهيباً، فأنت لا تدفع مافي ذمتك.. الآن!
واقترب ياقوت فجأة من رأسه عيناه حمراوان مخيفتان، ووجهه مثل قدر مُعَّذب بطبخ الأسياد.
– أنت كنتَ تقول كلاماً جميلاً.. فلماذا انطفأت؟
توجه إلى الخارج، وصفق الباب وراءه. فجثم خالد حزينا حانقاً غاضباً، وسار في مكتبه طويلاً، حتى اتصل بـ «ملا»✶ حي ياقوت وصرخ فيه:
– ماذا حدث له.. هل بلغ نكران الفضل إلى هذه الدرجة؟ ينكر ديونه، ويتنصل من واجباته.. فأينك عن هدايته وتذكيره بالعقاب والثواب؟ لكن جهود الملا لم تفلح في عودة ياقوت إليه.
ذلك الأسود المرفوع الرأس لم يره إلا في الشارع مرة، نازلاً من باص، وبارزاً متألقاً بين الحشود المدفونة الرؤوس في الأكياس وصرر البرسيم.
راح يضرب مقود السيارة حانقاً، ويلعن الساعة التي أعطاه فيها كتباً.
وجاء الهبوط العنيف للأسهم والعقارات ليبلبل حياته، ويضطر للتدين ودفع الفوائد المركبة، التي حولت الأرز الذي يبلعه إلى كرات بلياردو.
وكان يهذي في الليل، ويتشنج عندما يسمع الموسيقى، حتى إذا بدأت بعض الأرباح في الهبوب عليه من أصابع الخدم وعرق السياح، حتى يهدأ قليلاً، وحين سلم بيتاً لأحد الضباط باح له بهمه الثقيل.
أخبره الضابط بعد ذلك، إنه تم تفتيش غرفة ياقوت ووجدت بعض الكتب والمطبوعات، وكلها تعود لأيام قديمة. ولكنه أقام مشهداً تعذيبياً مسرحياً له. وكان ياقوت يتلقى لسع السياط بكبرياء.
اغتم خالد تماماً، وهتف:
– ألم يتغير؟ ألم ينهرْ؟
– أبداً، حتى منعنا عنه الطعام، ووضعناه في قعر بئر مع الهوام والفئران.
ثم أحضرناه إلى المكتب وسكبنا على رأسه البنزين.. وكدنا نشعله..!
– ماذا حدث؟ هل استسلم؟
– أبداً. إنه عبد! إذا سلطت عليه الشمس أو الأنوار المتوهجة، يزداد هيجاناً وغضباً!
وأكمل الضابط:
– ولقد حاول الغبي أن يقاوم، فاشتعلت فيه النار فعلاً!
– وماذا حدث؟
– لا شيء. لقد مات!
– يا إلهي.. هل هذا معقول؟ لقد خسرت.. مالي!
_______________
✶ ملا : رجل دين.
6 – جنون النخيل «قصص»، 1998.
❖ «القصص: بعد الانفجار – الموت لأكثر من مرة واحدة! – الأخوان – شهوة الدم – ياقوت – جنون النخيل – النوارس تغادر المدينة –رجب وأمينة – عند التلال – الأم والموت – النفق – ميلاد».
خميس ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
منذُ عرفتُ هذا الرجلَ صارت أحوالي غريبة . كنتُ رباناً ذا سفينة صغيرة ، تصطفقُ ألواحها، وهي تدبُ على الموجِ المشاكس وتتوغلُ في مساحات اليم البعيدة ، ويتجمعُ بحارتها الضعاف ، ذوو الهياكل العظمية المنحنية ، ويتساقطون في المياه كأنهم لن يرجعوا أبداً ، ويعودون بمحارٍ مليءٍ بالتراب والأعشاب ، يفلقونه لنجد لحماً متغضناً . ونعودُ بسفينتنا بأغانٍ كئيبة شاحبة لنقبعَ في برد الشتاء والدثارات الثقيلة .
في أحد النهارات القائظة ، ونحن نستعدُ لرحلةٍ بائسة جديدة ، وقف فوقي عملاقٌ أسود حجب الشمس ، وأراد أن يــُضاف إلى البحارة .
منذ أن صعد إلى ظهر السفينة تغير كلُ شيءٍ . أين ذهب ذلك القيظ الساخن ولماذا اندفعتْ الكفوفُ والحناجرُ لتشعل الشراعَ وتلتهبُ صفحةُ الماء ؟ وكيف بدا ذلك العملاق كأنه هو الذي يدفعُ السفينة جاثماً في مقدمتها فاتحاً دغلَ المياه الفوارة ؟
غاص في اليم طويلاً ، وذعرنا ، وخشينا أن لا يخرج أبداً ، لكن الرجلَ طلعَ فجأة ، بعينين حمراوين ، وكدس تلاً من المحار الكبير الغريب ، وما هو إلا نفس ، حتى عاد كرة أخرى إلى الأدغال الخفية ، وسمعنا كأن صوتاً جهورياً رخيماً ينسابُ في الأعماق ، هل كان يغني ؟ وما هذه الكتل المتعاظمة من المحار ؟ هل كان نجدة من السماء لإنقاذي ؟
في الليل شعرتُ بالسفينة تهتز ، نهضتُ . كانت الظلمة تخفي ملامحَ الأشياء والرجال . اقتربتُ من الأجساد المنهكة النائمة ، فلم أجده بينها ، وثمة وشوشة وهمس في المياه !
ارتعدتُ وأنا أندسُ في فراشي . أيقنتُ أن الرجلَ عفريت وتذكرتُ كيف بدا جسده الضخم، وعضلاته القوية ، ونظرته الشقوفة الحنونة للمياه ، وكأنه سيذهبُ لمعانقة حبيبته ، وليس للانغمار في غبةٍ مليئةٍ بالضواري . وها هو الآن يثرثرُ مع أصحابهِ ، ويغني ، وربما غاصَ في الأعماق ، ونام في سريرهِ المائي بين قروش البحر وجنياته.
فتحنا محارَهُ فذهلنا لتدفق اللآلئ . كراتُ الضوء النارية تتفجر من بين اللحم الطري والرمل والأعشاب . تجمعتْ في يدي تلالٌ من الفضة المشتعلة ، ورأيتُ بيتي الصغير القزم المشوه يستحيلُ قصراً ، وأنا أغني في رحلةِ العودة ، والبحارة جسدٌ مشتركٌ من الفرح .
قربته مني ، أعطيته أغنى السمكات والأرز المضمخ بالزيت ، وضعته في صدارة مجلسي ، تحدثتُ كثيراً عنه ، وهو صامتٌ ، هادئ ، تتراقصُ الطيورُ قرب عينه ، ذاهلٌ في ملكوتٍ خفي ، ربما كان يحدث أحداً الآن ، ويلقي بخيوطه لملكات الجن الساحرات ، ويبحرُ بين قصورٍ من ذهب ونار .
يداه العميقتا الغوص ، ملأتا خزانتي بالدرر ، لم تعد لي كوكبة من الهياكل العظمية الشائخة، بل جيوشٌ من الفتيان الضاجين بالصياح ، المندفعين إلى الأعماق ، وكتل من السفن العملاقة التي يرتجفُ البحرُ تحت خشبها الجبار .
ذهبُ معه إلى الهند . أردتُ أن أفرحه بطعم النساء والمدن الغريبة . لكن الرجلَ كان يتركني ليتسرب إلى الأزقة ، ويصادق الحواة والسحرة والمهرجين . راح يخرجُ من جيوبه طيوراً وبيضاً ، ويمشي على نثار الزجاج ، والمسامير ، وهو يضحك . رأيتهُ مرة يطيرُ من نافذة الفندق . خفتُ . ارتعبتُ . هذا الرجلُ سيهلكني ويستولي على قصري وبناتي .
كانت الغرفة مغلقة ، وضوء المصباح الشاحب يرسمُ مارداً على الجدار . كان يراسلُ أجساماً لا مرئية ، وبدت بشرتهُ السوداء الصلدة كمنجمٍ ، أو غارٍ عميقٍ في الأرض .
ما الذي جعلني أثق به وأنام معه في غرفة واحدة ؟ عرقي غزير وهو لا يزال جاثماً على الكرسي ، يرفضُ أن ينام .
جاء الصباح المنقذ ، وذهبنا للميناء ، كان الجو صحواً ، بارداً ، وثمة هدوءٌ عميق ساحرٌ في الكون . قبل أن أركب السفينة أمسكني من يدي ، وهتف:
ـــــ لا ، لا يا عمي ، لن نذهب في هذا اليوم !
صرختُ به:
ـــــ ماذا بك ، هل جننت ؟
يدي كانت تحتجُ ، وفمي يضجُ بالشتائم ، إلا أنني كنتُ مرفوعاً على كتف هذا العملاق ، وحقيبتي الكبيرة بيده الأخرى .
حبسني معه في الغرفة . كنتُ ساخطاً لذهاب اليوم الجميل بدون البحر الأزرق الشفاف ، والمقعد في قبة السماء . غصتُ في الفراش اليابس المجعد وأحتسيت زجاجة كاملة .
كان الرجلُ كعادتهِ جامداً في مقعدهِ ، راحلاً في عوالمهِ الغريبة ، يتراسلُ مع فراشات نارية ، ويجذف في مياهٍ بعيدة .
فجأة ارتعش المبنى ، اهتزت النافذة . تغير الكونُ كله ، رعودٌ وزاوبعٌ ومياهٌ عنيفة تضربُ الجدران وتقلقل الأشياءَ . اختفى البحرُ وغاصت السفنُ في اللجج المجنونة .
نظرتُ إليه وصحتُ:
ـــــ من أنت ؟ من أنت ؟
نظر إليّ بدهشةٍ وقال:
ـــــ أنا عبدك خميس !
خميس ، هذه الأسماء الغريبة ، بزغت من مجاهل الغابات ورقصت في ساحاتنا بتعاويذها وصلواتها وحركاتها ، وضوعت بخورها في مسامنا الداخلية ، فرقصنا ودرنا وانتشينا ، وغبنا ورحلنا في الأجساد الغضة ، وانهار الحليب والليمون والمسك ، أسيادنا وعبيدنا ، أشباحنا وكوابيسنا ، يواقيتنا وقمامتنا ، أواه . . متى تنتهي هذه العاصفة ؟
عدنا إلى البحر ومدينتنا . لا زال النضار الأبيض يتجمعُ في يدي ، صار الرجلُ هو الذي يمضي للبحر ، ويحصدُ بمنجلهِ الحاد اللؤلؤ ، ويلقيه في صناديقي . أضحك ، وأشعل أولادي، واملأ البحر بالخشب والسواعد . .
وذات يومٍ لم يعد لهذا الذهب من قيمة ، صار تراباً . . غاصت السفنُ في القيعان ، وانطفأت السواعدُ وشحبَ البحرُ ، وفرغت الخزائن من الخبز والأرز . سرتُ في الطرق نادباً ، بيتي الشاهق لم يعد لي ، وعبيدي الذين يملأون الغرف هربوا ، ليس لدي سوى قروشٍ قليلة وعكاز قوي هو خميس أتوكأ عليه لنشر مراثيي .
سار بي هذا الجسد الصلدُ تحت مظلة الشمس ، وفي برارٍ بكرٍ ، وأنا مذهول لخطواته الحادة ، والأعشاب التي يحيلها إلى ماء ، والرملُ الذي يصيرُ ذهباً .
كانت جوقة كبيرة من الأجساد ، وحشدٌ هائلٌ من الأعمدة والقضبان والأكواخ والصيحات . ثمة أغرابٌ بيض يوزعون الأدوار ويبحثون في الأرض عن أشياء عجيبة.
انضم خميس إلى الجوقة ، وجثمتُ في كوخ أسجل الأنفار . كان يقودُ الجميعَ ويدورُ حول البئر ، ويغني صادحاً بأغنيات البحر ، يتحدُ الجميعُ وينهالُ المثقابُ في بطنِ الأرضِ ، ولا يظهر سوى ماءٍ وطين .
يحتار الأغرابُ في خرائطهم . خميس يسمعُ نبضَ الأرض ، يتذوقُ الأعشابَ والحصى ، ينصتُ إلى أصواتٍ عميقة ، ويدندن ، ويقودُ الجمعَ إلى بقعةٍ نائية . يحفرون . يتكتل البحر الأسمر الفاحم ، وتغتسلُ الأعمدة بالعرق والدم ، ويتفجرُ ماءٌ ثقيل أسود ، يرفع الأغراب قبعاتهم وزجاجاتهم ويشعلون الليل بالأنوار وأقواس اللهب .
يحيونني ، ويعطونني طاولة ودفاتر ورجالاً . خميس ينزفُ إلينا رجالاً من المصائد والأطلال، وأنا أقودُ شاحنة مليئة بهم ، أقذفها تحت الآبار والآلات ، لتستحيل بيتاً كبيراً وسيارة سوداء كأنها ساحر ملموس .
الآن أتمدد في الظل مستريحاً ، أرقبُ طوابير الرجال وهي تقتحمُ الصخورَ ، أشرب الزجاجات الباردة ، أدخن غليوني بلذةٍ وأبهةٍ.
وذهلتُ ذات يوم ! كان ثمة ثلة من الرجال يحملون جسداً ممزقاً . لم يخطر ببالي أبداً أن يكون هذا المقطَّع هو خميس ذاته . خميس بلا ساق . ودم كالنافورة يشخبُ من ينابيعه الداخلية الفوارة . تجمدتُ . ماتت الكلماتُ داخلي . انطفأت المشاعر والأفكار.
من هذا الصائح النائح ، كتلة اللحم المهروسة ؟ أيعقل أن يصير خميس طعاماً لأسنان الآلة ؟ أيغيبُ هذا النجمُ عن سمائي وأعودُ للرمل ؟
قدتهُ بالشاحنة إلى المستشفى . لن يعد قادراً على شيء . ربطوا ساقه ، وأقفوا النزيف الذي أحاله إلى ليمونة يابسة . اشتريتُ له فواكه وخضروات وخبزاً . دفعتُ له حقوقه المالية وأنا أرتجفُ من الحسرة . .
منذ ذلك اليوم انقطعت صلتي بخميس . بدا أن تعاويذه الجميلة انزرعت في أيامي . ازهرت منزلاً كبيراً . سافرتُ كثيراً . امتلأت خزائنُ شركاتي ومتاجري بالمال . وفي رفةِ كلِ زمنٍ كنتُ أتذكرهُ ، وأتحسرُ على غيابه ، وأحنُ إلى وجوده الفائض بالنعم .
لكنني لم أذهب ولا مرة واحدة إلى منزله ، وحين تذكرتُ ذلك وأنا أدهس الأزقة الضيقة القذرة بسيارتي الكاديلاك العملاقة ، تشوقتُ إلى رؤيته .
قادتني الأيدي العصي للصبية إلى كوخٍ حقير مهترئٍ ، دهشتُ . سمعتُ بكاءً .
ثم رأيتُ خميساً على ناصية الشارع ، وهو يقودُ عربة بيع . كان ثوبه يستر جسده المقطوع ، وذهلت عندما رأيته يجمعُ الصبية والناس ليرقص ويغني ويقدم ألعابه السحرية بكلِ خفةٍ ومرح !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ツ 4 – سهرة «قصص»، 1994. ❖ «القصص: السفر – سهرة – قبضة تراب – الطوفان – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».
الطــوفـــــــــــان ـ قصةٌ : لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
لن يأتي أحدٌ . هؤلاء الغرباءُ سيعبرون المحيطَ لوحدهم . كلُ الخيوطِ التي القيتها في المياه كي تصطاد شيئاً جاءتك فارغة . اجترْ هذه الوحدةَ المميتة وضاجعْ الريح الساخنة . لم يعدْ ثمة شيءٌ من النبيذ ، إذن أشرْب ودعْ هذا الليل ينجلي فمهما طال البعدُ ، وعربدتْ الرياحُ المجنونة ستجد نفسك مرة أخرى وراء سفينة في صحراء اليم.
كلُ هذه الجزرُ البازغة في الماءِ ربيتها كأولادك ، وهذه الطرقُ الطالعة كالوديان الخضراء نادمتها ولم تسكرك . حيتانٌ صادقتها ، غيومٌ ودعتها ، عواصفٌ مزمجرة قلقلتْ الجبالَ خرجت من عباءتك . .
أقرعْ كؤوسَ الأشباح ، ها قد مات العمرُ هنا ، بعثرته بين القراطيس التي لم يقرأها أحدٌ ، والتحديق في النجومِ اللامبالية ، وعدم النوم وراء الدفة ، أقبض بأصابعك خيوطَ نهارٍ واحد أن تقدر، حتى البحر يكبرُ ، ولم يعد صبياً وديعاً كما كان ، اشتعلَ رأسه زبداً، واستل من خناجرهِ ناراً وبراكين جديدة .
دغدغْ الرأس بالكأس ، ودع أشباح الغواني يهدهدن وحدتك . علك تنامُ . علك تغرفُ اللذة وتنتشي ، فيزهرُ الشبابُ على أطرافك .
منذ أن ألقت السفينة مراسيَها على الشاطئ وأنت مبحرٌ في العاصفة. صرختَ في نجمٍ: أنظر أنا أقتربُ من الموتِ ولم أفعل شيئاً طوال عمري !
تطلع إليك بود:
ـــ ماذا تقولُ أيها الشيخ ؟ كلُ هذه الأعمالُ الشامخة ولم تفعل شيئاً ؟
ـــ أية أعمال شامخة ؟ !
ـــ هذه الكتب التي صارت دليل كل ربان ، صرتَ الأسد الأخير في قارات الماء !
ـــ كتبٌ ، ورقٌ ، مجرد ورق ، قد يحترقُ ، قد يغرقُ ، قد لايأبه به أحدٌ . أنا ، أنا ماذا قدمتُ لنفسي ، عشة في جلفار ، وامرأة أراها في كل خمس سنين مرة وأولاداً كبروا بدون علمي . . !
ـــ ماذا تريدُ وأنت ما عليه من العمر ؟
ـــ ماذا بي ؟ لا تزال القوة لم تقدح مني . آلاف الشرارات كامنة في خلاياي ، وكل شرارة لمائة حريق . دعني أسبحُ في بحر الحواس ، دعني أرقصُ ، أعزف ، أقبل مليون امرأة على هذا الساحل . بعد عام أو أكثر ستضعوني في القبر كتلة من الحجر . ماذا تريدون أكثر مما أعطيت ؟ فرشتُ لكم المحيط سريراً من الخرائط ، أخرجتُ الوحوشَ والأشباحَ من الجزر ورصفتُ طرقكم بالنجوم ، كلُ بحار يتوغلُ في الماء يتمتمُ باسمي كأنني تعويذة للخير ، ملكتُ المحيط بلا تاج ، وأضخم كتاب لي لا يُستبدل بكأسٍ في أية حانة رخيصةٍ في هذا الساحل المتواطئ مع العواصف والجوع . . ماذا تريدون أكثر ؟ !
صمت نجم . لم تتراجع:
ـــ سأبيعُ كلَ هذا القماشَ والحديد والأصباغَ لتغدو أياماً رائعة .
ـــ ولكن علينا أن نرجعَ بعد شهر !
ـــ سنعودُ حتماً مع الرياح .
وأنطلقت . وضعت أشعارك جانباً واسترجعتْ أبا نواس . فلتعانقك الحاناتُ والصدورُ الواسعة ولتعبق جوانبك بالبخور والسرور . يا إلهي ، ما أطيب لحم السمراوات كأنك توغل في ليلٍ بهيم لتشعشع الأنوارُ في آخره . يرشرشُ ماءُ الشبابِ على رأسك ، تدخل عريساً وتخرجُ مولوداً ، ترقصُ في الغاباتِ وترقبُ الأنهارَ وأنت تحتسي عصارةَ الجذورِ فتخلد في الأغصان والأوراق .
ثم تخلو جيوبكَ من أي شيءٍ تدعو نجماً:
ـــ انتهت النقودُ ماذا سنفعل ؟
ـــ نرجعُ للبلد الذي غادرناه منذ سنين .
ـــ البلد ؟ أوه ، إلى تلك السفن والخيام والصخور والصقور ، ثم الامتداد الأصفر للرمل . . !
ـــ انظرْ هنا كلُ شيءٍ يضجُ بالحياة . . حاناتٌ ، نساءٌ شبهُ عارياتٍ ، غاباتٌ بكرٌ ، دعني أتوغلُ في هذه السعادة الحسية قبل أن يتوارى العمرُ . .
ـــ ولكن سنتحول هنا إلى شحاذين ؟ نحن لا نملك شيئاً سوى السفينة . .
ـــ السفينة ؟ نعم . . نعم . . سوف أبيعها !
ـــ لا ! لا نستطيع ذلك . ليست لك وحدك . معك بحارة ، أنا معك . . هل ستدعنا نهيمُ على هذا الساحل الطويل بلا عمل ؟ !
ـــ ستكون معي يا نجم كظلي ، لكن سأصرفُ البحارة . يشقُ عليَّ ذلك . لكن دعهم يبحثون عن عملٍ آخر .
ـــ لقد أصبحتَ مجنوناً !
نظر إليك البحارةُ باستغراب ورثاء وذابوا في المدن . أما أنت فقد عبدت امرأة جميلة في بيت قرب الغابة . نفضتَ كهولتك وجيوبك . خرجتَ صفر اليدين وأزهار كثيرة تنبت فوق صدرك . أسجدْ للضوء المنبعث من العيون ، للشفاه القرمزية ، وللنبيذ وجوز الهند والفراشات والأطفال يضجون بالضحكات .
تقولُ وأنت تتجلى:
ـــ يخيلُ إليَّ إنني في ملكوت النعيم . في قمةِ الضياءِ الباهرة . لو أن الزمن يكونُ هكذا ، يتوقف فلا يمتلئ الجلدُ بالتجاعيد ، ولا الشعرُ بالبياض ، ولا العين بالإظلام ولا البلدان بالغزاة ، ونتحولُ إلى فتيان ونشربُ ونرقصُ ونغني ونعملُ . . لكان العمرُ جديراً بأن يُعاش . .
يعترض نجمٌ:
ـــ ولكن ماذا نفعلُ الآن ؟ علينا أن نتدبرَ لقمة الغد . .
ـــ آه ، لا تخف. . خبزٌ وبعضُ ثمار غابة وطيور تقع في فخ ، تعيشك سنوات حافلة . الأروع أن تشعر أنك حر . بعيدٌ عن جبال الأمواج الغاضبة والحبال التي تحفر اليد والشمس الحارقة والعرق والدوار وجلود الرجال التي لا تتغير والزرقة التي لا تنتهي والليل الفاحم المدلهم والوحوش التي تنتفضُ في الموج وأعماقك البرية الموحشة .
ـــ سمعتُ إن ثمة سفناً غربية وصلت الشاطئ !
ـــ وماذا تريد ؟
ـــ تبغي الوصولَ إلى الساحل الهندي . إنهم كفارٌ قادمون من الغرب. كادوا يحرقون إحدى المدن التي رفضت دخولهم . لديهم غربان رهيبة . .
نهضتَ . سرتَ في الغرفة . فتحت النافذة . ورأيتَ الليل الأفريقي ينهضُ من فوق المدينة . تتنفس الأكواخُ هواءاً منعشاً وتشرب ضوءاً خافتاً . تصيحُ الديكة فرحة بالفجر وتبدأ غاباتُ الطيور بالغناء والعمل .
جلستَ محدقاً فيه:
ـــ تلك فرصتنا !
ـــ ماذا تقول ؟ ماذا تقصد ؟
ـــ أن نعبر إلى الساحل الآخر ونحرثهُ لهواً وفرحاً . .
ـــ كيف ؟ لقد بعتَ السفينة ، هل تبغي أن نتحول إلى بحارة عند ربابنة آخرين ؟
ـــ لا ، بل عند هؤلاء الغرباء ، سنقدمُ لهم خدمة يسيرة فنحيا بقية العمر في متعة خالدة !
قام نجم مفزوعاً:
ـــ أيها الكهلُ المخرفُ . . ماذا حدث لك ؟ كلما قلتُ إنك استعدتَ شيئاً من صوابك أزددت في العماء . إنك تغوصُ في الوحل وتتصور إنك طائرٌ حرٌ في السماء !
غضبتَ أنت الآخر:
ـــ ماذا بك هل صرتُ تلميذاً لك ؟ هل ننسى ما كنتَ عليه وما أردته مني !
ـــ لا ، لم أنس ، أذكر إنني جئتُ إليك وأنت في (بومك) الجبار ودهشتُ من كثرةِ بحارتك ومجلسك المفروش بجلود الحيوانات والمظلل بسيوف سمك القرش والمضمخ بالعطور ، فتصورتُ إنني في حضرةِ ملكٍ عظيم فانحنيتُ فضحكتَ أنت وقلتَ : تعالْ أيها الولد، ماذا تبغي من سلطان المياه ؟
ـــ فقلتَ أنك لا تريد سوى أن تكون تلميذاً مطيعاً لرجلٍ أطاعتهُ تياراتُ المحيط . .
ـــ وكم صبرتُ حينذاك كي أفهمك ! انعزلتُ أشهراً طويلة وأنت تنادم قراطيس تكاد أن تغطيك . صار الحبرُ كالمحيط . ثم اندفعتَ بالسفينة العملاقة في جوف المياه ورحتَ تتوقف هنا وهناك . وتكتبَ، وتلقي خيوطاً في البحر ، وتراقبُ نجوماً في السماء بدء الليل وعند الفجر ، تمشي بمحاذاة السواحل ثم تعانق جزراً قصية في أدغال المحيط وعند منابع الثلوج . . يا إلهي ، كم تعلمتُ منك ، وصار البحر ككف يدي ، أقرأ خطوطه وأتنبأُ بمساره . . أستأنستَ الوحشَ وترامت أنصاله في جسدك جروحاً وشيباً ويأساً . . ثم إذا بك تلتفتُ إلى جسدِ الشبابِ الهارب منك فتغدو طفلاً يضجُ بالصياح وألعاب الطفولة تذوبُ في بئر الكهولة العميقة . .
ـــ أتذكر كيف كنتَ تفتح فمك عندما كنتُ أوقف السفينة شهوراً طويلة وأنطلق في مسالك الهند شارباً من ينابيع المعابد والطقوس والمراقص والحانات ، أتلمسُ أهاب المغنيات واغتسل في ينابيعهن. كنتُ أتشرب كلَ شيءٍ في هذه الحياة ، أمتصهُ في ذاتي وأحيا بنوره وناره . تدخلُ أنتَ وتقول لم لا يعود إلى عمله ، السفينة غدت مزرعة للطحالب . ثم إذا بي اندفعُ إلى البحر وأرافق المياه أشهراً طوالاً . وتضجون أنتم بالصياح وتتفتتون من التعب ، ألحفتكم هي المياه والعواصف وأصدقاؤكم هم الحيتان وقروش البحر والأشباح . . حينذاك كنتُ أكتبُ وأكتبُ وأفكر بأراضٍ أخرى بعيدة وخلجان لم ترها عينٌ..
ـــ وها أنت تحضرُ لشطآنك غزاةً جدداً ، هنيئاً لها هؤلاء التجار القساة !
ـــ وما أدراك !
ـــ ألم تسمع كيف لاحقوا العربَ هناك في المغرب واندفعوا وراءهم بمدافعهم في كلِ مكان ؟ !
ـــ هنا شيءٌ آخر . إنهم بعيدون عن أراضيهم ، مجرد سفن معدودة، تريدُ الوصولَ إلى أبواب السلع ، والعربُ يملكون كلَ هذا المحيط الشاسع ، سفنهم كالجراد فوق الحقول ، فلنستمتع بوقتنا ، ولنعبَ من اللذة والفرح حتى نشبع ولا نشبع ، ولا نخف من الأعاصير البعيدة .
غمغمَ بشيءٍ لم تسمعه ثم سأل:
ـــ ماذا تريدني أن أفعل الآن ؟
ـــ أذهب إلى المدينة التي رسوا فيها وأنصت إلى الأخبار . . ولا تنس ذكري وسيرتي !
غسلت ثوبك وانتظرت ثم جاء الليلُ يتعكزُ على نجومٍ واهنة . اندفع هواءٌ جنوبي ساخن فأيقنتَ أن البحرَ فتح شبابيكه وراح يدعوك .
ملأ الاشرعة بالحب وغمر الشطآن بالقبل . أطلق القواقع من مصائدهِ والأسرار من أمواجه . . ليتك لا تحنُ إلى هذا المجنون المتربع على الكون أشعل بأصابعه الحياة وأشعل قلبك بالعشق . . لتكن هذه الكأس في صحته التي لا تدوم !
تسمعُ خطوات نجم الهادئة الرقيقة ، كأنه يخجل أن يصفعَ الأرضَ بنعالهِ . هذا الغصنُ النابتُ من شواطئ الصخور.
ـــ ليسوا تجاراً فحسب !
ـــ وجهك ينضحُ بالألم ، ماذا بك ؟
ـــ سفنٌ عملاقة لم تشهد لها هذه البحار مثيلاً .
ـــ ماذا يريدون ؟
ـــ أنت تعرفُ ذلك . . أفواهُ مدافعهم فوهات براكين . . سألوا عنك !
نهضتَ من مجلسك . هل جاءت المغامرة ؟ اسمه ، هل وصل إليهم أيضاً ؟ ليس بعيداً أن يفهمه أولئك أكثر من هؤلاء . سيقتلك هذا الصبي قبل أن يتكلم !
ـــ قل ، ماذا قالوا .
يجلسُ بهدوء . ويرفعُ الزجاجة الفارغة .
ـــ ليس هم الذين سألوا عنك بل موظفو الملك . لقد قال الملك لهؤلاء الغرباء أن ثمة رجلاً كهلاً حكيماً هو الوحيد القادر على إيصالكم إلى كنوز الشرق . لقد تاهت سفنهم وأكلتها الرياحُ وتساقطت هنا وترنح رجالها . . تستطيع أن تتركهم حتى يتعفنوا ثم نشتري سفنهم ومدافعهم بأبخس الأثمان . .
ـــ وكيف هم ؟
ـــ لم اقترب منهم . لكن بعضُ الأهالي رأوهم . لقد نزلوا الأسواق للشراء . آه ، كم هم متلهفون ومتساقطون على النعم والفواكه والأخشاب . . كأنهم لم يروا حريراً أو موزاً أو ذهباً . . يشترون شيئاً قليلاً ثم يتطلعون إلى الباقي بنهمٍ وحسرة وحقد . . خاف الأهالي من تلك العيون الزرقاء المجنونة . جرّوا أطفالـَهم من الطرقات . . المدينة كلها خائفة من غضبِ وطمع تلك السفن .
ـــ يا له من ترحيبٍ باردٍ !
ـــ يقال أن ربانهم الماكر قد حبس كثيراً من بحارته خوف اندفاعهم نحو المدينة وسلبها !
ـــ يا لخيالكم المريض !
ـــ وخيالك أنت ! أنت مستعدٌ الآن كما يبدو لكلِ شيءٍ . ثمة أقوالٌ كنتُ أخافُ منها ، أحسبها مجرد هلوسة كهلٍ ثمل . أقوالٌ استعيدها هذه اللحظة بخوفٍ ووجل . أجل . . أنت لم يعد يهمك شيءٌ ، حواسك ودغدغتها بالذة هو الوسواس الذي يسيطر عليك . خائفاً من الموت كصبي ينامُ قبل العيد . جبانٌ يريدُ أن يهربَ من جيشه إلى المواخير . . كهلٌ صبغ شعره ويخطب أبنته !
ـــ من أنت لتكلمني بهذه اللهجة !
ـــ لم يعد يهمك شيءٌ ، مستعدٌ أن تكون باروداً في مدافع البرتغاليين، بصراً لعيونهم العمياء ، أسكتْ ، إنني لم أعد قادراً على احترامك !
صمت فعلاً . لستَ قادراً على الكلام . إنه يرسم خريطة غريبة ، ويقودك إلى بلد الثلوج لتحاصرك الدببة والذئاب القطبية .
لو أنتظرت أياماً فستغدو شحاذاً . إنهم يكرهونك ولا يريدون لك مجداً . انصتْ : رحلتك ستكون عاصفة في التاريخ . قارة تخرجُ من الماء لتمتلئ بالأشجار والثمار . طوفانُ تجارةٍ سينهمر لتزدهر مدنٌ وشطآن .إذن حطم الزجاجة الفارغة لتبدأ رحلة عظيمة !
ـــ إذن سأودعك هنا . يعزُ عليّ أن نفترق بعد سنوات مليئة بالحب .
في الصباح حملت معداتك الصغيرة والخفيفة: الخرائط والكتب وآلات البحر . كان ينظرُ إليك بحرقةٍ عند عتبة الباب . بكى . رأيتَ دموعه تنهمر وعينه تحمر . قلبك يندفُع إليه . .
يقول:
ـــ لا أستطيع أن أتركك لوحدك مع هؤلاء .
تضمهُ بود:
ـــ جعلتَ من هذه الرحلة كارثة قبل أن تبدأ !
معاً تقتربان من السفن . إنها حقاً كتلٌ عملاقة ، أشبه بمدن صغيرة تنسابُ فوق اليم . ثمة صوارٍ كثير فيها . وها هو جيشُ البحارة يتطلع إليك باستغراب: رجلٌ كهلٌ ، مهلهلُ الثياب ، يضع كوفية ضاعت ألوانها ، وتتدلى منه لحية خشنة ، وليس معه أي سلاح ، ويريد أن يقودَ هذه الكوكبة من سفن أوربا إلى الشرق !
أدخلوك على قائدهم . رجلٌ يلبس ملابس غريبة مزركشة . شابٌ ناري العيون . صافحك بقوة . وراح يتمعنُ في أدواتك البسيطة مندهشاً . نادى على آخرين فراحوا يتفحصونها بدورهم . جلبوا لك مترجماً ، وسمعت الربان يقول:
ـــ الآن تبدأ صداقة جديدة بين الشرق والغرب ، وأنت تدشنها أيها الشيخ الجليل !
لم تستطع إلا أن تهتز فرحاً . الأبواق تصدح ، وحماماتٌ في الأعالي ، ثم انفجرت قذيف مدوية في الفضاء . وعلى مرمى النظر راحت المدينة تحتفل باللقاء . اندفع الزنوجُ في الطرق ورأيتَ النساءَ ذوات الملابس المزهرة الزاهية يرقصن وأغصان الشجر والورد ، وتعالت سحبُ الدخان من الأكواخ والبيوت .
انتفخت الأشرعة بالرياح ، ومددت يدك نحو الشمال . دهش البحارة والربان وأنت تأخذهم بعيداً عن الشرق .
دخلت كبينتك الفخمة . رأيت نجماً يحدقُ في الغابات العذراء القادمة.
ـــ أرأيتَ أن كل شيءٍ يمرُ بسلام ؟ ! وبعد أسابيع سوف نتمرغ على رمال شواطئ الهند ونرتوي من ينابيع لذتها . .
مضى يومان ثم عدلت مسارَ السفن نحو الشرق . امتلأت الأشرعة بهواء المحيط وراحتْ تسبحُ بانسياب نحو الشرق .
كلُ شيءٍ لديهم يثير استغرابك . عالمٌ غريبٌ وجديدٌ يولد . أدوات مختلفة ، أحياءٌ كثيرة تــُصطاد وتــُفحص وتــُرسم . محارٌ يـُفلق ويوضع لحمه في زجاجات , لؤلؤ صغير يثيرُ جدلاً صاخباً ، يشيرون إلى جهاتٍ بعيدة . خرائط كبيرة موضوعة على الحوائط يُرسم عليها المسار . عملهم لا يدل على تجارةٍ فقط . بدأ خوفك .
جلست مع الربان على مائدة العشاء ، طالعك المترجم قائلاً:
ـــ أنت تعرفُ جيداً بلاد الشرق ؟
تمتمت:
ـــ بعض . . الشيء . . !
ـــ يقال إن لديك كتباً عن البحار . هل معك نسخاً منها ؟
ـــ نعم .
ـــ سوف أجلسُ معك لأسجل كلَ ما تعرفه أيضاً .
ـــ ولكن . . لكن لم نتفق على هذا ؟
ـــ كل شيءٍ بثمنه . . لم تخاف ؟ نحن نريدُ أن تحفظ هذه المعلومات الثمينة . أوراقك تندثر هنا . سوف نترجمها ونبقيها مدى الدهر .
وقبل أن تقولَ شيئاً كانت دفاترك بيده لكن استعصى عليه فهم أشعارك .
لا شيء سوى البحر والريح . امتدادٌ أزرق لا متناهٍ . أنت الآن في قبضة أخطبوط ناعم شفاف يلتفُ وكأنه يرقص . أفواهٌ تسأل عن جلفار وأوال . يرصدون كلَ حجر . يسجلون أي نأمة . هل هؤلاء تجار ؟!
عيونُ نجمٍ تطالعك برثاءٍ قاس . لم تستطع أن تبلعَ أكلهم الغريب . تقيأت . هل هو دوار البحر أم دوار السنين ؟
خطفوا كتبك وأدواتك . تستطيع أن تقودهم إلى مملكة الدببة في الجنوب ولكنك مذعور . أيها المتشبث الرهيب بالحياة !
عيونُ نجمٍ تطالعك في المساء . ظلمة تبتلع آهاتك . أخدودٌ عميق تنهارُ فيه ولا حبل ، ليس مجداً ولكنه عار .
تخافُ أن تعلن عن شكوكك . نجمٌ سيرثيك ويقرصك . هل لا بد أن تتعلم الآن من الفتيان ؟ هل ضاع العمر في الماء ولم تعرف شيئاً عن المدن والغزاة ؟ لمَ لمْ تعلم زوايا طلوع الأعداء ؟
إنهم فرقة استطلاع تكتشفُ كلَ شيءٍ . وأنت حارسُ الماء أعطيتهم مفاتيحه . ألا ترى الموجَ يصطخبُ ؟ الآن لا ينفعُ الندمُ ولا البكاءُ . ورأسك يفقد الأجوبة . تدورُ الأشياءُ ، يغدو المحيطُ جبالاً ترتمي على وجهك . تسقطُ . ترى نفسك عند قلعةٍ هرمة على الخليج . عجوزٌ أبيضّ جلدهُ . تتساقطُ عليه الحممُ . لا القلعة تؤويهِ ولا الأشجار التي تحترق .
يا للعنة ! الدوار من جديد . تقيأ نبيذك وأيامك .
لو أن هذا الماء ينبثقُ فجأة عن أرضٍ فتتسربُ إليها أو يبزغ طريقٌ وعرٌ بين الماء ؟ كم يبدو مصيدة بلا حدود . كيف هو كبير وقاس إلى هذه الدرجة ؟ ألا يراعي حق الرفقة ؟
يأتي النهارُ ونجمٌ يدعوك للراحة . « دعني أيها الفتى ، البحر ليس كالبر ، ونفسي الآن تهفو لزجاجة أو امرأة . خائف من هذه الأشرعة المندفعة كالبركان . ».
نجمٌ هو الوحيد الذي يمكنه أن يسري عن نفسك . دعه يخدعك قليلاً، دعه يقولُ إنك مصيب ، وأن الناس سترقصُ فرحاً على الشواطئ .
« أي لقاء هذا وأي مجد ؟ لو كان بإمكاني أن آكل أصابعي أو ألقي بنفسي في المياه ! ».
ترنح على الخشب وحاول أن تهدأ وتنام . أين ذهب الشاطئُ الجميلُ والنبيذ والغاباتُ والحوانيت ؟ لماذا لا ترسم سوى هؤلاء البحارة الغلاظ المدققين في صمتك ؟
ها هي جزيرة كبيرة تدنو . قرى صغيرة وقطعان من الماشية وحقول واسعة . كم مرة جئتَ إليها ورسوتَ. تعرف رجلاً عجوزاً طيباً صاحب حانوت ، وقرية صيادين تتدلى فوق أحجار . هل تسنحُ الفرصة للتسرب إلى بيوتهم الصغيرة المتوارية ؟
تتوقف السفنُ وترى قواربَ صغيرة تنسلُ منها نحو الجزيرة . فجأة ترتجُ السفينة بعنف ، ثمة قطعة نارية انبثقت منها . لعلها تفجرت خطاً . لكن قطعاً أخرى تومضُ وترعدُ في الجو . تحدقُ في الجزيرة المشتعلة . القواربُ تصلُ ويندفعُ البحارة سيلاً مسعوراً من الشهوة المدججة بالسلاح.
تتجمدُ أصابعك على الخشب . ويكفُ لسانك عن الوجود !
إن العقد لم ينقض . إنه ينصُ على أن توصلهم إلى البر الكبير البعيد. هل طلبتَ أن لا تستباح جزيرة أو أن لا تسمع صيحات نساء ينتهكن في عرض الطريق أو أن لا تحمل القوارب قطعان الماعز ونقود الصيادين ؟
انتظر الآن استباحة الساحل الكبير !
نجمٌ يندفعُ صارخاً بين دهشة البحارة . أنت تعلنُ الصمتَ التام . فليتوجهوا أينما يريدون . لم تعد لك علاقة بهم . صافحت تجاراً وليس قراصنة . قدمت قنطرة لغريق فإذا هو تمساح . كنْ مضرباً عن الكلام .
يأتون إليك ، يبعثُ لك الربان . يملأ القطنُ أذنيك وأنت تسمعُ تأوهات البحارة فوق النسوة . طابورٌ طويلٌ ينتظر دوره . خرافٌ تـــُذبح وتسلخ وتتفاقم رائحة الشواء والنبيذ . معدتك تتلوى ألماً . لا تريد سوى أن تذوبَ في الشاطئ . هذه التأوهات ستغدو رفيقة أحلامك . جثتا امرأتين تــُـلقيان في البحر .
هذه المياه كم رأت لصوصاً كثيرين ، قراصنة ، نخاسين ، تجاراً ، سيلاً من البضائع والسيقان والدماء . كنتَ تتطلعُ ببرودٍ إلى العبيد وهم يُصفدون في القاع ويُرسلون إلى بلدك .
ثمة شيء كان يطفو في نفسك وسرعان ما يركزُ في القاع . والآن يندفعُ متفجراً !
يأتون إليك كي تفتح الجهات الموصدة . صمتٌ مطبقٌ . لو صرتَ جثة في هذه اللحظة فلن يهم . لتمت ، شبعت من الحياة . الربانُ يهددُ. ينتزعون نجماً ويربطونه على أحد الصواري . يمزقون ملابسه ، تنهالُ السياطُ الضارية عليه . تأكلُ من جسمه وتشرب الدم.
ـــ ستتكلم أيها العجوز المأجور !
ما الفائدة من الصمت ؟ بضعة أيام وتلوحُ أنوارُ الشاطئ ، نجم قد يموت ، فتى طازجٌ يانعٌ كالزهر . أظافرهُ تكتبُ على الصاري بلون قانٍ . يصرخُ : لا تتكلم ! هذا هو شرفنا الأخير أيها الكهل !
لن أكابر . دفأت الثعبان في صدري . أعطيتهم لحمي لكي يبيعوه مسمماً . لماذا صار النبيذُ دماً والماءُ مستنقعاً وفخاً ؟ أصابعي تجمدت ، ولساني لم يعد ينهض . لن أدعك تموتُ أيها النجم الوحيد في هذا الأفق المظلم حتى لو طاردتني أحجارُ الأرامل وعصي الشيوخ في المدن . لن أدع هذه العظام تتحطم .
لماذا انطفأت الحواسُ فجأة وجف نبعُ الشهوة ؟ دماء النساء هنا قرب قدمك ، وأصواتهن غرقت في المياه . استحالت الجزيرة إلى خيوطِ دخان ، أي أفق سيكون ؟ سفنٌ ، جيوشٌ قادمة ، زوابعٌ من خشب وحديد ونار ، تنهمر في الجزر والمدن ، سيولٌ تحرثُ الأيدي المتشبثة بالزرع ، أي عالم مجنون ؟ لا بد أن تصل إلى الشاطئ وتقول: تعكز على هذا الشاب الجريح وأصرخ . غير الأوراق لتبدأ السيول.
ــــــــــــــــــــــ ツ 4 – سهرة «قصص»، 1994. ❖ «القصص: السفر – سهرة – قبضة تراب – الطوفان – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».
