كتب : هدية حسين

من معاناة الفقراء اليومية، من احلامهم المستحيلة وخوفهم المستديم، من قهرهم وانسحاقهم يقدم لنا الروائي البحريني عبدالله خليفة اغنية الماء والنار ويعرض علينا موضوعته ببساطة تناسب بساطة شخصياته، وهي بساطة الروائي المحترف الذي يذكرنا دوماً بما نسيناه او ما تناسيناه في خضم الركض وراء سراب الحياة، يذكرنا باولئك الناس الذين ما يزالون يشكلون النسبة الاكبر على هذا الكوكب، تلك النسبة التي تعيش بصدام لا ينتهي وهي تقف على حافة مسننة من هامش ضيق من الحياة، تأتي الى الدنيا وتشقى ثم تمضي منها دون ان تحقق ما تصبو اليه .. انها فوضى الحياة التي تأخذ منهم ولا تعطيهم ما يستحقون، ويأخذ آخرون اكثر بكثير دون ان يعطوا شيئاً .. هذه هي المعادلة المختلة التي تقوم عليها حياتنا والتي لم تستقم ابداً منذ بدء الخليقة .. ومنها انبثقت رواية اغنية الماء والنار الصراع الدائم بين الاغنياء والفقراء.
تنطلق الرواية من حي فقير جداً يعيش سكانه في اكواخ وبيوت وعشش من التنك والصفيح، تمتلك ارضه سيدة تسكن بعيداً عن الاكواخ في بيت حجري، سيدة لها سطوة وجاه تصل الى المتنفذين من سلك الشرطة، وبيتها هو الوحيد الذي تصله الكهرباء في ذلك المكان، بينما الحي بأكمله يعيش في ظلام دامس في الليل، ويقال عن هذه المرأة بأنها اميرة الاميرات ولها حرس وخادمات.
يتغلغل عبدالله خليفة في مفاصل هذا الحي ليكشف لنا نمط العلاقات السائدة والمعاناة التي يعيشها الناس والتي تكاد تكون زادهم اليومي.

الشخصية الرئيسية في العمل منحها الروائي لشاب يعمل في السقاية يدعى راشد .. فهو المسؤول عن ايصال المياه الى البيوت .. حياة هذا الشاب اكثر من بسيطة، يعيش في كوخ هو كل ما يملكه . هو شخصية مرحة معظم الوقت، يحكي الحكايات لاطفال الحي ويشاكس النساء احياناً .. في الليل حيث يأوي سنعرف ان لراشد وجهاً آخر، فهو يحلم بالزواج من زهرة احدى بنات الحي، يتمنى ان يعيش معها في بيت حجري وينجب الكثير من الاولاد، وزهرة هذه لا تشبه الاخريات اللواتي يداوينه اذا جرحت قدماه، ويضحكن له اذا قص عليهن طرفة، ويسألن عنه اذا تأخر .. انها تغلق الباب دونه، وتحتقره وتشيح عنه اذا مر بالقرب منها، بينما تضحك لصديقه جابر وتقف معه طويلاً عند الباب .. وسنعرف انهما – زهرة وجابر – على علاقة سرية ستكشفها الايام.
لكن احلام راشد لا تقف عند زهرة .. فلطالما ود ان يرى اميرة الاميرات، وتحقق له ذلك ذات صباح حين رأى سيارتها تنتظر قرب بوابة قصرها، ومنذ تلك اللحظة كره الحياة التي وجد نفسه عليها، كره حياة الفقر والعمل المضني في حمل الماء، وكره الكوخ البائس الذي يحتوي جسده المتعب في الليل .. لكنه كان يهرب من هذا الواقع الى الاحلام، وكان من شأن الذين كان يقص عليهم القصص، وعن النساء اللواتي لا يجد فيهن ما يأخذه الى مغامرة كتلك التي تحققها له اميرة الاميرات في احلامه والتي تاخذه الى بيت تلك السيدة فيرى نفسه وقد اضاء مصابيح بيتها واطل من نوافذها العالية على الاكواخ البائسة .. بل اخذته احلامه اكثر من ذلك فوجد نفسه على فراشها الوثير المضمخ بماء الورد .. لقد خرجت احلامه عن نطاق احلام الفقراء، وصار عليه ان يسعى الى ذلك البيت الحجري بأية طريقة.
كان اهل الحي يسمونه ملك الماء ذلك ان مهنته لا تبور طالما بقيت الاكواخ غير مشمولة بمد انابيب الماء الصافي .. ومع ذلك فان هذه المهنة لا توفر له اكثر من قوت يومه .. يأكل القليل ويهرب الى احدى الخمارات لعله ينسى بؤس يومه.
وعبر رحلة راشد على ارض الواقع وفي طيات الاحلام يلقي عبدالله خليفة الضوء شيئاً فشيئاً على شخصياته، زاد رحلته في هذه الرواية التي صدرت ضمن اربع روايات عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2004. فهناك جابر صديق راشد، وهو شاب يعيل اسرة كبيرة متكونة من ام واب واخوة مما يعيق علاقته بزهرة ويحجم عن الزواج منها بسبب ضيق ذات اليد .. وسنقف على اكثر من محطة في حياة هذين العاشقين بالتوازي والتقاطع ايضاً مع احلام راشد ومعاناته.
ذات ليلة كان القمر فيها يمر بحالة خسوف، خرج الناس حاملين الاواني للطرق عليها لعل الحوتة التي ابتلعت القمر ترأف به وتخرجه من فمها المرعب، وكان راشد يمشي في تلك الليلة على غير هدى حين سمع همساً ولمح ظلال امرأة ورجل ظن للوهلة الاولى انهما زهرة وجابر .. وقد حالت ضجة الناس وطغت على المشهد حتى صرخ بهم ليخبرهم ان ما يحدث للقمر ما هو الا بسبب هذا الفعل الشائن.. واسرع والناس من ورائه باحثاً عنهما .. الا انه لم يجد شيئاً وانما ابتلعته احدى الحفر في ظلام الليل، ولم يسمع الا الضحك منه وعليه، واصيب بجروح ورضوض .. ولكن ما آلمه اكثر هو تأنيب الضمير لأنه لم يكن متأكداً مما رآه، فهل يا ترى كان اشكالاً بصرياً تساوق مع افكاره المريضة؟ مهما يكن فقد شعر بالالم لعجزه ولتفاهة حياته وخلوها من الدفء والحب.
ثمة انتقالات انسيابية بين البيت الحجري وما يجري فيه، وحياة الفقراء في الاكواخ والصرائف .. في ذلك البيت تقرر السيدة طرد سائقها العجوز، وكانت المصادفة قد وضعت راشد امامها حين جلب لها الماء، فاقترحت عليه ان يعمل لديها وسوف يتدرب على السياقة .. ها هو الحلم يحلق به عالياً، لطالما تمنى رؤيتها والآن يصبح قريباً منها.
وخلال ايام قليلة قاد السيارة، والمرآة الحلم تجلس في المقعد الخلفي، انه يثرثر معها فتصده بسرعة، ليس هذا مهماً، انه يطمع بامتلاكها وففي اسرارها التي جعلتها غامضة ومهابة الى هذا الحد.
لقد تغير كل شيء فيه، صار نظيفاً وصارت الفتيات قرب يديه، يفتحن له الابواب ويبدين اعجابهن به، بل حتى زهرة اصبحت تنظر اليه بفضول واعجاب .. لكنه لم يصل بعد الى ما يصبو اليه، صارت احلامه تسبقه ويعجز عن اللحاق بها، فهو لم يستطع في الواقع ان يعرف السيدة او يقترب من زوايا البيت واسراره، في وقت فقد فيه الاصدقاء وجلسات الشاطىء وحكايات الاطفال .. وعلى طرف آخر يمضي صديقه جابر في علاقته السرية بزهرة .. لقاءات مسروقة بعيداً عن الانظار .. هي تحبه ولكنه مكبّل بأسرته، وحين تخبره ان رجلاً غنياً تقدم لخطبتها تداهمه فرحة خفية ليزاح العبء عنه .. وقد حدث الامر فعلاً ذات يوم عندما تعالت الزغاريد في بيت زهرة، لكن ما ان آلت الامور الى ذلك حتى شعر بالندم واكتشف ان علاقته بها ليست عابرة وانه يحبها فعلاً.
كل يمضي الى حلمه بطريقة مغايرة، وقد تأتي الاحلام باكثر مما يتمنى المرء وها هي السيدة تطلب من راشد دخول غرفة نومها .. اعطته دفتراً كان بحوزة السائق السابق وامرته ان يجمع لها ايجارات البيوت .. لقد ارتفعت منزلته وخيّل اليه بأنه اصبح قاب قوسين من الشمس .. ولكنه حين راح يدور على الابواب واجهه الكثر بضيق الحال وقلة المورد .. ماذا يفعل؟ انه لم يعد ذلك الشاب البائس الذي يحمل الصفائح وينقل الماء مثيراً ضحك الاطفال، انه الآن بوجه رجولي صلب وينام على سرير فخم ولا بد لشخصيته ان تتغير .. وتغير فعلاً، صار يعامل الناس بفظاظة، ولا يترك الابواب الا بعد استحصال الايجارات، فالمهم لديه هو رضا السيدة التي قلبت حياته رأساً على عقب، والوصول الى حلمه الى اقصى المديات .. وها هي تناديه للصعود الى الطابق العلوي الذي لم يكن مسموحاً له ان يتخطى عتباته، ليس مهماً ماذا تريد منه، قد تستخدمه جمراً للمباخر او فحماً للمواقد .. صعد السلم بهواجس كثيرة لا تستقر على شيء، وحين وصل احس بأن الاضواء التي تحيط المكان قد انطفأت فهوى الى الارض لا يدري بالتأكيد هل رأى السيدة في حضن رجل ام تراءى ذلك، كل ما يدريه ان السيدة صرفته حين احست بتعبه .. ومضى الى البيت مستغرقاً في نوم عميق لم يصح منه الا بعد ايام كانت فيها السيدة قد تزوجت من رجل ثري يدعى خليفة، وفي هذا الوقت بالذات كان صديقه جابر ينتظر في مكان ما زهرة التي شكلت له في آخر مرة رآها فيها ما تعانيه من زوجها التاجر .. كان ذلك اللقاء قد وضع حداً لعلاقتهما اذ لم تعد زهرة تلك المرأة التي احبها .. لقد تخلت عن براءتها ودون خجل تعرت امامه فبدت امرأة مبتذلة على نحو مريع ..
.. وانهارت ايضاً بعد ايام علاقة الزواج بين السيدة وزوجها خليفة، فاستغلت غيابه في رحلة صيد لتبعث بخادمتها الى راشد وتخبره بأنها تحبه وتريده فوراً.
لقد اصبحت المرأة المضيئة بين يديه، وسيأخذه الفرح الى حدود لا نهاية لها.
ولكنه افاق من حلمه وهو بين يديه، تطلب منه ان يحرق الاكواخ ليجبر الناس على الرحيل، وتستثمر الارض بطريقة افضل، وهنا يقع راشد في صراع مرير مع نفسه اذ كيف يتحول الى رجل شرير ويحرق بيوت الناس؟ واخيراً تغلب عنصر الشر وقاده الى صفيحة غاز وعلبة كبريت لتذهب الاكواخ الى النار ويذهب الفقراء الى مكان آخر، وتذهب ذكريات طفولته الى هباء منثور، الحياة الجديدة بانتظاره والمرأة الاميرة طوع اصابعه.
لقد برع الكاتب في لحظات الصراع التي عاشها راشد بين اقدام واحجام وهواجس واحلام ثم البحث عن مكان مناسب لاشعال الشرارة الاولى واستحالة الليل الى نهار وصرخات وعويل، كل يريد النجاة بنفسه من هذا الجحيم الذي اتى على الاكواخ والصرائف .. وهرب راشد باحثاً عن مكان يختبىء فيه فسقط في حفرة عميقة يتناهبه الخوف والحلم في وقت واحد .. الخوف من ان يفتضح امره .. والحلم بامتلاك السيدة التي سلمها كل شيء حتى جثث اهله وتحول من شاب طيب يحمل صفائح الماء ويغني ويحكي الحكايات للاطفال الى رجل شرير هارب لا يقوى على الخروج من الحفرة العميقة التي يسقط فيها .. لقد تذكر الآن وهو على هذه الحالة بأنه مر بثلاثة رجال عائدين من سهرتهم، كان احدهم صديقه جابر وقد رأوه وهو يحمل الصفيحة .. لا بد انهم الآن يبحثون عنه بعد ان تحول الحي كله الى رماد وبقايا اثاث متفحم وروائح غريبة ونساء مفجوعات ..
الشرطة التي وصلت اخيراً لم تفعل شيئاً حتى بعد ان اتهم راشد والسيدة بافتعال الحريق .. ولم يجد الفقراء من يساعدهم فساعدوا انفسهم .. بعد ايام قليلة جلبوا الواح الخشب والصفائح والتنك والسعف لتبدأ من جديد حركة بنيان الاكواخ .. لكن ضابط الشرطة المتواطىء مع السيدة جاءهم بأمر ازالة الاكواخ بقوة القانون .. ولأن الفقراء ليس لديهم ما يخسرونه فقد هاجوا ولعنوا وهجموا على الضابط ولم يستطع الا بصعوبة الخروج من تلك الزوبعة لتأتي بعد ذلك سيارات عسكرية وينهمر الرصاص من كل حدب وصوب على الغاضبين .. لكن ماذا يفعل الغضب والحجارة امام الآلات التي راحت تدك الاكواخ دكاً؟ تلك هي اغنية الماء والنار الاغنية الحزينة والنار التي لم يطفئها الماء .. وكأن عبدالله خليفة اذ وصل بنا الى هذه النهاية اراد ان يقول ان الفقير فقير والغني غني، واذا ما اختلت الامور فانها ابداً لن تكون في صالح الفقراء، برغم انه قادنا الى اعتقاد آخر وسحبنا الى احلام لن تتحقق على ارض الواقع.
- كاتبة عراقية مقيمة في عمان
لحن الشتاء وآفاق ربيع مفعم بالشجن
فريدة النقاش*

حالة كابوسيه للعالم تتكرر في اعمال القصاصين العرب من المحيط الى الخليج وتكتسب في كل بلد سمة خصوصية. تدخل في حالات تحول غير بشرية. وحيث تتشوه صورة العالم وتنقلب راسا على عقب في اعمال الجيل الجديد من القصاصين ويتأسس الكابوس في الواقع لا في الحلم ويتخذ صورة الاحتجاج البارد على التحول الوحشي في شكل الحياة.
اما الكابوس في قصص عبدالله خليفة فهو بوليسي الملامح مختزل الى مفردات شاسعة تدخل في سياق القصة ببراعة، وتصبح جزءا من نسيجها الحي، تضيء جنبات الحياة الصاخبة وتتبدى جزءا اصيلا من الصراع الضاري في كل تفصيلاتها.. الصراع الذي لا يهدأ ابدا.
من مجموعته «لحن الشتاء» سوف نلاحظ ان اختياره لعناوين قصصه التي تحمل هذه الاسماء «الغرباء» «الكلاب» «اغتيال»، «الملاذ»، «الصدى»، «الوحل»، «لحن الشتاء»، «القبر الكبير».. هو اخيار واع للغاية يحمل في ذاته رأيا وخلاصة.. في مواجهته مجموعة اخرى من الاسماء تحمل بدورها رأيا وخلاصة «حامل البرق»، «نجمة الخليج»، «السندباد»، «الطائر».. ولم تكن عناوين هذه القصص لتستوقفنا طويلا لولا ان صميم بنائها يقوم على ذلك التركيز التلغرافي الذي يكاد يحملها الى ساحة التجريد، ويفتح الباب واسعا للمقاربة بينها وبين قصص محمد المخزنجي ومصطفى حجاب ومحسن يونس في مصر حيث التشابه بين القصر والتكثيف البالغ للقصة من جهة، والغنى الداخلي الذي ينبثق من تركيب الجملة واختيار الكلمات ومركزية الواقعة من جهة اخرى.

قصة «الغرباء» تقع في ثلاث صفحات وتسقط من معمارها الاف التفاصيل ليحتشد موضوعها كله في تلك الواقعة المركزية وهي اغتصاب الغرباء لبيت الرجل وتواطؤ بعض اهله في تثبيت هذا الاغتصاب ومن قهر صاحب البيت وجره الى السجن، ويتم ذلك كله في مشهد كابوس يحيلنا مباشرة الى الواقع (الاغتصاب) في اوطاننا والى تواطؤ بعض ابناء جلدتنا في تمهيد الارض له دون ان يسوق الكاتب هذا المعنى من موعظة او اشارة مباشرة للواقع او تعليق منه.. ولكنه يسوق تعبيرا يبدو بريئا وعرضيا للغاية حين يقول: «بعد لحظات كان عدة اطفال صغار يتدافعون الى منزلي، اقصد المنزل». يحمل هذا التصميم والتعريف للمنزل المعنى الابعد والاعمق من الاغتصاب الاني ومن الحدوته، ويستكمل هذا المعنى بعده وعقبه حين يتواصل المقطع قائلا:«وقفوا امامي بدت الدهشة على وجوههم. كأنهم يشاهدون هنديا احمر».
يستدعي مشهد الهندي الاحمر في صلته الوثيقة (بتعميم)، (المنزل) وتعريفه كل اشكال الاستئصال التي عرفها التاريخ وعمليات الابادة التي تعرض لها البشر من قبل وما زالوا يتعرضون لها. وذلك دون ان يستخدم الكاتب مفردات محددة تحمل هذه المعاني او تدل عليها ويستكمل هذا المشهد المعنى الاكثر شمولا لفكرة الاغتصاب التي تدل عليها الواقعة.. اذ يتجاوز حدود الوطن ليحظى بعالميته دون ان يقدم خطبة سياسية.. حيث يقف صاحب الدار رمزا بريئا لكل المضطهدين والمهانين والذين اغتصبت ارضهم.
يتسع عالم عبدالله خليفة لمحنة الطليعة التي تنطح رأسها في صخر الوعي الزائف وغيبة الجماهير وبؤسها والحصار المضروب حولها.
كانت باريس رائعة، عرض عليه العمل فيها، لكنه رفض وشرح لهم عن ارضه الصغيرة. ضحكوا عليه لانهم لم يروها عندما بحثوا عنها طويلا، وعندما حدثهم عن قراها واطفالها ونسائها تحولت الضحكات الى وجوم حزن عميقين.
هكذا يقول الفتى العائد الذي اختار بؤس شعبه بديلا لألق العاصمة العالمية وافاقها التي لا تحد.. ليقف رغم كل شيء مع هؤلاء الذين «يغطون في سبات عميق» في هذه القصة «هكذا تكلم عبدالمولى» نتبين طبيعة القوى الرجعية التي تسوق الناس الى الوراء ورنة الاسى العميق والشجن الخالص وفقدان الصبر الرومانتيكي لدى هؤلاء الذين يسعون لكي يفتحوا للناس باب التقدم الطويل..
يقول الصديق لصديقه القادم من باريس بعد ان اصطدم المرة تلو المرة بجدار الزيف والصمت «انهم لا يرفضوننا ولكن هناك اصحاب مصلحة يدفعونهم لرفضنا. خلفان وعبدالمولى يدفعان لذلك. هل تحسب تغيير الواقع نزهة خلوية..؟».
ورغم ان مهنة المثقف الطليعي الذي عرف الحضارة الاوربية وتملك جوهرها وعاد مع ذلك الى وطنه المتخلف تأتي هنا في سياق جديد. يتسق مع الحساسية المعاصرة عامة التي تحمل طابع الحدة والتمايز الشديد في الخطوط والمواقف فأنها تعيد الى الاذهان على التوحيدة طبيب «قنديل ام هاشم» ليحيى حقي الذي عاد بدوره من اوربا واسئلة بطل «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، وومضات خاطفة من تجربة بطل «الحي اللاتيني» لسهيل ادريس، رغم ان عودة حسين بطل هذه القصة الى وطنه هي عودة حاسمة لا رجعة فيها فأننا نشعر كأنه قدم مختصرا لإجابة واحدة حاسمة مركزة..
«كان امامهما منعطف، قال الآخر:
ــ الى اللقاء.
ــ لا تيأس يا صديقي.
ثم يدور حوار داخلي بين الصديق ونفسه على النحو التالي:
“ها هم الاصدقاء في بداية الطريق ييأسون. سوف يستمر عملنا عشرات السنين. سنسير في درب الآلام غارقين في برك الدم والوحل. كيف سيظلون معنا؟».
فجأة غاصت الدنيا في عينيه وسقط على الارض. تبين بعض الرجال. انطلقوا ينهشونه. احس بلحية عبدالمولى الخشنة. ثم بأسنانه الحادة تقطع لحمه في لذة ونشوة.
قال في حزن واسى:
« ـ كونوا مع الفقراء أيها الفقراء».
ويا لها من مهمة.
ورغم القضايا الجوهرية التي تثيرها هذه القصة فان بعض مقاطعها تسقط في الانشائية والمباشرة وان كنا سوف نجد لها تبريرا قويا في طبيعة المكان الذي تدور فيه الواقعة المركزية في القرية وهو النادي الذي يريد «حسين» العائد من باريس ان يحوله الى منارة للوعي.. ويستغله الرجعيون لحماية المصالح القائمة.
لا يقدم خليفة في قصص المقاومة التي يشبعها انسانية وعذوبة ـــ لا يقدم سوى انتصارات معنوية ينسج عناصرها بدأب. في قصة «الصدى» يقوم النائب العام بإصدار حكم بالسجن لعشر سنوات على طالب صغير ضبط البوليس لديه الة كتابة واسم البطل الصغير «مهدي» وحين يسأله هل تريد ان تقول شيئا.
يقول:
« ــ حضرة القاضي . انا اعترف بملكية هذه الالة، وقد كتبت هذه الاوراق حتى يعرف الناس كيف يعيشون ويعملوا لتغيير حياتهم نحو الاحسن، الشعب ينبغي ان يعيش بارتياح، يأكل اللقمة الهنيئة، ويربي الاطفال الممتلئين صحة وعافية، وينام والاحلام الحلوة تداعب اجفانه.
انا لا اخشى هذه السنوات العشر فأمامي الحياة طويلة، واستطيع ان اتعلم في السجن واغدوا رجلا كالصخرة».
واينما اتجه النائب العام يجد ان كلمات الفتى الذي ساقه الى السجن قد شاعت كالريح رغم ان الجلسة كانت سرية.. ووجد تعاطفا شاملا مع الفتى الصغير واعجابا بجرأته.
«حلم بالفتى الصغير يكسر الاحجار على شاطئ جزيرة صغيرة بعيدة. عندما اقترب منه شاهد الصخور تتفتت بين يديه. وقف الفتى فجأة وراح يصرخ بشدة وعنف، ومضى يقذف الاحجار عليه فأصابه واحد في رأسه.
صحى مذعورا وجد الدماء تبلل قميصه وسريره وزوجته وجدران الغرفة..».
انه انتصار الفتى السجين.. الذي سيظل سجينا لعشر سنوات من شبابه.
تقدم مجموعة «لحن الشتاء» كاتبها ليشغل مكانا مرموقا ومتميزا بين كتاب القصة القصيرة في الوطن العربي واجدني مدينة له باعتذار انني لم اعرفه الا حين زرت الخليج. وحين يتأمل المرء هذه المسألة سوف يجد ان مهمة اضافية تقع على عاتق المثقف العربي اذ عليه ان يسعى بنفسه الى بلدان وطنه حتى يعرفها على نحو صحيح ما دامت القيود على تبادل المطبوعات صارمة كصرامة البوليس والقوانين المقيدة للحريات التي تمتد على الساحة من المحيط الى الخليج.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
- رئيس التحرير لمجلة أدب ونقد المصرية
نجمة الصباح ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
المقالات
اثنتان وثلاثون سنة وأنا أعمل في جريدة «نجمة الصباح». كان مكانها، في البدء، شقة صغيرة وسط السوق. كانت نوافذ الغرف القليلة الضيقة، التي نعمل فيها تسربُ ضجة المارة والباعة، فترتجفُ صيحات المشترين وأبواق الدراجات والسيارات على أوراقنا، يمتلئ المكان بدخان السجائر والعربات وروائح المأكولات الشعبية الساخنة، ويندفعُ إلينا الصغار لحمل الأعداد، أو القراء يفيضون من ينابيع كلامهم.
طاولاتنا المتزاحمة تمتلئ بالأوراق، والصحف، والعرق يتصببُ منا، ونحن ثلة من الكتاب تركنا الوظائف وتمترسنا خلف ذلك الخشب المهتز، ندعُ لأقلامنا وحلوقنا فرصَ الصراخ والسخرية والمرارة.
وفي كل لحظة، ينزلُ إلينا رئيس التحرير، راشد العلي ، يتقدمه غليونه المشتعل كقطار، ويحدقُ في وجوهنا وأوراقنا وتتناثر جمله اللطيفة المشجعة الساخرة، ويبثُ أسئلةً كثيفة كأنها إنفجارات ورد، ويعود إلى غرفته الغزيرة الدخان، حيث المحرقة الأكبر للكلمات، وحيث تتصاعد أبخرة المدهوسين والفضائح والغنائم.
وعندما ينفجر العددُ في الشارع، تتصاعدُ القبضات على النوافذ، وتنهمر سيولٌ من المتحدثين والناقمين، ونتماسكُ خلف الطاولات، متشبثين بالأرض خوفاً من هذه الرياح الهائجة. ونشحذُ الأقلام مرة أخرى، ننزفُ من أصابعنا، ونؤجل نومنا، وحلمنا، كنا نسبحُ في بحار من العرق، نجري إلى سيارات الأجرة والباصات، ونأكل السندويتشات الحارقة، المتساقطة اللحم، وندفنُ عيوننا ضاحكين في صفحات الجريدة وهي تنتشرُ أمام أعيننا، محلقة كنسرٍ، نازفة كشهيدٍ، شاشة للطرق البعيدة والصواري المكسورة والأيدي السابحة بجسارة في البحر.
⊛ ⊛ ⊛
كانت الأحذية تدوسُ فوق الأوراق والبقايا. تحدقُ في وجوهنا، باحثة عن مسامير مضيئة، أو وشماً سحرياً، تقلقلُ الطاولات التي تئنُ بضراوة. وتكاد الأحذية أن تدوسَ أقدامنا، لكنها تتكاثف وتنهمرُ فوق باب راشد العلي. نراهُ مخفوراً بوجوه صلدة، ومسدسات لامعة، يبتسمُ إلينا ويسخرُ «ذاهبٌ إلى وجبةٍ خفيفة، هل يريدُ أحدٌ شيئاً؟».
ويعودُ بعد ساعات أو أسابيع، منتفخ الوجه، كدماته الواضحة لها إضاءات زرقاء، وخطوط خده كالكثبان محَّملة بآثار الجنازير الحديدية، و«القبل الضارية» على حدِ تعبيره.
لكن «السموم» الساخن ينطفئ بزجاجات الشراب الباردة، والضحكات، واشتعالات السجائر ورسائل القراء والمكالمات ذات الأجنحة الملائكية، وسيارة العلي التي تحملنا إلى شاطئ البحر، أو إلى بركة أحد أصدقائه، حيث ننقعُ في المياه الباردة الزجاجات المحلقة، ونسحبُ خيوطَ الفجر، ونضع الشمسَ على مسرح الأفق شاهدة على الفرح والرفقة الحلوة.
أي سعادة خضتنا ونحن نرى راشد العلي يلتهمُ ساعدَ عروسه، ويغوصُ في بحرٍ من الياسمين ورذاذ الفضة ووهج الغناء العارم القادم من الطبالات المتوهجات الصوت الصادحات؟
أي جمهور كثيف، الذي اختلط رجاله ونساؤه، في نهر الزغاريد والحلوى والهدايا، وأوقد النجمات في الأعالي وفرش الأرضَ بالسجاد واحتضن الليل؟
ضاع أهلهُ وسط الحشد الطالع من الزوايا البعيدة، وتداخلت الشكاوى بانفجارات البيرة والعرائضُ بالقبل المسروقة الحارة والعيون الفاحصة بالرقص المجنون..
لكن لم يدعني راشد مستريحاً في إجازة شهر عسله. رشاتُ التليفون تنهمرُ على وجهي كل ساعة. أسئلة مخيفة واهتمامات غريبة وزوايا يفجرها في كلِ يوم. وبدا أنه مصدر الأخبار في نزهته القصية وأنا الأصم في زفة المدينة.
كيف يستطيع أن يوفق بين هذه الاهتمامات النارية وبرودة ملكة الثلج والجمال التي اختارها عروسه؟ تلك الشامخة، المرفهة، المترفعة، التي تأتي إلينا بسيارتها الفخمة وهي في أبهة ملكة؟
كنتُ أنتظ أن تهتز الأسلاك برعشات مختلفة، وأن يتسلل بردهُ إلى قيظنا، لكن راشد أيقظني من نومي مرات عديدة، وأنزلني إلى الشوارع الملتهبة، وجعلني أهذي في نومي مننتظراً كوارثه الجديدة..
⊛ ⊛ ⊛
حين غادرنا شقتنا الصغيرة وسط السوق كدنا نبكي، وحين خلت غرفها من طاولاتنا وكتبنا وأقلامنا، وتناثرت الأوراقُ الصغيرة المقطعة، والمسودات المنهوشة، تجمعنا في كورسِ نحيبٍ داخلي فاجع.
البناية الجديدة كبيرة، مكونة من عدة طوابق. مبنى الجريدة يحتلُ طابقاً كاملاً، والغرفُ الواسعة تصلحُ للمباريات الرياضية. ووجوه الزملاء الكثيرة تناثرت وراء الجدران والسكرتيرات والمواعيد.
البناية تناهت إلى البرية، وحيدة في خلائها الغريب الموحش. ثمة طيور رمادية تضحكُ في السماء ثم تحترقُ في الظهيرة.
كانت قلعة من البرودة والأزرة وسط أرضٍ مشتعلة شوكية. لكن دخول راشد يضفي على المومياءات الطينية بهجة الربيع. لم تحجزه السيارة الفخمة، ولا الفيلا، ولا السمنة الضارية في إخفاء عظامه القديمة.
يهزُ الأبوابَ وينثر الكلمات وغليونهُ لا يزال يطلقُ صفيراً ينبئُ بعدم الوصول إلى المحطة النهائية. يبدأُ عرشُ الصمت يهتزُ، وتتراكضُ السيقان لاهثة وراء الدمار والدخان، وتبدأ أسلاكُ الهاتف في قطعِ مغازلات السكرتيرات، لشحن الفحم المشتعل في الأحياء، وجلب الأيدي المتناثرة على الجبال والوديان، والجثث المقتولة الكثيرة – خطأً – في المستشفيات، وتتحول الثلاجة الثاوية في البرية إلى فرن المنيوم يُــغذى بالعظام.
كان العلي يقودُ ابنه الآن. كان سامر قطعة من القمر، وحلوى متنقلة، لكنه لا يتكلم، لا يضحك، لا يصرخ كالأطفال، يمشي وراء أبيه كالظل المقطوع، ويبكي إذا كلمه أحدٌ، ولذا لم يكن أحد يلمس تلك المزهرية الشفافة.
في غمرة عرقنا وانتفاضات عروقنا كان سامر يكبر. كانت النظارات تتضخم، والذبحات الصدرية وانفجارات الأحلام تغتالُ وجوهاً عزيزة دوماً.
وامتلأ أبو سامر بالشحم، ولم يعد قادراً على صعود السلالم. رُكــّب له مصعدٌ خاصٌ إلى مكتبه. لم نعد نرى الغليون الزاخر بالدخان، والقهقهات الفاقعة بالأسئلة المثيرة الغريبة، كان صوته يأتي هادئاً ناعماً من وراء الأسلاك.
وأرمقه حائراً، خائفاً، منزعجاً. لماذا تنامُ الأوراقُ لديه الآن؟ لماذا تظهر أبوابٌ غريبةٌ تمتلئ بوجوهِ الراقصات؟ لماذا أصبحت العناوين تتكسرُ بمطارق ثقيلة وأبو سامر لم يعد لديه وقت لنا؟! لياليه متناثرة في البساتين والقصور والشقق الغامضة. ماذا حدث؟
أقولُ له كلَ أسئلتي المزعجة. أذكره بالسندويتشات التي كنا نتقاسمها في شقة السوق، والشاي الأحمر الثقيل الذي كان يصنعه لنا بنفسه. فيدعني أصنعُ ما أريد. اندفع مع جوقة حافلة بالغناء البحري العتيق. يحذرنا مرة. يصرخُ فينا مرة أخرى، لكنه يتغاضى، يتسعُ صدره لكل السهام والأسئلة المخيفة، يضحكُ علينا..
كان صوتُ زوجته يلعلعُ أحياناً من وراء خطوط الأسلاك فتتغير الخرائط في المكاتب والكلمات. أما ابنه فقد كبر، يأت يمتأنقاً، يسيرُ كفتاةٍ حلوة. لكنه لا يكلم أحداً، ولا يقترب إلا من أبيه.
آخر مرة أبحثُ عنه في كل مكان. أين العلي أمام هذه الخبر المريع؟ أين التقطه؟ وجدوه لي في بستان ما. سمعتُ رقصاً وطبلاً وتأوهات فظيعة. ثم جاءت صلصلة كؤوس ومضغ لبان. انشق التليفون الأسود عن صوته، مضطرباً، يتعتعه سكرٌ مخيف. لم يعرفني، ثم استدرك متفاوتاً، ثم قطع الخط .
⊛ ⊛ ⊛
كانت جنازته فخمة وغريبة وكئيبة. امتلأت الساحة التي تشرف على المقبرة بالسيارات الكاديلاك السوداء والمرسيدسات الملونة. وجاء علية القوم بعباءاتهم الكحلية والسوداء وثيابهم الناصعة البياض.
وقف جمهورٌ بعيد، تبعدهُ عصي الشرطة وغابة الحديد الملون. لم يستطيعوا أن يلقوا عليه نظرة أخيرة. علية القوم صلوا بسرعة شديدة، واختفت سياراتهم في لمحِ أبيه.
كان سامر غارقاً في عباءته الفضفاضة وعرقه الممطر. لم يكن حزيناً كثيراً، بل مرتبكاً ومتفجراً.
⊛ ⊛ ⊛
عندما جاء إلى الجريدة استخدم مصعدَ أبيه. لم يره أحد، ولم يتكلم مع أحد. جاءتنا أوامره عبر الأسلاك والسعاة والكوابيس. حدثت هزة في المبنى.
عدتُ وحيداً إلى البيت. منذ زمنٍ بعيد لم أتأمل غرفتي وكتبي هكذا. الأيام تمرُ ببطءٍ، والأوراق التي صنعتها صارت ثعابين تلتفُ حولي. أكره أن أرى سطورها. صورها المبتذلة تفسدُ شاي الصباح. كلماتها المقززة خفافيش وقنافذ تتعاركُ في غرفة نومي. أين روحي؟ أضربُ رأسي في الحلم فلا أتألم. أحاولُ أن أنام. سأنام. حتماً سأنام. لكن الفراش مبللٌ بمطرِ جسدي. تليفونات الزملاء والقراء وحدها التي تنعشني. دشٌ ليلي في يومٍ قائظ . لكنني لا أنام. لا بد أن أذهب إلى هناك وأنتزع ذلك المقعد منه! من هو؟ من يعرفه؟ كلُ الحروفِ التي مرتْ على سكة آلامها كانت تمرُ على ضلوعي. كانت طيورها تقتات من دمِ قلبي. وأنا الآن وحيد في بيت كئيب، لم أهتم به يوماً، وعصرتُ جلدي هناك. تنفجرُ روحي من السعادة وأنا أشمُ عرقَ الكلمات وهي تصعد من الورق. أضمُ السواعد والصورَ والضحكات وأطيرُ بها في سماء ملبدةٍ بالنسور الوحشية. كلُ يومٍ أزداد لها حباً وهي ورقٌ ربيعي يتطايرُ فضاء الأرض. أموتُ الآن.. لا أستطيعُ أن أنام. لم تنفعْ الأقراصُ وأدوية الطبيب وثرثرته قربي. سأقتلهُ! سأتعلم استخدام المسدس. لن ينجو مني. قتلني وسوف أقتله.
وأراني أدخلُ في عتمة مشتعلة بفضةٍ، وثمة أصواتٌ مبهمة، متصادمة، كشرائط تلتصقُ ورائي، وأنا أمسكُ بندقية ضخمة، وأسير بسرعةٍ بطيئةٍ طويلةٍ، والحراسُ يتساقطون تحت قدمي، أكسر البوابة الكبيرة، وأراه هناك جاثماً في عرشه البعيد، يقهقه، وأنا أطلقُ بخاراً وأصواتاً، ولكنه بعيد يفتحُ فمه على اتساع شاشة سينما ولا يصدرُ صوتاً، وأطلق وأهوى إلى فراغ من العرق والفراش الرمضاء.
أنهض وأرى المدينة تصحو على صوتِ الديكة وأصوات الجرائد. لو أمسكتها الآن لأصبتُ بنوبةٍ قلبية.
⊛ ⊛ ⊛
لم يبق إلا أن أحملَ مسدسي وأذهب إليه. أوقفتُ السيارة في ممرٍ جانبي. الليلُ مشحونٌ بضجةِ الجنادب. نداءاتها الصارخة تستفزُ أعصابي. كيف سأطلق؟ وعلى من…؟
ها هو البستان الذي طالما ضيفنا فيه مفكرين وقادةً، وصدحت فيه الأشعارُ وأغاني البحارة الصلبة. هنا كنا نوقفُ سياراتنا، وتمتلئ الممراتُ المزهرة المعشوشبة بضحكاتها وحوارنا المحموم.
ثمة أصواتٌ لطبل مائع، وتصفيق غريب، وجاءت ضحكاتُ غنجٍ وكلمات موحلة. استندتُ إلى شجرة. وقفزَ قلبي صائحاً: ما هذا؟ سوف أزيحُ الأغصانَ والأوراقَ لأرى كيف يجلبُ العاهرات إلى هذا المحفل المقدس.
خلال ثغرات الورق رأيت أشباحاً رجالية. لا يبدو أن ثمة امرأة. لكن هذه الأصوات المائعة.. لمن؟
تركتُ الاختباء، دستُ على الورق الأصفر الصارخ، حدقتُ برعبٍ.
كان سامر يلبس بدلة رقص أنثوية، يهتزُ وسط حلقةٍ من مضاغ اللبان المصفقين بتمايل، وهو ينحني ويقتربُ من أفواههم وأيديهم، ويغني..
لا أعرفُ ماذا أصابني. كان المسدسُ يشتعلُ في يدي. وكنتُ أطلقُ بجنونٍ وهذيان وصراخ، وأودُ أن أصحو من النوم والكابوس، لكن المرئيات الصلدة كانت تتفجر أمام عيني مثل الدم.
——————————-
5 – دهشة الساحر «قصص»، 1997.
❖ القصص: «طريق النبع – الأصنام – الليل والنهار – الأميرة والصعلوك – الترانيم – دهشة الساحر – الصحراء –الجبل البعيد– الأحفاد – نجمة الصباح».
أنا وأمي ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
ساعد أمي البض يتلألأ في المقعد الأمامي ، وشعرها الكث الأسود، ووجهها المتوردُ، لوحتي الجميلة الحبيبة .
أتعلقُ بها وأنا في المقعد الخلفي ، أقبلُ زندَها المضيء ، فتدفعني صائحةً ، غاضبة. أحشرُ أختي في زاوية المقعد لتصرخ هي بدورها . فتتطلع إليّ أمي من المرآة الأمامية الصغيرة ، لتبدو عيناها الواسعتان المكحولتان تتأججان بالجمال والغضب: «ألا تكف يا عفريت ؟».
حين تقفُ السيارةُ أمام المتجر ، وتنزلُ أمي جارة عباءتها بيدها ، لتضعها بسرعةٍ على كتفها ، تتدلى رؤوس الرجال من فوق أكتافهم ، وتطلعُ ألسنتهم من حلوقهم ، ويدرك بعضهم حاجته إلى السلع ، ويحدقُ بعضهم إلى الزجاج .
يصيبني الهم والغمُ ، أرفع يدي في وجوههم ، أغمغمُ بشتائم عنيفة تهدرُ داخلي وتتحطم على الزجاج وفي الهواء .
أفتحُ البابَ ، واركضُ إليها ، أتعلقُ بساقها ، أو أحمل كيساً يحني قامتي ، أتطلعُ إلى الرجال حانقاً ، لكنها لا تلتفتُ إلى أحد ، تجمعُ البضائع وقطعَ النقد الصغيرة والصمت .
ღდღ
هذه هي روحي تخرجُ مني وأنا أرى سهراتهم الغريبة . هل يمكن أن يكونَ هذا أبي ؟
صالةٌ واسعةٌ ، وطاولة كبيرة فوقها أطباقٌ مفعمة بالروائح الخلابة المثيرة ، وزجاجات ملونات غريبة ، تتدفقُ منها سوائلٌ مزعجة قاتلة في الكؤوس ، وأبي يقدمها إلى أمي وضيفه ، الذي يضع يده على كتف أمي ويقهقه ، ويقبل خدها ، وأبي يثرثر معه على الكرسي المقابل ، بدلاً من أن يحطم رأسه الكبيرة الصلعاء المشوهة ، بقعر الزجاجة !
ثم يتثاءب أبي ، ويغمغمُ بشيءٍ ما ، وينسحبُ من القاعة متوجهاً إلى غرفة نومه . أتزلزلُ في موقعي خلف باب غرفتي ، أودُ أن أصرخ ، والرجلُ الأصلع دفن رأسه في صدر أمي ، وهي ألقت بنفسها على الكرسي ، دون أن تتفوه بكلمة !
توقظني من الصباح الباكر ، تدغدغُ صدري بأصابعها ، وأشمُ روائحَ غريبة مثيرة ، لكن وجهها لم أعد أراه . تحاولُ أن تجذبَ عيني بدون جدوى . تريدُ أن توصلني إلى المدرسة ، لكن قدمي الرقيقتين ، وساقي العودين ، تحملني إلى المبنى المليء بالأولاد الساخرين مني .
اتجمدُ في ركني ، اصمتُ طوال الوقت ، والسبورة شاشة ليل كئيب تضيءُ فيها زجاجاتٌ وألوانٌ ورؤوسٌ باروكية وهدايا من الخواتم الذهب والمزهريات الرقيقة الشفافة.
ღდღ
امتلئ بالعرق والبخار الساخن ، أمسكُ سريري بأظافري ، ثمة أطيافٌ من النار تتراقصُ حولي . جسدي يدغدغهُ ثعبانٌ كبير ، وأنا أركضُ في العتمة والضباب والعواء ، أعبرُ مستنقعاتٍ من جمرٍ وضفادع وفحيحِ رجال .
اتقلبُ على الفراش ، أودُ أن أعبر تلك الظهيرة المشتعلة ، أن أتخلصَ من جسمي ، وأذوبَ ، أقفز هذا البيت ، وصراخ الرجال في القاعة ، ضحكات أمي التي تفتقُ ضلوعي ، أصيرُ فراشةً في حقلٍ ، أو ناسكاً في كهف ، أموت ، أتحولُ إلى ظلامٍ أبدي ، أرفرفُ نحو السماء ملاكاً .
الحرارةُ تزدادُ ، جسدي يهربُ مني ، الفراشُ كلهُ ماءٌ ، أصرخُ ، أصرخُ بأعلى صوتي، والغرفةُ المظلمة تفتحُ على نور ، وجسد من ياسمين وثلج ، تضمني إلى صدرها ، تلتقطُ تلك الجمرات من كبدي ، تتوغلُ أصابعها الباردة في قلبي . لو أننا نرحلُ بعيداً!
أي غابة من فل وظلمات تغطيني ؟ البيتُ يسترجعُ عروقه من الزجاجات المنتفخة بالصرخات والشهوات، وجسدي يستوقفُ أمي عن الغابة القاعة .
لا تزال الأشباحُ الصفراءُ تطاردني ، والعرقُ الغزيرُ خيوطٌ من اللذة الغريبة ، والحمى صديقة لطيفة في جلدي ، لكن أمي تغادرني إلى نداء أبي ، والبيتُ كله مظلم ، وثمة رجلٌ يضحكُ ويشعلُ الجدران .
ღდღ
غادرنا أبي فجأة ، قبلنا أنا وأختي على عتبة الباب ، وتطلعَ إلينا بعمق وغرابةٍ ، وهمس «وداعاً!». ركضتُ نحو السيارة ، ضربتُ بابه بقبضتي ، ولكنه غاب وذاب.
جاءَ رجالٌ غرباءٌ ، وفتحوا أوراقاً رنحّت أمي على الأرض . كنتُ أرى سريري وألعابي تشحن في سيارة كبيرة . لم يتزحزح الرجال عن فكِ أصابعي عن الأشياء . صراخي عند الثلاجة ، لم يحدث أثراً .
كان البيتُ فارغاً ، ثم سارت بنا أمي خارجةً أيضاً ، لنقبع في غرفةٍ كبيرة موحشة ، كان سقفه يهتزُ من الهواء ، وينتفخُ بالمطر ، لنضع أوانٍ تلاحقُ قطراته العجلى المجنونة .
الجوعُ يقطعُ دواخلَنا ، وارجلنا تضطربُ فوق درجات العمارة الملتفة ، وبين أكوامِ القذارة والأطفال الصارخين وأحذية الأجانب الكثيفة .
تنتزعُ أمي ثياباً جميلة ، تزيح طبقات الصمت والحزن ، تفجرُ وجهها بأقواسٍ من الضياء والربيع ، ويبدو جسدها الملتف بعباءةٍ سوداء زاهية ، كصفعةٍ للعمارة الكئيبة .
الحليبُ الذي تجلبهُ لا أتذوقه ، السيارة الرائعة التي تقفُ تحت الشقق الرثة ، لا أدخلها، جسدي يذوي ، وهي تضعُ اللقمات بقوة في فمي ، ألبس الثياب المرقعة وأهربُ من بدلاتها الملونة ، أتحملُ هزءَ التلاميذ وأغوصُ في الحروف ، أقرأ القرآن وأبكي ، أدخلُ داخلي وأرحل ، لا شيء في روحي ، سوى أوجه مكفهرة وجداول من وحلٍ ، محنط فوق الثياب والقمامة والأحذية الكثيرة .
سأهربُ من هنا ، سأتركها ، بل أنتزعُ أختي ، واجري بها نحو مدينةٍ أخرى ، سأعملُ، سأكنسُ الشوارعَ ، سأغسلُ الملابس والصحون . .
أترنحُ فوق الأرض ، يبللني عرقٌ كثيف ، أتحشرجُ باحثاً عن نفثة هواء ، يحيطني غرباءُ العمارة ويحجزون الضوء والمَلَّاك .
ღდღ
هذا بيتها الجديد الشامخ الآن ، فيلا وأشجار وأثاث ناعم ، وقاعة فسيحة ، وليال مليئة بالعطر والهمسات وقرع الكؤوس . وثمة رجال متأنقون ، هائدون ، يثرثرون بنعومة في أول المساء ، يتداخلون مع النساء ، يتراقصون كالثعابين الملتفة ، يحمحمون ، يطلقون صرخات الزجاجات وزبدها الطائش ، يزيحون المعاطف وأربطة العنق والعقل ، يتداخلون ، يصرخون ، تهتز الأرضُ بقرقعات أحذيتهم ، وتنطلقُ الموسيقى حيات من صناديقها المعتمة ، وتهدأ الأضواءُ ، لنسمع تأوهات في الحديقة، ونرى أقداماً راكضة نحو السيارات أو الأشجار ، وأحياناً تنفجرُ خدودٌ من صفعات حانقةٍ ، ويتعرى المنزلُ من ملابسهِ وأقنعته ، وكأنه دغلٌ يضجُ بالنداءات الوحشية .
أنا وأختي ننعزلُ في شقٍ بعيد من المنزل ، نمعنُ في صلواتنا الهادئة ، أنزلُ رأسها عن النافذة الفاضحة ، وأسدُ أذنيها عن الموسيقى الصاعقة ، لكن الجدران تتزلزلُ ، وكأن الجمعَ الغفير اللاهي يمدُ شوكاته في حلوقنا ، ينتزعُ الأبوابَ ويرقصُ عارياً أمامنا ، أنهضُ حانقاً ، غاضباً ، وأنفجرُ في القاعة الرقيقة الأضواء ، كأنني أحطمُ حاجزاً من الزجاج الشفاف .
يتطلعون إليّ بذعر ينقلب إلى ضحك . يتطلعون إلى ثوبي القصير ، ولحيتي الكثة ، ويزعقون:
ـــ ماذا يفعل هذا الغوريلا هنا ؟
لا أستطيع أن أزحزحَ واحداً من مقعدهِ ، أو أحطم زجاجة ، فعيونها الشرسة تحيطني بزنارٍ من نار ، لكنني في هذه الليلة ، اندفعتُ بقوةٍ نحو الطاولة المثقلة بالزجاجات والكؤوس والشهوات ، وأزحتها عن الأفق .
كانت تصطكُ مع بعضها البعض ، وتتأوهُ ، ثم جاءت فرقعتها المشتركة المدوية كأصنامٍ تتحطمُ معاً .
ღდღ
اختي ورائي وليس لنا سوى كومة صغيرة من الملابس . نداءات أمي المنفجرة لم توقفنا عن التوغل في الليل المبهم البهيمي ، لكن كانت النجومُ تزفنا إلى فجر أبيض وإلى مأذنة يصل صوتها إلى السماء .
غرفة أخرى صغيرة ولا ثلاجة أو هواء ، ظلمة خانقة ، وجدران كالحة ، وقيظٌ يفتت الحصى ويجعلُ المروحة تئن ، ولكن الدرب انفتح لضياء عميق ، كأنه ملائكة يهبطون من الأعالي ، وينثرون أزهاراً من ثلج ومحبة .
كانت أمي تخنقني في أحلامي ، تضعُ وسادة من مسامير وخفافيش على وجهي ، وتسحبُ أختي من يدي ، أصرخُ ، أرفسها ، أطعنها بسكين المطبخ ، لكن النصلَ لا يتغلغل في صدرها ، واسمعها تقهقه . أرى أختي تفرُ إلى ساحتها المضاءة بالمصابيح والرجال البيض الملونين وبالزجاجات التي صارت بالونات ضخمة ، تسبحُ أختي في مائها الواسع ، ليغدو جثثاً طافحة وأيدٍ ، وأنهضُ زاعقاً ، لأجد أختي نائمة قربي .
أبحثُ في متاعها ، أجدُ «روجاً» كانت تخفيه في قعر الحقيبة . أوقظها ، تــُذعر ، أصبغُ وجهها بالروج، وكأني أحفر بالدم ، كأني أكتبُ بالنصل غير المثلوم .
كانت تصيحُ:
ـــ أرحمني يا أخي !
سددت النوافذَ بقطعٍ سميكة من الخشب ، أغلقت عليها الغرفة ، جثمتُ في الخارج خائفاً أن تستطيع التسلل ، بشكلٍ ما ، من المكان.
مشيتُ في الأزقة بحثاً عن رجلٍ ما يتزوجها . لم يرض أحدٌ بها .
انحنيت على يد الشيخ أقبلها وأبكي . كان المسجد خالياً من المصلين . راح الشيخ العجوزُ يربت على رأسي ، ويتساءل:
ـــ لماذا تعذبُ نفسك يا ولدي ؟
ـــ أمي . . أمي . . يا سيدي . . عارها يلاحقني في كلِ مكان . لم أعد أنام . لم أعد آكل ، وأختي قد تصيرُ مثلها . . حينئذٍ سأقتلها وأقتلُ نفسي . . أرحني أيها الشيخ !
ـــ كفْ عن تعذيب نفسك وأمرح في الحياة !
أتطلع إليه مذهولاً . ألم يكن ضيفاً ذات مساء عند أمي ؟ ! لماذا يمتلئ وجهه بزيتٍ مضيء ، وترتجفُ عروقهُ بسعادةٍ مريبة ؟ ألا يعيش في بيتٍ كبير ، ويحب الغناء ، ويثرثر في المقاهي ؟
اركضُ مفزوعاً إلى أختي . قد تكون هربت ، أو ساعدها رجلٌ ما في اقتلاع خشب النافذة واختفت معه في منزله . أجري ، أنفض المارة من دربي المفزوع ، المترب ، وأجدُ الحجرة مغلقة ، ورائحتها عطنه لم تفتح .
وجهُ أختي أصفـر ، مثلثُ العظام ، وخيطها المربوط بالسرير لم يــُقطع . أفكها وأضاحكها ، وأضعُ أمامها الأكلَ . لكنها لا تأكل . تتطلعُ إليّ من كهفين بعيدين . تهمسُ:
ـــ أريدُ أن أرى أمي !
أفاجئ ، أُذعر:
ـــ ماذا ؟ تريدين أن تكوني معها ، تصيرين مثلها ؟ !
أرفسها بقوةٍ فتتدحرجُ إلى الحائط . أصفعها . فأرى خيطاً من الدم يتوهجُ على جبينها. أضمها إلى قلبي . أبكي .
ـــ أصفحي عني ، أرجوك !
ღდღ
لا بد كي أنهي أحلامي المخيفة ، وأنام ، وآكل ، وأضمُ أختي بحنان ، أن أفعل شيئاً ما ، لتلك المرأة .
أدورُ حول فيلتها الكبيرة المضيئة ، ولم تزل قعقعات الزجاجات والأغاني والقبل تدوي في الفضاء الرحب الفارغ الصامت . السياراتُ الفارهة تحيطُ بالمنزل كالذباب يقبعُ حول جثة نتنة .
صفيحة الكيروسين التي أحملها قد تنقذني من كلِ شيء ، تندلعُ النارُ فجأة ، وتبقبق في السيارات ، وتندفعُ إلى الأشجار والجدران والأثاث ، ويندفعُ الجمعُ اللاهي ، أجساده مشوية بنارٍ مخيفة ، والنساء تحترقُ رؤوسهن كتعاويذ السحرة .
لكنني أجبنُ عن اشعال الفتيل . أسمع كأن أمي تناديني وأنا طفل ، تدعوني إلى المائدة ، تركضُ في الظهيرة إليّ ، وعباءتها تشتعلُ بالشمس .
يدي تهتزُ ، وأمشي حانقاً من خوفي ، أنفجرُ ، لا بد أن أزيح هذه المرأة من عالمي !
صفيحة الكيروسين تمتلئ بالحياة والنار في دكان خمور . زجاجاته تقرقعُ وأخشابه تنفجر قاذفة عفاريت وصيحات مجنونة . وأنا أقف سعيداً مذهولاً ، وقبضة شرطي تقتحمُ فرحي فجأة !
ღდღ
خرجتُ من السجن النتن ، كومة من الحشرات وتنكات البول والضربات . كانت أمي هي التي ذهبت لأحد أصدقائها الضباط ليفرج عني . صرختُ ، لا أريد أن أخرج بسببها ! فقذفوني إلى الشارع .
لم تكن أختي في الغرفة . هربت ! رحتُ أدقُ رأسي في الجدار . السلسلة مكسورة ، والكتب ممزقة ، وكلمات بذيئة مكتوبة على الحيطان .
هناك أنا مسجى ، بركة من العرق ، والشعر الغزير ، والأصوات الغريبة التي تناديني، وأمي التي تزورني وتضع أطباقَ الأكل الذي لا أمسه وأسلمه للقطط . تقبلني، فأصيح:
ـــ أخرجي من هنا !
أدخل المسجد . الشيخ العجوز ، كتلة الشحم والشخير ، توفي ، وجاء أبنه مكانه . شابٌ صلدٌ ، متفجرُ الروح ، صارخٌ ، ناريٌ على المنبر .
كانت عيناي تترقرقان بالدموع فرحاً وحباً .
جئتُ إليه:
ـــ أنا تعبٌ يا سيدي . . أمي عاري الذي أحمله في كل مكان . .
أفضيتُ بكل شيء . قال:
ـــ أتريدُ أن أعلمك واجبك ؟ لماذا أنت جبان رعديد هكذا ؟ كتلة من الخرق والذعر والقذارة ؟ الا تجد حجارة وحصى في كل مكان ؟ لعل أختك تواصل رحلة الأم الموحلة!
كلمات الشيخ قتلتني . لم أعد أنام الآن . صرختُ في نفسي: جبان ! اشتريتُ سكيناً حادة . نصلها يتوغلُ في الخشب . ذهبتُ إلى منزلها . سأغرزُ السكينَ بحدةٍ في بطنها . وأذا وجدتُ الأخرى هناك سوف ألاحقها وأطعنها أيضاً . لن أتركهما حيتين أبداً . انتهت حياتي ، سأودعُ كلَ شيء .
الشارعُ الضاجُ بالأضواء والألوان والفساتين لا يغريني . السماءُ الزرقاء العميقة تعبرُ فيها الطائرات كنقاطٍ من اللؤلؤ الزائف .
ها هو البيت أمامي . سافاجئهما وأطعنهما بلا خوف .
لكن البيت لم يعد لها . ثمة رجل آخر خدعها وسرقها وهجرها . أين هي الآن ؟ عليّ أن أفتش عنها في كلِ مكان .
مضت سنوات وأنا أتعثر بالأشياء . أقلقل براميل القمامة والقطط والأبواب . أفتشُ وجوهَ الفنادق والخمارات . سأعثرُ عليها ، أهتفُ: سأطعنها ! ولا أجد سوى أشباح رثة.
ღდღ
التفتُ بذعر . ها هي هناك ! غرفة حقيرة في بيتٍ شائه ، من هذه العجوز ، الحطام، الهيكل الخشبي ، ذات الشعر الثلج ، التي تمسكُ صحناً خائفاً . . ليست أمي ! تلك غزالة جميلة ، نفثة ضوءٍ وعطر ، من هذه ؟ أين السكين ؟ صدأت منذ سنين.
تطالعني أمي من تحت أهدابها المحترقة . أمسكُ يدها العود . أين ذهب الماءُ الرقراقُ والعشبُ الأخضر؟
يتقاربُ رأسانا المهزومان . تختفي في صدري ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ツ 4 – سهرة «قصص»، 1994. ❖ «القصص: السفر – سهرة – قبضة تراب – الطوفان – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».
سهـرة ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
أشربْ هذه الكأس المترعة بالزبد والضياء والألم. أشرب ولا تدفع ولا تجزع. واضحك حتى الصباح واحفر في ذاكرتك هذه الوجوه، وهذه الأجساد الرائعة، أحفرها بتقاطيعها الدقيقة، وبنظراتها السكرى المفعمة بالنشوة والشهوة، فلعلها تنسيك عذابَ الليالي القادمة، لعلها تسليك في الفراشِ المهترئ والظلام. فبعد ساعات سيسألك «البارمان»:
ــ الفاتورة يا سيدي!
ستضحكُ بعمقٍ وتقولُ:
– إنني رجلٌ مفلس وعاطل.. أسأل المدينةَ كلها. أسألْ السماء، البحر والمتشردين. أسألْ أقسام البوليس، أسأل الأحذية المهترئة على الأرصفة، أسأل الأرغفة الهاربة من الفم!
وسيقولُ بأدبٍ جم:
– ولكنني مضطرٌ يا سيدي لإخبار الشرطة..
– تفضل.. أفضل مكانٍ يقضيه العاطلُ زنزانة صغيرة محترمة تتحققُ فيها الشروط التالية: الأكل المنتظم، الأصدقاء المرحون، الشاي، السجائر، قطعة صغيرة من الشمس.
كان البارُ مزدحماً، قطعة من الجنة المؤقتة. الأقدامُ تحكُ الأقدامَ، والصدورُ النافرة تتحكمُ في العيون الشاردة، والمؤخرات لا تتأخر عن الهزات الخفيفة والانحناءات الخاطفة، والثرثرات تطولُ وتطولُ ولا تقول إلا تعال!
وفي كل لحظة تأتي موجة من الحسناوات. هذه الأجسادُ الرقيقة الرهيفة من فصلها؟ هذه الوجوه البيضاءُ والوسيمة الناعمة من قبلها؟
«لا تجعلوني أسكر وأموتُ هنا على هذه الطاولة الصغيرة المتوحدة. تعالوا إليَّ، ستشربون على حسابي أو عذابي. ستضحكون من النكات الكثيرة التي أحفـظها والتي لا تقال إلا همساً. أنتِ أيتها الشقراء، يا من تشبهين فرساً خــُـلقت من الفضة والزهرة، أقتربي مني وأعطيني ضحكةً أو كلمة أو صفعة!».
النادلُ يعيطيه زجاجة بعد زجاجة، مستغرباً من قدرته على الشرب السريع المكثف، يقتربُ منه رجلٌ عجوزٌ ويستأذن في الجلوس قربه.
«هذا هو حظي دائماً . صديقٌ للعجائز. أمي العجوز في البيت لا تكفُ عن إزعاجي. هل أشتغلت؟ هل ذهبت للشركة الورقية؟ جارنا فلان اشتغل براتب كبير، وعلانة صارت سكرتيرة للوزير، وابن حمدان راعي الحمير السابق بنى لنفسه عمارة. أما أبي فمن المسجد إلى الدكان، ولأن الدكان شبه فارغ فهو دائماً نائم. وبين كلِ غفوةٍ وغفوة يسألني: هل اشتغلت؟ هذا هو مصيري منادم للعجائز، خاضعٌ لاستجواباتهم الطويلة والثقيلة».
لحسن الحظ اتضح إن العجوز ذو لغةٍ غريبةٍ خاصة، لا تفهمها سوى قبعته الواسعة، ورغم إنه انحنى واقترب وغمز بعينه فإنه لم يفهم منه شيئاً. ولكن بدت حركة عينيه غريبة مزعجة ولأول مرة يشعر بالانزعاج والغضب في هذا الجو المرح الزاعق الراقص. فلماذا يغمزُ بجلدهِ المتغضن الذي يشبه نسيج العنكبوت؟
«لو أن صديقي الشاعر كان معي لاختلف الأمر. ذاك الشاب الكهلُ الساخرُ من كلِ شيءٍ، أعجوبة هذه المدينة، يقولُ: مدينتنا تفاحة البحر، جدفنا نحوها، وغصنا إليها فأعطتنا سمك القرش. يشربُ وثرثرُ ويناوشُ النساءَ في الحارة، ويغرفُ منهن الشعر، وتلمعُ عيناهُ بالسعادة وهو في غرفته الوحيدة بين أكداس الكتب والورق والثياب المعلقة كالرجال المشنوقين. يظهرُ في النهار ويختفي في الليل، تجدهُ شهوراً طويلة ثم يختفي سنين. غرفته محكمة الإغلاق أحياناً، وأحياناً أخرى فارغة ليس فيها سوى وريقات ممزقة يلعبُ بها الصغارُ. وفي آخر مرة ظهر فيها لم يجد غرفة ووجد عمارةً كبيرة مكانها. أقولُ له: لماذا تهلك نفسك ألا ترى شعرك الأبيض أين أولادك وزوجتك وأسهمك وأحذيتك القوية وسيارتك الفارهة المكيفة وقمصانك النايلون؟ أفي كل مرة تقول لي: قصيدة، قصيدة! أهي امرأتك؟ هل تضاجعها ليلاً؟ هل تتأوه من اللذة؟ هل تقول: لم أشبع، قبلني، قبلني؟ ويضحك باكياً. هنا تتشقق اللغةُ، الحروفُ تغدو أطفالاً وأفراساً، والكلمات جزراً ونخيلاً مقطوعاً ومسامير في اليد وعصافير في القفص!
لو كان هنا لسخرنا معاً من هذا العجوز الذي يتأهب للرحيل وبلا خليل!».
نهضَ العجوزُ وتركهُ للفوضى الجميلة، قمصانٌ بلون الفراشات، فساتين هي حدائقٌ وحرائــقٌ متنقلة. البشرة ديناميتٌ لمن لا يذوق. ضحكاتُ الفتيات صهيلُ أفراسٍ مدربة على الوثب والقتل.
تطلع إلى المليونير الشاب يقودُ زهرتين من البار إلى سيارته يداه على الخصور وعيناه توزعان الابتسامات بالعدل والقسطاس. وأنظر إلى وكيل الوزارة العجوز الأشيب يحصل على فاتنة هي برقٌ ورعدٌ ومياه.
هل سيكفي الليل؟ ألن يتأخر عن الدوام وربما العمر؟
ارفع الكأسَ وأشرب في صحة الأسرة السعيدة! في صحة الحزن الوطني. في صحة العاهرات القادمات من كلِ فجٍ عميق. في صحة القواد والقوادين. في صحة الأخوة العرب القادمين إلى الأخوات العربيات!
«أنظر! يا إلهي ثلاث فتيات مثيرات الفوضى والهلع. حركاتهن رقص ودعوة مستعجلة للحب. تعالين، هنا الوحيد المحزون. ستشربن إلى الصباح. ولكن المشكلة بعدها أين سأذهب بكن؟ ليس لدي يختٌ ولا قصرٌ ولا فلل مفروشة وفارغة ولا مرسيدس بلون فستان الفتاة التي معي. لدي غرفة وحيدة فيها فراشٌ وحيدٌ تعبٌ أضنته أحلامي وآلامي، ولدي كرسيان مهزوزان، حاولت مرة أن أن أنتحر على واحدٍ منهما فسقط بي وأفشل محاولتي، وأحسست به يضحك عليّ ويقول: عشْ كما نعيش نحن في هذا البيت المقفر والحجرة الخربة!
لقد ذهبن إلى غيري. جلسن مع رجلين يلبسان الثياب العربية الرائعة، وليدهما كرشان يصارعان الطاولة الفقيرة بضراوة. وعلى سطح الطاولة هناك مظاهرة حاشدة من زجاجات الغرب والشرق وأنواع المزة. هنيئاً لكما هذا الفوز!».
تطلع يمنة ويسرة لكي يتحدث مع أحد. فرأى الحشد الهائل مشغولاً بالثرثرة مع نفسه، الأيدي الخشنة تتلمسُ الجلود الناعمة، والآذان البيضاء تصغي للأفواه الواسعة السمراء ذات الأسنان الصفراء، وثمة كركرة وكأن ساحراً ما يدغدغُ الجمعَ فيضحك ويتأوه ويشرب ويمضغُ ويشير إلى الساعة وينتشي بالرغوة والموعد المنتظر ويعد النقود ويوقع الشيكات المفتوحة ويهتفُ في سبيل عينك أيها الغزال الأبيض!
«أذكرُ الشاعرَ الذي جاء إليَّ في تلك الظهيرة. دق البابَ بقوة، قلتُ: ربما حدثت كارثة كالعادة. فتحتُ فإذا به يقول: هل لديك ورق أبيض؟ قلت: تعرف إنني لا أحتفظ به حتى لا أُتهم بأي تهمة، صرخ: لا تمزح، أعطني ورقاً، وإذا كان لديك شاي وسيجارة وسندويتش جبن فلا بأس!.. أعطيته ورقاً وسرقتُ من مطبخنا الشاي والخبز.
في ذلك الوقت كان لديه غرفة، والآن لا أحد يعرف. قبل فترةٍ وجيزةٍ كان ينتقلُ في بيوتِ الأصدقاء وعلى قوارب الصيادين النائمة على الشطآن. قلتُ دائماً: سيتحولُ إلى مجنون. ولكن ظني خاب، فها هو يبكي ويضحك، ويقرأُ الأشعارَ ويتجرأ على حبِ امرأة. في الفترة الأخيرة اختفى. كانت أمي تكرهه وتقول: لم يخربك إلا هذا الملعون! أيوجد أحدٌ يقبلُ أن يكون متشرداً؟ وحين اختفى راحت تسألُ الناسَ في الأزقة، بل وذهبت إلى البحر تسأل الصيادين، وحين لم تعثر على شيءٍ بكت في غرفتي وصاحت: إلا تبحثُ عن صديقك؟!».
ها هي امرأة تتقدمُ إليك. ها هو حظك المعتق يتفتقُ ورداً ورقياً ذاوياً. ها هي العجوزُ تسحبُ المقعد بخجلِ العذراوات وتجلسُ وهي تروض فستانها عن إثارة القلاقل. تواضعٌ، وهدوءٌ، وثقة.
تشربُ شيئاً من الويسكي وتدخن سيجارة. إنها ليست عجوزاً تماماً. جلدها كأنه مدبوغ تواً. ثنياته وتعرجاته كتضاريس أرضٍ جبلية. الخواتم الذهبية تملأ يدها، كمصابيح في مقبرة. وثمة عقد ماسي يتلألأ فوق صدرها.
نظراتها رغبة جامحة محمومة لم تروضها السنونُ ولا أشبعتها الأيام. لهفة على ماضٍ وخوف من القادم. رجاءٌ لهدنة بين الموت والحياة، بين المقبرة والزهرة.
تتطلعُ بدعوةٍ محمومة، تهزُ رأسها نحو الخارج، وتتشبث بالقلادة الماسية وتقول، قمْ، قمْ.
جاء حظك أخيراً. جاءك التابوت وأنت فتى تضجُ بالحياة. ولكن عليك أن تستجيب لدعوتها فلماذا تقبل الزنزانة الضيقة وأنفاس أصحاب الإبر والمساحيق والسطو؟ لماذا الخبز الجاف في الصباح والعيش الأبيض اليابس في الظهر والشاي الأسود الحامض في المساء؟ أتريد المرأة قبلة؟ أعطها إياه. رقدة في الهزيع الأخير من الليل؟ لا تبخل بها، فأنت لن تدري أين أصابعك ولن تعرف حديد السرير من جلدها!
تبتسم لها. وأخيراً تنطقُ بكلمةٍ مع أحد. وتقول: «نعم، معك أيتها الطحالب والأسنان الصناعية.. ما دمتِ ستدفعين الفاتورة كلها، معك إلى بوابة الفندق ربما، أو بوابة بيتك ولكن فيما بعد لا سيدتي!».
تكلمتْ هي أيضاً. صوتها كصوت آلة تقطع جيداً، شيءٌ يذكره بالسفن القديمة الخربة والماء يفتقها قليلاً قليلاً، أو بالرحى وهي تطحنُ.
تقتربُ وتهمسُ في أذنها:
– أنا معجبٌ بكل هذه الأناقة والجمال!
تبتسم المرأة بالفخر. تتلطعُ أنت إلى الآخرين فترى غزلاناً جديدة تمرحُ. فتاة طويلة ناعمة ذات وجهٍ بريءٍ كاعتراف زهرة بحب، تلتفتُ إليك وتبتسم. آه، ها قد حصلتَ على الأعجاب أنت أيضاً، ربما كان سخرية أو غزلاً. تغمزُ لها فتصدُ عنك باستياء. شــُنقت الفرحة!
قالت العجوز:
– أتحبُ أن تأكل؟
– إنني لا أريد إلا أن آكلك أنتِ!
وأضفتَ بالعربية «حتى أخلص العالم من شرك!».
دفعت المرأةُ الحساب وهي مندهشة لعدد الزجاجات التي أفرغها في جوفه ثم قادته إلى الخارج، واحتواهما المصعدُ لوحدهما. وكانت تنتظر قبلة حارقة مجنونة لكنه احترق من الرائحة وتمنى الهواءَ الطلق.
كان المطعم على سطح الفندق الضخم. تعريشةٌ من الضوء والخيام والطاولات الكثيرة الأنيقة المزدحمة بالأكل والأواني الغريبة والزجاجات والكؤوس البراقة. وكانت رائحة الشواء تسيلُ لعابَ النجوم الصغيرة المزروعة في مظلة السماء كالفقراء المحتشدين في الظلام، كالأيدي الممدودة في السوق والحارات والزحام!
قدموا لهما قائمة الطعام فلم يفهمْ شيئاً ولكنه وضع أصبعه على خطٍ منها وهو يبتسم. التفت إلى المدينة فرأى لؤلؤاً منثوراً وأضواءَ ملونة. اشتعلت البنايات والشوارعُ وجاءت ضجةُ الليلِ خافتةً مفعمةً بالندى كقطةٍ ناعمة الملمس. المدينة والسماء والبحر تسبحُ في الضوء.
أسكرْ مع هذه الحلوة وتمتع بالطعام اللذيذ. العجوز تسألك: ما هي أعمالك؟
«أسألي يا سيدتي البنطلون المرقع، دكان أبي الفارغ، سنوات التشرد الخمس، بشرتك التي أشعلها النفطُ، حارتنا المهجورة، أمي المجنونة وأبي الذي هدهدته التعاويذ!
لا أعرف لماذا صلبوني في الظهيرة. هل لأنني صديق المغضوب عليه: شاعر الحارة المختفي؟ ذلك الإبليس الذي لا يهدأ، والذي ربما الآن يطفحُ على مياه الخليج مع الزيت والدم؟
هيا انهضي أيتها الحلوة لأمارس عملي الجديد. عاشق للخريف والصقيع. الحاضرون يتطلعون إلينا بدهشة. موتوا بغيظكم أيها السادة. هل رأيتم أجمل من هذا الوجه؟
إنني أقبلها أمام الملأ، أنا فارسها الجديد، اضحكوا!».
يحضنها بيدهِ ويهتزُ قرب المصعد، ويرى المدينةَ تدورُ، المصابيحُ تعانق النجومَ والغيوم تهبطُ فوق المطعم، وكل شيءٍ غدا ناعماً وساماً.
ها أنت تمشي إلى السيارة وتترنح على المقعد وتندفعُ الشوارعُ في وجهك وتسمعُ المرأةَ تفحُ:
– هل أنت هنا يا حبيبي؟
« أنا لستُ هنا، ها أنتِ تقودينني إلى قصرك يا أميرة أحلامي، يا كابوسي، يأجوجٌ ومأجوجٌ أنتِ، خذيني برفق ودعيني أرى قصرك الكبير. إنه يكفي لحارتنا كلها يا سيدتي. أعطونا جناحاً!».
بركةٌ وأشجارٌ وممرٌ مفروشٌ ومغطى بالياسمين، وهي تمسك بذراعك وكأنها خائفة أن تفر في آخر لحظة ثم تدخلك غرفة نومٍ واسعة فتجلسُ على السرير وأنت تمسكُ رأسَك. بك دوارٌ وغثيان.
«المرأةُ تتعرى. ها هو الهيكل العظمي يرقصُ. الأفضل أن تطفئ الأنوارَ، لا، لا أحبُ أن أرى عاري أمامي!». لمسُ الجلدَ المتغضن، والنهدَ الميت ويدخل في نفقٍ مظلم، يرى أشباحاً تتطلعُ في وجهه، ويسمعُ صديقه الشاعرَ يئنُ وكأنه يتلقى ضربة قوية في صدره، يودُ أن يمزقَ جلدَ العجوز، لكن النفق طويل ومتعب، ومرة أخرى يتأوهُ الشاعرُ وهو يتلقى طعنة سكين في خاصرته، الشعرُ والدمُ والتأوهاتُ تذوبُ معاً وتشكلُ ناراً يحسُ بلسعها في عينيه، يودُ أن يصرخ في وجه المرأة لكنه يمضي، يحسُ بنفسه يغوصُ في الوحلِ ويحسُ بمذاقهِ كما لو كان حذاءاً يعبرُ مستنقعاً.
العجوزُ فرحة وسعيدة، عصارة الشرق تنتقلُ إلى جلدها المتيبس، تتوهجُ قليلاً، تعضُ صدره بأسنانها الصناعية، تطلبُ المزيد والمزيد، لكنه تجمد، شعر بفداحةِ الثمن، بصرخاتِ الشاعر وهو يحتضرُ والأحذية فوق وجههِ، بصراخ الحارة وبكائها، ولكنه لا بد أن يعطي عصارته للجسدِ المتجمدِ، لا بد أن يكمل الرحلة التي طالت، وهو يحسُ إنه يقتاتُ بنشارة الخشب ويشربُ دموعه.
فتح عينيه وإذا بالضوءِ الساطعِ يملأ الغرفة، وإذا عصافير قرب النافذة وهو عارٍ ومغطى بالدثار. أحس كأنه فتاة تفقد عذريتها مع كلب، به رغبة شديدة في الهرب.
جلسَ فدهشت العصافيرُ ثم طارت خجلةً. الضوءُ يدلُ على تأخر الوقت. بحث عن ساعة فوجد أنها الثانية بعد الظهر. كم أمتصتهُ العجوزُ!
تــُروى في الحارة قصصٌ غريبةٌ عن الذين ينامون مع العجائز. أحدهم مات بعد أسبوع وآخر جن وثالث غرق في البحر!
يخيلُ إليه أن الشاعر لم يمتْ. موجودٌ في مكانٍ ما. مختفٍ عن الأنظار. يبعثُ قصائدهُ إلى محبيه. ذات مرةٍ اختفى ثلاث سنين كاملة، وكانت تصل منه الرسائلُ والقصائد، فيكتبها بخطٍ أنيق ويرسلها إلى الجرائد التي لا تنشرها. كانت أنفاسهُ تتجولُ في الأزقة. وتظهرُ صورتهُ هنا وهناك. وفي ليلةٍ قرأ لأمه قصيدى فحفظتها وبكت. يودُ أن يبكي. يحسُ بكآبةٍ خانقةٍ. لا فائدة من النور والعصافير والشوارع والزهور.
جاءت العجوزُ مبتسمة، متألقة. سألها:
– ماذا يعملُ زوجك؟
– إنه مهندسٌ. ها قد جاء الآن ويحسن بك أن تذهب وتأتي في الليل.
– هل يوجد بابٌ خلفي؟
– لا، أخرجْ من الباب الذي جئنا منه.
ثم وضعت في يدهِ ثلاثين ديناراً. اندفع بقوة ورأى وجهه ممزقاً في مياه البركة الزرقاء. ثلاثون ديناراً؟ عندما كان الشاعرُ ينشرُ قصيدة كانوا يعطونه خمسة دنانير. لماذا لم يترك الشعرَ ويعمل مثله؟
سمع صوتاً خلفه، فوجد الرجلَ العجوزَ يناديه فأسرع إلى البوابة واندفع في الشارع، كانت الشمس قد استولت على السماء، أبعدت النسمات الصيفية الرقيقة وأوقدت الأرضُ فتصاعد وهجٌ وحشي من أسفلت الشارع، أحاطت بهِ دوائرٌ من اللهب والعرق. سمع صوتاً خلفه أيضاً، أبصر العجوزَ يطارده بسيارته، راح يركضُ على الرصيف المشتعل، يودُ أن ينتهي من هذا الألم، من هذا الزحف على الرمل المحترق، تساءل: هل سيطلقُ عليه الرجلُ رصاصة صامتة في ظهره؟
«أودُ أن أموتَ حقاً ، ولكن على طريقتي الخاصة!».
اقتربت منه السيارة. توقف لـه. رأى العجوزَ يبتسم ويغمز بعينيه أيضاً!
بصق عليه واندفع يجري إلى بيته. تناول حبلاً ودخل غرفته. تحسس الكرسي فوجده قوياً وعابساً. عمل مشنقة وسمعَ أمَهُ تناديه وتسألهُ: أين كان البارحة، وهل بات في أحد مراكز الشرطة؟
أسرع بتعليق حبل المشنقة في المروحة. وجده قوياً وثابتاً ويصلح تماماً خاتمة لحياته. وضع المشنقة في رقبته، وما عليه الآن إلا أن يدفع الكرسي ويتأرجح في الهواء. البارحة كان أقصى حلمه أن يدخل زنزانة..!
أليست الحياة جميلة؟ أليس غداء الوالدة لذيذاً؟ يجب أن ينسى العجوز ودنانيرها. أحكم الحبلَ حول رقبتهِ وسمع خطوات أمه تقترب.
سمعها تقول:
ــ أين أنت؟ ألا يجب أن تذهب لتهنئة صديقك الملعون بسلامة
ــــــــــــــــــــــ ツ 4 – سهرة «قصص»، 1994.
❖ «القصص: السفر – سهرة – قبضة تراب – الطوفان – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».
دهشة الساحـر ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
كانت ضجة عنيفة على الباب.
لملم العجوز أطرافه المبعثرة بين النوم والحلم، وتعكز على ظلال الظهيرة، وفتح، وفوجئ بانهمار مطر بُني من المفتشين ورجال الشرطة.
وُضعت زجاجات الكافور والزعتر والورد، وارتجافات المواليد، وشظايا أماني العمر المديد وحبوب البصر، في الأكياس.
لم يكن هناك في الحي من يرمق المشهد.
الأغراب الذين سكنوا وصاروا رجال المليشيا، والجبليون المغمغمون بلغة رهيبة، لم يكونوا يدرون به.
كانت الشمس وحدها ساطعة مثل مليون قنبلة.
تعثر طويلاً ليركب «الجيب». كانت أبعد مشاويره «الخباز» ودكان الأصحاب، وسطح بيته المهُاجم بدوي المكيفات.
في المكتب واجه وجهاً بارداً مغسولاً بغبار الكولونيا. تراءت وراءه الكتب والمناظر الأجنبية. ثمة نباتات غريبة تغمغم.
تأمل الطبيبُ المسئولُ المشعوذ، وهتف في نفسه: «الآن وقع في قبضتي! يا لثارات تلك الأيام المرتجفة من خطواته المخيفة، ونظراته الميدوزية القاتلة!».
فكر كم مضت من سنوات وهو لم يزر الحي، منذ أن حمل والديه المنهكين من السنين فوق كتفيه وحط بهما في برية قاحلة، بمنزل واسع مريح لا يدنو منه القذرون.
في تلك الليالي البعيدة، حيث تلسعه عصي الأولاد الأشقياء، وألعابهم البذيئة، سمع بانتهاكات هذا الساحر للأجساد والأرواح. إنه المخيف الذي لديه أسرار الحي، وأعشابه تكوّن دورة المواليد، وتهيئ الذكورة، وتُعطي القطط السوداء أرواحاً ثامنة.
قال الطبيبُ:
– يا سيد أنت متهم بالقضاء على حياة إنسان. دمرت جنيناً في بطن أمه. هذا إذا تغاضينا عن ممارستك للشعوذة والتطبيب بدون ترخيص.
لم يسمع صوتاً. كأن العجوز غرق في مقعده. تهدلت كوفيته على جبينه، وبانت يده المعروقة محفورة بأخاديد بيضاء وارتجافات زرقاء. ثمة يد كأنها ثعبان مسالم.
انتبه العجوز إلى دوي المكيف، ورأى النبات مذعوراً، وثمة سحابة من الكيمياء الخبيثة في جو الغرفة. الكتب ضخمة وعناوينها مثيرة. لم يستفد من عمره المديد ورحلاته للدخول فيها؟!
سأل الطبيب:
– أتسمعني أيها الرجل.. أنت في موقف خطير، ولا بد أن تدافع عن نفسك؟
وقع نظر العجوز على أسم الطبيب. دُهش. انطلقت به طائرة نفاثة في محيط من الصور والمشاعر، وبرزت أعمدة النور الأولى في غابة الأكواخ. ورأى خطواته تتبعثر مع قنديل في زقاق ضيق، ورجل مذعور يحاول أن يقوده إلى كوخه. كان أنين الأم يسبق الريح.
أعاد البصر على وجه الطبيب، فرأى قناعاً من البلاستك اللدن الموشى بالعظم. وبدا جمهور كثيف من الصغار يسن الرماح ويذوب في الزمن.
في زمن كان النخل وحده مسئولاً عن التراب، جاءته امرأة حزينة. لم تخطُ أبداً إلى منزله. كانت مذعورة، وعريشه كان مواجهاً للهواء والبحر والسفر. أدخل في جوفه الزجاجات والأعشاب والمخطوطات العتيقة. هناك كان يكلم أبن سينا والعيون المنتفخة وارتعاشات النسوة الغامضة.
وكانت الأكواخ وحدها تمتد متحدةٍ ببرية معادية وسيول جارفة، وتمشي النخلة فوق الثرى مكونةٍ الحياة.
أدنى المرأة، ولم يتحسس مبيضها، وغمرها بأسئلة داخلية عميقة، فاكتشف أنساغ الدم الوافرة، وضجيج الخصب ونداء الأنوثة الشاهق.
قال:
– ليأت زوجك إليّ.
ازداد ذعر المرأة. همست:
– زوجي لا يعرف إني جئت هنا، ولو عرف لذبحني..!
يتذكر الآن كيف شهق. وتذكر رحلاته المريرة فوق «الأبوام»* الخشبية المتقلبة في عباب المحيط الهندي، وتجار الذهب المهّرب والعبيد الذين نجوا بفضل أعشابه وإبره، وكيف ساح في الهند ملتقطاً حبوب وبذور المعرفة من أشداق الحيتان واللصوص والحكماء.
صار شوكة مَرةً، وقمحاً وموقوفاً ومديوناً وهارباً مرات. كان يسأل الله والملائكة والنجوم أن يعود إلى أرضه. أعطته الهجرة جلد تمساح وقلب عصفور. أصبحت خرقه وجيوبه وتلافيف أعصابه مشحونة بمسحوق نوراني يجعله بين الأرض والسماء.
شعوذ واغتصب المال وحوّل النساء إلى شراب نبيذي يومي، وانشرخ بأسئلة مرعبة ليصحو في الظهيرة موزعاً الماء والخبز والمال، وليحضن الصبية والصبايا المجدورين، ويقلع عينيه في الكتب الصفراء ليعرف الأوبئة ومدافع الغزاة ترج المدن.
والآن بعد كل هذا الخضم الدموي، لا تزال الشكوك تطارده، والمرأة الأرض العطشى للخصب، تطالعه بخوف وتخشى أن تحدث زوجها!
كان لا بد أن يصرخ ويتهمها بالجهل والجبن، ويعطيها عشباً سرياً للكلام.
جاء الزوج بعد شهور، مرتبكاً منهاراً مسلماً جسده للغموض.
امتدت أصابعه إلى عروقه، وقرأ سائله الشاحب، المتكسر، وكان جسده متوحداً مع الآيات والصلوات، مُشكّلاً صَدَفة كبيرةً من المحرمات والمخاوف، وكان يكره المشي في الليل وغناء البحر وألعاب الطفولة وبيض الطيور وارتجافات النهود.
سحبه إلى رقص الأخطبوط ذي اللحم الأبيض الفاتن في الأرز، ولاختباء السرطان في الرمل وفي سوائل البهار المشتعلة، وسّرب نسغاً من النبيذ الغائر بالرغوة والشهوة إلى أخاديده الشاحبة، وأعطاه أجنحة الطيور ليضع أعشاش الحب والإنسان.
بعد شهور جاءه صاخباً، ساحباً تيساً يضج باللحم والفحولة، وأعطاه إياه وهو يصرخ:
– حبلت امرأتي!
⊛ ⊛ ⊛
كان الطبيب يتأمل المشعوذ مستغرباً، فلم تبدُ على الرجل علامات الخوف. وبدا واثقاً، شامخاً، يجلس في قمة مضاءة بالهدوء والتعالي. كان يود لو ترنح، وصرخ، وطلب الغفران، مثلما يفعل كل المشعوذين والسحرة.
لقد أُعطي مهمة أن يسحق الدجل في المجتمع، ولم يبق الآن دجالون، صحيح أن بعضهم تحول إلى لصوص وقتلة، لكنهم تركوا الطب إلى الأبد.
كان يود أن يقول:
– أيها الرجل تستطيع أن تعترف وتتوب لنخفف عنك العقوبة!
لكنه توقف. أحس كأن عيني الرجل تتكلمان بقوة، وتلك الأخاديد العميقة المحفورة في الزمان والمكان، ترسل برقيات متلبثة إلى كائنات غير مرئية.
أهو ريش الطيور يتحرك خادعاً الغزاة أم موج البحر يهدي القواقع إلى الأطفال؟
أم هي أرجل الصغار المجلودة في الكتاتيب، والأسياخ المحمرة الداخلة في أجسادهم مانعةٍ الأشباح والعيون؟!
كان زمناً يخنق شبحُ النخلة فيه هرولات الصغار، وتُلقى سبع نوى تمر في عين الشمس بديلاً عن حليب مفقود.
وهذه هي فزاعات ذلك الدهر؛ هياكل عظمية لا تزال تجرجر ذيولاً دامية على موائد الفطور.
الآن يتذكر الطبيب لماذا تملكه كل هذا الحقد على النفاثات في العقد؟ في ذلك العريش امتدت له يد صلبة، قطعت جزءً حساساً زائداً من جسده.. الآن تنمو ألوان الإزار البشع، والوجه القميء ويقع في قبضة شبحها المطل. وراح ذلك الألم يكبر مع جزعه المتطاول، وغرفته البعيدة عن صوت الشارع، وتفاقم تلعثمه الدائم، وخجله الحزين، وكان يقذف حجراً دائماً فوق ذلك الوجه المتواري المراوغ، ألا يشبه هذا العجوز؟!
أدمن النيتروجين والأوكسجين وأنابيب الاختبار ولغة المناطيد المحلقة في السماء العذراء، وسبح مع الدلافين المحملة ديناميت لنسف مغارات الظلام، وجاء بجبال من المعادلات والأجهزة، وراحت قبضته تطارد الخفافيش في كل مكان.
الآن عليه أن يرتاح فقد أنجز مهماته، وكون خريطة من النور والرماد.
كان العجوز غارقاً في النوم والحلم.
كانت غابة من الوجوه والأزهار وراء سماده. سحابات تضحك وهي تحصد جداول الضرب. وهو غارق في مياه، يحاول أن يصعد ويتكلم، إلا أن بالونات الهواء تنفجر بعيداً عنه، ووجه ضخم ذو نظارة بحجم بارجة يحاصره في القاع.
——————–
* الأبوام _ البوم : السفينة الكبيرة
5 – دهشة الساحر «قصص»، 1997.
❖ القصص: «طريق النبع – الأصنام – الليل والنهار – الأميرة والصعلوك – الترانيم – دهشة الساحر – الصحراء –الجبل البعيد– الأحفاد – نجمة الصباح».
الدرب ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
إلى أين يسيرُ هذا الطابورُ الدامي الأقدام ؟
لا أثر للقرية أو القصر أو البحر أو الحدائق أو النسمات الشمالية ، تلالٌ من الرملِ وحقلٌ من النخيل الشيطاني ومرتفعاتٌ صخرية ومنخفضات كأفواهٍ جائعة ، والشمسُ هذا البركان المتنقل المتفجر يرسلُ قذائفهُ في الوجوه وهذا الطابورُ يزحفُ بمعاوله ورفوشهِ وجرارتهِ وخيامه وعرقه وأرقه وصرخاته وسياطهِ مجتاحاً الرمال والأعشاب والصخورَ والتلال والنخيل ، خيوطاً من الدخان تعلو فوقه ، يشقُ طريقَهُ مخلفاً خطاً أسود ودماً وعظاماً وبقايا الطعام . .
واجهنا حقلٌ من النخل ، جذوعٌ منتصبة بانحناءات مكسورة ، مجموعة من الشيوخ الشحاذين على أبواب الصحراء . . تمدُ أيديها للماءِ ولكن البلدوزر الأصفر يمدُ لها لها أسنانـَهُ . . تجتاحُ الأعشاب . . يجتاح الأعشابَ والفسائل الصغيرة يقطعها بحدة وقوة ، ننظر إلى الشمس الصاعدة نحو قلبِ السماء ونخفضُ رؤوسنا بسرعةٍ ، إنها تعصرُ القلبَ وتشربُ الدمَ .
يطعنُ البلدوزر النخلة الشامخة ، تلك التي تنتصبُ في عمق الطريق ، يجأر بالغضب وهي تقاوم بصلابة ، يتناثر ( الكرب ) فوق الأرض وتنتزعُ الأسنانُ تلك القشرة السوداءَ لتصلَ إلى البياض الجميل ، تنحني النخلة قليلاً ، تغوصُ الأسنانُ ، يرهفُ السمعَ إلى الأرض اللامبالية . .
أقطعُ بذوراً ، أجمعُ حجارة ، أصطدم بعامل آخر . .
جوزيف ينحني لي باتسامة جميلة ، كوجههِ الوسيم . . اكتسى سمرة الهند الجنوبية ، نتعاون على قطع نخلة صغيرة ، نضربها بحدةٍ وغضب ، لكنها لا تتأثر . . أرى البلدوزر يتراجعُ عن النخلة العملاقة ، ويفاجئها من الخلف بضربةٍ حادةٍ ، تهتزُ ، ضربة أخرى ، لكنها لا تسقط ، العامل الأنليزي الذي يقودُ البلدوزر يصرخُ بهياج ، نسمعهُ فنحفر لنخلتنا ونقطعها من الأسفل ، يتراجعُ الأنكليزي ويطلبُ من العمال الأنتباه . . يهجمُ بضراوةٍ ، تقطع السكينُ الضخمة النخلة فتتهاوى جثتتها بصخبٍ ، ننطلقُ إليها ، نرفعها بسرعةٍ وخفة ونلقيها حيث تجمعت الجذوعُ في مقبرة هائلة . .
تحتشدُ السواعدُ ، تتقاربُ أجسادٌ كثيرة لمئات الرجال ، العرقُ ينضحُ ويغسلُ الخرقَ الكاكية اللون ، الجذوع تــُقذف بعيداً ، الحصى يــُنزع ، الجذور تــُقلعُ بعنفٍ أو تــُقطع أو تــُحرقُ ، بقايا البركة تــُهدمُ وتــُسوى بالأرضِ . أنصتُ إلى صيحات الأطفالِ الذين كانوا يغوصون ويتسابقون من أجلِ حبة لوز ، يتذكرُ جوزيف مدينتَــهُ الكبيرة التي قدم منها ، إنها باتساع هذا الرمل وذاك البحر ، والبشر أنهارٌ تصبُ في كل مجرى ، والغاباتُ الساكنة قرب الجبال ، الخضرة بامتداد النظر ، الورقة الخضراء صفحة من كتابٍ مقدس ، والمطرُ والأنهارُ والمعابدُ والقلاعُ القديمة ومصنعهُ الذي غادرهُ ، وأصدقاؤه وزوجته وطفلتاه ، يضربُ الأحجارَ بعنفٍ ويرملُـها ، يتوقفُ ، يدخن ، يميلُ قبعة القشِ نحو عينيه ، يقول :
ــ يا للشمس ؟ ! نحن لدينا شمسٌ مؤذية ولكن ليست مثل هذه ؟
ذهبتُ مراراً إلى غرفتهِ الوساعة ، حيث عسكرَ جيشٌ صغيرٌ من زملائهِ ، أصطفتْ الأسرة قرب بعض ، فــُتحت النافذة على مصراعيها ، وأنهالت موسيقى الرقص والغابات والجبال والثلوج . . يحدقُ في السقف طويلاً أو يرمقُ صورة العائلة المشتركة . . ما أجمل وجه زوجته ! تنطقُ العينان والقسماتُ والفمُ الصغير والأنف الجميل : ( تعال ! ) ، يتأوهُ بحدة ، ويسحبُ علبة البيرة وينفثُ الدخان . . قطارٌ صغيرٌ يمضي في البحر أو الرمل وهو يلوحُ من بعيد عبر النافذة ، تضيع حقيبتهُ في المطار ، يقرأ نص العقد فيفاجئ بالغرفة الجماعية ، ينتظر دوره للحمام وهو يئنُ من الألم . . يلوحُ لزوجتهِ وتضيعُ ملامحها في النهر البشري المتدفق ، يتذكرُ إنه نسي أن يقبل أبنته الكبرى لآخر مرة ، يرفعُ يدَهُ ، يصرخُ ، وينطلقُ القطارُ ، تضيعُ صيحاتهُ في الأجواء والزحام والمطارات والتأشيرات والتفتيش والحجر الصحي وعقد العمل الغريب واللغات والوجوه المكفهرة ، ينهارُ على فراشهِ مفرغاً العلب والنقود والشجائر . .
يقتربُ رئيسُ الملاحظين الأنكليزي (ديفيد) ، يخزنا بإحدى عينيه ويهزُ العصا في يدهِ، أكتسي بالعرق :
ــ لا أريدُ أية أحاديث أثناء العمل !
طالما رددَ هذه الملاحظة ، أمس تشاجر مع عامل وضربه بالعصا ، توقفَ العمالُ لحظة وهم يسمعون شجاره مع الرجل ، تصاعدتْ صرخاتهُ ، هجمَ بحدة ، تحاوط الملاحظون العمال ، دفعوهم نحو العمل ، مهدنا الأرضَ بصمتٍ ، سمعنا عويلَ الرجلِ ثم رأيناهُ ينهضُ وينفضُ الترابَ ويندسُ في الجموع . .
استوت الأرضُ تماماً ، اختفتْ البركة والأوراقُ والجذورُ ، فرغتْ الشاحناتُ حملتها من الأسفلت . . اقتربنا من فلسعتنا أنفاسهُ الحارة ، غرفنا برفوشنا ونثرناهُ . . أيدٍ كثيرة ، تلالٌ سوداءُ عديدة ، بخارٌ يتصاعدُ ، أحسُ بوجهي يشوى ببطءٍ وبلا توقف . . كم بحثتُ في المكاتبِ عن عمل !
زاحمتني الاكتافُ والرسائلُ ودخلتُ مكاتبَ باردة كالثلاجات ، رمقتني السكرتيرات بلا مبالاة ، سرتُ على الأرصفة ، قرأتُ إعلانات الصحف ، ثم فتحتْ الشمسُ ذراعيها الطويلتين وضمتني ، تمددَ الأسفلتُ على الطريقِ النامي . .
بدأت الصحراءُ تسقبلنا ، الرملُ الأصفر لا نهاية له ، ثمة تلالٌ وحفرٌ وأتربة ، الطابورُ يغادرُ مكانَهُ ويمضي ، ثمة حفرٌ واسعة علينا أن نردمها . . الآلاتُ والرجالُ تنطلقُ حيث تكومَ الرملُ . . جوزيف أيضاً معي . يبدو أن تعباً عنيفاً قد تسلل إلى هيكلهِ الصغير . . يملأ الشاحنة بالرملِ ببطءٍ . .
أغرفوا ، أغرفوا ، أملأوا هذه الحفر بالرمل ، الطريق لا يعرف أحدٌ إلى أين تقود ، بعضهم يقول إلى قصرٍ فضخم ، البعضُ الآخرُ يؤكد إنه إلى جسرٍ ، أغرفوا ، أضربوا هذه التلال ، يتطايرُ الغبارُ ، أسمعهُ يتألمُ من عينيه . .
روى لي جوزيف إنه كان مدمناً على القراءة ، في المصنع الذي عملَ فيه اكتشف أشياءَ كثيرة ، الحروفَ وأسرارَ الكلمات ، الأصدقاءَ ، السواعدَ التي تقفُ معاً ، الابتسامات الطالعة من القلبِ ، جلساتِ الغناءِ والاكتشافاتِ والرحلاتِ ، كان المطرُ والشمسُ الهادئة ، كان الشتاءُ والمعاطفُ والجمرُ ، الطفلتانِ والأمُ والسمرُ ، هناك غرفتاه الصغيرتان ، أكتملَ كلُ شيء وراءه ! كيف وجدَ نفسه فجأة في صحراء يشتعلُ رملُها وتقذفُ سماؤها الحمم ؟
عيناهُ ، كأنهُ لا يرى ، يقذفُ الرمل بعيداًعن الشاحنة ، يملأ وجهَ أحدَ العمال ن يشتمهُ الآخر ، يقتربُ ديفيد منه ، يهزهُ بعنفٍ :
ـــ ألا ترى جيداً أيها الغبي ؟
ــ امتلأت عيناي بالغبار . .
ــ أهذه خدعة للراحة ؟
من جديد يغرفُ ، الحفر عميقة كالآمال الخائبة ، الشمسُ استوت فوق السماء ، اندفعَ اللهب من الرمل والقار . . الأعماقُ الخائبة لا ترتوي بالرملِ ، لم تعد لديهِ كتبٌ هنا ، في النهار تحت الشمس ، في الليل يقدمُ المشروبات في البار ، الدخانُ والسهرُ والأهاناتُ والتعبُ والرغبة في النوم والرحيل ، ومرة أسقط كأسَ البيرة المليء في حضن رجلٍ فلكمهُ بقوةٍ ، سقط تحت الطالولاة ، كانت الأشياءُ كلها تدور حوله ، الكؤوس والوجوهُ والمصابيحُ الصفراءُ والكوفياتُ البيضُ والطاولاتُ ، أحس بنفسهِ يرتفع ويحلقُ في الأعالي ، كأنهُ يجثمُ على مقعده في الطائرة ، كأنهُ يمدُ يدَهُ من القطار ويتذكرُ إنه لم يقبل أبنيته الكبرى المريضة ، لم يودع أصدقاءه في المصنع ، أخذت الأضواءُ الخافتة تدورُ كالزنابير ، الوجوهُ تدورُ ، كانت اللكمة موجعة وحد الطاولة موجعاً ، الندل يغسلون ثوبَ الرجلِ الذي راح يدور ، أبصر نفسَهُ يغرق في بحرٍ عميق من البشر والأحجار والزجاجات الفارغة . .
اقتربتْ سيارة فخمة منا . . أزيحت ستائرٌ داخلية وأطل وجهُ رجلٍ عجوز . . طالع ما أنجزناهُ بغضبٍ واضح. . ثم اندفعتْ العجلاتُ الأربع وأطلقت سحابة غبار عارمة . .
نصف ساعة الغداء ابتدأت . تجمعنا في الخيام الكبيرة المنصوبة . تزاحمنا في بقعةٍ ضيقةٍ وظهرت أكلاتٌ من الجنوبِ والشرق والغرب . تصاعدت الشكاوى والضحكات والآمال ، قال أحدهم : إن رجلين أصيبا بضربة شمسٍ ونقلا للمستشفى . كم تمنى جوزيف أن يصاب بضربة شمس ويرتاح عدة أيام ! أمس حطم ديفيد وجهَ رجلٍ رفض أن يعمل ، سمعنا صيحاته ، نظرنا إليه ، كانت الأيدي تمسكُ الرفوش والمعاولَ وتقودُ العربات والآلات ، ثمة لحظة خاطفة توقف فيها كلُ صوتٍ ، تلك اللحظة الغريبة التي لم يمسعْ فيها سوى الضرب ، وقفت الأيدي لحظة حدادٍ على شيءٍ مبهم ، أنصتنا غلى الرجل وهو يبكي ، الرجلِ ذي اللحية الكثة واسمال الجبال ، بدا أن النشيج قد انبعثَ من الشمس والأرض والتلال والخيام ، ملأ الصوتُ الفضاءَ. . استحالت اللحظة الخاطفة إلى وقتٍ طويل لا يريدُ أن يفضي إلى نهايةٍ . نظرنا إلى بعضنا البعض ، رجالٌ سود وصفرٌ وبيضٌ ، أنبتتنا جبالٌ وأنهارٌ ومدنٌ وصحار ثم القانا التيارُ الصاخبُ في جدولٍ ضيق . النظراتُ تقتربُ ، تكونُ شيئاً غامضاً ، كأن الأيدي تمتدُ زتتجمعُ . لكن البكاءَ توقف ، واستعادتْ الضجة مكانَها المفقود ..
انتهت نصفُ ساعةِ الغداء الخاطفة ، فترة لذية رغم التكديس في الخيام . غفوة صغيرة منعششة . لم تزل الشمسُ مرابطة فوق العيون ، لا نسماتٍ ، لا طيورَ ، لا نخيلَ . أسربة وأتربة وأفعوانٌ أسودٌ يزحفُ إلى جهةٍ مجهولة . قالوا إن الطريقَ يفضي إلى قصرٍ عالٍ في الصحراء ، وأنه ينتظر قدومَ مالكهِ من رحلة شهر عسل. قالوا إن زفافاً مذهلاً سيبدأ فيه . لم يعد يهمني شيءٌ في هذه الحياة ، سرتُ وسرتُ وركضتُ في الطرق ، بحثتُ عن عملٍ حتى أهترأت أصابعُ قدمي ، أنحنيتُ أمام تاجر سلعٍ مهربة ، انتظرتُ أياماً أمام بابِ مقاول ، حتى خفتَ صوتي . لا يبدو أي قصر في هذه الآفاق ، وعلنيا أن نهرولَ في هذا الرمل المجهول . حثتني زوجتي على أن أصمت دائماً ، أمسكتني بحدةٍ وهي تصرخُ ، خرجتُ من المنزل لاعناً كلَ شيء . .
زحفنا ، جاءتْ الشاحناتُ وألقتْ الأسفلت . الملاحظون انطلقوا يعنفوننا على الكسل والأحاديث ، ارتفعت عصيهم وأصواتهم ، أندفع الطابورُ الهائل إلى تلالِ القارِ المتكومةِ ، راحتْ الرفوشُ تأكلُ الوجبة السوداء بنهم ، تتصاعد الأبخرة وهو ينــُنثر على الأرض . .
اقترب مني جوزيف وقال :
ــ لا أستطيع أن أحتمل أكثر . .
الكلمات التشجيعية تتبخرُ في هذا الجو . سقط عاملٌ على الأسفلت . أندفعنا إليه ، غاصَ في القار وشوى ظهره . يتكلمُ بلغةٍ رنانة كالعصافير . نزعنا قميصه ورأينا آثاراً حمراء وانتفاخات في كلِ جسده ، يرتعشُ . أخذناهُ إلى إحدى الخيام . الملاحظون يدعوننا إلى ترك الرجل فوراً .
يتقدمُ ديفيد بحنق :
ــ عندما يسقط رجلٌ لا أريدُ أن أرى أحداً يقتربُ منه . .
يفضُ الصفوفَ بعصاه ويديه وبصاقهِ وشتائمهِ . نعودُ . أنصتُ إلى طائرٍ متعبٍ يرفرفُ في السماء ، يطلقُ نداءاتٍ من أعماقهِ إلى كائناتٍ بعيدة ، إلى أين تريدُ أن تمضي في هذه البراري الموحشة ؟ يلتفتُ جوزيف ويصغي . يقتربُ طائرٌ آخر ، ظهرَ من لهيبِ النار الذائبِ في الهواء . يمضيان معاً ، ويتغلغلان في الضوء..
أي هدير لهذا الطابور ؟ اهتزتْ الأرضُ ، ترنحتْ التلالُ من المعاول وآلات الحفر ، حاولتْ الصخورُ أن تصدَ التوغل ، أطنانٌ من الحصى تــُقذف بعيداً ، الطريق يبدأ خطوة ثم يستعُ ، العرقُ والكره لكلِ شيءٍ والحقد على الناس والحجارة والشمس والقصر والأكواخ . ذات ليلةٍ تـُضاءُ بقعة كبيرة في الصحراء ، تأتي قوافٌ من السيارات الفخمة ، عبر الطريق ، تنتشرُ المضاربُ حول البيت الفخم المتلألئ بالأنوار والنساء ، تشتعلُ النارُ تحت السفافيد والقدور الكبيرة السوداء ، رائحة السعف المحترق والشمبانيا والكافور تهفهفُ مع الريح ، دقاتُ الطبول والدفوفِ وضجة الجاز تسري في الصحراء الباردة . . هل سيرى المخمورون النائمون على مقاعد سياراتهم أية عظام على الطريق ؟
تتناثرُ الصخورُ بعيداً عن الطريق ، يريني جوزيف كائناً غريباً يزحفُ هارباً . كان ضباً كبيراً مذعوراً . قالت لي أصمتْ فصمتُ . اندفعتُ في الشوارع وأرصفة الميناء ، دخلتُ المكتبَ الأنيق فقال لي الرجلُ إننا نريدُ أن نوظفك ولكن . .سرتُ بين الحديد الخردة ، واسترحتُ في الظل ، قرأتُ في الجريدة ، أبصرتُ ألسنة مقطوعة وأنفاقاً مهدمة . .
سقطتْ قبعة القش التي يلبسها . يمسكها بصعوبة ، وجهه احتقن بالدماء في حمرة النفط المشتعل ، أضواءُ الآبار تسحبهُ من زحمة البشر المتكدسين . يلقي الكتابَ جانباً وينطلقُ ، القطارُ ضجة مدوية في الآفاق الخضراء ، قالتْ زوجتي : أصمتْ ! تضيعُ الحقيبة والحقيقة ويشعرُ بأنه طفلٌ ضاعَ في غابة ، قالت زوجته : تعالْ ! لم يرسلْ بطاقة العيد للأصدقاء ، ترنحَّ على الأرض ، ترنحَّ المعولُ والقبعة ، أمسك حجراً دخلَ في كتفه . . لم يتجمهر العمالُ حوله ، سرتُ نحوه ، الملاحظون تنبهوا ، سمعتُ نداءات خلفي ، خفتتْ الضجة قليلاً ، كان جوزيف بلا حراك ، كأن حربة سحرية ثقبت رأسه ، رفعتهُ ، نداءات وصرخات حولي ، توقفَ البلدوزر ، ورأيتُ النخلة تنحني ، قلتُ : سأحملهُ إلى الخيمة ثم أعود بسرعة ، دفعني أحدهم بقوةٍ ، رأيتُ ديفيد فوق رأسي ، خفتُ . .
ــ قلتُ لا تفعلوا ذلك !
ضربني بحدة على كتفي بعصاه . جاشَ صدري بماءٍ حارقٍ ، أستكنتُ وأنا أمسكُ حجراً ، النخيل المحتضر ، الضبُ الهاربُ ، البار الطاولة التي سقط تحتها جوزيف ، تدورُ ، الشمسُ التنورُ ، طابورُ العمال الصامت يدورُ ، اللافتاتُ ، إعلاناتُ الجرائد .
ــ لا يحقُ لك أن تضربني !
ــ أخرس !
حركَ رأسَ جوزيف بحذائهِ . أمسكهُ من ياقتهِ بعنف :
ــ انهض !
الرجلُ لا يقوى على الوقوف ، يضربهُ ، يصرخُ بهِ أن ينهضَ ، يضربهُ ، توقفت المحركات ، الرجلُ يسقطُ كخرقةٍ . تسكنُ الرفوشُ والمعاول . يتقدم عاملان نحو الخيام . صمتَ كلُ شيء . النظراتُ تلتقي . لغاتٌ عديدة تتكسرُ في النورِ الباهر . ثلاثة عمال يتقدمون أيضاً . الملاحظون ينتشرون . صرخاتٌ غاضبة تترددُ في البرية الشاسعة . لكن الصمتَ عادَ يلفُ كلَ شيءٍ .
ـــــــــــــــــــــــــــ ツ 3 – يوم قائظ «قصص»، 1984.
❖ «القصص: الدرب – أماه… أين أنت –الخروج – الجد – الجزيرة».
التـــرانيم ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
اقترب الطبيب من مريضه المتشنج.
ثمة جسد منفلت من الإيقاع. أطرافه تمتد من الأفق إلى الحريق. عيونه تستصرخ كائنات خفية، وأصابعه تلمس الرماد وبقايا الأحذية.
الإبرة المتغلغلةُ في جذوره النائية لا تكفي وحدها لإيقاف نظره، وإطلالة زهرته في الأرض الخراب.
لا يزال جسده ينتفض بين الماء والسماء، وقلبه يريد الإفلات من زنزانة الحمى.
هناك زائر لا مرئي يقترب من هذا الإنسان المبعثر. هناك خطوات لا مادية تعطيه جلده ويده، وتجعل الارتجافات الزلزالية تتوقف، والمتلاشي يستعيد أجزاءه بقوة مدهشة.
إنه يحتضن شيئاً، يتغلغل فيه، وبضع مرايا منه تتألق بوهج، وأجزاء أخرى تنبض أواناً وأطيافاً. يعرق بغزارة، وتمتد منه ينابيع وروافد من مياه فوارة، وتحل سكينة، وتحل طمأنينة، وكأنه طائر قادم من تنور، وكأنه نور اتحد بالتراب.
مشهد جعل المرضى والممرضات والزوار يُؤخذون، وتتوقف أفئدتهم عند عقارب الوجه وهي تتحد في انفجار الروح.
وجوههم الشاحبة والمتقلصة وعيدانهم النحيفة المهتزة وأسمالهم البالية كأنها انتفخت بهزة ريح.
الطبيب أغلق الغرفة. أقترب من الجسد الممدَّد، وفتح الضوء على دوائر التشنج والضجيج الدموي، فوجد جلداً رقيقاً برعم زهرات وأقحوانات، وتلك الكدمات وضربات الكهرباء الساحقة في جسد المريض توارت وراء صدى خافت، وجاءت طيور من خلف الشاطئ وأطلقت ترانيم في الفضاء.
⊛ ⊛ ⊛
أيها الأحبة الضائعون في البراري هلموا إلى نبعي. في زمن الصحراء الناري تعالوا إلى فيضي وغمامي. لا تكونوا مثل رجل حرق الغابة وحُوصر في أتونها، وامتلأت حفره بجثث الطيور والأرانب.
في مشيي الطويل في أسلاك الكهرباء الصاعقة لم أجد الراحة. في حبوب السراب لم أجد واحة. في الإعلانات الملونة وقوائم الطعام المليئة بالغزلان لم أر ذاتي. أدانني أطفالي لصمتي.
أيها المتعبون القادمون من الحمم والحمى والأنفاق، جيران النمل، تعالوا إلى خيمتي الوارفة، هناك بدأ نهر الماء يأخذني إليكم.
⊛ ⊛ ⊛
قال الطبيب:
– هل أنت بخير، هل أراحتك الإبرة؟
سأل المريض:
– هل رحل؟
تلفت الطبيب وانتبه إلى ضجة المرضى المتسربة إلى عمق المستشفى. قال:
– ذهبوا للنوم.
كان المريض يتغنى بالكلمات، يترنم، فيطلق حفيف الفراشات والأجنحة والأشعة، وتغدو أصابعه ثللاً من البشر يتدفقون على خيمة في عمق الألم والرمال والظلال تصير واحات وطرقاً ومناجم، وعيونه تبدو كأشرطة الأفلام الملونة العريضة حيث الغابات والآفاق والمدن اللامتناهية.
ارتجف الطبيب قليلاً، وشفتا المترنم تغنيان بوجد، ثم أسدل الستار على قامته حتى صوته.
وفي الأيام التالية لم يصدق الطبيب إن كل هذه التحولات والفوضى، يمكن أن تحدث.
امتدت أطباق الطعام المليئة من القرى والأزقة إلى غرفة المترنم. انتشرت الأغنام والعجول وأقفاص الدجاج في حوش المستشفى وراء سوره. وضعت أكداس النقود والشيكات وبطاقات الصراف الآلي على مكتبه. حشود من البشر تريد رؤية المريض.
وحين يخرج من غرفته، التي صارت مثل كهف بإضاءتها الشاحبة وبأكداس الكتب، لم يعد بإمكانه أن يمشي، كان المترنم يُحمل ويصير حمامة فوق كتلة النهر البشري، ذي الشلالات العارمة والصخور والقوارب الضائعة.
كان يقف فوق رؤوس الحشد ويترنم. كلماته مثل حلوى الأطفال، تبدو عسلية المذاق، تتدفق بحنو، وتفيض من غدير، وتطبطب على الأكتاف، وتضم الصدور والرؤوس، ليتشكل بكاء جماعي مرير مرهف، فتتساقط الخرق الملوثة وأردان الدم والطيور الجارحة.
ولم يعد بإمكان الطبيب أن يعمل، ورأى بعض الأطباء يستلون من ملابس المترنم خيوطاً يضعوها على أكتافهم، ويغمغمون بكلماته وهم يدسون الحبوب والإبر في أجسام المرضى.
حاول أن يمنع الزوار، ويوقف الأقدام والمأكولات الملوثة والتمائم والمجذومين والمتأيدزين، ويعيد المريض إلى علاجه، لكن السيول حصرته في مكتبه، وشاهد أطباء يحررون شهادة شفاء للمترنم.
خرج المريض إلى الشوارع مصحوباً بكرنفال من الألوان والموسيقى واللافتات، وراحت السماعات تقرأ ترانيمه بصوت أخاذ منغم، وظهر دارويش يتمايلون بمقاطعها ويحلقون بأجنحتها.
ثم استعاد المستشفى سيطرته على عـقله وجنونه.
دخل الطبيب تلافيف الأدمغة باحثاً عن سر هذا الاضطراب فعثر على أجسام ضوئية تتفجر مطلقة أصواتاً غامضة.
حرر طلباً إلى الجهات المختصة لإعادة المريض للعلاج اللازم، وبيَّن خطورة انفصامه المتعدد الجهات والإشعاعات.
لكن رداً لم يأتِ.
رأى صور المريض تغزو الشوارع، تحتل الحوائط بين الممثلين والماركات التجارية والُنُصب التذكارية. الصحف راحت تقتبس كلماته، وترانيمه يغنيها المطربون، وتتألق على المناطيد والبالونات الضخمة التي تخترق سماء المدينة.
غدت روشتة في الصيدليات واجتماعات السحرة واحتفالات المهرجين والمفكرين وعمليات الطهر والتطهير والحروب والنذور ولقاءات الغرام والخصام.
قاد الطبيب سيارته في شوارع مزدحمة، دخان وحشود وغبار وبائعة متآكلون وبنايات عملاقة وطوابق من الزجاج والفضة وقطارات قرب السحاب وقطارات في أعماق الأرض والنار وشاشات من النور تنتفض رقصاً ومشروبات وأغان، ورؤوس بلا أجسام وأجسام بلا رؤوس..
توقف باص سياحي. حدثت صاعقة هائلة تحته، انقلب متفجراً وتدلت رؤوس متدفقة بالدماء، وتعالت الصفارات والنداءات وولولة سيارات الإسعاف والحريق.
في النهارات المختنقة والمذبوحة كان طيفُ الترانيم يداعب روح الطبيب مثل النسمات. كان يتذكر وجه المريض الواثق فوق الحشود، وكأن نهراً من الحمام يستعيد صلته بالغيم.
راح يهز ذاكرته ويشك في عـقله، وخيل إليه مرات إنه هو المريض، وإن نوبات الدوار، التي تتحد بالأشباح والكوابيس، والعرق والأرق، ليست سوى أطياف داء عميق.
كانت كل النداءات والصرخات وأشرطة الترانيم المبثوثة كالهواء، والقنابل المنفجرة الموضوعة في المزهريات وحقائب الأطفال، والطائرات المتصدعة في الفضاء، والزلازل والأوبئة الصارخة والحطام والبشر المتبقين تحت الحطام والسمك المنتحر والمدن المشتعلة..
تضربه بريح عاتية فيتخلخل ويتبعثر في الحبوب والخمرة والكآبة وكره البشر والبحث عن حب.
ذات صباح وجد المريض المترنم يظهر في التلفزيون. كانت دباباته تحتل الأبنية والحشود والفضاء.
مضت الأرض كلها تتنفس ترانيم وتمضغ أعشاباً من الورق والدم.
حاول أن يجد رأسه، فرأى جنوداً يقتحمون مكتبه وينتزعون ملفات المترنم ويختفون.
لم ينتبهوا إلى الأشرطة المسجلة، التي بثها في أجهزة الضوء والصدى والصورة.
كانت أشرطة المترنم المسجلة كلها تصرخ في الهواء. هذيانه وبكاؤه من أجل الحبوب. تعطشه للنساء وخزائن المال. زحفه للسم الأبيض. كلها، كلها كانت مبثوثة بالنيون في المدينة.
في المساء كان الطبيبُ معلقاً في فضاءِ غرفة، يرشحُ دماً ورأسه استقرت على النخيل والعصافير، ووجد الخيوط والخطوط والشواطئ والنساء، تتكلم.
بعد ليال مجهولة العدد، كان الطبيب مهدم الملامح، يوزع أوراقاً فيها ترانيم جديدة.
———————
5 – دهشة الساحر «قصص»، 1997.
❖ القصص: «طريق النبع – الأصنام – الليل والنهار – الأميرة والصعلوك – الترانيم – دهشة الساحر – الصحراء –الجبل البعيد– الأحفاد – نجمة الصباح».
الأصنــام ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
اصطدمت جبهة الحاج مهدي وهو يصلي بشيء صلب .
كان حقلهُ الصغير قد توارى بزحف الظلام ، ولم تظهر في السماء حتى شرايين أخيرة للشمس ، ولجأت الطيور إلى البيات ، ولم يرتعش في الحقل سوى قنديل في عريش مفتوح لكل الجهات .
تغلغلت يده في التراب . ثمة شيء ثقيل يرفض دغدغة الأصابع .
تسلط ضؤ القنديل على الحفرة ، فتدفقت أحجارٌ غريبةٌ ؛ أطباقٌ وجرات وبشر مشوهون حولهم حيات وأغصان.
فكر: إنها أشياءٌ واضحة ومخيفة، إنها أصنامٌ!
روعته الأحجار والثيران التي تبول على يده . تجمد على حائط شجرة، والقمر المكتمل المشتعل بدماء القرابين يصعد من الشرق، متعالياً فوق الحقول وهوائيات البيوت .
نظر إلى الحقل الميت في العتمة .
لماذا لم يعطه بكل روحه ، لماذا عجز عن إنقاذ ولديه وألقاه كوخاً هزيلاً في أقصى القرية ، صديقاً لمقبرة ؟ لماذا تكسر فأسه وعمره فوق برسيمه المنتشر الرخيص وطماطمه المتكاثرة البائرة فجأة ؟
قرأ الآيات وعلق الاحجبة وبكي للحسين ووزع بقايا الأرغفة على العصافير غير أنه بقى ذلك السطر الموحش بين البرسيم والتراب . الآن انكشف السر، وفاحت أعماق الأرض بمكنوناتها الخبيثة .
طالما حذره أبوه من جوف التربة وطوابقها الداخلية قائلاً : لا تضرب الفأس بحدة. باسم الله الرحمن الرحيم . علق الأشرطة الخضراء على الأشجار . لا تعمل في الليل والوفيات وأعط السادة حقوقهم !
بعد كل هذا ، بعد ثلاثين سنة من دوران الثور حول الساقية ، تظهرُ الشياطينُ من الأعماق ساخرة ، مقدمة أغصانها وملابسها ، مطلقة القهقهات في العتمة !
أطفأ النارجيلة بيده شعاع القمر ليسير به في جنبات الحقول والبساتين النائمة، حيث لا توجد سوى الجنادب تصرصر في كل مكان، مؤنسة وحشته الضارية.
تقلب على فراشه ، وتخشب وسط ضجة البيت وبين روائح بيضه وشايه وحقائب الأولاد ، وتعكز على ما بقي من قلب ليقلب التربة ، ويطارد الأبالسة في عقر دارهم .
لكن السطر الأخضر الترابي لم يعدله . كان مدججاً بالسلاح والوجوه والملابس الغريبة . أناسٌ يحيطون بالأرض وآخرون تغلغلوا فيها ، وآخرون يسيجون الحقل بأسلاك شائكة .
لم يفهم أحدٌ لغته، وتركوه خارج البرسيم والحمام ملقىً قرب نخلة عجفاء .
نقلوا الجرات والأصنام والكؤوس والسهام . تشوهت التربة وانهار عريشه المفتوح على الجهات ، ورُميت النارجيلة ، واختفت الفأس ، وصمت البئر والعصافير، وتساقطت اللافتات الخضراء ، وكادت أسنان الأسلاك الشائكة أن تأكل لحمه وهو يحضنها ليطالع فعل الشياطين في روحه .
مرميٌ وراء الحقل، يرى خضرواته تصّفر ، ووجه جديدٌ ينقبُ بهدوء في أحشاء التراب .
لمسةُ سكينه هادئة ، كأنه يوشوش الأرض ، يناغيها بود ، ويحفر تحت الشمس الساخنة، وفي هوجة الريح والغبار ، وفي اقتراب المساء البارد .
أيامٌ وذنيك الجسدان يتواجهان بين ضفتي السور.
كان الأثريُ يرى مهدياً كإحدى المأثورات التي قذفتها التربةُ .
والفلاحُ يشاهد الرجل كحشرة دائبة التنقيب في جلده .
يتصور مهدي إن كل ذلك المهرجان قد تم لإنقاذ أرضه ، واستخراج الأرواح الشريرة من باطنها ، وجعل النخلات مزهرة ، وإطلاق سراح الينابيع الصافية ، وإلقاء الأصنام في محرقة .
وأخذ ينتظر .
كان الأثريُ يتطلع إلى الرجل الجالس تحت النخلة ، فيراه كجذع لها ، ويراها كقمة له.
اعتاد أن تشق المعاولُ أجساد الحقول ، وأن تنثر أمعاءها وأيديها عبر الفراغ الشاحب للزمن ، وأن تحمل صناديق خاصة تلك الكنوز إلى ما وراء المدن والبحر ، صانعة جنات ورافة لمن يحملونها ويبيعونها بعيداً وسراً.
اعتاد على ركض الرجال القرويين وتفتت أقدامهم قرب تلاله الدموية ، وكم من مرة نزف وكتب ورقة ليستبدل أحدهم أرضه بقطعة ترابية ضائعة وسط البرية ، أو ليحصل على ثمن لكفنه وجنازته .
ويبدو الشبحُ الجاثم أمامه كشكل مروِّع للصدمة والغياب .
جلس معه . أعطاه بقايا الأرض التي لم تدهسها أنصال المعاول ، وأسند عريشه معه ، وجثما تحت الظل وقرب النارجيلة الفائرة بالحرارة والألم ، يتحدثان .
كان مهدي لا يكاد يفهمُ ما يقوله الرجل . إنه يزعم إن هذه البقايا الآثمة المروعة تــُُـنظفُ وتبجلُ وتــُوضع في علب زجاجية مضاءة ، وإن قوماً غرباء يأتون وينحنون لها، يدفعون أموالاً ويقعدون قربها مأخوذين خائفين !
أرتعد ، والأثري يصور أدغالها تحت الأرض ، حيث تمتد إلى ما وراء سوره، وسوف تقلع بئره ، وتمضي شرقاً ناثرة شظايا الحقول والأكواخ والصدور .
ضرب على رأسه وصاح [ يا ويلي ! ]
لم تبق أية مدخرات في صرة زوجته ، والأكل سينفد كله بعد أيام ، والرسالة التي حملها دائراً بها على الوزارات والأقسام، تذوبُ من العرق والأختام ، وهو حائر ، متخثر الأعصاب ، زائغ النظرات ، في شوارع المدينة ، يحضنه مصران قهوة ويلفظه باصٌ مع الغازات والدخان .
تتآكل قدماه قرب حقله المهدم السور الآن ، الذي تعالت فوقه تلالٌ وتغلغلت فيه وديان ، وتكومت نخيله وأشجاره وعصافيره وأخيلة مآتاته فوق بعضها منتظرة شاحنة .
يعزمهُ الأثري على غداء . يقوده في سيارته بعيداً عن الكآبة. يعطيه معولاً وأجراً لنشر كومات التراب والأحجار والرموز.
يزيح الرمل ويرى بقايا جذور نخله ، وأبنية تتفتح عن معبد وجماجم وخواتم .
يتجول بين شواهد حريق ، وأيد مرفوعة للقمر ، وألسنة نارية مهولة تأتي من الفضاء وتنصب فوق الرؤوس ، وتتعالى الصرخات وتتصادم الأجساد ، وكرات الحمم تنقضُ فوق اللحم ويتصاعد البخور البشر .
الثيران تسير نحو بقعة ضؤ ضائعة في السماء ، والأبدانُ تنحلُ محروقة الجلد والروح ، تصرخُ عبر الزمان، وصياحها يتخثر في الفخار .
مهدي يحملق في الأثري وهو ينزل به إلى جوف المحرقة ، وكأن الصياح يتعالى والجمهور يرفع أيديه ، ثم يزول ولا تبقى سوى كومة العظام المتفحمة تضع إشارات أخيرة على الجدار .
من قلب القمر ، ومن الضوء الساطع على قرن ثور يكدح في الأرض ، ويصير شعاعاً معلقاً وآهة ؛ يرى قريته بسنابلها وأيديها المرفوعة إلى السماء ، علّ رحمة تنقض، ولا شيء سوى الرماد والخطوط السهام المتوغلة في الجلود، والبشر سمادٌ مغذيٌ للحياة.
في حلمهما المشترك، مد الأثريُ جرةً ثقيلة عليها نقوش وعلامات تجارية حديثة . طل فيها وكانت كالبئر الواسعة ، رأى قطعاً ذهبية على شكل حيات.
لم يعد ثمة موطئ قدم لبرسيمه، وعريشه المفتوح صار جريداً ملقىً . وأبناؤه سحبهم من المدارس وغلغلهم في الأسواق والمحاجر والطقوس .
وبدأ يهوم على أسنة الشمس المسنونة في المدينة .
——————————-
5 – دهشة الساحر «قصص»، 1997.
❖ القصص: «طريق النبع – الأصنام – الليل والنهار – الأميرة والصعلوك – الترانيم – دهشة الساحر – الصحراء –الجبل البعيد– الأحفاد – نجمة الصباح».
هذا الجســد لــك ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
في تلك البقعة المشرفة على الوادي ذي الآبار وقطعان الغنم والنسابل الزاهية ، في تلك القمة الحجرية المحاذية للغيوم والنجوم ، بين ذلك الحصى الصلد المنتزع من الجبال القريبة ، بين دهاليز رطبة وساحة ساطعة بالشمس:
تاهت خطواتها الطفولية ، وانتزعت أصابعها الطرية حشائش مفعمة بالوحشية والمياه الفوارة . صعدت أقدامها الرقيقة نحو الكوات الصغيرة المحدقة في الجهات الأربع ، وسمعت أنين المحتضرين في الطبقات السفلى الغائرة في الجبل ، ورأت بريقَ السيوف وشمت مذاق البارود فوق السطح المشرف على المدينة والبرية والطيور والسماء .
هنا كانت المزاريبُ تجمعُ شآبيبَ المطر وهديره وتطلقهُ في الوادي خطوطاً متعرجة ثائرة لتزدهر الأعشابُ والزهورُ والفراشات ، ولتملأ العصافير الشقوقَ القاسية بالأعشاب وكتل اللحم الصغيرة الضاجة بالجوع .
في ذلك السطح تبدو المدينة وهي تنضجُ الخبزَ ، وتطير ملابسها المغسولة النظيفة بأيدي الريح ، وتطلقُ صغارها حشوداً من الأناشيد التي تلقي الأعشابَ في الوادي ، والأسنان الطرية في الشمس .
في الليل تهتزُ البراحاتُ والخيامُ بالأضواء والأشباح ، وتبدو كأن المدينة تغتسلُ بالنور والبهجة ، وتبعث قناديل الأولاد الغيرة في النجوم ، وترقصُ الحارات باهتزازات منجور(*) الرجال وهم يحتفون بالأعياد ، ويذبحون الماعز عند أفواه الخيام السعيدة .
من لها تلك الصغيرة الزهرة الراكضة فوق السلالم العملاقة ، المتعلقة بأعناق رجالٍ ضخام تمتلىء وجوههم باللحى الخشنة ، وصدورهم بأحزمة الرصاص ، ورؤوسهم بالعــُـقل الثقيلة ، غير أختين تائهتين ، حبسهما غولٌ منغولي في تأتأة غامضة ، وألعاب رملية غبية ؟
من لها في ذلك البناء الواسع غير أمٍ واسعة الصدر كالنبع الرقراق في البستان ، التي لا تتوقف أبداً بين القدور السوداء الضخمة المليئة بالأرز ، الراكزة فوق أثافٍ كبيرة أتاحت فرجة للخشب المشتعل ذي الدخان الكثيف ، الذي تبعدُ أمــُها جسمها عنه لتنحشر بينه النسوةُ السوداوات العاملات ، الأم الراكضة بين الغرف الخلفية والدهاليز، المتلفة بعباءات وبراقع ، والملتهبة العيون وراء النافذة ، المحدقة بنارِ الرجال وفناجين قهوتهم ، والصامتة في غرفتها المليئة بالمرايا والرمانات الملونة ، والباكية في سريرها البارد ؟
حين تركض نحو الرجال ، وتحاولُ أن تعبرَ البوابة الخشبية الكبيرة ، من خوختها (**) الواسعة ، قافزة نحو رتلِ السيارات الطويلة المصطفة ، تنتزعها الأيدي القوية ، لتنتفض وراء النافذة الخشبية ، ولتدق الحصى والخشب ، وترى خطوطاً عرضية مبتورة من السيارات المنطلقة والرجال والصقور والبرية اللامتناهية .
ملتفة بأقمشة كثيرة ، جسدها الصغير البرعم ، ضائعٌ بين ثوب النشل المصبوغ بألوان الزهر والشجر ، المنسوج بخيوطِ الذهب ، و( الملفع ) الذي يحبسُ شعرها وجبينها وضحكاتها ، وهي تنفجرُ لاهيةً حين تدغدغُ أصابعها خيوطُ الحناءِ المرسومة كأغصان الشجر وأجنحة العصافير ، وتسمعُ من المرأة السوداء الحكايات الغريبة وهي تكادُ أن تلتهم بطنها بوجهها الواسع وأنفها الضخم . .
من لها غير الأم التي مشت لها ذات يوم ، لتسمعها تئنُ ، وتجدُ رجلاً ، من أولئك الذين يحملون الصقور والبنادق ، عارياً فوقها ، وجهه غائصٌ في صدرها ، كأنه يعضها ، وهي تنتفضُ ، ويداها العرايتان البيضاوان تلتفان بذلك الجسد الأسود ، كأنه المارد والليل ، فتجري مذعورة تبكي وتقول إن رجلاً يضربُ أمها في غرفة النوم . .
وترى الرجلَ ، الذي لا يزالُ عارياً ، مجرجراً بالسلاسل ، وسيخاً ملتهباً يوضعُ بين ساقيه ، وهو يعوي من الألم ، والأمُ توضعُ في مخزنٍ قديم مع الهوام والفئران ، لتكلَّ يدُها من ضربِ جدرانه دون أن يفتح لها أحدٌ ، ودون أن ترتمي مرة أخرى في ذلك الصدر الواسع .
في تلك الأيام الغارقة في الأنين والصمتِ امتلأت الغرفُ بالأبواب ، والنوافذ بالستائر، وغرقت المدينةُ البعيدة في النسيان ، وتعبتْ اللغةُ من النمو في رأسها ، ورأت دوماً ذلك الرجل يضربُ أمها وهي تمسحُ على رأسه .
لا تبدو المدينة ، من داخل السيارة السوداء الكبيرة ذات الستائر المعتمة ، سوى شبح ذي خطوط وامضة ، وسرعان ما تنفتحُ بوابةُ المدرسة وتأتي ضجةُ التلميذات كبركةٍ منعشةٍ من الأصوات والعيون .
لماذا هي وحيدة ، كئيبة ، منعزلة في ركن الساحة حيث يدورُ الريشُ والورقُ بفعل الريح الدائرية؟
لماذا ترجعُ إلى ذاتِ الغرفة الصغيرة المطلة على الوادي الصامت ، وشجرهُ يبدو قبعات خضراء لرجالٍ مختفين ؟
في طرطشة الماء النقي المضيء على ثوبها ، تتحسسُ أشياءً غريبة تنمو داخلها ، ثمة برعم يملأ الجلدَ والصدرَ حرارة خفية ، خلايا ، تتناغمُ دماً وإثارة . ليس ثمة امرأة، والثوبُ الأبيض الشفاف يلتصقُ باستدارات غريبة .
الماءُ يترنحُ على قمة شعرها الفاحم ، ويندفعُ نحو جبينها وأنفها الصغير المستقيم ويقتحمُ الثوبَ ويشخبُ بين صدرها ويقرقرُ وينتفضُ متلوعاً وهو يسقطُ بين قدميها .
بين المرايا والرمانات الشاحبة تطفئُ النهارَ ، وتمتدُ يدها نحو خزانة الجسد ، تلتقي أشياءً بلا لون ، وتختبئ عن الصراخ الضاج في الممرات للذكور القادمين من رحلةِ قنصٍ أو من غداءٍ فاخر .
يدقُ بعضهم الغرفة ليتأكد من وحدتها المطلقة . تفتحُ كتبَ العصافير والبرية والأغاني . تنصتُ إلى تأوهات صديقاتها ، وتبصرُ صورَ الفتيان الحلوين بين صدورهن .
ثمة شبحٌ أسود داخلها ، عيناهُ الحمراوان مشتعلتان بالخمر والجمر ، وشفتاه الضخمتان تطبقان على وجهها ، يعضها في عنقها حتى ينز الدمُ ، تصرخ ، تصرخ ، لكن لا أحد يفتحُ الباب . أمها تأتي من ممرٍ فارغ ، إلا من دخانٍ مشبعٍ بالأنين ، تحضنها ، تهدهدها ، فتجد سائلاً رهيباً يتفجرُ بين فخذيها . تبكي . أيكونُ الوحشُ الأسودُ قد اغتصبها ؟
ملفعات بالأسود ، أغطية معتمة من الرأس إلى القدمين ، عيونٌ تومضُ من بعيد كأن الوميض قادمٌ من آلاف السنين ، أسودٌ قاتم ، ذو حرارة وبخار ، مشحونات في باص المدرسة ، جامدات في الفصل ، وهي تندسُ بينهم وتذوي . المعلمة يدبجها الأسودُ الفاحمُ ، ويدها ترسمُ ثعابينَ وعفاريتاً تطلعُ من الحناجر والصدور .
تركضُ إلى الغرفة ، أين أمها ؟ تريدُ أن تذهبَ إليها . «خذوني إلى هناك ! أريدُ أمي! أين أمي ؟ !». تدقُ الأبواب ، تطلعُ الأشباحُ ، الأمطارُ المشبعةُ بالغبار والرمل والبكاء تخضُ غابةَ النخيل وتذروها في البرية القاحلة .
السكينُ توضعُ على رقبتها ، وترى الرجلَ وهو يتلوى ألماً ، والسيخُ يبعثُ رائحةَ شوي ودخان . . أمها بعيدة ، في المخزن كانت ، ثم حملوها منفوش الشعر ، صامتة الوجه واليدين .
من لهذه الصقور الحائمة في الأعالي ، المتجهمة في المجالس ، المنقضة في البراري، غير جسدها الغض ، نومها المثقل بالكوابيس ، في قلعةٍ تركضُ فيها من غرفةٍ إلى غرفة ومن دهليز إلى دهليز ، وحمحمة غريبة تنبعثُ من جدرانها ومن بخار حماماتها ؟
من لهذه الشوارب الغليظة والأصابع المصفرة من الدخان ، غير لحمها المنبوش بحثاً عن عفريت ، أو عشق مبرَّحٍ ، أو عن داءٍ غريب . . ؟
لم يبق منها غير هيكلٍ عظمي يهتزُ من شعاعِ شمس ، ويغوصُ في مستنقع الليل ، ولغة الجنادب المنادية لهبٌ كوني يحرقها ، لتركض في ضبابٍ مشتعل ويد غليظة تبحثُ عن عريها . .
هناك تنادي وتبكي وتستنجد .
تضعها التقاريرُ الطبيةُ والكراريس المدرسية في عاصمة بعيدة غريبة . الغاباتُ الصغيرة عرائش للحبِ بني الأبنية الجليلة . النهرُ سفنٌ من النبيذ والأنسِ تخترقُ سلسلة الأقواس الحجرية النابتة وجوهاً وملامحَ حية . الشوارعُ تزرعُ الموسيقى والقبل والكتب واللوحات . وقاعاتُ الدرسِ كالحدائق أزهارٌ من الضحك والبحث .
لماذا هذه الرعشاتُ تشتعلُ في بدنها وهي تحتضنُ المطرَ الناعم ، وتتدفأ بالنار ، وترى البشرَ خيوطاً من حرير ؟
لماذا توهج خدها ، وغزر شعرها ، وأسودت عيناها وغدا رأسها أفروديت وهي تشعلُ الفحولةَ في الباردين ؟ من هذه الآلهة الشرقية الباعثة ناراً وثلجاً في الخاملين ؟
عيونٌ كثيرة تتحجرُ ورؤوسٌ تتدلى ، لا تعرفُ أين الحنطة من لون البرتقال ومتى يشرقُ ضياءُ اللؤلؤ من دم الغزال ؟
وجسدها ناءٍ ، يزحفُ في طينٍ لزجٍ من مادةٍ حجرية مسمومة ، يدعُ ثرثرات العيون تدورُ حوله حتى تتلاشى ، ليعودَ الليلُ والصمتُ والرجلُ الأسودُ ، وخطاها تندفعُ في ممراتٍ لامتناهيةٍ ، لتجد ذلك الفتى الهادئ النبيل في انتظارها ، على لوحٍ في نهرٍ هائج ، يعطيها أصابعه ومواعيده ، ويتعلق فوق سور القلعة ويترنحُ ، يمدُ لها حبلاً ، وهي عارية بين السيوف ، تتآكل كالأطياف .
بين ألوف الوجوه تراه . تنزوي في ركن مقهى ، تندسُ في سيارةِ أجرة ، تنعزلُ شهوراً طويلة ، ترى يده ، تتحسسها ، تتخللُ أصابعهُ شرها وحزنها . تصرخُ فيه ، تتجاهله ، تمزقُ كلماته وأشعارَهُ ، تصعدُ إلى قمة البرج حيث الضباب البارد والثلج الذائب ، تسمعُ صوته داخلها ، فتحضنهُ برعماً في صدرها ، ليطلع ضوءٌ وينشقُ برق.
خائفة من شفتيه البريئتين ، من يديه النظيفتين ، وهو يحملها إلى شواطئ تضجُ بالألوان والصخورِ والأمواج ، ربيعٌ من الأجساد والسماء صحوٌ والرملُ سريرُ المتعة.
يدفنها داخله ، تندسُ بين شقوقه ، ترى قواقعه مزهرة بالعشب ، وأسماكه الملونة تبتسمُ بوقار ، وتشمُ عطرَ الموجِ وهو يتكسرُ على صخرتها ، يفتتها ، ويصيرُ زبداً وزيتاً .
ملتحفان تحت النجوم ، سائران تحت أسمال الغيوم ، وقبو القلعة انفتح للوحات مليئة بالسكون وضجة الطبيعة ، وسمعت شهيقَ أمها وعشيقها يدخلان برزخاً بين النهار والليل ، وعنترة يقودُ الإبل في الرمال المتحركة ، وجسدها المخبوء يزهو في ضوء الشمس ويرقصُ في صراخ الليلِ البهيج . .
من أعطى هذه الغزالة الحنطية المتشعلة ، هذا الفرحَ كلَهُ ، وتركها تسبحُ في فضاء اللذة والفكرة ، وتتألقُ في المتاحف والبرك ؟
في لحظات مباغتة تبرزُ الشواربُ الغليظة كالطائرات المنقضة ، تدوي في السماء وتومضُ خطوطها السريعة ودخانها الذيلي ، وتصحو على هزات المواعين والهاون وهو يحذرُ من ابتلاع الحوتة للقمر ، واللفائف السوداء تلتفُ حول عنقها وكأن القلعةَ تهتزُ ، وتتصدعُ ، وترى برجاً يترنحُ في هاوية الوادي ، فاتحاً فماً ملتهباً للقلعة يخرجُ منه الموتى والمعذبون في الطبقات السفلى والنسوة المذبوحات يحملن رؤوسهن بين أيديهن ، والمقطوعو الأيدي يبحثون عن أيديهم . .
يعودان إلى الوطن .
من هذه الفتاة الجميلة النضرة ، الفراشة ، القادمة من وراء البحر والنرجس ، المصدومة بالحجر الواسع ، ودهاليز قلعة دراكولا الضيقة الملتفة كالحية ، والرياش والأثاث الفخم الجديد الذي لم يخف بقع دماء أمها على الجدران ؟
من الكون المفتوح إلى الغرفة المغلقة ، إلى سعال الرجال المنبه بالقدوم ، إلى الخوف من مصافحة الأنثى ، إلى الليل المشنوق ، والفجر المذبوح ، والرمل المنتشر كالقيظ، والقيظ المستعر كالفيض ، ولا شيء يوحي بالحياة سوى أسلاك تليفون تهتز بصوته الجميل وشاشة تليفزيون مختلة العقل .
تندسُ بين شجيرات الواحة الصغيرة في قلبِ الوادي . البئر التي كانت تضجُ بالماء جفت . وثمة طاولات تحت النخيل الوارف تعطي إجازةً صغيرة من عسف الشمس .
يجلسُ على طاولة أخرى ، وهي تلتفُ بعالمها الحريري الأسود ، التنور ، وتتحدث إليه صمتاً .
يتقدمُ في المجلس العامر بالرجال ، ثلاثون عقالاً ضخماً ، ووجوه هادئة صلدة ، انتفخت من الأرز والدهن ، ونعست من الضجر .
يلبسُ بدلة أنيقة ، وحذاؤه نسي أن يخلعه ، وحيا الأبَ الرابضَ في صدر المجلس كالليث بعباءته الكلحية . جلسَ قربه وتناولَ فنجان القهوة ، وفاتحه بحبه .
حدقَ العجوزُ بنظرة صقر ، وتركه يذوبُ في الليل والشكوك والظلال .
كانت الأيدي الصلبة تتوغلُ في عظامها ، تنتزعُ ألقَ الشواطئ والعصافير ، وتحطم مرايا العرس وأقواسَ قزح الفرح .
في ذلك الليل القاتم ، الشاحب باحتمالات الشتاء ، تنبثقُ من الحصى والباب العملاق والسيارات السوداء والعُــقــُل السوداءِ والعصي والصقور وقبل الأنوف والخوف ، إلى الرجل المنتظر ، المتسلق جدراناً وعظاماً ، القابع عند البئر ، وسيارته وحقائبه تنتظر رجفة أقدامها ، كي تندفعَ إلى عوالم بعيدة .
عند البئر كانت سيارة باردة . وثمة رجل زائغ العينين ، فاغر الفم ، وحبل ثخين شده إلى الوراء بقوة وعنف .
في تلك القلعة البيضاء المتألقة بالمصابيح والأعلام ، المشرفة على الوادي ذي البيوت الكثيفة والدكاكين الضاجة بصياح الأشرطة واللغات ، بين ذلك الحصى المنتزع من الجبال الشقيقة ، بين ممرات مضيئة وسجاجيد عتيقة وأثاث باريسي ناعم، تجثمُ امرأة كأنها خطٌ متعرجٌ من العظام والجلد والذاكرة ، ترى دوائر من الضوء والضجيج والإبر ، وشواطئ بعيدة ذات قواقع جميلة ، وضحكات مخلوقين شقيين يتقلبان في الرمل على جمر الحب .
لا تزال القلعة تضجُ بصرخات الرجالِ العائدين من البراري ، وصيدهم من الطيور والغزلان ينزفُ في سيارات الجيب القوية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ツ 4 – سهرة «قصص»، 1994.
(*) منجور «آلة موسيقية شعبية تستخدم في رقصة (الطمبورة)، وهي مجموعة من الغضاريف الموحدة في نسيج خاص لتبعث نغماً أثناء اهتزاز الرجل الذي يحملها تحت بطنه ». (**) (الخوخة) باب صغير داخل الباب الخشبي الكبير في البيت العربي.
❖ «القصص: السفر – سهرة – قبضة تراب – الطوفان – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».



