■ المنظور السردي
المنظور السردي صورة مصغرة من العالم الروائي الذي يمثل لما يمكن أن يوجده الراوي من مفردات، سواء اتصلت بذاته، أم ببقية عناصر الأدوات الفنية، ولذلك يمكن اعتبار المنظور مصوغاً كلياً بديلاً عن المكونات البلاغية قصيرة المدى داخل النص، لأنها إن وجدت فهي تتصل ببلاغة الجملة أو الكلمة او بالمدى القصير الذي يوجده المجاز في صورة مصاحبات دلالية تعمل في نطاق ما تصل بعناصر المنظور من مفردات، ويكمن أن نقارن صورة المنظور السردي باعتباره مكوناً للنص الروائي بصورة منظور آخر يصاحبه، وهو المنظور الحكائي، والذي يمثل صورة موازية داخل المنظور السردي، ويمثل بدوره مفردات تتصل بعناصر الحكاية، بداية من الذوات والمكان والزمان والفضاءات المكونة للنص، وقد تتقاطع السردية والحكائية في بعض مفرداتهما، مثل ما يمكن أن يقدمه الراوي إذا كان يعتمد على زمن مغاير لزمن الحكاية، أو كان مجرد ظل لحكاية، وأيضاً إذا استوت أزمنه مختلفة داخل الرواية، مثل ما يمكن أن يمثله زمن القص كإطار حكائي، وزمن الحكاية كمتن حكائي.
إن المنظور السردي لا يقف عند الحدود الشكلية للمعنى، ولكنه يتجاوز ذلك إلى الدلالات والذوات بل وكل عناصر البناء، ويعتمد على أطر معنونة تتصل منظورات مصاحبه سواء كانت متوازية أم متقابلة على مستوى رقعة النص، فنرى عدة صور للمنظور على النحو التالي:
ــ المنظور السردي الخارجي
وهو الإطار الأكبر الذي يضم عناصر غير حكائية مثل الوصف، والمجاز وعلاقات الراوي، واتجاهاته، وكيفية إدارته لحركة الطرح القيمي داخل النص الروائي، ويمكن أن نحدد عدة منظورات مصاحبة للمنظور الخارجي.
ــ المنظور السردي الداخلي
ويظهر هذا المنظور فيما يقدمه الراوي داخل الذوات من عوالم مصاحبة يمكن أن تتمثل الصورة المقابلة للصراع داخل النص، أو تمثل تأويلاً فكرياً يحدد عالم القيم داخل الفكرة الاجتماعية أو الفكرة السياسية، وهو أيضاً يتقاطع مع المنظور الخارجي ويكمله، ويمثل أحياناً أجزاء منه فيما يخص العلاقات الذي تصنع الغطاء الحكائي للحدث، أو مجموعة الأفعال التي يبني على أساسها النص.
إن المنظور السردي يمكن أن يقدم العلاقات الظاهرة والمسكوت عنها داخل النص من خلال كل ذات وطبيعة حركتها، ومن خلال المكان وما يمثله داخل كل شخصية، وأيضاً يعطي أثراً دلالياً متشابهاً للأثر الدلالي الذي يرتبط بصورة الحدث والفعل داخل الرواية، بل إن ما تقدمه العناصر الكلاسيكية في الحكاية مثل الزمن، والراوي، أو الأفعال، يعتبر عاملاً مهماً في بناء المنظور الظاهر، وبل يتحمل ما يمكن أن نقدمه من تأويلات فيما أسميه بالمنظور الضمني، وهنا تتضح عملية السرد، بداية من السارد والمسرود لهن والعملية السردية بكامل مستوياتها بما تتضمنه من عناصر وأفكار تتصل بكل أداة من أدوات السرد. ولذلك يسمح الفضاء النصي والمجازي الذي يضمنه الراوي داخل المنظور بتقديم مفردات الحكاية بشكل يوحي باتحاد الراوي وبقية العناصر التي تتبع كل مفردة من مفردات العملية السردية، والتي بدورها تنتمي إلى حركة الصراع داخل الرواية.
إن الراوي عند عبدالله خليفة راو ينحاز إلى ذوات مهمشة في معظمها، ذوات مأزومة بطريقة أو بأخرى، وهي في حالة تناقض دائم مع كل مفردات السرد، يبدأ هذا التناقض مع الذات، ثم يتسع ليشمل الذوات الأخرى، حتى تلك التي تمشي في الدرب القيمي والفكري نفسه، أما الذوات الأخرى، والتي تمثل الحالة المقابلة في الصراع فإنها هي التي تحرك السرد، بمعنى أن ذوات عبدالله خليفة ذوات في كثير من المواقف، سكونية الرؤية، او هكذا يحاول الراوي أن يقدمها من خلال عدد من عناصر الحكاية:
1ــ الأفكار التي تحرك الذوات.
2ــ طبيعة المكان، وعلاقة الذوات به.
3ــ طبيعة الذوات، وعلاقتها بعناصر البناء الحكائي.
4ــ الأحداث التي تواكب حركة الذوات.
■ السياق المؤسس للحكاية:
إن الصراع في روايات عبدالله خليفة يمثل صورة افتراضية لما مر به الإنسان والمكان داخل الذات التي تمثل حركة الراوي أولاً، وداخل المكان الذي يمثل الإطار المادي للفعل، فهو يعتمد على صورة الراوي العليم الذي يقدم الحكاية من أولها إلى آخرها معتمداً على مخزون هائل من التفاصيل الحكائية التي تقدم الواقع في صورة افتراضية من ناحية، وتقدم داخل الذوات بصورة مختلفة، تمثل من الناحية النفسية صورة من صور المنظور النفسي الذي يؤسس له سياق إنساني واجتماعي تتميز به فترة تاريخية مهمة من حياة المجتمع الجديد في البحرين، وبالذات مدينة المحرق، وهي المدينة الملاصقة تماماً للبحر. وقد مثل هذان العنصران صورة التطور الطبقي والاجتماعي بشكل يومي، وكأن منظور الصراع داخل النص الحكائي يتم صنعه بشكل حتمي. كذلك فإن الرواية نفسها لا تتضمن مرجعية واحدة فحسب، بل مرجعيات مختلفة، منها مرجعية الكاتب التي يستحضرها لتمتزج بمرجعية النص التي يريد الكاتب طرحها.
لا يمثل الصراع عند عبدالله خليفة صورة اجتماعية بقدر ما يمثل صورة وجودية ليست كالتي يمكن أن نجدها في كتابات ساتر، ولكنها الخلفية الافتراضية لحالة الحضارة التي وصل إليها المجتمع في الوطن العربي، وهو يمثل ــ أيضاً ــ واحة مقابلة لحالة الوجود في مدينة مثل الإسكندرية، حيث المكان هو الذي يوجد علاقات المنظور الحكائي، وكذلك مدينة المحرق والمكان هو الذي يوجد المنظور السردي، وهو الأعم في التصور عند الراوي، يعقب ذلك صورة مختلفة لهذا الوجود.
ــ المقابلات السردية:
المقابلة هي الصورة الأكثر ظهوراً في مستويات السرد الحكائي عند الراوي، فنجد على سبيل التمثيل في رواية «ألماس والأبنوس» يقدم صورة الراوي «برهان» الشخصية المركزية في النص، في مقابل صورة الأب الذي يمثل الحالة التراثية الواعية بمفردات الحياة الواقع. ثم يبدأ الراوي في تحريك المنظور ليقدم المقابلة على أنها منظورات حكائية متقابلة.
الأول: يمثله برهان الراوي والذي لا يعي مفردات الواقع.
الثاني: الأب ويمثل حالة الوعي.
وبعد ذلك يبدأ الخطان السرديان في التداخل والتماهي لنصل إلى حالة فريدة من الوعي عند الأب، وحالة من الغياب عند الابن. لأن الأحداث والمؤشرات التي تميل إليها كل عنصر في الحكاية يمكن تأويلها في داخل السياق وخارجة.
إن الصراع الطبقي الذي يمثله الراوي ليس من منظور الفكر الماركسي بقدر ما هو تعبير عن الواقع الفعلي، في بدايات تكوين المجتمعات العربية، حيث الاستعانة بالأفارقة (ويمتلكون العرق الأسود) الذي يقدمه الراوي على أنه صورة للعبودية وحالة مستقلة من الإنسانية، في مقابل العربي الذي ينتمي إلى القبائل التي تكونت للمجتمعات العربية منها.
لا يفصل الراوي بين ذاته وبين ذوات الآخرين وهو يقدم البناء الحكائي القائم على التصور المكاني على شواطئ المحرق حيث البحث عن اللؤلؤ هو البحث عن المال والجاه وامتلاك السفن وامتلاك للقوة آنذاك.
ــ الحلم واللاوعي:
يعتمد عبدالله خليفة في بناء الرواية على صور متعددة من صور تداخل الحلم مع عناصر المجاز التي يمكن ان تتمثل الشخصية بستائر متعددة ومتراكمة من حالات اللاوعي داخل الحكاية، وهو بهذا يقدم صورة الصراع ليس على أنه صراع طبقي فقط. ولكنه صراع وجود في مقابل الحركة المتنامية للمكان وفي وجود حركة مصاحبة مثل حركة الصيد والبحر، وفي ظل حالة من البحث عن الذات داخل الحالة. ولا يتوقف الراوي في حالة اللاوعي التي تمثل صورة من منظور النفسي، وهو ملمح بنائي مهم يعتمد الراوي عليه في جذب دلالات للنص ويقدم المنظور على أنه هو الأكثر ظهوراً في الرواية، ربما لا يريد الراوي أن يقدم الحكاية على أنها حركة حياة، ولكنه يريد أن يقدم الحكاية داخل ظلال من سياق موسع يحتوي الصراع والوجود والبحث عن حقيقة النفس وبقاء الإنسان من الداخل والخارج.
يقول الراوي وهو يقدم صورة الصحراء: “آفاق الصحراء غير مرئية. تشابهت فتلاشت الرؤية. مرآة رملية تطالع نفسها. وسماء ممتدة رمادية. وعدة كائنات عطشى تدب وتبحث عن عشب. أصابعي تتجول في نقاط الخريطة. المستنقعات الذهبية تشرد من أنابيبي. الآلة تحفر وتحفر وتلاقي التراب والحصى، تتفجر تأوهاتها وشرارتها. كهف واسع يحدق في البرية. الحمير لا يتسع لها المكان.
نسكب المياه في أجسادنا اليابسة الظمأى. تتراقص الأسربة أمام أعيننا. الجبل يجلس شامخاً بعيداً عنا. نرى القوافل تتراقص في سراب الزجاج المضيء. تقطف الجواري والثمار ثم تذوب في المحال. البدوي الذي قطع تذاكر الصحراء لنا يتغذي بالضببة والجرابيع المشوية ثم يعزف الربابة وينام“. ربما يبحث المتلقي عن أثر للفعل الحكائي فلا يجد، وإنما يجد نفسه داخل حالة من الحوار الذاتي الذي يصنعه الراوي مع الأشياء بداية من ذات، ومروراً بالشخصيات ويمثلها «جوهر الأسود» والذي يقدمه برهان الراوي في علاقات متشابكة مع الأشياء والمفردات التي تمثل الواقع.
■ السياق المصاحب والبناء الدرامي:
في رواية «أغنية الماء والنار» يقدم الراوي السياق المصاحب كبديل فني عن الصورة الشعرية التالي يعتمد عليها في الحكاية البسيطة المعقدة بين «راشد» السقاء، منبع الحكايات لأطفال الأكواخ التي تنمو على شاطئ المدينة كما ينمو الزنبق في الرمال الجافة. على أن النص كله لا يقدم أفعالاً تُذكر سوى فعل واحد هذا الذي غير مسار الحكاية، فعل البحث عن ذاته في مقابل التخلص من كل شيء، وفي الوقت نفسه أكمل الرؤية السياقية المصاحبة لبناء درامي محكم من خلال عدد من الخطوط السردية المتوازية.
ــ قدم الراوي شخصية «راشد» السقاء كذات مقهورة.
ــ في نهاية الحكاية تظهر شخصية «راشد» السقاء القاهرة.
ــ قدم صورة المرأة الغامضة على أنها جزء من الضعف واللين في مقابل القهر الجسدي.
ــ وفي نهاية الحكاية ظهرت شخصية المرأة على أنها صانعة الفعل.
الذوات التي تقابل شخصية السقاء قد تكون في حالة صراع ظاهر، وتناقض اجتماعي في حين أن الراوي أراد أن يقدم أطراف الصراع في حالة من الانسجام في كثير من الأحيان ليبني اللعب الحكائي بناءً درامياً يعتمد على صورة التناقض الظاهر بين الشخصيات. يقول الراوي عن السقاء: “يسير في الظلام الشاحب، قد هدهده الكلام والحزن والسكر والضجر، يرمق القمر المستدير كالبالونة الضخمة البيضاء التي لم يطلقها طفل. تأتيه أنفاس البحر فتدغدغ حواسه المتعبة ويرى نفسه الصياد الفقير واقفاً على الصخرة يكلم السمكة/المرأة. ثم يمضي إلى مدن مضاءة بالنور، يضحك من أعماق قلبه، وينام على فراش نظيف ومعه امرأة جميلة لا يزيد فيها سوى الذيل. اقترب من البيت الكبير الجاثم لوحده. إن الأضواء ترقص من نوافذه. سمع إيقاعات طبل وهزات دفوف وغناء فكاد يرقص من جمال الصوت والنشوة.
قال (سأتفرج على أجسادهن)، واقترب من النوافذ. لكن شقوقها لم تكن تساعده في رؤية شيء إلا البساط وبعض الأقدام. سمع صوتاً يقولك
ــ من هناك؟
كان صوتاً نسائياً رقيقاً. التفت وراءه فلم يجد شيئاً. عاد ثانية للبحث عن الأجساد التي لا ترى منها سوى الأقدام. حاول أن يجلس فلربما اتسعت شاشة الرؤية ولكن بدون فائدة. عاد الصوت النسائي ثانية بأقوى مما كان. التفت إلى النوافذ الأخرى فلم يجد أحداً. وحين نظر إلى السطح وجدها. وجهها الأبيض المشع كان يخترق الظلمة وقلبه. تسمر واقفاً، فرحاً، مضطرباً، راغباً أن يتجمد هذا المشهد طويلاً“.
إن الصراع الاجتماعي القبلي الذي يحاول أن يرمز به الراوي للنخوة العربية وصورة القيم التي اكتسبها الراوي من الصحراء، في حين أن الحضارة لم تقدم سوى الحزن والبؤس والقيم التي لا تسهم في بناء الأنسان.
وفي رواية «رسائل جمال عبدالناصر السرية» خروج من دائرة الوقوف على شواطئ البحرين ليقدم الصورة الايديولوجية للفكر الروائي حينما يعتمد على شخصية تاريخية معاصرة في بناء درامي يعتمد على أحداث حقيقية ليرى (حرب فلسطين) (العدوان الثلاثي ــ هزيمة 1967) ليظهر الراوي الذي ينتم صراحة إلى الفكر الاشتراكي، ويرى في زعيمه جمال عبدالناصر صورة المخلص الحقيقي الذي يمكن أن يعطي الإنسان العربي الجديد حكاية جديدة، فنراه يعتمد على حالة من الحالات التي اعتمد أن يقدمها في رواية كلها وهي تداخل الحلم والواقع ليخرج شخصية عبدالناصر من إطارها الواقعي إلى الإطار الذي يمكن أن ينتمي لفكر «الواقعية السحرية» بداية من الفعل، ومروراً بالحوارات الذاتية التي يقدمها من خلال الاعتماد على المنظور السردي التخييلي. في حين أنه في رواية «ألماس والأبنوس» يأتي السياق مؤسساً للنص، لأن فكرة الصراع تنتقل من الحالة التخييلية العامة إلى الحالة الواقعية التي ترتبط بالزمان والمكان.
ويقول الراوي: “من نسل الصحراء، من صرخة حوريس، من تقطع أوزوريس، من ذكاء عمرو، من بسالة خالد، من نقاء علي، يطلع من حصار السيارات المحروقة والمدرعات الجائعة للحم النيليين، ويمشي بين حقول الجثث المزهرة حقداً خططاً. يحرك البدلات العسكرية للقرويين المليئة بالأشباح والتمائم فيحصد غباراً. ينغمر في الحارات والحقول يصافح المجندين والشهداء والأمهات الثكالى. كلما مشى مع احدهم رأى كبشاً أو نعجة. تعرف بود على برميل لحم فوجده يحلم أن يكون ملكاً “.
إن السياق في النص يشتمل على قواعد اللغة، ومواقف الكاتب، والقارئ، وأي شيء آخر قد يكون متصلاً بهذا الموضوع وبطريقة يمكن تصورها أو إدراكها. ولكن إذا قلنا إن المعنى هو السياق المحدد، وهنا يجب أن نقول إن السياق قد يكون غير محدد قبلياً فيما يصل بالموضوعي.
ــ الرموز السياقية في الحكاية:
هناك دلالات تفصيلية في حياة الراوي عند عبدالله خليفة يجعل منها صورة من صور التحول الحكائي، وصورة من صور الانفصال عن الواقع كأداة من أدوات تجميل حالة الصراع التي تسيطر في الايديولوجية الهاربة من أفعال الشخصيات، وصورة المكان، فنجد على سبيل التمثيل في رواية «ألماس والأبنوس» ولادة طفل أسود يعني بشكل حاد أن المرأة قد خانت مع رجل أسود، وهذا يعني انهيار العلاقات الإنسانية والاجتماعية داخل التراتبية التي حددتها القبيلة العربية، بالإضافة إلى الحالة النفسية التي تصاحب ولادة طفل أسود. ربما أراد الكاتب أن يرمز إلى ازدواج الشخصية عند العربي في صورة العلاقة بين الأبيض والأسود. فالنص يوجد حالته وسياقاته من خلال مجموعة من الرموز السياقية التي تحدد الهدف الايديولوجي أحياناً، أو تحدد وجهة الشخصيات والأفعال داخل الحكاية، وغالباً ما تأتي عند عبدالله خليفة باعتبارها خلفية اجتماعية وإنسانية يمكن أن تقدم سياقاً سياسياً، أو سياقاً حضارياً.

يقول الراوي في «رسائل جمال عبدالناصر السرية» المرأة ذات وجه متألق جميل، عيناها بحيرتان تطير فيهما الكراكي والبجع، تنفث لغة قديمة لا يفهمها، يجلب لها الماء والزبائن والضالين في شعاب الجبال. على الجدران خطوط غريبة. حفر فوجد عملة فيها ذوالقرنين يهزأ بالزمن، وثمة امرأة على ساعدها نسر، وثمة حية تلتف حول عصاها المتجذرة في التراب. النسر يقبض على الصاعقة. والفرعون ملأ الأرض خراباً. المرأة تتبدل في الفراش، تغدو عامية ساخرة من نجمته وبدلته المحروقة وقدومه من النهر للجبال، يرى الحشود تبيع الحيات والقات والتراب للسياح والعقود الزائفة ويقبضون عليه ويضعونه في الحبس، والمرأة تجلب له الأكل والشراب وتسحر الضباط والجنود. تقرأ عليه سورة بلقيس: للتحول فصول كثيرة، جسد المرأة ربيع الطبيعة، ادخل في خلاياي وتكون بشرياً إنسياً جميلاً. يسبح في بركتها الواسعة ويشرب الحليب. يبحث في التلال والأرض الواسعة والحصى عن عملات، يجد جماجم وسلاسل، وعظاماً أزلية ساخرة بالحياة، يركب باخرة مليئة بالجنود تزحف ببطء في البحر وترى السفن المكتظة بالحجاج الغارقة، حشود من الثياب البيض واللحى والنهود، مصانع الحليب المتوقفة المأكولة من سمك القرش، يضحك بين الدخان في المقهى، وهو يطالع الجري وراء القطع المعدنية“.
فلو تتبعنا الرموز السياقية الصغيرة لوجدنا الآتي:
ــ عملة ذي القرنين يهزأ بالزمن.
ــ النسر يقبض على الصاعقة والفرعون ملأ الأرض خراباً.
ــ للتحول فصول كثيرة، جسد المرأة ربيع الطبيعة.
على أن كل كلمة تصلح أن تكون رمزاً، ثم تتحول إلى فعل من أفعال الدلالة المركزية في النص، والتي تتمحور حول عتبة النص الأولى «رسائل جمال عبدالناصر السرية»، وكأنه يتحدث أو هو يتحدث عن الأحداث السياسية. طبيعة المرحلة، الصراعات الاجتماعية، الطموح الزائد، النصر الزائف، الهزيمة المقنعة.
وهكذا يحول الراوي اللغة التي يستخدمها إلى لغة مضادة، وكأنه يكتب الشعر لتتحول الدلالة على أثر ذلك إلى دلالات شعرية تميل إلى المنطق العام أكثر مما تميل إلى منطق الحكاية إن وجدت، لأن الراوي في كثير من سروده لا يميل إلى حكاية مؤطرة بقدر ما يميل إلى حالة من السرود الوصفية التي تتضمن بشكل أو بآخر صورة من صور الحياة التي يقدمها، وهو يعتمد عليها بنائياً في النص بأكثر من أسلوب.
الأول: يقدم التأصيل السردي القائم على الوصف، ثم يعقبه بتأصيل فكري ثم يقدم الحدث مغلفاً في السرد.
الثاني: يقدم التأصيل الحكائي، ثم يعقبه بسرد وصفي يعتمد على مجازات الواقع والمكان والأفكار.
الثالث: يقدم الذوات، ثم يعقب ذلك بوصف سردي يعتمد على الذوات والمكان من خلال العلاقات المجازية النفسية التي تبدو في الحكاية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. محمد زيدان
أستاذ النقد الأدبي الحديث
محاضرة للدكتور محمد زيدان أستاذ النقد الأدبي الحديث بعنوان «الرواية البحرينية المعاصرة .. عبـــــــدالله خلــــــــيفة أنموذجا».
أكد الدكتور محمد زيدان أستاذ النقد الأدبي الحديث ، الحاجة الى رؤية جديدة في نقد النص الأدبي العربي بداية من النص الشعري ومرورا بالنص الروائي والمسرحي والتمثيليات المرئية ، حيث انها أصبحت نصوصا تؤثر كأي نص أدبيا آخر.
وأوضح في محاضرة نظمها مركز عبدالرحمن كانو الثقافي بعنوان «الرواية البحرينية المعاصرة .. عبـــــــدالله خلــــــــيفة انموذجاً»، ان الروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة في روايته الماس والأبنوس استطاع ان يقدم فكرة المقابلة في البلاغة العربية والتي تكون أحيانا بين جملتين او بين عدة جمل ، واستطاع ان يقدمها على مستوى المنظور ، وهذا يتناسب مع الأشكال ما بعد الحداثة في الرواية العربية.
أوضح الدكتور محمد زيدان أن تقنيات الكتابة لدى عبـــــــدالله خلــــــــيفة فيها تشابه في الأسلوب والتشكيل مع تقنيات الكتابة لدى الروائيين في مصر والعراق ، كما انه يقدم الوصف الدقيق كأكواخ الصيادين في بداية تكون المدينة على شواطئ مملكة البحرين ، وبذلك فهو يعتبر أهم ملمح بنائي في الرواية لدى عبـــــــدالله خلــــــــيفة وهو اعتماده كليا على المكان في بناء النص الروائي، بالاضافة الى استغلاله لكل ما يتصل بالنص بداية من الراوي ففي روايات عبـــــــدالله خلــــــــيفة هو العليم وكل شيء منبثق من الراوي وهي تقنية مشهورة في الرواية العربية ، حيث يتكلم الراوي عن نفسه بضمير الأنا ثم ينتقل ليتحدث عن غيره فيما يشبه فصل الضمائر بين الأنا والهو لينتقل بين هذه الأساليب انتقالات غير مرئية وغير مفصول بينها ، وعليه يحتاج القارئ الى وعي شديد وهو يتنقل بين اللوحات التي يرسمها عبـــــــدالله خلــــــــيفة.
وأضاف الدكتور محمد زيدان أن الملمح السردي الثاني الذي يعتمد عليه الروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة في تشكيل النص هو اعتماده على لغة مجازية رامزة شديدة التبييض شديدة المجازية لدرجة أنه في بعض الأحيان المجازات الصغيرة واللغة الشعرية داخل النص تلفت الى نفسها أكثر مما تلفت الى ما فيها من أحداق وأفعال ، ومن وجهة نظره أنه لا أحداث كبيرة في النص السردي لدى عبدالله خليفة ، وإنما هي أفعال ترتبط بزمان ومكان معينين.
وأوضح أن الروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة يعتمد اعتمادا كبيرا ولافتا على ما يسمى في النقد بتيار الوعي ، لذلك نرى عنده المنولوجات طويلة جدا ، وخصوصا الخاصة كالحديث الى الذات أو الى الآخر ، حيث يعطي جمالا نفسيا للعلاقات التي ينشئها بين الشخصيات ، كروايته الماس والأبنوس التي كان يقصد شخص من افريقيا اسمه الماس والأبنوس الذي يقصد به المرأة او الرجل أو الرمز باعتبار أنه نوع من البنات له طبيعة خاصة في الشكل والتركيب والمنظر ،ثم يدلف الى النص بهذه المفارقة والعلاقة والصراع الطبقي بالمعنى الاجتماعي والذي يطرح رؤيتين في المجتمع ، الا وهو رجلا يبحث عن نفسه وسط اهله ويبحث عن نفسه داخل نفسه ، وهي الفكرة والدلالة المركزية عنده في الرواية .
وأشار الدكتور محمد زيدان أن ما يميز روايات عبدالله خليفة هو عنصر الامتاع بمعنى انك تستطيع ان تستمع باللغة التي يستخدمها استخداما لافتا للنظر مع كل عنصر من عناصر بناء الرواية ، والشخصيات كلها ذات علاقات متشابكة والفضاء الذي يستخدمه هو الفضاء النفسي اولا ، ثم يخرج منه الى الفضاء الواقعي الذي يتصل عنده بتأسيس الشخصيات وكل شخصية في النص تقدم منظورا حكائيا مختلفا ، ومن خلال روايات عبـــــــدالله خلــــــــيفة تستطيع ان تقدم عدة منظورات حكائية وكل منظور منها سوف تجد فيه اللغة والرؤى البلاغية والسياقية التي يستخدمها وهو مؤسس للنص لأن فكرة الأيدلوجية اذا ارتبطت بالحياة الواقعية تستطيع ان تخرج منها سياقا مؤسسا للحكاية.
من تقنيات القصة القصيرة عند القاص البحريني عبدالله خليفة (المكان في مجموعة سهرة أنموذجاً)

ا.د. صباح عبدالرضا اسيود ــ جامعة البصرة / كلية التربية القرنة

الملخص:
دارت رحى النص والسرد في مجموعة (سهرة) للقاص البحريني عبدالله خليفة دورات عدة، ولعل أهم دوراتها ما تعلق بالمكان الممثل بالقرية والبحر والسجن بصفة خاصة، مما كان له تأثير كبير فى مفاصل كثير من القصص، بوصفها أمكنة متكررة وذات دلالة مواربة في المجموعة القصصية (سهرة) برمتها. وقد كانت انطلاقة القاص من هذه الأمكنة انطلاقة ذاتية، بمعنى أنه عبر عن موقع لهوه فى القرية التي عاش فيها أيام صباه في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين ومن ثم استطاع وبتمكن فني من التعبير عنها في فنه القصصي، وبذلك فإنه يتشارك مع الادباء الذين تحكي قصصهم ورواياتهم حياة كاتبيها أو تنهل من معينها. فبعد أن عاش في القرية وشاهد حياة البحر ودخل السجن مدة طويلة أبرت على الست سنوات ومن ثم عاد إليه في أوقات لاحقة، وهو ما كان مدعاة لان يتكرر وصفه الأمكنة بعينها في عدد من القصص والحكايات التي ضمتها هذه المجموعة القصصية، علاوة على انسحاب تلك التجربة إلى الهم السياسي الذي حاول تجسيده.
الكلمات المفتاحية : عبدالله خليفة، المكان، سهرة، القرية، البحر، السجن.
المقدمة :
حققت القصة القصيرة حضورا لافتاً للانتباه في مملكة البحرين ولا سيما في العقود الأخيرة، بعد أن كان لجيل الرواد أثر كبير في هذا النوع من السرد. بيد أن القصة والسرد عموما قد وجدا ضالتهما فيما أهداه إليهما بعض الكتاب الجادين في تناول بعض المفاصل المهمة التي لم تكن أيدي الرواد ق امتدت إليها وبصفة خاصة الأماكن التي تمت بصلة إلى حياة المؤلف أو الكاتب الذي يعير أهمية لما يعير أهمية لما تجلى في حياته، وقد انعكس أثرها في فنه كما هي متجسدة في أعمال الواقعيين عندما تناولوا ما يكتنف حياتهم وما يحيط بها في أعمالهم الأدبية.
ويعد الأديب والكاتب عبدالله خليفة من أكثر الأدباء البحرينيين نشاطاً وأبرزهم موهبة ولمدة طويلة تجاوزت الخمسة عقود، في مجال القصة القصيرة والرواية والكتابات النقدية والفكرية، فقد ولد في العام ١٩٤٨، وتوفي في العام ٢٠١٤، إذ إنه كتب القصة القصيرة والرواية منذ أواخر ستينيات القرن المنصرم، بحيث تجاوزت مؤلفاته القصصية اثنا عشر مجموعة ، فضلا عن عشرات الروايات : ولهذا فإن تنوع تجربة الأديب عبدالله خليفة وغناها يحتم علينا أن نختار مجموعة قصصية واحدة ونحاول نتلمس أهم ما يميزها من تقنيات فنية لكي نتوصل من خلالها إلى ما يميز أدب هذا الأديب، لأن حيز البحث ومحدوديته لا يمكن أن يستوعب هذه التجربة الواسعة والعريضة وذات المشارب المتعددة كلها؛ ومن هنا فقد توجهنا إلى مجموعة قصصية واحدة من نتاج الأديب فحسب. لنكشف عن أهم تقنية فنية في عالمه القصصي، وهي تقنية المكان.
وقد وقع اختيارنا على مجموعة (سهرة) التي صدرت في العام ١٩٩٤، وذلك لاعتبارات عدة منها أن المدة التى كتب بها الأديب هذه المجموعة القصصية هي مدة نتوسط في نتاجه الأدبي، وهي تمثل مرحلة الاختمار الأدبي بالنسبة للقاص. بعد أن خاض تجارب عدة في المجاميع القصصية وفي الروايات والكتابات النقدية والسياسية بوصفه من الشخصيات اليسارية في البحرين، وقد أودى به هذا الانتماء إلى ا أن يخوض تجربة السجن ولمدة ليست بالقصيرة إذ كان دخوله إلى السجن في عام ١٩٧٥، ولم يخرج منه إلا بعد عام ١٩٨١، ولابد لهذه التجربة القاسية أن يكون لها إفرازاتها على تكوين الأديب حياته الفنية وحتى حياته الشخصية بدليل أن مفردات السجن والاعتقال كانت تتوافد وتتوارد على مجمل كتاباته الأدبية وحتى في كتاباته السياسية والثقافية، ما يعد إضافة نوعية إلى ما يسمى أدب السجون الذي توقف عنده كثر من الباحثين وهم يستجلون الواقع السياسي والثقافي العربي وحتى العالمي من بين الكتابات الإبداعية العربية، ونحن هنا لا نقصد ارتباط الفني بالإديولوجي الذي حذرت منه الدكتورة يمنى العيد، على أساس أنه يسقط شرعية الفن«١»، وإنما نقصد أثر التجربة الحياتية في صوغ القالب الفني للأعمال الفنية. ناهديك عن أن تجربته الأولى قد وصفت من لدن كثير من الباحثين بتغليها الفكري المباشر على الجانب الفني «٢». أو أنه كان منشغلا بقضايا الانتماء أكثر من انشغاله بقضايا الفن والأدب«٣».
وفضلا عن هذه التجربة القاسية في عالم السجن فقد سطع نجم الأديب عبدالله خليفة بعد معاناته في عالم الحياة اليومية والمعاشة أيضاً؛ إذ إنه من طبقة العمال التي توصف عادة بأنها الطبقة الكادحة. وقد عاش في منطقة اللينات شرق القضيبية في ساحة بيوت العمال التي بنيت بعد حريق القضيبية الشهير الذي نشب في عام ١٩٥٤«٤». ولهذا نراه منحازاً إلى المعدمين والبسطاء من الناس، علاوة على كونه ابن عامل في الأصل. ومن هنا فقد كان مهموماً بحقوق الطبقة الكادحة من العمال«٥»، كما ينقل لنا الشاعر علي الشرقاوي وهو صديق الكاتب بأن عبدالله خليفة قد سكن في بيت من الطين وما كتابته عن المعدمين إلا تعبير مباشر عن الحياة التي عاشها هو وعن أجواء الأحياء الفقيرة التي تشبه الحي الذي كبر بين ملاعبه. ناهيك عن علاقته بعالم البحر الذي كان يعيش بالقرب منه«٦». وتوظيف البحر لا يقتصر على عبدالله خليفة فحسب وإنما اتجه أدباء البحرين شعرا ونثرا إلى البحر ليس بوصفه حيزاً ومكاناً وحسب وإنما باعتباره وعاءً للعذاب الذي عاشه الإنسان البحريني في أيام الغوص والشقاء. ولهذا فإن أبطاله ينتمون إلى فئة المعدمين والعمال والبسطاء من الناس، كما أن تعبيره عن هذه الفئات من الناس يتوافق وتعبيره عن نفسه هو. ولهذا فقد غدا حديثه عن البسطاء والمعدمين لا يختلف عن حديثه عن نفسه هو.
ولعلنا لا نبتعد كثيرا عن الموضوع عندما نشير إلى أن القصة القصيرة قد تقدمت زمنياً على الرواية في البحرين؛ إذ تعود بدايات القصة القصيرة إلى الثلاثينيات من القرن العشرين بينما تتأخر الرواية إلى الثمانينيات منه، وذلك يربط بطبيعة القصة القصيرة التي تناسب مع أجواء الحياة البسيطة في البحرين وفي سائر بقاع الأرض، التي أشار إليها أحد الباحثين وعدَّها مناسبة لعالم القصة القصيرة في حين توافق الرواية مع تعقد الحياة وتشابكها، ولهذا وجدنا أن القصة القصيرة قد تقدمت زمنيا في البحرين على الرواية التي يناسبها التعقيد والتشابك في الحياة والأحداث ومن هنا فقد تأخرت زمنياً«٧».
وفي ضوء ذلك يمكننا القول إن الأديب عبدالله خليفة لا يختلف عن أدباء البحرين الذين تناولوا حياة القرية البسيطة مثلما تنالوا حياة البحر. وقد كان لهاتين المفردتين آثارهما المباشرة في نتاجه كله وليس في قصص مجموعة، «سهرة» وحسب، ولكن آثارهما انعكست بشكل لافت للانتباه. وكما سنتناول ذلك من خلال تناول أهم التقنيات القصصية التي تتوزع على القرية والبحر والسجن بوصفها أمكنة متكررة في سرد عبدالله خليفة، وهذه الأكنة في المجموعة القصصية «سهرة» مترددة ومتكررة على نحو تتفوق فيه على أية أمكنة أخرى؛ بل لا يمكن أن تقاس بها تلك الأمكنة، وسوف نتناول هذه الأمكنة في مجموعة «سهرة» على النحو الآتي.
١ـ تجسيد القرية كمكان في مجموعة سهرة :
يعد المكان من أهم التقنيات التي تميز النتاج السردي والأدبي عموماً ولهذا فلا مندوحة من التوجه إلبه ومحاولة بيان تجلياته في هذه المجموعة القصصية «سهرة» التي تغص في تثبيت دعائم المكان في القرية البحرينية، ولا سيما الأمكنة التي كانت مرتع صبا الأديب عبدالله خليفة نفسه، وقد انعكست آثارها في أدبه بوصفه من الأباء الذين تحكي قصصهم ومحكياتهم عن حياة كاتبها وقد وجد أحد الدارسين أن قصص هذه المجموعة «سهرة» وقصص مجموعة «دهشة الساحر» تعبر عن هموم الكاتب الفكرية والسياسية والاجتماعية وقد كتب الأديب معظم قصصهما من وهج تجربته الشخصية«٨»؛ وبما يمكن أن يشار إليه على أنه من باب تقديمه العام من خلال الخاص. إذ ينطلق المكان بكل تجلياته الممسرحة منذ السطر الأول في القصة الأولى التي ضمتها المجموعة القصصية «السفر» التي يطالعنا في مستهلها القول: «الحي القديم يتفتح بدروبه الضيقة الملتوية، كالأيام والأنام، أحجاره تآكلت وتساقطت قشرتها، وتحولت غيرانها ملاجئ للهوام، بيوت متراكبة فوق بعضها، تشاجر ضلوعها وأبوابها، قميئة، كالحشائش الفطرية الذابلة، قماماتها حدائق للذباب، ومسام دروبها تنزف هياكل وفئران وأشباحاً ومجانين وغرباء.»«٩». فمنذ الكلمة الأولى بالقصة نجد القاص حريصاً على رسم لوحة لقريته التي عاش فيها طفولته ونهل منها دقائق حياته الأولى فكشف النقاب عن عالم تلك القرية، على عادة كثير من الأدباء البحرينيين الذين يتميزون بالتعبير عن خصائص البيئة البحرينية في البحر والنخل والزرع، ثم في النفط والتحولات الحضارية والاجتماعية والاقتصادية التي لازمته وغيرت من تركية المجتمع البحريني«١٠». إذ يطالعنا الحي القديم بدروبه الضيقة والملتوية وكأن القاص يرسم لوحة فوتوغرافية طالما شاهدها وعاش لحظاتها، وهكذا هي البيوت المتآكلة والمتراكمة فوق بعضها البعض، بحيث كانت تلك البيوت مرتعاً للذباب والجرذان ومن ثم الناس البسطاء، والمسحوقين، وبذلك نقول إن القاص رسم بالكلمات لوحة فنية متجسدة وقد استلها من ذاكرته الى غصت بمثل تلك البيوت المتراكمة التي تفتقر إلى أدنى مراتب الحياة الإنسانية ولا سيما في الواقع البحريني في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين.
وهو في هذا لا يبتعد كثيراً عن التعريف الذي أوردته نجاة صادق الجشعمي عندما تصدت لتعريف القصة القصيرة بقولها «هي فن أدبي وجنس من الأجناس الأدبية، وهي تعرض مجموعة من الأحداث الواقعية في مرحلة معينة من مراحل الحياة، وعادة ما تكون هذه الأحداث قصيرة وصغيرة يدور حولها محور القصة… شرط أن يبذل الكاتب جهداً لتكون مؤثرة ومعير بطريقة وأسلوب فني واستخدام اللغة المؤثرة التي تترك أثراً في نفس القارئ ومختصرة كثيراً وتسرد أحداثاً مكثفة دون أن تؤدي إلى فشل العمل القصصي»«١١»، وذلك عين ما يمكن وصف تجربة القاص عبدالله خليفة في ضوئه إذ إنه حرص أشد الحرص على أن ينقل عصارة تجربته في هذه المجموعة القصصية ولم يقتصر عمله على قصة محددة بذاتها وإنما شمل عمله المجموعة برمتها.
وعلى الرغم من توافق هذا العريف والقصة التي أشرنا إليها في فن عبدالله خليفة لكنا لا نعوِّل كثيراً على كلمة الأحداث الواقعية التي أشارت إلها الباحثة نجاة الجشعمي في تعريفها لفن القصة القصيرة، لأنه من المكن أن تكون الأحداث غير واقعية وتكون القصة القصيرة على درجة عالية من الفن والرقي ، كما هو حال الكثير من القصص العربية والعالمية، بل أن القصص الخيالية تفرق غيرها المستندة إلى الحياة المعاشة واليومية بما لا مجال لحصره وتأكيده، لكن القاص في هذه القصة قد عرض علينا حدثاً واقعياً عاشه الأديب نفسه في مرحلة من حياته وأثر في تكوينه النفسي والحياتي وظل مرافقأ له وقد عكسه لذا في فنه؛ وبما يؤكد أنصهار الحدث اليومي في الفن القصصي، وكما يبدو فإن المكان الذي انتشله الكتاب من ذاكرته هو الذي رسم الصورة وقربها من الواقع وأفاض عليها بإسلوبه أثراً جعلنا مشدودين إلى الحدث من أول وهلة، بل وبإمكانا أن نتوقع ما ستصل إليد الأحداث أو نتواصل مع خيط الأحداث الذي بدأ به الكاتب ما دام يعرض لواقع معاش في بيئة عربية جالبة لهموم الناس البسطاء والمعدمين وآمالهم.
الأمر لا يقتصر على هذه القصة فحسب وإنما ينسحب إلى كثير من قصص المجموعة القصصية برمتها، في قصة «قبضة تاب» على سبيل التمثيل تطالعنا القرية نفسها التي أشرنا إليها في القصة الأولى، يقول في مستهلها أيضاً:؛ كانت زرقة السماء مشوبة بنور فضي شفاف وثمة عصافير تشاجر في دغل مهجور، كان الطريق إلى المدرسة ترابياً؛ متعرجاً، بين مستنقعات آسنة، من بقايا المطر، وأكوام أنقاض.»«١٢». فالقرية التي طالعتنا في القصة الأولى هي نفسها في هذه القصة تماماً بحيث نستطيع أن نرسم معالم القرية الواحدة من التفاصيل التى أوردها القاص في كلتا القصتين كثير .من التروي. فالطريق الترابي المفضي إلى المدرسة هو نفسه الذي طالعنا في القصة الأولى، وتعرج الطريق هو الطريق الملتوي في القصة الأولى، وهكذا ثُعؤِّض أكوام الأنقاض في هذه القصة عن قمامات المدينة المليئة بالذباب والفئران. وهذا ما يفضي إلى القول إن القرية التي انطبعت معالمها في ذهن القاص هي ذاتها وأنه يعبر عنها بتعابير تكاد تتشابه لولا بعض الفقرات التي تبدو مختلفة ولكنها في الحقيقة تنسخ بعضها بعضاً وتؤول إلى منبت واحد.
وهكذا يمكننا أن نرصد تشابهات القرية في كثير من مفاصل القصتين فهو يقول فى هذه القصة الثانية : «بدت بيوت القرية المتراصة كمعسكر للاجئين»«١٣». وهذا الوصف لبيوت القرية هو نفسه الذي ألفناه في بيوت قرية القصة الأولى «السفر» ولا سيما في قوله «بيوت متراكمة فوق بعضها» فإذا ما استبدلنا البيوت المتراكمة بالبيوت المتراصة لما تغير الوصف شيئاً ولبقيت القرية على حالها وهي قرية المعدمين الذين يجاهدون الحياة جهاداً، بل نجد انحسار الجميل فيها وتبدله كما وجدنا الحاج فاضل الذي التقى بالمديرة الجديدة لمدرسة القرية وعبر لها عن امتعاضه وأبناء قريته من تغير الحياة الاجتماعية وما كانت تريد بناءه يقول لها «جئت إلى هنا منذ سنوات طويلة لم أصعد إلى الهضبة، كنت اندفع فوقها وأنا شاب.. أركب الحمار.. ونجري معا.. والحصا يتطاير.. تحتنا.. لم تكن الهضبة هكذا.. صارت جرداء.. جرداء.. ليس ثمة سوى.. الأدغال المهجورة.. والقطط الشرسة.. كانت هذه الأرض.. أيتها المديرة.. خضراء.. مليئة بالأشجار.. والينابيع. الآن. كل البساتين.. التي كانت.. غدت أرضاً.. قاحلة.. لم يبق سوى بضع بساتين صارت فللاً يسكنها غرباء.. لو كنت تقفين فوق.. سطح المدرسة.. لرأيت القربة.. بيوتاً كثيرة متزاحمة»«١٤».
وهذا ينم عن موقفين متناقضين إزاء القرية فبعد أن كانت القرية مرتع الفقراء ومآل المعدمين صارت ملجأ الغرباء الذين وجدوا ضالتهم في تغير البناء والعمران فيها ولكن هذا العمران جسد حياة جديدة تختلف عن الحياة الأولى التي تتميز بالصفاء، وهنا يتجسد موقف آخر غير الموقف السابق بمعنى أن النص بدأ يعكس موقفاً أيديولوجياً يتبدى من خلال السطور؛ وبما أكده بيير ماشيري عندما أشار إلى مسألة ارتباط العمل الأدبي بالأيديولوجية في قوله «إن العمل الأدبي لا يرتبط بالأيديولوجية عن طريق ما يقوله، بل عبر ما لا يقوله فنحن عندما لا نشعر بوجود الايديولوجية نبحث عنها من خلال جوانبه الصامتة الدالة التي نشعر بها في فجوات النص وأبعاده الغائبة. هذه الجوانب الصامتة هي التي يجب أن يتوقف عندها الناقد ليجعلها تتكلم»«١٥». وقد اقترح ماشيري برنامجاً لا ظهار المضمر الأيديولوجي في الرواية ينهض على أمرين: أولهما يتعلق بالإلمام بالسياق التاريخي الأيديولوجي الموضوع فيما بين السطور وثانيهما بناء الإشكالية التي تطرحها القصة انطلاقاً من الجوانب التي قدمتها»«١٦». ولهذا فأن أبناء القرية عندما أرادوا إحراق المدرسة وكل ما يمت بصلة للحياة الجديدة، فهذا إعلان منهم بعدم توائمهم مع عالم المدينة ورغبتهم في الحفاظ على القرية التي عاشوا فيها الشطر الأول من حياتهم وقد كانت حياتهم ذات نكهة خاصة لا مجال فيها لعالم الغربة الذي تجسد في المدينة الجديدة، بمعنى أن هذا العالم هو العالم المرادف لحياة الفطرة والنقاء. وهنا يغدو عالم المدينة موازياً لعالم السياسة المرتبط بالاستعمار الذي ربت على قلوب الفقراء والمستضعفين من الشعب ما دام هذا المستعمر يحيل حياتهم إلى شذرات فاقدة للحياة الإنسانية ويسلبهم إمكانياتهم وثروات بلدهم.
وإذا كانت القرية كمكان هي المحور الأول الذي دارت، حوله رحى بعض قصص مجموعة «سهيرة» فإن البحر لا يكاد يفترق عن هذا التحديد؛ فهو يشترك مع القرية في تحديد وتشكيل «المكان البحريني». وهذا ما سنتوقف عنده في الفقرة الآتية.
٢ – البحر كمكان في مجموعة سهرة؛
لا يختلف عالم البحر عن عالم القرية بالنسبة للإنسان البحريني، فقد ارتبط البحريني بهذين العالمين ارتباطاً صميماً وصار يعبر من خلالهما عن وجهة نظره من الحياة؛ بوصفهما رمزين للإنسان البحريني الذي عاش في كنفهما هزيعا من العصور، فضلا عن كونهما يمثلان عالم البراءة والطهر الأول، وقد أشار الدكتور علوي الهاشمي في مجمل كتاباته النقدية إلى هذا المنحى والاتجاه في الأدب البحريني «١٧». لأنهما مثَّلا حقبة الحياة الأولى مثلما عبَّرا عن عالم الحياة البسيطة الأولى. وقد ألفينا، القاص عبدالله خليفة يعود إليهما في مجموعة سهرة وفي جل كتاباته الإبداعية. ولهذا نستطيع أن نصف منجزه بأنه المكافئ والموازن للقرية والبحر على حد سواء. وهو في هذا يتمرد على المجتمع البحريني الذي ينقسم أبناؤه بحسب الحياة التي عاشوها، بحيث وجدنا المجتمع ينقسم على أساس القرية أو البحر، فبعضهم يعيش حياة القرية وبعضهم يتخصص في حياة البحر بل ألفينا التقسيم يمتد حتى إلى التسمية فيتقاسمون التسمية بين البحرينيين والبحرانيين على أساس أن كل تسمية تتصرف إلى تجمع بعينه أو إلى طائفة بعينها أو مذهب بعينه«١٨».
وقد أشرنا سابقاً إلى أن الأديب عبدالله خليفة قد عاش في جنيهما حياته الأولى وقد شكلا له إرثاً حقيقياً؛ بحيث صار يعود إليهما كلما سنحت له الفرصة أو الموقف الفني. وهذا ما ينجلي في جمعه بينهما في قصة الطوفان ـ على سبيل التمثل ـ التي يقول فيها:« كل هذه الجزر البازغة في الماء ربيتها كأولادك، وهذه الطرق الطالعة كالوديان الخضراء نادمتها ولم تسكرك…»«١٩». فهو يجمع بين جزر البحرين الممثلة بالماء وبين أرضها في معترك واحد ينم عن حقيقة واحدة تؤول إلى ولاء تام للأرض البحرينية بعيداً عن أجواء الطائفية وما يلحق بها من مسميات وحلقات أضحت منكشفة، وسبيلا للتفرقة بدلا عن الاتحاد.
ولعل قصة «الأضواء» من أهم قصص مجموعة «سهرة» إشارةً إلى البحر والاستناد إليه سواء أكانت بعدد مرات ذكرها لمفردة البحر أم ببناء القصة في ضوء اهتمامها بالبحر، وهي في الأحوال كلها تفصح عن نظرة جديدة للبحر بوصفه الملاذ الآمن لمن يرغب بالعيش في الحياة الجديدة التي تقوم على الثراء؛ ما دام البحر مرتبطاً بالنفط وتصديره إلى العالم الصناعي الذي يجلب الأموال والثراء، وهذه اللمسة الجديدة التي لم نكن نتوخاها في القصص القديمة التي كانت توجه لتصف البحر وأهواله وما يتعرض فيه الغواصون إلى المهالك بحثاً عن لقمة العيش في حين ارتبط البحر في هذه القصة وفي كثير غيرها بالنفط وبالبحث عن الثراء والحياة الجديدة المصاحبة له بعد أن انحسرت الهموم التي صاحبت البحر هزيعاً من العصور، وكما صورها عبدالله خليفة نفسه في رواية «اللآلئ» سنة ١٩٨٢، التي تعرض فيها بطل الرواية الغواص «مطر» إلى الموت بعد أن أجبره النوخذا «الربان صاحب السفينة» على النزول إلى البحر والغوص للبحث عن اللؤلؤ هو مصاب بمرض خطير في أذنه مما عرضه بالنهاية إلى الموت«٢٠».
وهذه القصة «الأضواء» تبدأ برسم ملامح الواقع البحريني المحلي الذي يتجلى في الرطوبة المتأتية من امتزاج حرارة الجو بالمياه الحارة بحيث غدت الصورة وكأنها تجمع بين بحرين محترقين؛ يقول:« وبدا كأن بحراً ثانياً؛ محترقاً يطفو فوق المياه المشتعلة»،«٢١». ومن ثم ننتقل عبر محطة شخصين قد هجرا قريتهما وسارا إلى المدينة بعد أن دفعا، مبلغاً كبيراً من المال حتى يصلا إلى الميناء، فوجدا الكثير من معارفهما وهم يختبئون في قعر السفن مع الحيوانات (الغنم) في محاولة للتسلل والوصول إلى المدن، وهكذا نطالع حسن ومرتضى يجالدان فى الذهاب إلى مدن النفط، حيث الثروة .المال والشراب. وقد وجدا ضالتهما في رجل قادهما إلى ربان السفينة في مقابل مبلغ مالي له ولربان السفينة فنجحا في أن يمتطيا السفينة وقد خُصِّصَ لهما مكان صغير وظلا متلاصقين. وبحركة دراماتيكية تنقلنا القصة عبر وسيلة الاسترجاع إلى ما كان يدور بين حسن ومرتضى عندما كان حسن يحاول إقناع مرتضى بركوب مركب المغامرة «كانا متلاصقين، أيضاً؛ تحت شجرة في ذلك الحقل البعيد حسن الطويل، النحيف، هو الذي كان يجر مرتضى القصير، الهادىء، إلى المغامرة، يصيح فيه أتعجبك العيشة هنا مع الماعز والعجائز حيث لا ثلاجة ولا سينما ولا خمر! هيا أحلم بالمدن الذهبية، مدن النفط، حيث الثروة والنساء والمتع! هيا قم من رقدتك في الروثّ»،«٢٢».
وهكذا عاش مرتضى على الأحلام الوردية التي رسمتها مخيلته بفعل «جعجعة حسن» فإذا هو يتصور رزم المال وقد غزت جيوبه وأحياناً يتصور نفسه «وهو يعود إلى قريته بسيارة جيب متجها إلى بستانه الذي اشتراه»،«٢٣». وظلا يحومان حول العائدين يسألائهم عن الأشياء التي حملوها معهم، ولكن أحلامهما تذهب أدراج الرياح حين يلتفت إليهما ربان السفينة قائلاك «التفت الربان إلى الشابين المحدقين في سراب المياه. وقال: «هيا انزلا! خوضا البحر، إنه ضحل هنا، وتمنياتي لكما بالتوفيق»،«٢٤». وهنا نعود إلى صورة البحر المألوفة والمربطة بالخوف الجاثم على الصدور، بعد أن عدنا إلى عالم الواقع، فهنك خوف من الدوريات التي تصطاد المغامرين وعلى الربان أن ينزلهما في أقرب نقطة قريبة من الشاطئ، وطلب منهما المضي إلى الجزيرة في الليل «في الليل أمضيا نحو الأضواء، سترونها خافتة لكن لا تشعرا بالخوف، المياه ستكون ضحلة والجزر سيتسع، سيرا بهدوء وحذر، ستصلان المدينة، وستنعمان بالعمل والثروة»،«٢٥». بيد أن مرتضى وحسن يستسلمان على التوالي لغفوة بين الصخور القريبة من شاطئ الجزيرة ليتفاجآن بالمد الذي حاصرهما من كل اتجاه، وفي ظل هذه المياه المتلاطمة عليهما أن ينظرا حتى اليوم التالي بعد أن حوصرت أحلامهما الوردية وتضاءل بريقها وصارا يصارعان الموج الذي بدأ يفرش سطوته على الأمكنة المتاحة بين الصخور والرمل، بحيث صار هو السيد الماء والآخران يتشبثان الأمل في النجاة وها هي أصابع المياه تلحس أقدامهما، وتحسس مذاق جسديهما، وكأن جيشاً من النمل يندفع في شرايين عود قصب»،«٢٦». وهذا ما يمهد، للنهاية المأساوية التي لقي فيها الاثنان مصرعهما غرقاً في مياه الخليج: «وهذا هو الماء يتذوق صدريهما، ويبقبق حولهما قدرا يطبخ أحياء لمائدة مجهولة، وفجأة تأوه مرتضى واختفى، صاح حسن طويلا ونادى، ولكن الماء وحده، كان يثرثر مع ذاته، ولم يكن ثمة صدى،…»،«٢٧». ونفاجأ بأن حسن في نهاية المطاف أيضاً سيسقط في وسط المياه الغامرة.
هذه النهاية المأساوية ترسم خطاً تصاعدياً لأحداث القصة التي بدأت بالتفاؤل ومحاولة تغير المصير ممثلة بمجاهدة الشابين حسن ومرتضى على تغير الواقع من غير جدوى ولهذا فقد ذهبت محاولتهما أدراج الرياح، بيد أن هذه النهاية تضعنا أمام تشابك لتجليات الواقع البحريني المعاصر، إذ إن موت البطلين مؤشر على انعدام الأمل في الواقع الحالي وأن ما يؤمل للبحر أن يقوم به من توفير وسائل الوفاة والسعادة قد غدا من مرادفات التعاسة في الواقع اليومي المعاش، وهذا ما قد بعد مؤشراً على انحسار الرؤية الإيجابية في الحياة السياسية التي يفقد فيها الإنسان حياته حيال أمله بالتغير.
وبذلك فقد اشترك البحر والقرية في رسم لوحة فسيفسائية تدل على واقع الإنسان في البحرين ولكنها في الآن نفسه تجرد الإنسان من حقوقه التي يسعى إلى تحقيقها، ويبدو أن الصورة المأساوية التي انتهت إليها القصة الأخيرة «الأضواء» هي صورة مكررة بشكل أو آخر في قصص أخرى من المجموعة القصصية سهرة، ولكنها تدل في الأحوال كلها على العقم والموت والدمار الذي يحيط بالإنسان البحريني المعاصر. ولذلك ألفينا القاص عبدالله خليفة ينزع إلى إشراك مكون آخر غير المكونين السابقين معهما في هذه المجموعة القصصية على الأقل في محاولته تجسيد مكانة البحرين كبلد، وهو السجن كمكان مكرر في قصص المجموعة برمتها، على أساس أن ما تجسد في القرية وفي البحر يفضي إليه، وهذا ما سنتوقف عنده في الفقرة القادمة من البحث.
٣ ـ السجن كمكان فى مجموعة سهرة؛
أشرنا سابقا إلى أن شخصية الكاتب عبدالله خليفة تجمع بين المفكر اليساري«*» والأديب القصصي والروائي وقد وصفه بعضهم بأنه المناضل الذي لم يتراجع في كل الظروف عن أفكاره وعن مواقفه، وقاده التزامه بأفكاره التي دافع عنها بشجاعة إلى السجن أكثر من مرة»،«٢٨». فقد انضم إلى صفوف جبهة التحرير الوطني البحرينية في ستينات القرن العشرين ونشط في صفوفها مما عرضه للاعتقال في العام ١٩٧٥، وفصل من عمله الذي مارس فيه مهنة التعليم والتدريس وليخرج من السجن في العام ١٩٨١،«٢٩».
يعود إليه في أوقات متفرقة أخرى، وهذا ما منحه فرصة للتعبير عن عالم السجن كما شاهده وعاشه هو بتفاصيله اليومية والمعتادة، ولا سيما أن بعض كتاباته قد انطلقت من عالم السجن، ومن حيثياته؛ بل أن بعضها قد دونها وهو في داخل المعتقل وعلى أوراق السجائر ومن ثم وصلت إلينا بعد معاناة قاسية كما فعل ذلك الكاتب العربي صنع الله إبراهيم عندما سجل يومياته في السجن بين عامي ١٩٦٢-١٩٦٤،على ورق البفرة بخط منمنم أثناء اعتقاله ونجح في تهريبها معه عندما أفرج عنه«٣٠». تماماً كما فعل كاتبنا عبدالله خليفة الذي وفَّرت تجربة السجن له كرصة لانعكاس حقيقة المجتمع من حيث أوجه الحياة الاجتماعية المختلفة»«٣١»، كما يقول الدكتور سمير أمين وهو ينقل عن الذين كتبوا عن تجربة السجن من الكتاب العرب التي وجدها أكثر صدقاً من التجارب التي كُتبت عن عالم السجن من أناس لم يلجوا هذه التجرية ولم يفهموها حق فهمها.
وقد تغلغلت تجربة السجن بين طيَّات كتابات الأديب والقاص عبدالله خليفة وتداخلت بطريقة يصعب فصلها عن أفكار قصصه ورواياته في كثير من الأحيان، ولكن المتمعن الذي ينعم النظر بين طيات هذه القصص والروايات يظفر بشذرات من تلك التجربة متغلغلة في تلك القصص، التي دفع من أجلها الكثير ولا سيما عمله وراحته، ولهذا فلا نجد غير قصة واحدة بعينها مخصصة لتجربة السجن في مجموعته «سهرة»، ولكن تجربة السجن تطل علينا في كثير من القصص بهذه المجموعة وفي غيرها من القصص والمجاميع القصصية الأخرى للقاص وهي تشير إلى واقع اجتماعي ربما عاشه القاص وربما سمع عنه من آخرين.
ولعل قصته الأولى «السفر» في مجموعة سهرة من أكثر القصص وأهمها عناية بهذا الموضوع، فالراوي يؤكد في أكثر من مناسبة أن البطل يتعرض لعقوبة السجن ولمدة طويلة جداً تصل إلى خمسة عشر عاماً «خمسة عشر عاما في السجن، لم يبق شيئاً على حاله، تاهت دروب الحارات من قدميه، وسألته العصافير عن جنسيته، بين الجدران، في برميل الزيت المغلي، كان يحلم بالتوغل هنا… أيضاً كان حلمه أن يطير، كالنوارس، بعيداً بعيداً، يخترق جدران البلدان»،«٣٢».
فالبطل يتعرض إلى عقوبة السجن مدة طويلة وهي تجربة مريرة كاد أن ينسى قريته التي تركها بحاراتها وأزقتها الضيقة وكان يأمل في السفر والعيش في أماكن خارج بلده وبخاصة في مدريد أو في غابات أفريقيا أو استراليا بل وحتى في ثلوج سيبيريا وباريس.. إلخ من مناطق العالم، بيد إنه ظل ملاصقاً لجدران السجن هذه المدة الطويلة وهو يعيش مع المساجين ويتعرض لمشاجراتهم ويتعرض خلالها إلى ممارسات رجال الأمن القاسية بقول «خسة عشر ألف مليون شجار وغناء نازف للحنجرة وليل صامت طويل تئن فيه الوسائد، وبصقات وصفعات شرطي صخري يفخر طوال الليل بغزواته للنساء، واليدان ذابتا من الفؤوس والصخور والقيود والأبواب الحديد، وتصير الأحلام مسامير، وتسأل النار: هل من مزيد»،«٣٣».
وكما يبدو فإن البطل وشخصيات القصة جميعا من النوع الكافكاوي الذي يبقى بلا مسميات، إذ يحل الرمز محل الاسم كما فعل كافكا في بعض رواياته. فضلا عن الحدث الذي لامس حدود الرمز ونهل منه، لأن هناك ما يمكن أن نصفه بالرمز العميق الذي أفاد من تجربة السجن التي حلت على البطل وهو يحلم بحلم بعيد المنال بالخروج من المعتقل والعيش في الحي القديم الذي تبدلت معالمه والسفر إلى خارج البلد حيث تحقيق الأحلام الوردية التي كانت تراوده وهناك الواقع الذي يجهض هذه الأحلام ويحد منها.
بيد أنه واجه عالما آخر عندما خرج من السجن؛ يقول: «منذ أن خرج كان الجوع الضاري نزيل جسده كل أهله ماتوا أو اغتربوا، جاء هنا وسكن غرفة رخيصة شاركته فيها فئران سمينة ومومس عجوز»،«٣٤». فرحلة العذاب مستمرة سواء أكان في السجن أم في خارجه، إذ إنه لم يستطع تحقيق ما كان يصبو إليه؛ وهو بين جدران السجن وعندما خرج ظل يدور في الحلقة ذاتها بلا هدف مع أن لديه كنزاً مدفونا بجدران بيته القديم، ولا يستطيع إخراجه، ولكننا نفاجأ بأن زوج المرأة استطاع الاستحواذ على الكنز والهرب به خارج البلد. وفي هذا دلالة عميقة على كون الزوج الغريب ممثلا للاستعمار الغربي الذي يحقق طموحاته بالإستحواذ على خيرات الآخرين ونهبها بطريقة لا تخدم أبناء البلد۔
وفي ضوء ذلك فإننا يمكن أن نطلق على هذا النمط من القصص بقصص الواقعية الرمزية الذي تضمر فيه القصة أشياء وتبوح بأخرى، وقد حاول الراوي أن يرسم معالم القضية المطروحة أمامنا من خلال امرأة استطاع هذا السجين أن يتزوجها وهي أم لطفلين، وهما ــ فيما نرى ــ شقا المجتمع البحريني السني والشيعي، وأن زوجها السابق قد ظفر بالكنز المدفون في جنبات حيطان البنت القديم وهرب إلى الخارج وحين سألها عن ذلك الأب الغائب المسافر الذي لا يرجع: «ضمته إليها وقالت (لا أعرف ماذا حدث له؟ ذات يوم رأيته يعثر على شيء في الجدار المتساقط صمت يوما كاملا، ثم زعم أنه سوف يسافر لزيارة قريب له، بعد أن أغلق الباب وراءه لم أره بعد ذلك أبداً. سمعت .مراراً عنه. قيل إنه مرة في الشرق ومرة في الغرب. لا أدري ماذا جرى له… لماذا تسأل؟)»،«٣٥». وعند ذلك نكون إزاء تجربة جديدة لم نستطع أن نكتشفها منذ الوهلة الأولى؛ إذ غدت الأحداث تنجر وراء هم سياسي حاول القاص أن يخفيه عن الأنظار، لأن هناك معادلة يشترك فيها السجين الحالم والمرأة المتزوجة التي يهرب نزوجها والتي نتزوج من السجين وولديها والمرأة المومس وكلها تقضي إلى هم سياسي يحيط بالبلد. وعندها نستطيع أن نلم شعث القضية من خلالها بكون البلد يتعرض إلى دسائس المتسلطين والمستعمرين الذين يسرقون قوت الإنسان وكنوزه المخفية والظاهرة ومن ثم يتركون الإنسان العادي يعاني الويلات.
وإذا كانت القصة الأولى في هذه المجموعة تقوم بكاملها على تجربة السجن فإن هناك من قصص هذه المجموعة من أشارت إلى تعرض بعض الأشخاص إلى تجربة السجن أيضاً، وذلك ما ألفناه في القصة الثانية وهي قصة «سهرة» التي أخذت المجموعة القصصية تسميتها منها، وفي ذلك دلالة على أهميتها بين قصص المجموعة. إذ نجد أن البطل يدخل السجن أيضا لسبب بسيط، وهو أنه لا يمتلك ثمن ما احتساه في البار ولكنه ينقل تفاصيل دقيقة عن عالم السجن يقول: «أفضل مكان يقضيه العاطل زنزانة صغيرة محترمة تتحقق فيها الشروط التالية: الأكل المنتظم، الأصدقاء المرحون، الشاي، السجائر، قطعة صغيرة جداً من الشمس»،«٣٦». فهو يضع أمامنا التفاصيل الدقيقة للعش في دهاليز السجن وهي لا تفتح إلا لمن عاش التجربة وعانى منها معاناة حقيقية.
إن توجه هذه القصة لا يختلف عن توجه القصة السابقة لولا أنه يقوم على أربعة مفاصل ــ كما يلوح لنا ــ هي البطل وصديقه الشاعر الممثل لتوجهات المناضلين والمرأة العجوز الممثلة للبلد وزوج العجوز المثل للاستعمار الأمريكي، والبطل يصل إلى نتيجة مهمة وهي الموت منتحراً بعد أن بلغه العجز التام عن المواجهة، وبهذا تغدو هذه التجرية التي لمسنا بعض تجلياتها المحلية واليومية ممثلة للهم السياسي الذي يعبر عنه الأديب بشتى الصور والأساليب. كما يغدو السرد في هذه القصة ممثلا لمحور مركزي من محاور الجدل الثقافي وأداة للكشف عن ما هو مغيب ومسكوت عنه في حياتنا وثقافتنا«٣٧». كما يقول الناقد فاضل ثامر وهو بصدد كشفه عن الأساليب والصور المسكوت عنها في السرد العربي وقد وجد منذ البداية أن «الكتابة القصصية هي مثل جبل الثلج لا يظهر منه إلا جزة بسيط، أما الجزء الأعظم فيظل غير ظاهر، مغموراً في الماء، فإن الجزء الغاطس أو المغيب في الخطاب الروائي يمثل نصاً غائباً أو موازياً للنص الظاهر لا يقل أهمية وتأثيراً عن النص المكتوب »،«٣٨». وذلك ما كشف عنه تودوروف منذ وقت مبكر عندما أشار إلى «أن ثمة عناصر غائبة عن النص وهي على قدر كبير من الحضور في الذاكرة الجماعية لقراء عصر معين لدرجة أننا نجد أنفسنا عملياً بإزاء علاقات حضورية»،«٣٩». وهذا ما يمكن إثباته في سرد عبدالله خليفة ولا سيما في قصة «سهرة» على نحو خاص؛ التي يغدو المغيب فيها أكثر تأثيراً من الظاهر ولذلك فكلام الناقدين تودوروف وفاضل ثامر ينطبق عليها تماماً.
ومن هنا فإن هذه القصة تمثل عينة من عينات السرد البحريني المعاصر المرتبط بالقضية السياسية، بصفة خاصة والمميز من بين السرود الخليجية التي تهتم بالجانب السياسي وتتوقف عليه، على اعتبار أن السرد البحريني أكثر السرود الخليجية اهتماما بالنزعة السياسية بمحاولته تجسيد هذه النزعة بقالب فني بعيد كل البعد عن العرض الفج، ولذلك فهذا السرد لا يكشف عن نفسه إلا بعد تمحص وتفكر غائصين في تلابيب العمل الفني.
الخاتمة ونتائج البحث :
يمكن إجمال أهم النتائج التي توصلنا إليها في أثناء البحث بالنقاط الآتية:
١ ــ ارتبطت الأمكنة المذكورة بقصص مجموعة «سهرة» بمكان ولادة القاص ومرتع صباه، وقد انطلق تعبير القاص عن الأمكنة المتعددة في قصصه من مكان واقعي عاشه الأديب ومن ثم عبر عنه في قصصه.
٢ ــ رسم القاص ﻋﺒدالله خليفة لوحة لقريته، لتي عاش فيها، طفولته في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين.
٣ ــ عبر القاص عن توجهات الطبقة العاملة والكادحة في البحرين، ولا سيما طبقة العمال والكسبة وطبقة الكادحين العاملين في البحر.
٤ ــ تمكن القاص من التعبير عن البحر بوصفه مرتبطاً النفط بعد أن كان مرتبطاً بالغواصين ومنقذاً لهم من الجوع فحسب. وتلك نظرة جديدة اختلفت عن نظرة الكتاب البحرينيين الذين كانوا ينطلقون في وصفهم للبحر من شدة بأسه ووطأته على الغواصين الذين كانوا يتعرضون للويلات والمصائب من جراء عملهم فيه لكسب قوت يومهم، في حين جاء التعبير عند القاص عبدالله خليفة ليكشف عن عالم النفط والبترول.
٥ ــ انطلق الكاتب من نظرة كافكاوية في وصفه لكثير من شخصياته التي تعرضت لنكبة السجن؛ فلم يذكر أسماءها وتحدد بصفاتها فحسب.
٦ ــ عبر الكاتب عن التجربة التي عاشها وخاضها في السجن بالفن القصصي فنقل لنا تفاصيل دقيقة عن هذا العالم الذي يفقد فيه الإنسان صفاته وسماته ويتحول لكائن يجالد لأن يعيش.
٧ ــ استغل لكاتب ما دار في واقعه المعاش أداة للتعبير عن الهم السياسي برمزية واضحة، وقد عرض عن طريق ذلك لأهم ما عانت منه بلاده في العصر الحديث الممثل بتسلط المستعمر من جانب وانشقاق أهل البلد بين طائفتين متناحرتين من جانب آخر.
4 – سهرة «قصص»، 1994.

❖ «القصص: السفر – سهرة – قبضة تراب – الطوفان – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك– هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».
ـــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
١ـ تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي: ٢٥۲.
٢- كلمات من جزر اللؤلؤ ـ دراسة في أدب البحرين الحديث – أحمد محمد خليفة: ٦٣.
٣ – ينظر القصة القصير في الخليج العربي الكويت والبحرين، د إبراهيم غلوم :٦١٠.
٤ – رحيل عراب الرواية البحرينية عبدالله خليفة: جعفر الجمري ، جريدة الوسط العدد ٤٤٢٨ الثلاثاء ٢١ أكتوبر ٢٠١٤.
٥ – رحيل عراب الرواية البحرينية عبدالله خليفة: جعفر الجمري ، جريدة الوسط العدد ٤٤٢٨ الثلاثاء ٢١ أكتوبر ٢٠١٤.
٦ – رحيل عراب الرواية البحرينية عبدالله خليفة: جعفر الجمري ، جريدة الوسط العدد ٤٤٢٨ الثلاثاء ٢١ أكتوبر ٢٠١٤.
٧- ينظر كلمات من جزر اللؤلؤ ح دراسة في أدب البحرين الحديث أحمد محمد خليفة؛ ١١.
-٨ عبدالله خليفة؛الكتابة سجل للاعتراف: فيصل عبدالحسن، مجلة نزوى على الموقع الالكتروني؛ com nizwa.
۹ – سهرة عبدالله خليفة: ٥.
١٠ – كلمات من جزر اللؤلؤ دراسة في أدب البحرين الحديث أحمد محمد خليفة؛ ٦.
١١ – تمظهر التجديد في بنية السرد في القصة القصيرة ١٧ – ١٨.
١٢ – سهرة عبدالله خليفة: ٢١.
١٣- سهرة عبدالله خليفة:٢١.
١٤- سهرة عبدالله خليفة: ٢٣ -٢٤.
١٥ – الأيديولوجية في الرواية؛ عبد الجليل الأزدي ، م؛ علامات ع(٧) ١٩٧٧: ١٠٣ -١٠٤.
١٦ – ينظر المرجع السابق؛ ١.٤-١.٥.
١٧ – ينظر ما قالته النخلة للبحر .
٨ا – ينظر ما قالته النخلة للبحر .
١٩- سهرة عبدالله خليفة: ٣٣.
٢٠- كلمات من جزر اللؤلؤ دراسة في أدب البحرين الحديث أحمد محمد خليفة؛ ١١٥.
٢١- سهرة عبدالله خليفة: ٤١.
٢٢- سهرة عبدالله خليفة:٤٤.
٢٣ – سهرة عبدالله خليفة:٤٤.
٢٤ – سهرة عبدالله خليفة:٤٤.
٢٥- سهرة عبدالله خليفة:٤٣.
٢٦ – سهرة عبدالله خليفة:٤٥.
٢٧- سهرة عبدالله خليفة:٤٥.
٢٨- القائد والمناضل عداش خليفة مفكراً وأديباً وروائياً بحرائيا isalbunasablog.wordpress.com
- يشترك كثير من أدباء البحرين ومثتقفيها بهذا الفكر في الشعر والنثر، ولا نبتعد في هذا الصدد عندما نشير إلى الأدباء في البحرين.
٢٩- القائد والمناضل عداش خليفة مفكراً وأديباً وروائياً بحرائيا .
٣٠- أدب السجون، تحرير شعبان يوسف: ١٥.
٣١- أدب السجون، تحرير شعبان يوسف: ١٥.
٣٢- سهرة عبدالله خليفة:٥.
٣٣- سهرة عبدالله خليفة:٦.
٣٤- سهرة عبدالله خليفة:٧.
٣٥- سهرة عبدالله خليفة:٩-١٠.
٣٦- سهرة عبدالله خليفة:١١.
٣٧ -ينظر المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي:٥.
٣٨ -ينظر المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي:٩.
٣٩-الشعرية:٣٠ـ٣١.
مصادر البحث ومراجعه:
١- الإيديولوجية في الرواية؛ عبد الجليل الأزدي ، مجلة علامات،ع (٧) ١٩٧٧، مكناس، المغرب،
٢- أدب السجون: تحرير، شعبان يوسف، وزارة الثقافة، الهيئة المصرية العامة للكتاب٢٠١٤.
٣- سهرة مجموعة قصص؛ عبدالله خليفة، توزيع المركز الثقافي العربي، بيروت – الدار البيضاء.
٤- رحيل عراب الرواية البحرينية عبدالله خليفة؛ جعفر الجمري ، جريدة الوسط العدد ٤٤٢٨ الثلاثاء ٢١ أكتوبر ٢٠١٤.
٥ – تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي؛ د، يمنى العيد، دار الفارابي، ط (١) بيروت لبنان ١٩٩٩.
٦ – تمظهر التجديد في بنية السرد في القصة القصيرة؛ نجاة صادق الجشعمي، نشر مركز الوطن العربي (رؤيا) والعنوان للنشر والتوزيع – الشارقة، توزيع مركز الحضارة العربية ، القاهرة ٢٠١٨.
٧ – الشعرية: تزفيطات تودوروف، ت: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، المغرب ١٩٨٧.
٨ – عبدالله خليفة؛ الكتابة سجل للاعتراف؛ فيصل عبدالحسن، مجلة نزوى على الموقع الالكتروني :
٩ القائد والمناضل عبداش خليفة مفكرأ وأديأ وروائيأ بحرئيا ess.com .wordpr isaalbufasablog
١٠ – القصة القصيرة في الخليج العربي الكويت والبحرين؛ د، إبراهيم غلوم، دار الحرية للطباعة، بغداد ،١٩٨٨.
١١ – كلمات من جزر اللؤلؤ دراسة في أدب البحرين الحديث أحمد محمد خايف، الهيئة المصرية ١٩٨٨.
١٢- ما قالته النخلة للبحر، دراسة في لظواهر القية لشعر البحرين المعاصر علوي الهاشمي، دار الحرية للطباعة والنشر، بغداد ١٩٨٦.
١٣ – المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي؛ فاضل ثامر، دار المدى للنشر للثقافة والنشر – بغداد، ٢٠٠٤.
الحكاية وأبعادها في المجموعة القصصية «سيد الضريح»

لم تفقد الحكاية بريقها الطموح المشع في أكثر من اتجاه ولاسيما قدرتها على الترميز ومرونة تشكيلها الفني وإمكانية إعادة صياغتها من أجل أن تستوعب هموم عصر آخر وأن تتكيف لسياق مختلف تماماً عن السياق الذي وردت فيه أول وهلة مما يمنحها فرص الديمومة والامتداد إلى ما لا نهاية. فالحكاية كما عبر إ. م. فورستر – دودة الزمن العارية التي يصعب علينا أن نضع لها بداية أو نهاية (1)، ومن البديهي أن يرتكز إليها القاص المعاصر بوصفها ركيزة ومهاداً ونبعاً سواء أكان هذا في مضامينها ذات الطابع الترميزي أم تشكيلها الفني وأدواتها وتقنيتها المتمثلة بالحدث الذي يبدو من أقرب الأدوات الفنية للحكاية نظراً لارتباطه بغريزة حب الاستطلاع لدينا جميعاً، فنحن لسنا أقل شوقا من شهريار كي تكمل شهرزاد أحداث حكاياتها ولكي نعرف ماذا جرى بعد ذلك(2). وقد تمتد الصلة إلى عناصر فنية أخرى كالشخصية والزمان والمكان أو تشذير الجملة السردية بـ (موتيفات) مستقاة من بنية الحكاية ولوازمها.
وفي مجموعة سيد الضريح للقاص البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة نلمس نسقاً حكائياً في أكثر من قصة من قصص المجموعة، ومن ذلك قصة (محاكمة علي بابا) وإن سعت هذه القصة إلى استثمار نقيضين هما الحكاية العريقة الضاربة في أعماق الفن القصصي عامة من جانب ومن الجانب الآخر التقنية السينمائية القائمة على (دايولوج) يطغى على القصة ويقرب صياغتها من الصياغة القصصية، يرد على لسان المذيع الذي يسترسل في حديثه فلا ننكر عليه ذلك (هل تصدقون ذلك أيها السادة؟ إنني أصور لكم المشاهد لحظة بلحظة، ولكن الكاميرا لا تستطيع أن تندس وتلاحق (الجيب) المغطى بالقضبان، المندفع، والرجل الكهل يخفي ملامحه بغترته التي غدت صفراء ذابلة، أين كان منها ذلك التاج المتلألئ وحشود الحرس شاكية السلاح والسيارات السوداء الطويلة التي تمرق مروق البرق صارخة بأبواقه ودرجات مرورها النارية، قافزة ضلوع المشاة والإشارات والهدوء؟ إننا نتقدم الآن نحو المحكمة، ثمة زحام هائل…) (3) ونفاجأ بأن الرجل الكهل هو علي بابا بطل إحدى حكايات ألف ليلة وليلة وقد منحه النص بعض سمات البيئة المحلية ومن خلال غترته التي أخفى بها ملامحه، ونلمح وعي النص وحرصه على أن يوجه شخصية علي بابا وجهة أخرى مختلفة إذ يضفي عليها طابعاً سياسياً، فعلي بابا في سياق النص هو حاكم المدينة السابق، وكان قد حكمها أربعين عاماً ولا يخفى ما يعنيه العدد فهو صدى لعدد شركاء علي بابا اللصوص(علي بابا غير قادر على اختراق كتل المصورين والميكروفونات والأيدي والرؤوس… علي بابا يختلط بأرباب السوابق الذين قذفتهم شاحنة… ها نحن الآن ندخل قاعة المحكمة الكبرى ولاتزال كتل البشر تموج بنا) (4) وهنا لا يحتاج النص إلى أن يصرح بطبيعة شخصية الحاكم السابق لأن الدلالة دانية ومستقاة من طبيعة الشخصية الأصل (علي بابا) بيد أن ثمة من ينسب للحاكم السابق انه (هو الذي فتح الكنز.. هو الذي شيد ناطحات السحاب.. هو الذي أجرى الماء من الأرض اليباب، هو الذي شق النهر الأزرق ووضع الحدائق المعلقة وملأ البحر بالسمك والبراري بالغزلان… والتلفزيون بالأخبار)(5) فيبدو علي بابا بوجهين متضادين وبإهابين متباينين، أحدهما تراثي والآخر معاصر يبرر انتقاء الشخصية وعلى هذا النحو الجديد. وتأتي شهادة أحدهم – وهو من نزلاء مستشفى المجانين – مثقلة بالإدانة (هذا الرجل القابع في القفص كان بدويا وقاطع طريق ومطلوبا للعدالة… كان يقود ثلة من المجرمين احتلوا بيت المال وأخذوا الذهب وسندات التنمية ومدخرات العمال والأجيال وحلي النساء. هل يمكن أن يفتح جبل بكلمة سمسم؟ أتعرفون ماذا تعني هذه الكلمة؟ إنها صيحات المعذبين وهم يصبون الحمم في آذان رفاقي)(6) وإذا كان النص ينحاز إلى إدانة الحاكم السابق من خلال انتقاء شخصية علي بابا بوصفه معادلاً موحياً بسجيتها فإنه لم يختم القصة بقرار إدانته بل أعلنت المحكمة براءته لعدم كفاية الأدلة وعودة الشاهد الذي أدانه إلى علاجه بمستشفى الأمراض العقلية، ترميزاً لاختلاط الأوراق في هذا العصر وغياب الحقيقة تحت ركام وسائط الإعلام وأضوائها وأساليبها في الإيهام والتضليل بحيث قد تغيب الحقيقة إلى الأبد. ويمضي النص في استثمار التقنية السينمائية كي يشكل منها خاتمة غير تقليدية للنص (صخب وضجة عارمة، المذيع: بسرور ودهشة ها أنتم أيها المشاهدون الكرام ترون وتسمعون الكلمة الفصل التي… اهتزازات حادة وانقطاع البث) (7)، ويهب هذا التآلف بين النقيضين (الحكاية في مقابل التقنية السينمائية) وفي غضون النص طرافة فضلا عن أنه يضفي عليه بعدا مكانيا وزمانيا مطلقين ومن خلال حاكم ما ومدينة ما كانت أرض الحدث ومكان وقوعه.
وتنفتح قصة وراء الجبال على آفاق مختلفة مرتكزة إلى أرض مكانية أخرى مختلفة ترد عبر استهلال القصة (القرية بيوت صغيرة كالحة تحت الجبال الشاهقة… معبر وحيد أخير للحياة في قبر الأحجار)(8)، ولكن لا مناص من البحث عن وسيلة للنجاة يسعى إليها يحيى بطل القصة (ليلاً ونهاراً يعمل في هذه الآلة الغريبة وسط عريشه المفتوح للعيون الشكاكة والأيدي العابثة)(9). ولكي يضفي النص مصداقية على هذه الآلة التي يبدو أنها طائرة يتطلع يحيى أن ينفذ من خلالها إلى أجواء جديدة وآفاق مختلفة عبر جبال الحصار الشاهقة، إذاً كيف جمع يحيى مادة صنعها؟ لقد (تشكلت من بقايا المحاريث والصفائح، تضج في الليل والنهار، تقذف الهواء الساخن، وتدير المراوح القوية)(10).
ولأن هذا الشأن الجديد غريب في تلك القرية النائية المنعزلة المنطوية على جهلها فإن أهل القرية (يثرثرون في مجالسهم، يغضبون، يأتون إليه بفؤوسهم: ماذا تريد أن تفعل.. لماذا تكلم الجن؟ – إنني أصنع شيئاً لعبور هذه الجبال.. أتعجبكم هذه العيشة الرهيبة كالضفادع والهوام؟ هناك وراء الجبال الأرض الخضراء والمدن والسعادة)(11) حيث يكمن خلف منعطفات القرية ودروبها أعداء الجديد والخائفون من أي تغيير.
وحين يصرخ يحيى بطل القصة (ثمة طوفان قادم، ثمة جليد عارم جبار سيتدفق ستكتسح الصخور المنازل والزرع، هلموا إلي)(12) فإن شخصية نوح عليه السلام وعناد قومه الجاهلين يردان إلى الأذهان، ويتوضح هذا التوظيف الواعي لحدث الطوفان عبر هذه الدمدمة الرهيبة التي(تكتسح كل شيء… تنغلق الكهوف على السحرة في الجبال ويركض الناس للشرائط المعلقة على القبور)(13) وتتسلل الإضافة العصرية إلى بنية الحكاية الأصل حين تنجح آلة يحيى وهي قسيم لفلك نوح عليه السلام في أن تنقذ الحياة متمثلة بشابين اثنين فقط هما نورة وسامي (لم يكن سوى هذين الزوجين معه ولكنهما كافيان لبدء حياة جديدة)(14).
وهنا يومض أكثر من إيحاء، فلعل آلة يحيى هذه هي التقنية الحديثة التي لا مناص من إتقانها كي تعبر بنا إلى آفاق جديدة، لأن الاقتصار على ما لدينا قد يعرضنا للانقراض تماما كما انقرض سكان تلك القرية الرامزة التي غمر أهلها الطوفان وإلى الأبد، ولاسيما ان هذا الطوفان كان جليدا عارما جبارا على حد وصف النص مما يعطيه هوية شمالية وملامح أوروبية. وربما يئس النص من إمكانية صلاح القرية الرامزة وأهلها ورأى أن يعيد صياغة الحياة بحيث تكون أقل بؤسا وأكثر إشراقا.
وتتخذ قصة الرؤيا هيئة حكاية متخيلة تصوغها مخيلة النص وهي تستوحي الحكاية على لسان الحيوان مع أن الكلب عنتر – وهو بطل القصة وراويها بضمير المتكلم – كان بصدد إلقاء محاضرة في إحدى الجامعات العتيدة – كما عبر النص – ولذلك فإنه يبدأ بأن يعرف نفسه منذ استهلال القصة (أنا الكلب عنتر كما أسماني صاحبي ومكتشفي الأول عطية المجنون، أتقدم بمحاضرة في هذه الجامعة العتيدة متشرفا بالتحدث أمام نخبة من المفكرين والباحثين متمنيا أن تكون مداخلتي المتواضعة فرصة لإثراء الفكر في هذا البلد المعطاء)(15) إذاً تعتمد القصة على هذا الكائن المتخيل عنتر الذي يجمع وبقدرة غرائبية بين الملامح البشرية وسمات الكلب المعهودة، فهو يحاضر ويكتب مما يشي بأنه يمتلك ثقافة واسعة ولكنه في الوقت نفسه يستعيد أجواء النباح حين يشده عطية المجنون صاحبه ومنقذه من المزابل كما عبر عنتر ذاته (ويشدني الحبل بقوة من عنقي فتختفي كلماتي ويتفجر نباحي)(16)، ولا نستغرب حين يرى عنتر قرص القمر المتألق ليلا (يشبه عظمة كبيرة في السماء تسيح منها خيوط الدهن واللحم)(17)، ومن الطبيعي أن يعبر عنتر عن معاناته بقوله (كنت أنبح طوال الليل أرسل صرخاتي إلى المارة وإلى أصوات المذيعين… أنا هيكل عظمي مرهق يترنح وراء شبح رجل)(18) مما يفضح جانبا من مقاصد النص فعنتر المثقف الذي يصوغ نشرات الأخبار ويزود الصحف والمجلات والكتب والميكروفونات بالمادة المطلوبة يسعى النص إلى تأصيل شخصيته عبر منطقه وعالمه وأجوائه وأسلوب تفكيره المفترض (هيا هيا يجب أن أغير نفسي، كنت أقول لذاتي هذا، بل كنت أعضها كما لو كانت عظمة، ولا أطعم إلا خلها)(19).
وأما الرؤيا التي ترد من خلال وعي عنتر فإنها قريبة من أجواء النسق الحكائي لأنها تقع بعيدا عن أحكام المنطق وقيوده، وهي تنتقل بلا عوائق من مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر أو كما عبر إريش فروم (الحق أننا في الحلم صانعو عالم ليس للمكان وللزمان اللذين يضعان حدودا لكل فعاليات جسدنا سلطان فيه)(20). تنعكس الرؤيا على وعي عنتر وعبر (دايولوجه) المتواصل الذي يشكل قوام التقنية السردية في القصة (كنت أرى ذلك النور البرتقالي الواسع المدهش ذا الأصوات المنفجرة والدوي المخيف… راحت كرة النار تكبر في رؤياي كل ليلة…)(21).
وتتكرر هذه الرؤيا في غضون النص بحيث تنتظم كيان القصة (يستدعونني إلى غرفهم المعتمة الباردة، أتلقى رفسات كثيرة، يقذفون بي إلى الجدران – من أنت لتفسر هذه الرؤيا؟ مجرد كلب يعيش على المزابل، فلتحترق هذه الأرض ثانية وثالثة وعاشرة…)(22).
وتلمح القصة في خاتمتها محورا مهما من محاور النص الذي يتخذ من الرؤيا وسيلة تعبيرية إذ يرد على لسان عنتر (مازلت أحلم بالنار، هناك محطات كثيرة مفتوحة وتضج الحمم هناك) بمعنى ان الرؤيا المرعبة لم تنته ولن تنتهي إذ إن آفاق تحقيقها قائمة وستتكرر الحرائق مما يفتح الباب أمام أكثر من قراءة لهذا النص، فمادام عنتر (الكلب) يخضع لعطية المجنون عرابه وأبيه الروحي الذي أنقذه من عفونة المزابل فإن الذهن يتجه للمثقف عامة (الكاتب الصحفي والأستاذ الجامعي وسواهما من رموز الثقافة) حين يكون ذيلا للسلطان ووسيلة لتبرير حماقاته وأخطائه. وأما إمكانية أن تأتي الحروب على ثمار الحضارة الإنسانية بحيث تتحول المدن العظيمة إلى خرائب كما هو شأن قصة الرؤيا التي بدأت بالإشارة إلى مكان القصة (لقد تغيرت مدينتنا كثيرا… كانت ناطحات السحاب على مدى البصر… لماذا عدنا إلى الخرائب؟) فإن احتمال تحقق مثل هذه الرؤيا ممكن وقائم بل إنه هم راهن ينمو في ظلال الأخيلة المريضة والأفكار التسلطية لبعض قادة هذا العالم وتحت وطأة الأورام الخبيثة التي يطلق عليها أسلحة الدمار الشامل التي يمكن أن تطيح بمستقبل الإنسان في هذا العصر.
وثمة تساؤل يرد على لسان عنتر وهو مما يتبادر إلى ذهن القارئ (لماذا أسماني عنترا؟ هل كان يدرك هذا الاسم؟ هل وصلت شظاياه إلى قعر عقله البعيد؟)(25) حيث يمنح النص قارئه بعض مفاتيح قراءته لأن عنترة رمز عربي مستقر في الذهن ولكن عنترة هذا العصر ما هو إلا دون كيخوته جديد يثير السخرية بل الاشمئزاز، ومعنى كهذا يحيل إلى أسلوب الروائي الايرلندي جيمس جويس حين وظف شخصية (يوليسيس) في روايته الشهيرة حيث بدا مستر بلوم بطل الرواية شخصية متضادة تماما مع يوليسيس الأصل(26) إذ يخلو بلوم من البطولة ويبدو صورة للإنسان الأوروبي المحبط بعد الحرب العالمية الأولى في القرن الماضي وهو ما قصده جويس على وجه الدقة.
وتنطلق قصة (سيد الضريح) من صميم المعتقد الشعبي الذي ينسجم مع منطق الحكاية وآلياتها, فهذا السيد الذي تنطوي عليه تلك القبة الذهبية الكبيرة يقرر أن يغادر ضريحه (بغتة تنشق القبة، المعدن الصلب انصهر أولا، وأخذت الأحجار التي تكلست منذ قرون تتصدع …) وتنطلق مخيلة النص كي تجوس أعماق السيد المغترب عما يراه من مظاهر الاحتفاء بضريحه وبالهيئة التي لم يتخيلها حتى انه يتساءل وبمرارة (هل تحسبونني إلها؟ أنا رجل فقير جئت من الصحراء بقبيلتي، ضاقت علينا رمالها، فانحدرنا بين الطعوس واللصوص والذئاب … ولا أعرف كيف سجنتموني بين هذه الجدران ورحتم تتضرعون إلي وكأنني ساحر أحك خرزة فتحدث الأعاجيب)(28) وتزداد حيرته حين يرى كتابا يحكي سيرته (قرأ عن شخص كأنه لا يعرفه… دهش من حشود الأكاذيب… صاح برعب – ماذا فعلوا بي)(29) ويكاد النص يفصح عن مكنونه على لسان الخطيب المتحدث عن اختفاء سيد الضريح (لماذا يتمسك بعض الناس بالحصى التي لا تنفع ولا تضر ويتبركون بأشخاص من البشر، وهاكم سيد الضريح هذا الذي زعموا أنه حي، فحدث زلزال وانكشف، فلا هو حي ولا موجود، ولا هارب مطلوب، وإنما هو وهم معدوم)(30).
ويمضي النص في تقصي هذه الرغبة البعيدة في أعماق الإنسان الشعبي حين يدعي أكثر من شخص انه سيد الضريح مما يخلق فوضى بين الناس تتطلب تدخل الضابط الذي يقول (الحل المقترح الآن بعد الفوضى العارمة التي حدثت هو أن نقوم بإدخال هذا الرجل الضريح ونعيد بناءه كما كان)(31) ويختم القصة شاب عالم – كما وصفه النص – (وفي هذه الحالة علينا أن نبحث عن سيد الضريح طويلا الذي ربما ذاب بين الناس)(32) حيث يتعزز المعنى الذي دار في خلد النص وهو ان هذه الرغبة الدفينة في أعماق الإنسان الشعبي تنبع من سجية المعتقد الشعبي بعيدا عن منطق هذا العصر بل ومنطق الدين الحنيف ذاته الذي يرفض مثل هذا التقديس حتى ان سيد الضريح الذي هو بشر، وما من شك في أنه استحال إلى هيكل عظمي بال لو أتيح له في إطار النسق الحكائي الذي انتظم القصة أن يخترق ضريحه وأن يتحرر من سطوة الموت إذن لأنكر أسلوب التعامل معه والتضرع إليه ومنحه من الصفات والقدرات ما ليست فيه وليست في متناول يده حيا ناهيك أنه ميت.
وتستعير قصة البركان أجواء أسطورية وأخيلة خرافية لصيقة بالنسق الحكائي الذي لا يستند إلى نص حكائي بعينه بل يصوغ حكايته الخاصة به بدءا بالمكان المتخيل المتمثل بتلك المدينة التي ينتشر فيها مسحوق بركاني ذو لون رمادي, وكان بطل القصة وساردها (بضمير الغائب) تمتلئ يده بالبثور المؤلمة وهو (لا يكاد يتنفس, يسحب الهواء من الفراغ والعدم)(33).
وحين يخرج بطل القصة الذي يعمل في المؤسسة العامة للشيخ نصار فإنه يجد الشارع قد (امتلأ بحشد من المجذومين والبرص, يهتزون رقصا وغناء وبكاء، يلتقطون المسحوق البركاني ويمسحونه على وجوههم وأذرعهم وأرجلهم وملامحهم الباقية)(34) مما يكرس أجواء حكائية غرائبية تمهد لمضمون القصة الذي يقترب من موضوع قصة سيد الضريح في بعض محاوره وإن اختلف أسلوب التناول.
يرد على لسان الشاب بطل القصة وفي مجلس للشرب: بركاتك يا شيخ نصار وهو مشهد ينطوي على طرافة وتضاد, فمثل جلسات الشراب نائية عن أجواء شيوخ المعتقد, ومع ذلك فإن بطل القصة (لم يرفع كأسه ويشربه, حدقوا فيه غاضبين, نهض بهدوء, قال : أود أن أعرف من هو هذا الشيخ نصار؟ ماذا فعل لكم؟ أنتم تعيشون أسوأ من الحمير, انظروا إلى المدن التي حولكم حدائق غناء وأنهار صناعية وأنتم تعيشون في زرائب.. لم يستطع أن يكمل خطبته…. جاءته لكمات رهيبة ونعال صلدة قاسية ثم حضرت المليشيا الشعبية واقتادته إلى إحدى قلاعها)(35) مما يعيد إلى الأذهان أساليب الاضطهاد والتعذيب والإقصاء بسبب المعتقد.
ويصر بطل القصة على إبطال خرافة الشيخ نصار (يصرخ: الشيخ نصار كذبة كبرى في حياة هذه المدينة, يكسر أسطوانة على رأسه, اسكت/ اسكت, الرجل ضحّى بنفسه، ماذا فعلت أنت غير أن ثرت قليلا، إنه رجل مغمور طلع من قمح الأرض وأسكت الوحش في الأعماق، والآن كل الحصالات تتغذى من تمائمه)(36) فيتعرض النص لجدلية الثائر ورجل الدين من خلال انعكاس صورتيهما على الوعي الشعبي . ولكن السياسي الثائر يسعى إلى أن يبرهن على تفاهة خرافة الشيخ نصار الذي يقف عاجزا مثل سواه أمام سطوة البركان – عنوان القصة -، ويختم النص بهذا المعنى (يصعد نحو البركان، الأرض تعوي متشققة والحمم تبقبق وتغلي صاعدة نحو الفوهة الهائلة, ولم يفعل الشيخ نصار شيئا)(37)، مما يفضح هدف قصة البركان والبؤرة الأساسية التي انطوى عليها بناؤها السردي وفي سياق المعتقد الشعبي في بعض مظاهره التي مازالت نائية عن العصر وطبيعته وسياقاته.
وبعد، فإن ثمة اتجاهين سادا مجموعة سيد الضريح القصصية, أحدهما واقعي مستمد من نبض الحياة الراهنة, ومن ذلك قصة (طائران على عرش النار) و(ثنائية القتل المتخفي) و(وتر في الليل المقطوع) و(أطياف ) و(الحارس), وإن تخللت نسيج هذه القصص شذرات المخيلة الخصبة للقاص عبـــــــدالله خلــــــــيفة وعبر تجربته العريضة في مجال السرد القصصي والروائي. وأما الاتجاه الآخر فهو الذي اتخذ من نسق الحكاية مهادا للصياغة القصصية وهو أيضا يتشكل في هيئتين إحداهما هيئة الحكاية المعروفة التي يستمد منها النص بعض عناصرها، وكما وضح هذا في قصة (محاكمة علي بابا) وقصة (وراء الجبال)،أو إن النص يشكل حكايته الخاصة به, وينطبق هذا على القصص, (الرؤيا) و(سيد الضريح) و(البركان) مما يفصح عن سعة عالم القاص وامكانية أن يستوحي من ذلك المعين الحكائي الضخم الذي ورثناه بحيث يعيد تشكيله بما ينسجم مع الراهن والنابض في هذا العصر, وعلى أن يتواءم مع تقنية القصة القصيرة ذات الطابع المكثف. ولا سيما ان النسق الحكائي الذي له القدرة على اجتياز زمنه والنفاذ إلى عصرنا الراهن يتسق مع طموح النص القصصي لــ عبـــــــدالله خلــــــــيفة في أن يتخطى حواجز الزمان والمكان كي ينسجم مع الهم الانساني ذي الطابع الشمولي. وقد اتسمت تقنيات قصص سيد الضريح وخطوطها السردية ذات الأثر القوي في الذاكرة بتنوع أجوائها القصصية بحيث لا نجد صدى لإحدى قصصه في الأخرى فيما عدا الهمّ السياسي الممتزج بالهم الاجتماعي والنفسي إذ يشع صدى ذلك في معظم قصصه سافرا حينا ومغلفا بتقنية النسق الحكائي حينا آخر.
بقلم: الدكتور صبري مسلم
تاريخ النشر : ٨ يناير ٢٠١١
اخبار الخليج
7 – سيد الضريح «قصص»، 2003.
❖ «القصص: طائران فوق عرش النار – وراء الجبال – ثنائية القتل المتخفي – البركان – سيد الضريح – وتر في الليل المقطوع – أطياف – رؤيا – محاكمة على بابا – الحارس».
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
** عبدالله خليفة،سيد الضريح, وكالة الصحافة العربية, القاهرة 2003. وكان القاص قد أصدر عدة مجاميع قصصية منها: الرمل والياسمين, يوم قائظ, سهرة, دهشة الساحر, كما أصدر أكثر من سبع روايات, وهو ما يزال يواصل تجاربه القصصية والروائية.
(1): إ . م . فورستر, أركان القصة, ترجمة: كمال عياد جاد, دار الكرنك, القاهرة 1960, ص 34 .(2): نفسه, ص 36
(3) : سيد الضريح, ص 85 – .(4) : نفسه, ص 86
(5) : نفسه, ص 88.(6) : نفسه, ص 89
(7) : نفسه, ص 90.(8) : نفسه, ص 19
(9) : نفسه ‘ ص 19.(10) : نفسه, ص 20
(11) : نفسه, ص 21.(12) : نفسه, ص 22 –23
(13) : نفسه, ص 23.(14) : نفسه, ص 23
(15) : نفسه, ص 77.(16) : نفسه, ص 78
(17) : نفسه, ص 79.(18) : نفسه, ص 80
(19) : نفسه, ص 83.(20) : إريش فروم, الحكايات والأساطير والأحلام, ترجمة : صلاح حاتم دار الحوار, اللاذقية, ص 12
(21) : سيد الضريح, ص 79. (22) : نفسه, ص 83
(23) : نفسه, ص 84. (24) : نفسه, ص 77
(25) : نفسه, ص ..2 .(26) : جيمس جويس, عوليس, ترجمة : د . طه محمود طه, المركز العربي للبحث والنشر, القاهرة 1982
(27) : سيد الضريح, ص 41 – 42
(28) : نفسه ‘ ص 43
(29) : نفسه, ص 44 – 45
(30) : نفسه, ص 48
(31) : نفسه, ص 49
(32) : نفسه, ص 49
(33) : نفسه, ص 37
(34) : نفسه, ص 37
(35) : نفسه, ص 38 – 39
(36) : نفسه, ص 40
(37) : نفسه, ص 40
لحن الشتاء قصص من البحرين

مجموعة «لحن الشتاء» للكاتب البحريني عبدالله خليفة محاولة قصصية تندرج في سياق الحركة الادبية المتصاعدة التي تعرفها البحرين في فترة السنوات الأخيرة حتى يومنا هذا.
ولعل حركة المضمون التى ينطوى عليها، هذا الكاتب تشكل الحدث الأكثر بروزا وطغياناً فيه. فالقضية هي قضية معاناة إنسانية عميقة الجذور متشعبة ترسم صيغ الأوضاع الاجتماعية والسياسية والإنسانية والحضارية التى يعانى منها الإنسان كإنسان فى البحرين.
وان هذا الامر لا يعبر عنه الأديب تعبيراً مسطحاً أو سريعاً وعابراً. إنما يشكل هاجساً أكبر يتنفس من كل كلمة وحرف وفاصلة. . انه حلم أو هذيان أو جنون ينقله الكاتب إلى اللغة التى تصرخ حيناً وتناجي حيناً آخر وترصد الحركة الوجدانية في كل الأحيان.
لكن اللغة التي تحمل هذه الهواجس لا تقف على رجلين متساويتين، بمعنى أنها لغة تتراوح بين السردية المباشرة والحوارية الدائلة، الواقعية حيناً والخيالية حيناً آخر، حتى لتصل احياناً، إلى الشعر وخصوصاً في أقصوصة «لحن الشتاء» حين يتحدث عن اللحن مشيراً إلى أنه «ينبعث من جهة ما، ينطلق الى البيوت والاشجار، يهزها، يجرحها، يسيل دماءها فينطلق الحزن والأسى والعذاب في الطرقات»..
أو حين يقول في الاقصوصة ذاتها «اللحن رجل مجنون.. يكلم الجدران والنوافذ».. «اللحن خناجر تنغرز في عظامك» أو حين يقول في أقصوصة السندباد «أمطرت السماء حزناً وغياباً»..
حيث تتبين في هذه المعطيات الرقة والانسياب اللذين تتميز بهما في بعض الأحيان.
من هنا يمكننا أن نفهم أهمية الأقصوصة في الأدب البحريني حيث تبشر الحركة الادبية هناك بنوع من المستقبل الزاهر الذي ستعرفه هذه الحركة الادبية في الفترات القريبة المقبلة.
جريدة «العصر» اللبنانية 11/7/1980
ــــــــــــــــــــــــ أشارة
1 – لحن الشتاء «قصص»، 1975.
❖ «القصص: الغرباء – الملك – هكذا تكلم عبد المولى – الكلاب – اغتيال – حامل البرق – الملاذ – السندباد – لحن الشتاء – الوحل – نجمة الخليج – الطائر – القبر الكبير – الصدى – العين».
قضية المرأة في.. الرواية الخليجية عبدالله خليفة أنموذجاً
كتب : عبدالكريم ناصيف*

يجمع الدارسون على أن الرواية هي تتويج لفن القص، هذا الفن الذي عرفه الإنسان مذ عرف النطق والكلام، فالرجل يحدث امرأته وقد عاد من الصيد عما رأى وشاهد، ما حدث لـه في رحلته وما واجهه من أهوال ومصاعب، والمرأة تحدث الرجل عما جرى لها في غيابه قاصة عليه قصصها وأخبارها…
هذا الفن العتيق الأصيل عتق الشعر في الغناء وأصالتهما تطور ككل جنس أدبي آخر واتخذ أشكالاً وتلونات كثيرة نعرفها جميعاً إلى أن جاء العصر الحديث بطباعته وصحفه وانتشار التعليم فيه ونهوض بورجوازية المدينة… إلخ لتظهر معه الرواية بشكلها الحديث الذي يضرب جذوره عميقاً في القصص الطويلة والحكايات وسير الأبطال والملاحم… كروايات الفرسان، والمغامرات في الأدب الأوروبي، وقصة حي بن يقظان، وسيرة عنترة، وحكايات ألف ليلة وليلة، وحمزة البهلوان… إلخ.. في أدبنا العربي.
وهكذا ظهر هذا الشكل الجديد من فن القص لأنه الأقدر على استيعاب قضايا الإنسان وهمومه، مشاكل المجتمع وقضاياه، فالرواية هي فن بناء الحياة من جديد وإعادة تشكيل الواقع مرة ثانية لكي يتاح لمن جاء في مكان آخر وزمان آخر أن يعرف كيف كانت تلك الحياة وهذا الواقع.. وهو ما جعل الرواية اليوم الفن الأدبي الأكثر رواجاً ومبيعاً يبن الأجناس الأدبية كلها… ذلك أن الإنسان يسعى وراء ما يعنيه، ويهتم بالأدب الذي يلامس جرحه ويعالج قضاياه الإنسانية والاجتماعية وهي كثيرة، حتى ولو لم يقدم لها حلولاً.. بل حسبه أحياناً أن يطرح القضية على بساط البحث أملاً في أن يجد لها الحل فيما بعد…
وإذا كانت الرواية العربية قد تأخرت قرنين من الزمان عن نظيرتها في الغرب ـ أي ما بين بداية القرن الثامن عشر حين ظهرت رواية دانيال ديفو، روبنسون كروزو، وبين بداية القرن العشرين حين ظهرت رواية محمد حسين هيكل، زينب ـ فإنما ذلك نتيجة الفارق الحضاري بين أوروبا التي بدأت نهضتها منذ القرن السادس عشر والوطن العربي الذي تأخرت نهضته حتى أواخر القرن التاسع عشر. .

فالحضارة كل لا يتجزأ، كما أن النهضة كل لا يتجزأ… يتقدم الكل معاً أو يتخلف الكل معاً، لهذا ما إن بدأت رياح النهضة تهب على وطننا العربي حتى رأيناها تهب أولاً على أدبنا بشعره ونثره.. وهو ما جعل الرواية تظهر… ثم تنمو وتترعرع بطيئة حذرة في البداية، ثم سريعة قوية فيما بعد. .
في مصر، بدأت الرواية العربية الحديثة وذلك لأسباب لا مجال لذكرها الآن، ثم في بلاد الشام والعراق التي عرفت الرواية جيداً في النصف الأول من القرن العشرين… لكن في البلدان العربية الأخرى تأخر ظهور الرواية إلى النصف الثاني من القرن العشرين، حيث بدأت تظهر الرواية في المغرب العربي الكبير، السودان، وجنوب الجزيرة العربية ووسطها وفي الخليج… وهو ما يعنينا في هذا البحث: الرواية الخليجية. .


لقد تناولت الرواية الخليجية منذ ظهورها هموم الإنسان وقضايا المجتمع، شأنها شأن الرواية العربية بخاصة والرواية العالمية بعامة.. فمجال الرواية هو المجتمع وفضاؤها قضاياه . . ولعل من أهم هذه القضايا: قضية المرأة.
هنا، نحن لا نعني بالمرأة ذلك الكائن!! الذي يشكل نصف المجتمع أو الأم المدرسة أو الحبيبة التي تكتب فيها قصائد الغزل، وللعرب باع طويل في هذا المضمار، بل نعني بها المرأة المشكلة التي وصل وضعها إلى درجة من التعقيد والعسر والصعوبة صار معها عقبة كأداء في وجه التغير الاجتماعي والحراك والتقدم الاجتماعي ككل، نعني بها المرأة القضية التي تثير الخلافات والإشكالات إلى درجة يتنازع حولها الناس وتقتضي الحل السريع.
لقد أصبحت المرأة قضية مذ أنزلها الرجل عن عرشها في المجتمع الأمومي الذي كانت فيه السيدة المسيطرة المهيمنة، ليحل محلها ويصبح هو السيد المسيطر المهيمن . .
لقد حدث تبادل أدوار وحل المجتمع البطريركي الأبوي محل المجتمع الأمومي، ليسنّ الرجل الشرائع التي تناسبه والقوانين والأعراف التي تؤكد هيمنته كرجل من جهة وخضوع الطرف الآخر الذي هو المرأة من جهة أخرى… فجاءت شرائع حمورابي تسن صراحة على أن من حق الزوج التصرف بامرأته كيفما شاء، إذ لـه الحق بضربها وحبسها بل وبيعها وقتلها إن اقتضى الأمر…
منذئذ صارت المرأة قضية أساسية من قضايا المجتمع، فهي الضعيفة العزلاء التي لا تملك سلاحاً تدافع فيه عن نفسها عرضة دائماً لكل أنواع المخاطر وأشكال المذلة والهوان . . ففي الحروب هي تسبى وتساق مع الغنائم الأخرى ليمتلكها السابي أو يبيعها في سوق النخاسة . . وهي المقيدة بالأعراف والتقاليد لا تستطيع المشاركة في إدارة دفة المجتمع ومعالجة شؤونه، إلا ما ندر. وهو الاستثناء الذي يثبت القاعدة ولا يلغيها. وهي الغارقة في الجهل والأمية المحرومة من العلم والتعلم لا تستطيع التعبير عن ذاتها ولا معرفة حقوقها فكيف بالمطالبة بها؟. .
قضية المرأة والتخلف:
ترتبط المرأة بوصفها قضية ارتباطاً عضوياً بالتخلف . . إذ على الرغم من أن الرواية ظهرت في مجتمعنا العربي وهو يعاني من التخلف وإشكالاته إلا أن المرأة كانت هي الأكثر معاناة من ذلك التخلف، فالرجل قد يروغ يزوغ، يفلت هنا، يهرب هناك لكن المرأة ليس أمامها مفر.. إنها تواجه التخلف بكل سطوته وكل قسوته.. الجهل هي التي تتحمل وطأته كاملة.. إذ ظل الرجل بهذا العذر أو ذاك يتعلم، يذهب إلى الكتّاب، يصبح رجل دين . . إلخ.. لكن كيف يتاح هذا للمرأة؟ إنها تترك لقدرها لا يحق لها الذهاب إلى كتاب ولا الاختلاط بالذكر في أماكن التعليم ولا تصبح امرأة دين . . لهذا كانت الأمية ولا تزال هي الأكثر تفشياً بين النساء.. وإذا كانت نسبة الأمية في المجتمع العربي أيام زمان هي 98 بالمائة تقريباً فإن مائة بالمائة من هذه النسبة هي من النساء وإذا كانت اليوم خمسين بالمائة فإن ثمانين بالمائة من هذه الخمسين من النساء.
الفقر، وهو الأقنوم الثاني للتخلف، يقع بمعظم أعبائه على كاهل المرأة، هي التي يتعين عليها أن تربي أطفالها وترعى بيتها وتدبر شؤونه المعيشية، لكن كيف تفعل ذلك والزوج فقير عاطل عن العمل، لا يكاد يأتي إلى البيت بما يسد الرمق، فتقاسي المرأة أيما مقاساة… هي بين المطرقة والسندان: فقر معيلها ومطالب عيالها، والأدهى والأمر إذا ما ذهب المعيل وتحولت هي إلى معيلة، هنا تكون الطامة الكبرى، فالمجتمع لا يرحم وتقاليده صارمة قاسية لكن عليها أن تحول بين أطفالها وبين غائلة الجوع وهو ما يدفعها أحياناً للانزلاق إلى مهاوي الرذيلة… ويقضي عليها قضاء مبرماً في نظر المجتمع . .
كذلك الأمر مع المرض، الأقنوم الثالث للتخلف، فالمرأة بجسمها الضعيف مقارنة بالرجل وتكوينها الفيزيولوجي كأنثى تحمل وتلد هي الأكثر عرضة للمرض وهي الأكثر هشاشة إزاء الطبيعة وتقلباتها، متطلبات الحياة ومتغيراتها… فالمرأة كانت وما تزال تدفع ثمناً باهظاً من حياتها لقاء أمومتها وقيامها بالإنجاب، كما تدفع ثمناً باهظاً من حياة أولادها الذين تنجبهم، إذ لم يكن يبقى منهم إلا طويل العمر… لتعاني المرأة بذلك أشد المعاناة وتظل أقانيم التخلف الثلاثة جميعاً تقيدها أكثر إلى راهن بائس تريد التخلص منه لكنها لا تستطيع، لهذا كانت الرواية ولا تزال معنية بمسألة التخلف هذه قدر ما هي معنية بالمرأة كقضية لأنهما مسألتان مترابطتان أشد الترابط.
قضية المرأة وحقوق الإنسان:
تشكل حقوق الإنسان العمود الفقري لقضية المرأة، فقد جاءت النهضة والمجتمع العربي لا يعرف إلا القليل عن حقوق الإنسان. الرجل نفسه محروم من حقوقه فكيف بالمرأة؟ هو يعاني من انعدام الفرصة في الوصول إلى أبسط حقوقه فكيف تراها حال المرأة وهي رهينة محبسين: محبس المجتمع ومحبس الرجل؟ لقد ظل الرجل رغم الأنظمة السياسية والاجتماعية يجد بعضاً من الحرية تسمح لـه بها القوانين الاجتماعية والأعراف والتقاليد، أما المرأة فلا تجد شيئاً منها البتة. سيما وأنها العورة التي يحاول أن يستر عليها الجميع وأن يحجبها الجميع ويغيبها الجميع، سيما وأن موروثنا الثقافي مليء بالأقوال المضادة للمرأة والتي تعمل على حرمانها من وجودها الاجتماعي وحريتها الفردية، إلى درجة تقول معها إحدى المقولات: «دفن البنات من المكرمات» وإلى حد يقول معه أحد الشعراء عن بنته:
تهوى حياتي وأهوى موتها شفقاً
والموت أكرم نزال على الحرم
لهذا كله لم يكن ثمة مجال للحديث عن حقوق المرأة كإنسان، إذ كان كل ما يريده لها المجتمع ويريده لها أهلها بل حتى أمها وجدتها هو الستر والصون والبقاء فقط على قيد الحياة لكي تقوم بوظيفتها الأساسية في المجتمع: خدمة البيت والإنجاب.
أي بعبارة أخرى، لم يكن ثمة مجال للحديث، مجرد الحديث عن حرية المرأة وعن حقها في التعبير والاختيار وكذلك عن حقوقها الإنسانية الأخرى كحقها في المساواة مع الرجل، وحقها في العمل والتعلم، فكيف بحقها في الحب واختيار الشريك؟
هذه مسألة خطيرة يتوقف عليها مصير المرأة: وجرائم العرض والشرف ما تزال متفشية في مجتمعنا العربي حتى اليوم… هذا الحرمان من حقوقها كإنسان هو الذي شكل ولا يزال يشكل جانباً أساسياً وهاماً من قضية المرأة وهو الذي تناولته الرواية العربية باستفاضة ومنها بالطبع الرواية الخليجية . .
قضية المرأة وحقوقها الاجتماعية:
المكوّن الأساسي الآخر لقضية المرأة هي حرمانها من حقوقها الاجتماعية، وهو حرمان بات قاطع في أكثر الأحوال إلى درجة ترك معه آثاره على تقدم المجتمع نفسه وعلى قدرته على الحركة والتطور كما سبق وذكرنا، وليس على وضع المرأة وحسب، فالمرأة كائن مغيَّب إلى حد كبير في المجتمع، دوره يقتصر على الطبخ والنفخ والتناسل، وبذلك يخسر المجتمع نصف يده العاملة ونصف طاقته الإنتاجية وهي خسارة فادحة يمكننا أن نعرف مدى فداحتها إذا ما قارنا حالة العمالة بين مجتمع متقدم ومجتمع نام كمجتمعنا، ونجد ذلك متوفراً بكثرة في الإحصائيات التي تنشر عن هذه المجتمعات . .
ولا يتوقف الأمر عند بطالة المرأة وحرمانها من العمل وتخفيض قدرة المجتمع الإنتاجية وحسب بل يتعدى ذلك إلى تحويلها إلى عالة وعبء على كاهل الرجل وهو ما يفسر إلى حد كبير انخفاض معدلات الدخل الفردي والناتج القومي في المجتمعات المتخلفة… خاصة إذا كان الرجال أنفسهم فيها لا يجدون عملاً.
كذلك فإن حرمانها من المشاركة في قيادة المجتمع وسياسته يؤدي إلى خسارة طاقة كبيرة ثبت أنها فعالة وأنها ضرورة أساسية لبناء مجتمع سليم صحي متكامل. إن إبقاء المرأة كائناً مغيباً وراء ستار يعني فيما يعنيه إبقاء المجتمع ذا بعد واحد ومنظور واحد وبالتالي إلى إفقار المجتمع، هو الذي كلما تعددت أبعاده وازدادت منظوراته كان أقرب إلى النضج والاكتمال.
وهكذا تحرم المرأة في كثير من مجتمعاتنا العربية من حقها في الانتخاب حتى اليوم. ومن حقها في استلام المسؤوليات وتسنم المناصب العليا، رغم أن التجربة الحضارية قدمت البرهان تلو البرهان على أن المرأة صنو الرجل كفاءة وجدارة وأنها قد تكون أكثر حرصاً على المجتمع من الرجل وأكثر أمانة وإخلاصاً منه.
هذا الحرمان من حقوقها الاجتماعية ومن ممارسة فعاليتها كعنصر فاعل فيه ترك هو الآخر آثاره الضارة على المجتمع العربي وترك جرحاً نازفاً دائماً في نفوس الكتاب العرب وخاصة الروائيين منهم الذين سلطوا الأضواء في كثير من أعمالهم عليه وحاولوا أن يعالجوه، وهو أيضاً ما نلمسه في الرواية الخليجية وإن كان يحذر أكثر من أختها العربية.
قضية المرأة والرواية العربية:
لقد عُنيت الرواية العربية بإلحاح شديد بقضية المرأة انطلاقاً من أنها نصف المجتمع وأنه لا يمكن لمجتمع أن يتقدم بنصفه فيما يظل النصف الثاني محجوراً عليه مغيباً… إنه كأن تطلب من رجل أن يسير على ساق واحدة فيحجل حجلاً ولا يسير ولا يركض.. لقد أدرك الأديب عموماً والروائي خصوصاً منذ البداية أن تقدم المجتمع رهن بتقدم المرأة فجاءت أول رواية عربية بالمعنى الحديث للرواية، بعنوان زينب، بطلتها زينب وتتحدث عن حال المرأة البائس في الريف المصري وغير الريف المصري. كما كتب الشعراء عن المرأة فقال حافظ إبراهيم:
الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعباً طيب الأعراق
كما قال الزهاوي:
إنما المرأة والمرء سواء بالجدارة
علموا المرأة فالمرأة عنوان الحضارة
إذن، الأمر واضح كعين الشمس في أذهان المتنورين والأدباء والكتاب.. حال المرأة في مجتمعنا مزرٍ، نريد أن نتقدم.. إذن يجب أن نحسن وضع المرأة، من هنا كانت قضية المرأة إحدى أهم القضايا التي أثيرت ونوقشت وأثارت العواصف والزوابع في عصر النهضة، فقد ظهر هناك من يدافع عن المرأة وحقها في الحياة ومن يقف ضد المرأة وخروجها إلى الحياة، تمسكاً ومحافظة على الوضع الراهن . . في خضم هذا الصراع ظهر رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وقاسم أمين… إلخ مصالحين ودعاة تغيير كما انعكس ذلك كله في الرواية العربية التي تعكس بطبيعتها الواقع بكل مكوناته وعناصره، إشكالاته وهمومه. ولو أن المجال يسمح لذكرنا الكثير من الأمثلة على ذلك في الرواية العربية سواء في مصر أو بلاد الشام أو العراق… لكننا سنقتصر هنا على نماذج من معالجة الرواية هنا لهذه القضية.
الرواية الخليجية وقضية المرأة:
لا بد لي هنا من أن أذكر، بكل أسف وأسى، مشكلة بتنا نعاني منها جميعاً إلى هذه الدرجة أو تلك ألا وهي: مشكلة الانقطاع الثقافي بين الأقطار العربية نتيجة صعوبة انتقال الكتاب من هذا القطر العربي إلى ذاك. ذلك أن الحدود والحواجز التي أقامها الاستعمار بين أقطارنا العربية لم تقتصر على إيجاد الكيانات السياسية الشائعة وتمزيق الوطن الكبير إلى مزق ورقع، بل طالت كل شيء في حياة الإنسان والمجتمع العربي حتى الكتاب . . ورغم أنه ظل في البداية يتحرك بشيء من الحرية وينتقل ببعض اليسر. . إلا أنها شيئاً فشيئاً بدأت هذه الحدود تضيق وتلك الحواجز تزداد ارتفاعاً إلى أن بات الكتاب يعامل كالسلعة تماماً بل أشد سوءاً من السلعة وباتت حركته أعسر من حركة الأشل. . الأمر الذي راح ينعكس على الكتاب أزمة خانقة وكساداً شديداً وعلى المتعاملين مع الكتاب جفوة وعدم قدرة على التواصل. . إذ من الصعب الآن وأنت في سورية، مثلاً، أن تتابع أعمال الأدباء الخليجيين وتطلع بسهولة على ما يصدر عنهم من روايات وقصص. . قد تقع على شيء من هذا في معرض من معارض الكتب. وهي النافذة الوحيدة المتبقية عملياً لحركة الكتاب الميسرة، أو قد تقرأ عن عمل في مجلة.. لكن هذا لا يكفي لتحقيق تواصل حقيقي. . فالانقطاع، بشكل ما، قائم وهو، وأعترف هنا، ما جعلني أبحث كثيراً وأفتش علني ألم بالطيف الكامل للرواية الخليجية لكن عبثاً، فإن وجدت رواية هذا الكاتب لا أجد أخرى وإن وجدت عملاً لآخر لا أجد لثالث. . وهو ما حال بيني وبين دراسة الرواية الخليجية ككل لأقتصر على اتخاذ نموذج واحد هو:
أعمال عبدالله خليفة وقضية المرأة:
على الرغم من أن عبدالله خليفة هو نتاج مجتمع بطريركي بامتياز، الرجل فيه كل شيء، إلا أنه يدرك منذ روايته الأولى «اللآلئ» التي صدرت عام 1981، مدى فداحة الظلم والقهر الذي تعيشه المرأة في مجتمع أرادها أن تكون مجرد تابع عليه الطاعة والخضوع فقط، كائن لا يملك من مصيره شيئاً، فالآخرون هم السادة وهم الذين يقررون كل ما يتعلق بشأنه وما عليه هو إلا أن يسمع ويطيع. . أليس الرجال قوامين على النساء؟ أليسوا هم الأدري بمصلحتهن وخيرهن؟
1ـ المرأة، كائناً تابعاً يقرر مصيره الآخرون:
يعلم عبدالله خليفة وضع المرأة جيداً في مجتمعه المغلق الخانق للمرأة كما يعلم جيداً وضعها اليائس فيقول في روايته «الينابيع»: “أحس محمد أن جمعة يتحدث عنه ويرى أمه وهي مضطربة، مستباحة في المخزن في ليلة طاش بها صواب سيدها” ص 56. بينما يقول في مكان آخر: “… حتى اهترأ ومات ولحقته أمي… كانت تقذف حمماً من قطع الدم الكبيرة وتضرب أختي بهستيريا جنون وشعرها منثور وملابسها ممزقةّ ماذا عرفت أنت عن العذاب والألم والقهر؟ أرأيت أحداً من أهلك يهان ويغتصب؟ وأمك تموت بأسياخ المطوع الساحر وماء البرك الملوث المقدس؟”.
إن عبدالله خليفة يتماهى مع الراوي هنا في إحساسه بالوجع والظلم الواقع على المرأة التي تقذف حمماً من الدم وتموت بأسياخ المطوع وبماء البرك الملوث غير المقدس كما يقصد على ما أعتقد… إنه يشفق على المرأة، هذا الكائن الذي لا يستطيع اختيار شريك حياته بل لا أحد يأخذ رأيه في ذلك… فيفرض عليه الأمر أمراً واقعاً عليه هو أن يستسلم لـه ويخضع.
فها هو يقول في «الينابيع» ذاتها، وقد جاءت ميّ إلى محمد ترمي آخر سهم في كنانتها:
“ـ محمد، لم لا تتكلم؟
الآن نزلت صخرة فوق ضلعه، طحنت لحناً وحلماً وأعطته لهب الأرض
ـ أنت ترين فقري وحالي، أيمكن أن نكون معاً؟
ـ أفديك بروحي … ولكن
ـ الحال صعب
ـ أهلي سوف يزوجونني لرجل كبير… ما بك ترتجف؟
ـ كل هذه السكاكين ولا تريدينني أن أتألم؟
ـ الذي يهواه القلب عجز البخت أن يجيبه…” ص 58.
إذن هي اختارت من قبل وأحبت لكن أهلها يريدون شيئاً آخر.. اختاروا لها مصيرها وقرروا عنها حياتها، ولسوف يزوجونها شيخاً كبيراً وهي لا تستطيع إلا أن تسمع وتطيع..
ها هي ذي تقول في مكان آخر:
“ـ شيخ هو الذي يريدني. أتعرف أنك سقطت من شجرة وارفة ورحت تنمو في الماء المالح. أتعرف كم قصراً لديه وأراض وجزر؟ وليس كريهاً ولا جاهلاً. هو في ذروة المجد والأدب!! هو الكامل على هذه الجزيرة!! أيمكن لفتاة مثلي أن ترفس مثل هذه النعمة؟” ص 59.
طبعاً، الجواب لا.. ليس باستطاعة أية فتاة أن ترفض ما اختاره لها الأهل كيف لا وهي لا تملك من مصيرها شيئاً.. ـ هي الضلع القاصر، ناقصة الحظ والعقل والدين، أيحق لها أن تختار؟ أتعطى حرية الرأي وتقرير المصير؟ في روايته «الضباب» نجد ما هو أنكى، إذ يقول على لسان المرأة التي جاءت إلى بيت البطل العجوز:
“قالت:
ـ أخذتني خالتي إلى ذلك البيت الحجري الكبير… رحت أساعد المرأة المتجهمة الغريبة المسيطرة على ذلك البناء المدهش. كنت أرتجف وأنا أجري وراءها من مكان إلى آخر. كان لديها بضعة أولاد أشقياء وزوج هادئ منعزل وفي الصباح تخرج طويلاً ثم تعود لتجد الأكل جاهزاً فتتذوقه وتلسعني بلسانها الملتهب المليء بالشتائم القذرة..” «الضباب» ص 68 إلى أن يقول:
“كان كل أولئك الأولاد يأخذونني إلى غرفهم ويتناوبون على جسدي.. كنت أعي ولا أعي، أتلذذ وأقرف، حسبت ذلك جزءاً من عملي وخفت كثيراً أن أفاتح الأم…” ص 68 وهكذا تتطور الأمور إلى أن تقول:
“صرت آتي إلى ذلك الكوخ مع الأم ليدخل علينا الرجال، واشتهرت في الحي كله..” ص 68. وهكذا تتحول الفتاة التي لا تملك إلا أن تستسلم لمشيئة الآخرين وإرادتهم إلى مومس تبيع جسدها لكل من يريده…
إنها تعيش المأساة بكل أبعادها، تحترق روحاً وجسداً، مع ذلك لا تستطيع أن تفعل شيئاً، فمصيرها قرره الآخرون، وقدرها ليس ملك يدها… إنها التابع الخانع الخاضع الذي لا إرادة لـه والذي يتحرك أشبه بريشة في مهب ريح.
هذه «فيّ» تحب محمداً لكن أباها يقرر زواجها من رجل آخر:
“ألا تسمعين يا فيّ؟
التفتت إليه وينبوع من الماء يقترب من صدرها. ستغطس الآن في الماء الساخن.
ـ ماذا تريد يا أبي؟ لقد جهزت لك الغداء
ـ إنني أتحدث عن عرسك، عن زفافك، يوم أن نلقاك ملفوفة في سجادة في غرفة عريسك
ـ أوه.. يا أبي!!
ـ وجهك يتضرج من الخجل! لكن اسمعي.. أتعرفين جارنا سعيد المناعي؟ هذا الرجل الشهم، لؤلؤة البحر.. إنه يريدك!!” «الينابيع» ص 62.
ولأنه يريدها ويوافق أبوها على إرادته سيتعين عليها أن تدفن أحلامها في الحب الذي لا تجرؤ على البوح به… تتخلى عن كل شيء وتذهب رغماً عن أنفها إلى سعيد المناعي.
وها هي فتاة أخرى تدعى زهرة تلقى المصير ذاته، فلا أحد يستشيرها في أمر مصيري يخصها هي وحدها إذ:
“قال أهلها:
ـ مهدي أولى بك، سيعتني بطفل أخيه
دفنت وجها في رمال الوقت وارتعبت من أسنانه وانكفأت بعيداً عن النخيل والحكايات…” «الينابيع» ص 115. إنها مقهورة مرغمة كما كانت عند ما زوجوها أول مرة، راسمين قدرها بالشكل الذي يشاؤون:
“عندما دخل عليها كانت ترتجف رعباً. ماذا سيفعل؟ هل سيأكل من جسدها؟ أهو الذي يضع فيه جنيناً وكيف” «الينابيع»، ص 114. إنها لا تملك شيئاً من مصيرها وحسب بل تجهل كل شيء عن ذلك المصير وعن نفسها وجسدها والآخر، إلى درجة ترتعب معها عندما تراه وتساورها ظنون شتى: هل سينهش لحمها؟ هل سيأكل قطعة من جسدها؟ إنه الجهل المطبق بحيث لا تعرف الفتاة شيئاً عن أخص خصوصيات الحياة: العلاقة بالرجل.
2 ـ المرأة، هدفاً للأطماع والنزوات:
يتناول عبدالله خليفة في أعماله المرأة كقضية باعتبارها هدفاً للأطماع والنزوات فهي الأضعف جسداً من الرجل والأقل حرية وقدرة على الحركة، تظل نهبة للرجل وأطماعه ونزواته. ها هو أكبر مرتضى في رواية «الينابيع» يتأمل زوجته زينب وهو يخطط لابتزازها ونهب أموالها، هي التي لم يتزوجها إلا طمعاً في ذلك.
“تطلع أكبر إلى زوجته وتساءل: من كان يستطيع الزواج بك، وأنت ذات الوجه البشع واللسان السليط… ألا تدخلين القفص يا لبؤة؟
اقترب منها بحذر وأمسكها بود فجفلت وصاحت:
ـ ماذا تريد؟
أخذها برفق إلى حافة السطح فذعرت:
ـ ماذا تفعل؟ هل تريد أن تقتلني؟ ابتعد!
ـ يا حبيبتي، كيف أقتلك وأنت قطعة من قلبي، بل كل روحي.. بل أود أن تنظري إلى الأرض العظيمة التي حدثتك عنها. طالعي هذه المسافات الخالية وبيوت السعف الكثيرة المحتشدة حتى الشاطئ البعيد. أليست ساحرة وجميلة؟
ـ ماذا بك؟ هل خرفت؟ أي جمال في هذه العرشان القبيحة…؟
ـ بل الجمال كله ـ يا حبيبة عمري ـ في امتلاك هذه الأرض، هذه المساحات التي تنطلق فيها الخيل!!
ـ وما دخلي أنا بامتلاكك الأرض؟ اذهب واشترها!!
ـ ومن أين المال؟
هنا زعقت وصاحت وأزبدت… إلخ” «الينابيع»، ص 158.
لكنها مع ذلك ظلت هدفاً لأطماعه ونزواته، إذ إن لديه هدفاً وعليها هي أن تقدم لـه العون لبلوغ ذلك الهدف…
على أن المشكلة الأخطر، حين تتحول المرأة إلى فريسة يفترسها الرجل بكل وحشية وقسوة. إنه الاغتصاب الذي تعاني منه الكثيرات والكثيرات، فالرجل يمارس هنا قوته الجسدية وتفوقه العضلي على المرأة، فيقهرها ويذلها ويزرع فيها جروحاً قد لا تشفى منها أبداً. كثير من الروايات عالجت مسألة الاغتصاب وما تخلفه من آثار في نفسية المرأة، لكن عبد الله خليفة يعالج هذه المسألة على نحو معكوس تماماً ليبين آثار حالة اغتصاب على رجل وجد امرأة مغتصبة وملقاة في الطريق فقدم لها العون لكن ليجر عليه ذلك الويلات. الحادثة تحدث في الواقع لكن ما يهمنا ليس ما جرت على الرجل من ويلات بل الوضع الذي وجد فيه هذا الرجل المرأة والذي دفعه لمساعدتها فيقول:
“امرأة تتلوى على التراب وتنهش الحجر. تعض يديها وتبحث عن قطع فستانها الممزق وعباءتها المتوحدة بالظلام. اقترب منها، انتفض جسمها الممزق” «الضباب» ص 6.
إنها حالة بائسة إلى أقصى حدود البؤس يجد الرجل المرأة المغتصبة فيها إلى حد أنه حين يحاول مساعدتها ورفعها بين يديه:
“تضربه، تصرخ، تبكي، تخدش وجهه بأظافرها، اتركني.. اتركني” «الضباب»، ص 7. تصرخ مرتعبة هلعة، هي التي اغتصبها الذكر مستغلاً ضعفها ورقتها. كذلك حين: “تفتح عينيها تستعيد الألم المنتفض والذكرى الحادة. تتكلم، تهذي، تندس في صدره كابنة ضائعة، وفجأة تصرخ كأنها لمست الجلد الذكوري ذاته..” «الضباب»، ص 7. إنه الخوف الذي يتملك الفريسة من المفترس والذي يجعلها تبتعد عنه، لأنها جربت معه نهشه للحمها ولا تريد تكرار التجربة. هنا يفلح عبدالله خليفة في تصوير هذا الشعور لدى الفريسة تصويراً بارعاً، كما يتناول في أعماله أكثر من فريسة من هذا النوع: امرأة كانت مطمعاً للرجل ومحطاً لنزواته فإذا ما انتهى منها تركها لأخرى، ها هو في «الضباب» يتكلم عن امرأة تزوجها رجل فقط لكي يستغلها ويبتزها، فيقول في حوار بين الرجل والمرأة:
“ـ ماذا بك؟ لماذا تشمئز مني؟
ـ مللتك، اغربي عن وجهي!!
ـ أشم في ملابسك عطر نساء؟
ـ وماذا في ذلك؟
ـ أتعترف بهذه البساطة وأنا التي ضحيت من أجلك…
ـ ومن أجبرك؟
ـ أعرف أن لك علاقة بامرأة غنية الآن. تريد أن تستنزفها كما عصرتني ولكني سأقتلك قبل أن تلقيني في الشارع” «الضباب» ص 46 ـ 47.
مع ذلك لا ينفعها تهديدها لـه، فهو يلقيها في الشارع وقد استنزفها تماماً ليذهب إلى أخرى يستنزفها وهكذا دواليك…
3 ـ المرأة، ضحية للظلم والعسف:
في كثير من المواضع يتناول عبدالله خليفة المرأة في وضعها الاجتماعي الصعب كضحية للظلم والعسف. ولا غرو، فهي الطرف الأضعف في المعادلة دائماً، جسداً ومالاً وعلماً لهذا يمكن لأي رجل أن يمارس عليها عقده ويفرغ فيها حقده ومفرزات دونيته ونقصه، بل لأنه هو نفسه عرضة للظلم والعسف الاجتماعي، إما على يد المستعمر، أو الحاكم أو الملاك أو رب العمل… إلخ، فإن من الطبيعي أن يبحث عن التعويض لكي يحقق التوازن النفسي الذي يمكّنه من الاستمرار والعيش، هذا التعويض يكون على حساب المرأة التي تتلقى في حياتها كل أشكال الظلم والعسف بدءاً من أبيها وأخيها مروراً بزوجها وأهل زوجها وانتهاء حتى بأبنائها. عبد الله خليفة يرى هذا ويسلط الضوء عليه في كل عمل من أعماله. ها هو في الينابيع يتكلم عن «فيّ» الفتاة التي تموت أمها ويتزوج والدها بهدف أن تكون هذه الزوجة أماً لها لكن ماذا يجري؟
“وجاءت امرأة ساكنة هادئة احتلت المكان. وفجأة تمزقت ملابس فيّ وتقطعت ضفائرها وتكسرت نجمات بحرها وراحت تهذي وتجري في الليل تصرخ الزوجة فيه:
ـ هذه ابنتك مدللة، لا تريد أن تغسل صحناً ولا أن تنظف أرزاً.
وهو يصرخ فيها بدوره:
ـ أتريدين وضع هذه الطفلة بين النيران والقدور منذ الآن؟
ـ ليست طفلة، إنها امرأة..
حين التهب جسدها وتناثرت أهرامات صغيرة من الجلد المتغضن المنتفخ وهربت من البيت مراراً وتاهت بين كتل السفن الجاثمة على الشطآن… إلخ” «الينابيع» ص 61 حينذاك فقط يتنبه الأب لضرورة إنقاذها، فعلى يد زوجته حل بالفتاة ظلم لا نظير لـه، فضُرِبت وعذبت وحبست ومزق جلدها ونتف شعرها… لا لشيء إلا لكي تنفس الزوجة عما في داخلها من عقد نتيجة الظلم الذي مورس عليها هي ذاتها من قبل ولتفريغ الشحنة العدوانية التي تحتل أعماق لا شعورها، رغم أن الأب يحاول الدفاع عن ابنته التي يحبها إلا أنه لا يستطيع ذلك إلا بالتخلص من الزوجة وإخراجها من بيته.
بل إن المرأة، كما يرى عبدالله خليفة، تقع ضحية للظلم والعسف حتى في علاقة الحب التي يمكن أن تقوم بينها وبين الرجل، ذلك أن أي عواقب وخيمة أو نتائج غير شرعية تنجم عن تلك العلاقة غالباً ما تنعكس على المرأة وحدها، إذ يفر الرجل بجلده لتبقى المرأة وجهاً لوجه أمام مصيرها المحتوم: ذبحاً أو رجماً أو عاراً أبدياً يجثم صخرة على صدرها وصدر أهلها، جاراً عليها سلاسل من العذابات والمآسي التي لا تنتهي.
هذه فيّ في الينابيع وقد شعرت ببذرة محمد تنمو في أحشائها تجيء إليه مستنجدة مستغيثة.
“قالت فجأة:
ـ استرني… يا محمد
ارتعب، لم يعد يشتهي شيئاً، سمكة الشعري المقلية بالزيت والمترامية فوق الأرز الأبيض المعذب، مصيدة لسجن العمر الكئيب، لهذا الحجر الذي سينطفئ فيه الأغنيات والكلمات. أتريد أن تصطاده بهذا الثمن البخس؟
صرخ فجأة:
ـ هيا، اذهبي من هنا.
ـ لا أستطيع. نطفتك تتكون داخلي.
ـ أأنت مجنونة؟ هل تتصورين أنني، أنا الرجل الحر، أحبس نفسي في هذه الخرابة لأصنع أطفالاً وأناغي زوجة وأشتري الأدام كل صباح… إلخ
ـ وأبي وأحجار الرجال التي ستنهال على جسمي، وعصا سالم الرفاعي التي ستحطم رأسي.
ـ اذهبي من هنا، وخذي أرزك وفضائحك ودموعك معك!! اتركيني…
كانت تتقطع دموعاً ويداً وثدياً. كل ينابيعها المحبوسة بأقفال الأمل ضخت فجأة كل الوجع والرعب وصارت المدينة والسماء كلها حصا. سمعت عن جارتها التي انتفخ بطنها حراماً وأحضروا عجوزاً شمطاء قتلت الطفل وأذابته في الحمام، ثم هربت العائلة كلها فيما وراء البحر. وأمينة صديقتها التي قتلوها ودفنوها… إلخ” «الينابيع» ص 92.
وهكذا ترى الفتاة قدرها بأم عينها، ذاك القدر الذي عليها أن تواجهه وحيدة مفردة، تخلى عنها شريكها في الحب، وتنصّل من الذنب لتلقى هي وحدها العقاب الذي كان عليهما كليهما أن يتشاركا فيه..
ها هو بطل الضباب الذي تتزوج أمه رجلاً آخر بعد أبيه يرى كم يمارس عليها هذا الزوج من ظلم وعسف إلى درجة يصرخ معها ذات مرة: “ذئب!! ذئب”: ويود لو يخنقه بيديه لكنه مجرد طفل وزوج الأم رجل كبير يظل يضطهد أمه ويعذبها إلى أن تقضي نحبها فيقول مخاطباً نفسه:
“كل وجهك، حطم الجدران والمزهريات، فلا فائدة وأمك تحمل على نعش بعد أن عذبها اللص حتى الموت وحوّل أولادها إلى خدم…” «الضباب» ص 72. على هذا النحو يصور عبد الله خليفة هذا المخلوق الضعيف الذي هو عرضة دائماً لاضطهاد الرجل واستبداده، ظلمه وعسفه إلى درجة تستسلم معها لكل ممارسة يريد الرجل ممارستها عليها، بانتظار، ربما معجزة سماوية تنقذها لكنها أكثر الأحيان لا تجيئ.
4 ـ المرأة، رهينة للكبت والحرمان:
يعلم عبدالله خليفة، هو الذي يعيش ظروف مجتمعة وشروط الحياة فيه بخيرها وشرها، أن الإنسان العربي يعاني أكثر ما يعاني من الكبت والحرمان، فالتقاليد والعادات والأعراف الاجتماعية كلها تفرض عليه إطاراً معيناً للعيش يتعذر عليه الخروج خارجه، ليظل في معظم الحالات رهن الكبت والحرمان الذي يمسك بقبضته عنق الإنسان إلى درجة يكاد يخنقه فيها، ذلك ينطبق على الرجل والمرأة على حد سواء، لكن لما سبق وذكرناه من ظروف مخففة لدى الرجل تكون وطأة الكبت والحرمان أخف عادة مما هي على المرأة، التي تعاني في أغلب الأحيان من حرمان شديد وكبت قاهر يكاد يدمر حياتها، بل هو نفسه ما يدفعها في أحيان كثيرة للانزلاق في منزلقات الخطيئة، وبالتالي للانحراف والضياع، فالمرأة التي يفرض عليها، خاصة في المجتمعات المغلقة شديدة المحافظة، أن تظل حبيسة المنزل، تنتظر العريس إن كانت في بيت أبيها، أو تنتظر دورها، إن كانت في بيت زوج متعدد الزوجات، تجد نفسها تتآكل من الداخل وفي جسدها حاجات لم تشبع وغرائز لم ترو… فلا تملك إلا أن تسعى لإروائها.. لنر عبدالله خليفة كيف يسلط الضوء على هذا الجانب من المرأة، كقضية ومشكلة، فها هي الفتاة التي كان يحبها جابر تركته وتزوجت رجلاً ثرياً متعدد الزوجات لكنها لا تجد معه ما يروي ظمأها القاتل ويعوضها كبتها وحرمانها الطويل فتعود خلسة إلى حبيبها السابق:
“سمع خطوات مضطربة عند الباب ثم دقات عصبية سريعة. فتح وإذا هي متدثرة بعباءتها تلتفت إلى الوراء خوفاً، ثم ترنحت بين يديه عصفورة مضطربة القلب مذعورة…” «أغنية الماء والنار» ص 134، وهي لكي تراه تلجأ إلى حيل وأساليب عجيبة وغريبة، إذ عليها أن تكتم وتخفي أو كانت الفضيحة وبالتالي العقاب الشديد الذي قد يكون الموت نفسه، إذ إنها تراه مصادفة في السوق وحينذاك:
“تطلعت في وجهه. ارتبكت وشعت بالابتسام. تركت البائع، اندفعت في الزحام. تبعها، تركت الدكاكين والسوق ودخلت الأزقة. كان أحدها خالياً، توقفت أرادت أن تتكلم، لكن الألفاظ تعثرت في شفتيها.
ـ كأن الفراق كان سنوات طويلة.
تتلفت ثم تطالع وجهه بارتياح. كأنها كانت تبحث عنه طويلاً. تريد أن تلقي برأسها على صدره لكنها تظل بعيدة، متوجسة من المارة والأصوات.
ـ لقد تعبت من هذا الرجل الفظ القاسي الذي لا يعرف سوى رغباته. لقد اشتقت إليك كما لم أشتق من قبل. يا ربي!! كيف تسرعت وأخطأت!!
ـ هل كان بريق الثروة رائعاً؟
ـ لا تحقد علي الآن. كنت طوال هذه المدة أذكرك وأتعذب…” «أغنية الماء والنار» ص 93.
إنه الحرمان الذي يجعلها تذكره وتتعذب وهو الحرمان الذي يدفعها لأن تتبع الأساليب الملتوية لتلبية حاجاتها الجسدية، فتقترح عليه هي نفسها أن يستأجر غرفة كي يلتقيا معاً بل وتعطيه نقوداً.
“ـ أريد أن أقول لك كلاماً كثيراً. لماذا لا تستأجر غرفة هنا؟
قبل أن يفتح فمه أعطته رزمة من النقود.
ـ غداً سألقاك هنا وفي هذا الوقت لرؤية المكان” «أغنية الماء والنار» ص 94.
وإذا كانت حبيبة جابر تهرب بعيداً عن بيت زوجها فإن حبيبة محمد في رواية الينابيع تأتي به إلى بيتها للعناية به وقد مرض وتقيم معه علاقة وهي تحت سقف بيت أبيها وذلك لشدة الدافع والرغبة التي صنعها الكبت والحرمان.
“يحتضن فيّ بقوة، وكان المطر الناعم يتغلغل في التراب منتشياً صارخاً ويرى أن جسده كله يشتعل، وهذه ليست رقصة في بحر والتفاف جسدين بين كتل الماء والأعشاب، بل استحمام في برد ونار، والغرفة تركت لـه، والليل، والأب ينام في وحدته، غافلته ابنته واندفعت للهوى والجمر…” «الينابيع» ص 86 .
كيف لا، والكبت والحرمان يصنعان ما هو أفظع من هذا وأشد هولاً، خاصة لدى المرأة التي تقاسي أشد أشكال الكبت والحرمان حتى تتشوه نفساً وجسداً كما تتشوه قدم الفتاة الصينية وقد وضعت في قالب يمنعها من كل نمو أو تطور.
5 ـ المرأة، كائناً هشاً سريع التأثر:
يتابع عبدالله خليفة في أعماله كلها رصد قضية المرأة باعتبارها كائناً هشاً ضعيفاً سريع التحول والتأثر، تنعكس ظروف الحياة الصعبة عليها مباشرة لتجعل منها الكائن الذي ينكسر ويعطب بسرعة كبيرة، كما يتأثر ويتغير بسرعة كبيرة أيضاً:
“الفتاة تطلعت إليه بخجل، بخجل شديد، وتوارت نظراتها وانكسرت وبدا أن دمعة ساخنة تحرق خدها.. ” «الضباب» ص 17. وهل لهذا الكائن الهش حين يخجل أو يخاف أو يقلق سوى الدموع والبكاء؟
ها هي في أغنية الماء والنار تصف نفسها بنفسها وقد تأثرت وتحولت تحولاً كبيراً حتى غدت كائناً آخر:
“كانت عيناها قاسيتين، الوجه الجميل استحال إلى شكل مرعب. خاف، تراجع.
ـ أين ستذهب؟
ـ هل أحببت أحداً ما؟
ـ عشت في قسوة طويلة. حين اغتصبني الشيخ الثري وأنا صبية كرهت كل شيء كرهت الناس، كرهت أبي الذي كنت أحبه كثيراً. بدا لي عاجزاً ضعيفاً وكنت أتصور أنه عملاق يصل إلى السماء. لم أشعر بأي لذة. لم أفكر بعدها إلا أن أملك وأملك..” «أغنية الماء والنار» ص 125ـ 126. لقد تغيرت إلى درجة تحولت معها إلى وحش حقيقي ليس لديه مانع من أن يلتهم حتى لحم أخيه الإنسان… فتخطط لإيقاع راشد بحبائلها لكي ينفذ لها مأرباً بعيداً يلبي نهمها الشديد للتملك: ألا وهو حرق أعشاش الفقراء وبيوتهم حتى ولو التهمت النيران نصف ساكنيها، وهو ما تفلح فيه مورطة بذلك راشداً الذي يدفع فيما بعد الثمن غالياً.
وها هي مي التي كانت تذوب حباً بمحمد وذهبت إلى منزلـه لكي تقنعه بأن يعمل لإنقاذها من براثن الشيخ العجوز الذي سيشتريها بماله، ها هي ليلة عرسها من هذا الشيخ العجوز، وقد تغيرت تماماً واندمجت في جو العرس اندماجاً تاماً..
“تتطلع مي من غرفة العرس إلى المدينة وهي تشتعل بفرحها، تتجمد ذائبة من النشوة ولأنها كائن هش سريع التأثر تبدو على أتم الاستعداد للغرق في ذلك العالم الآخر”.
6 ـ المرأة، فريسة للخوف والقلق:
من الطبيعي، والمرأة في مثل هذه الشروط الاجتماعية والإنسانية، أن تكون دائماً نهبة للقلق والخوف، وعبد الله خليفة يعرف هذا ويسجله بكثير من الإشفاق والرثاء. فالمرأة غالباً ما تعيش حياتها سلسلة متصلة من الخوف والقلق. إنه الخوف من مفاجآت الحياة، من المخفيات التي لا تعلم متى تظهر لها فتدمر حياتها أو حياة أطفالها وزوجها..
“كانت زهرة تحدق من وراء الخوص، في السفينة الكبيرة الوحيدة التي جرفت بعيداً عن ساحل قرية العين.. كانت النسوة يرفعن أيديهن ومناديلهن للبحارة المتوغلين في اليم… ولم تصدق أن زوجها سيغرق فجأة وإلى الأبد، كومضة، كفراشة. تبحث عن ملامحه في النهار والليل فلا تجده. إن حشد الأهل يطفئ آهاتها الساخنة ويملأ بماء العين قنواتها النابضة” «الينابيع» ص 113.
أما حبيبة جابر التي تزوجت من الرجل الثري فتعيش أشد حالات العذاب والخوف والقلق في بيت زوجها، هي التي تجد نفسها محاصرة بالأعداء من كل جانب والتي يهددها الخطر في كل لحظة:
“لا تقل هذا. إنني أموت كل يوم. منذ أن جئت إلى بيته والمعارك لا تهدأ مع زوجته الأولى ومعه. ليس هذا بيتاً بل مستشفى. زوجته تغير مني وترغب ألا أحمل أبداً، تحرق البخور وتغرز المسامير في الخشب المحترق. وهو ينتظر كل يوم أن أكون قد حملت” «أغنية الماء والنار» ص 94.
إنه الخوف والقلق الذي يترصد المرأة في كل طور من أطوار حياتها وحالة من حالاتها فهي إن أحبت انقضت عليها وحوش الخوف والقلق، تنشب فيها مخالبها وأنيابها، خشية أن يكتشف أمرها فتفتضح…
“ينهض فجأة ويلقي العود. ترتعب الفتاة، يغلق الباب فتذكره بالفانوس الذي تركه مشتعلاً…”«الينابيع» ص 49.
كذلك الأمر مع حبيبة جابر التي تجد نفسها مشطورة شطرين: أحدهما يجري وراء الحب الذي ضيعته وثانيهما يعمل كل ما في وسعه للحفاظ على الرجل الذي رضيت به زوجاً وذلك فقط لأنه قادر أن يؤمن لها مستوى حسناً من العيش.
“يا لهذا الحب!! كنا نجري في الظلام حين أكلت (الحوتة) القمر.
أتذكر؟ كنا نلتقي في القلق والخوف كأن حبنا قد دمغ ولعن بالمطاردة والظلام. وحتى هنا، في فسحة الوقت، أخاف أن يفتح الباب فجأة ويدخل زوجي” «أغنية الماء والنار» ص 136.
بل هي تشعر بالمرارة والغصة وهي تعلم علم اليقين ما يهدد حبها لـه وعلاقتها به من مخاطر وأهوال.
“لقد تحملت كثيراً وجئت إليك، سرت في الأزقة متغطية عن العيون، ومشيت طويلاً حتى وصلت هنا… فتقابلني بهذا البرود!
الكلمات المرتجفة بالبكاء هزته. دهش لأن المرأة تحولت هذا التحول كله. أيكون مخطئاً في كل شيء؟ أيكون أبله بحيث لا يميز بين الجمود والتعب؟” «أغنية الماء والنار» ص 127.
هذا التحمل الشديد. هذا السير في الأزقة، هذا المشي الطويل إنما يتم كله على نصال الخوف وأسنة القلق، فأي عابر قد يسبب لها مشكلة، وأي حدث طارئ قد يثير لها فضيحة، مع ذلك هي تغامر، تتحدى القلق والخوف لا لشيء إلا لأن دافع الحب أقوى بكثير من دافع الخوف وغريزة الحياة أقوى بكثير من غريزة الجمود والموت.
“في المرة الأخيرة قالت (أخاف من الحضور. أتتذكر ماذا حدث ليلة الخسوف؟ الجميع كانوا يلاحقوننا)
ـ لا تخافي سنتزوج قريباً.
ـ سنتزوج؟ كيف وأين؟
ـ هنا، ستعيشين معنا في البيت..
ـ بين إخوتك وأمك وأبيك، هذا خان وليس عش حب..” «أغنية الماء والنار» ص 59.
إنه القلق والخوف الدائم من مصير أسود ينتظر المرأة، هذا الكائن الرقيق الذي لا يريد سوى حياة كريمة توفر لـه ما يحتاجه دون أن يعرض نفسه للإهانة والذل. إنها تخاف أيضاً أن تخسر حبيبها وهي تراه متعلقاً بفتاة أخرى فلا تملك إلا أن تقلق إلى حد الارتعاش.
“كانت فيّ ترتجف عند شجرة الرمان في الحوش. رأت المرأة الفاتنة عند محمد وأبصرته يعبدها فصارت عموداً من ملح يذوب…” «الينابيع» ص 60.
بل إن المرأة حتى إن تزوجت يظل الخوف يساورها والقلق يسكن أعماقها، ماذا لو تزوج الزوج من جديد والشرع يسمح لـه باثنين وثلاث ورباع؟ ماذا إن لم تنجب لـه أولاداً وهو يريد العزوة والأولاد؟
“وتذكر أمه وهي تنتظر أباه في الحوش قلقة متسائلة عن تأخره، تهتز كما لو كانت تقرأ القرآن ثم تنظر من الباب إلى الدرب الفارغ فلا ترى صياداً تسأله عنه. سنوات كثيرة عاش بلا أطفال. ذهبت إلى (الخضر) وفلقت عدة بيضات على حجريه الصلدين وأعطت البيض الباقي لخادم المزار. غير أن الأطفال لم يزرعوا في بطنها. كانت ترتعش وتبكي في الليل وتقابل السماء المرصعة بالنجوم وهي تقول (سيتزوج غيري وينجب منها أطفالاً، أترضى بهذا يا رب؟)” «أغنية الماء والنار».
هذه هي حال المرأة، قدرها أن تظل دائماً فريسة للقلق والخوف، لم لا وهي الكائن الضعيف الذي لا يملك من أمره شيئاً بل عليه أن يكون تابعاً خاضعاً مصيره مرتبط بإصبع الرجل، السيد المهيمن الذي يملك كل شيء.
7 ـ المرأة، كائناً مغيّباً:
عبدالله خليفة يعرف هذا جيداً، وهو يرى المرأة في مجتمعه في إحدى حالتين: إما رهينة جدران أربعة لا تخرج منها إلا بإذن ولا تدخل إلا بإذن وإما غائبة خلف حجب سوداء لا يراها أحد ولا تكاد هي أن ترى أحداً. لقد فرضت عليها العادات والتقاليد الاجتماعية أن تكون هكذا، وهي لا تستطيع اختراق تلك العادات والتقاليد بل ولا حتى مواجهتها، فتستسلم لمصيرها امرأة حرمت من أبسط حقوقها في الحرية والتعبير عن الذات، المساواة مع الرجل والمشاركة في الحياة الاجتماعية. رغم ذلك ترضى المرأة بقدرها، هي التي لا تستطيع تغييره، فقديماً قالت عائشة التيمورية:
وما احتجابي عن عيب أتيت به
وإنما الصون من شأني وعاداتي
إذن هي ترضى بالاحتجاب لأن العادات والتقاليد هي التي تفرضه، وهي ترضخ لتلك العادات والتقاليد، فذلك أسلم وأقل وجع رأس. وعائشة التيمورية هي التي تقول أيضاً:
بيد العفاف أصون عز حجابي
وبعصمتي أسمو على أترابي…
رغم أن هذا الحجاب بكل ما لـه من عز ومنعة هو الذي يغيّبها عن الحياة ويبعدها عن المشاركة الاجتماعية ويحرمها في معظم الأحيان من حقها في العمل والتعلم. إنها الأسيرة التي ترضى بأسرها، فلا تشكو ولا تتذمر، بل كثيراً ما تكون أكثر تشبثاً بأسرتها: الأعراف وبقيودها: التقاليد، من الرجل نفسه، حريصة على أن تبقى المغيبة، راضية بغيابها ذاك.
عبدالله خليفة يرصد ذلك الغياب بنظر ثاقب ويحزن، يريد من المرأة أن تشق أكفانها وتخرج إلى الحياة، إذ غالباً ما يتكلم عن العباءة والحجاب، ونادراً ما يغيب صورة المرأة المعزولة المبعدة عن الحياة الاجتماعية الفاعلة عن أعماله. بل هو يرى ذلك الغياب والحجاب ماثلاً حتى في ليلة زفاف مي.
“وتسدل الحجاب الحريري على وجهها وتحكم طي العباءة على جسمها، وتسمع هذه الطبول تقترب وأقدام الحشد الرجالي تصعد السلم وتقلقل البيت وتبدأ الأنفاس الذكورية في التسلل إلى مخدعها الناعم وتتذكر وصية أمها المليئة بأقانيم الطاعة والصمت والعمل، وممانعة الزوج في ليلة الدخلة وعدم تركه يأخذها بسهولة، وعليها أن تلتف جيداً في عباءتها حتى ينتزعها انتزاعاً…” «الينابيع» ص 88 .
ترى هل هناك تغييب أكثر وضوحاً من هذا التغييب؟ وهل هناك أسر أشد مرارة وشراسة من أسر التقاليد والأعراف هذا؟ فلا تستطيع المرأة معه أن تعيش حياتها كما ينبغي ولا تتمكن من التعبير عن ذاتها وممارسة حريتها كإنسان كامل الحقوق الإنسانية. إنها المأساة التي يسلط الضوء عليها عبدالله خليفة ببراعة وحذق، وكأنما يحث بذلك مجتمعه كله على أن ينهي هذه المأساة وأن يحل قضية المرأة ككل، مخلصاً إياها من كل ما يحول بينها وبين الحياة الحرة الكريمة، ويحررها من كل قيودها لتنطلق في فضاء الحياة صنواً للرجل تعمل معه يداً بيد وتبني الحياة والمستقبل معه جنباً إلى جنب دون تفرقة أو تمييز، بل بكل ما لها، كإنسان، من حق في الحرية والمساواة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
- كاتب وأديب سوري
المقالات العامة
- جذور_الرأسمالية_عند_العرب
- عبدالله_خليفة: القرامطة .. الجذور التاريخية
- عبدالله_خليفة : كائنات مستأنسة
- عبدالله_خليفة : ما هو حبل الله؟
- عبدالله_خليفة : إنساننا البسيط المتواضع
- عبدالله_خليفة : إيران بين الحصارِ والتراث
- عبدالله_خليفة : الدولةُ والدكتاتوريةُ الروسية
- عبدالله_خليفة : الرقص ودلالاته الاجتماعية
- عبدالله_خليفة : حلقي مليءٌ بالنارِ على وطني
- عبدالله_خليفة وداعاً صديق الياسمين
- عبدالله_خليفة وطنيون لا طائفيين
- عبدالله_خليفة إعادة إنتاج العفاريت
- عبدالله_خليفة الماركسية الأديان
- عبدالله_خليفة الإنتاجُ الفكري وضياعُهُ
- عبدالله_خليفة الانتهازيون والفوضويون
- عبدالله_خليفة تلاقي المستغِلين فوقَ التضاريس
- عبدالله_خليفة عدم التطور الفكري وأسبابه
- عبدالله_خليفة: تطورات الرأسمالية الحكومية الروسية
- (علمية) فيورباخ وتوابعهُ
- مكونان لا يلتقيان
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: أفــق ـ مقالات 2008
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: قراءة جديدة لظاهرات الوعي العربي
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: بلزاك: الروايةُ والثورةُ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تنوير وتحديث نجيب محفوظ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: دوستويفسكي: الروايةُ والاضطهادُ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: صراع الطوائف أم صراع الطبقات؟
- 𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙
- في الأزمة الفكرية التقدمية: عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- قناةُ الجزيرةِ وتزييفُ الوعي العربي
- قد بيان الحداثة لــ أدونيس
- قصة الأطفال عند إبراهيم بشمي
- قصص من دلمون
- كتاب ايديولوجي لعبدالله خليفة
- كريستين هانا
- لينين في محكمةِ التاريخ
- لينين ومغامرة الاشتراكية
- من أفكار الجاحظ الاجتماعية والفلسفية
- من ذكرتنا الوطنية عبدالله خليفة
- موقع عبـــــــدالله خلــــــــيفة على You Tube
- ماجستير الأدب البحريني ـ آثار عبدالله خليفة
- ماركس الرمزي وشبحية دريدا
- مبارك الخاطر: الباحث الأمين المسؤول عن بقاء الضوء في الماضي
- محمود أمين العالم والتغيير
- محمد أمين محمدي : كتب – عبدالله خليفة
- مراجعة للعنف الديني
- مراجعةٌ للعنفِ الديني
- مستويات السرد .. الدلالة والسياق عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- مسرحية وطن الطائر
- مسرحية الأطفال عند علي الشرقاوي
- نموذجانِ مأزومان
- نحن حبات البذار
- نحن حبات البذار عبدالله خليفة
- هل حقاَ رحل صاحب القلب الأبيض؟
- وهي قد تكسرُ البشرَ وخاصة المبدعين والمثقفين!
- وعي محمود إسماعيل
- وعي الظاهر والباطن
- وعبادةُ النصوص
- يوسف يتيم : دراسة تطبيقية لرواية الجذوة على ضوء المنهج الواقعي
- يحيى حقي: كتب – عبدالله خليفة
- أيوب الإنسان: عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- أخوان الصفا
- أدب السجون: إجابة على أسئلة جريدة الوطن
- أدب الطفل في البحرين
- أزمة اليسار
- أسلوب القصة عند الجاحظ في (البخلاء)
- أسلوب الإنتاج الكولونيالي أو رأس المال الحـكومـي الشـــــــــرقي
- أسباب الانتهازية في اليسار
- إنتاجُ وعيٍ نفعي مُسيَّس
- إحترام تاريخ اليسار – كتب: عبدالله خليفة
- الفكرة ونارها: عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- القائد والمناضل عبـــــــدالله خلـــــيفة مفكراً وأديباً وروائياً بحرانياً
- الكلمة من أجل الإنسان
- الليبرالية في البحرين
- المفكر اللبناني كريم مروة
- المنبتون من الثقافة الوطنية
- المذاهب الإسلامية والتغيير كتب: عبـدالله خلــيفة
- المرأة والإسلام
- الولادة العسيرة لليسار الديمقراطي الشرقي
- الوعي والمادة
- الوعي الجدلي في رسالة الغفران لأبي العلاء المعري
- اليسار في البحرين
- اليسار في البحرين والانتهازية
- اليسار والميراث الديني
- اليسار البحريني يخسر «عفيفه الأخضر»
- الأعمال الصحفية الكاملة. أفـــــق، 2024
- الإسلام السياسي كمصطلح غربي
- الانتهازية الفكرية عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الاسلامية.
- البطل الشعبي بين الماضي والحاضر
- التحرير تبقى عاليا ومضية كتب عبدالله خليفة
- التضحوي والاستغلالي
- التطور الفلسفي العربي الحديث المبكر .. عبــدالله خلــيفة
- الحدثُ الأوكراني ودلالاتُهُ الديمقراطية
- الحربائيون
- الرواية الخليجية لم تتجذر في الأرض بعد
- السودان بحاجة إلى الديمقراطية والسلام
- الساقطون واللاقطون ــ كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة
- الصحراويون والزرع
- الطبقة العاملة الهندية في البحرين
- العناصر الفكرية في الشيوعية العربية
- انتصار للطبقة العاملة في العالم بتنصيب الرئيس لولا دي سيلفا رئيسا للبرازيل
- اتحاد الكتاب العرب في سورية| ينعي الأديب البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- بيع كتب ومؤلفات عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- تكويناتُ الطبقةِ العاملةِ البحرينية : عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- تناقضات الماركسية – اللينينية
- تآكل التحديثيين ونتائجه
- تجاوز الشللية والقرابية ــ كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
- تحدياتُ الحداثة في الوعي الديني
- تحدياتُ العلمانية البحرينية
- تداخلات جبهة التحرير والمنبر الديمقراطي – كتب: عبدالله خليفة
- تعريف العلمانية
- تعريف العلمانية عبدالله خليفة
- ثقافة الانتهازية: كتب – عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- جمعية التجديد الإسلامية
- جورج لوكاش … تحطيم العقل !
- جبهة التحرير الوطني البحرينية باقية والمنبر التقدمي شكلٌ مؤقت وعابر
- جذور الرأسمالية عند العرب
- حكمٌ دستوري وإلهٌ عادلٌ
- حوار مع الكاتب عبدالله خليفة: المؤلف الجيّد عاجز عن الوصول الى الناس
- حوار مع عبدالله خليفة
- حوار المفكر العلماني صادق جلال العظم
- رفاق الطريق
- رفعت السعيد والسرد السياسي
- روسيا ودعم الدكتاتوريات
- روسيا الدكتاتورية
- رأس المـــال الحـكومــــي الشـــرقي ــ أو أسلوب الإنتاج الكولونيالي
- سردية الانكسار والانتصار في رواية «التماثيل»: عبدالله خليفة
- صراع الطوائف والطبقات في فلسطين : كتب-عبدالله خليفة
- ضيعة الكتب ضيعة كبيرة. أصدقاء الكاتب لا يعرفون عناوين كتبه.
- طفوليةُ الكلمةِ الحارقة
- طفوليةُ الكلمةِ الحارقة : عبدالله خليفة
- ظهور المادية الجدلية: كتب- عبدالله خليفة
- علي الشرقاوي
- عودةُ الحداثيين لطوائفهم
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة .. الفكرُ المصري ودورُهُ التاريخي
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : «الكلمة من أجل الإنسان»
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : في الأزمة الفكرية التقدمية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : فيلم الشاب كارل ماركس
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : فالح عبدالجبار
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : فصيلٌ جديدٌ لا يعترفُ بالحداثة وقوانينها
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : قانون الإنتاج المطلق
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كلمة من أجل الكاتب
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كاتب أدبيات النضال
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : لماذا يموتُ الشعرُ؟!
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : لولا تخاذل الحداثيين ما جاء الطائفيون
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : لويس أرمسترونغ ــ موسيقى الحياة الوردية
- عبدالله خليفة: ملاحظات حول مجموعة ــ الفراشات لأمين صالح
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : من أفكار الجاحظ الاجتماعية والفلسفية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : من ذاكرتنا الوطنية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : منعطفٌ تاريخي للعرب
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : ميراث شمولي
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : نقادٌ مذعورون
- عبدالله خليفة: نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : نضال النساء في البحرين
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : و(الفولاذ) بعناه!
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : وردة الشهيد
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أفـــق ـ مقالات 2010
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أن تكتب الأدب في السجن
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: أسباب تمكن الحركات الطائفية من الاختراق
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أشكال الوعي في البنية العربية التقليدية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : إنّهُ المثقفُ العضوي!
- عبدالله خليفة: إعادة تشكيل الأسطورة الشعبية في ساعة ظهور الأرواح
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الفقه والدكتاتورية المنزلية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الفنون في الأديان
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : القصة القصيرة الطلقة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الكلمة من أجل الإنسان ــ كارل ماركس
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الكائنُ الذي فقدَ ذاته
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الكتابة وظروفها إجابة على أسئلة
- عبدالله خليفة: المناضل والأديب والإنسان ــ تقديم المحامي عبدالوهاب أمين
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : المنبتون من الثقافة الوطنية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : المثقفون العاميون
- عبدالله خلـيفة : المجموعة القصصية ــ ضــــوء المعتــــــــزلة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : المرأة بين السلبية والمبادرة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : النساء وضعف الخبرة السياسية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : اليهودُ من التراث إلى الواقع
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : اليسارُ الديمقراطي واليسارُ المغامر
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الأفكار والتقدم
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الأديان والماركسية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الإصلاحيون الإيرانيون
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : البنية والوعي
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : البناء الفلسفي في أولاد حارتنا
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : البرجوازية والثقافة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : التفككُ الثقافي
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : التبعية للدينيين
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الثقافة والمثقفون البحرينيون
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الثلاثة الكبار
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الثورية الزائفة لمحطة الجزيرة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الحداثة مشروعان فقط
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الدكتور عبدالهادي خلف مناضل أم ساحر؟
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الدين والفلسفة عند ابن رشد
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الرموزُ الدينيةُ والأساطير
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الرهان على القلم
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي
- عبـــــــدالله خلــــــيفة: الساقطون واللاقطون ــ المنبر اللاتقدمي مثالاً
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الشاعر الكبير يوسف حسن و زهرة الغسق
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العقل والحريــــــــــــة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العلوم والإنتاج والفلسفة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العمل والعمال والمصنع
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العناصر الفكرية في الشيوعية العربية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العائلة والديمقراطية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تنوير نجيب محفوظ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تآكل الماركسية أم الماركسيين؟
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تآكلُ الماركسيةِ في البحرين
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تسلقُ البرجوازية الصغيرةِ الديني
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تطورٌ حديثٌ حقيقي
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تعدد الزوجات والحرية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : ثقافةُ الديمقراطيةِ المتكسرة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : جورج لوكاش وتحطيم العقل
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : حكاية أديب
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: خفوتُ الملاحم
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: رموز الأرض
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: روحُ الأمة!
- : رأس المال الحكومي الشرقي – الطبقة العاملة في البحرين
- عبدالله خليفة : شقة راس رمان التي عاش فيها 21 عاماً وتوفى فيها.
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: صراع الطوائف والطبقات في فلسطين
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: ظهور المادية الجدلية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: علم الحشرات السياسية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: عن الديمقراطية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: عالم قاسم حداد الشـعري
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: عبادةُ الشخوص
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة كيف تلاشتْ النصوصُ الحكيمة؟
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي
- عبـدالله خلـــيفة الأعمال الكاملة القصصية والرواية والتاريخ والنقدية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة السيرة الذاتية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: قناةُ الجزيرةِ وتزييفُ الوعي العربي
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: كلنا إسلام سياسي!
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: لينين في محكمةِ التاريخ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: أفكار سياسية دينية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: ألفُ ليلةٍ وليلة . . السيرة السحرية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: أغلفة الكتب
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: النظر بموضوعية في تاريخ الإنسان
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الوعي الديني والبنية الاجتماعية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الأيديولوجيات العربية والعلم
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الأزمة العقلية للثورة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الانتماءُ والغربةُ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الباحث عن أفق تنويري عربي
- عبـدالله خليفة: البحرين جزيرةُ الحريةِ الغامضةِ في العصر القديم
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الخيال والواقع في الأديان
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الرمزيةُ وأهميتُها
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: العصبيةُ والعمرانُ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: بؤرةُ الوهمِ قديماً وحديثاً
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: بروليتاريا رثةٌ: برجوازيةٌ ضعيفة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تفتيتُ المكونات
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تبعية العلمانيين للدينيين ــ جذورها ونتائجها
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تحليلٌ لكلامٍ مغامر
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تحديث نجيب محفوظ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تدهور مكانة المرأة واتساع الرقيق
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تركيب حضاري
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تطور الوعي الديني في المشرق القديم
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: ثرثرةُ الوعيِّ اليومي
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: حريات النساء مقياس للديمقراطية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: دعْ الإنسانَ حراً
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: رؤيتان للدين
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: سبينوزا والعقل
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: سذاجةٌ سياسيةٌ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة(تفتيتُ المكونات)
- عبـــــــدالله خلـــــــيفة : مسيرة نوال السعداوي
- عبـــــدالله خلــــــــيفة : اليسارُ والتكويناتُ الاجتماعية الدينية
- عبــداللـه خلـــــيفة . . الأقلف والبحث عن الذات
- عبــدالله خلـــــيفة .. مقاربة الشعر الجاهلي
- عبــدالله خلـــــيفة : قراءة لــ طه حسين
- عبــدالله خلـــــيفة : قراءة لـــ إسماعيل مظهر
- عبــدالله خلـــــيفة : وعي النهضة لدى الطهطاوي
- عبــدالله خلـــــيفة : وعي النهضة عند سلامة موسى
- عبــدالله خلـــــيفة: إبراهيم العُريّض ــ الشعر وقضيته
- عبــدالله خلـــــيفة: المثقف العربي بين الحرية والاستبداد
- عبـدالله خلــيفة: عرضٌ ونقدٌ عن أعماله
- عبد الله خليفة: كانت الكلمات عاجزة عن البوح
- عبدالله خليفة
- عبدالله خليفة «الساعةُ آتيةٌ لا ريبَ فيها»
- عبدالله خليفة.. كي لا يُدفن مرتين !
- عبدالله خليفة : وحدة الماضي والمستقبل
- عبدالله خليفة : الاشتراكية والمستقبل
- عبدالله خليفة : البحرين في بدء التحديث
- عبدالله خليفة : التنوير الاجتماعي عند فرح أنطون
- عبدالله خليفة : التنوير الرومانتيكي عند جبران خليل جبران
- عبدالله خليفة : العقل والديمقراطية في وعي جورج طرابيشي
- عبدالله خليفة : بوخارين ومصير روسيا
- عبدالله خليفة : تنوير لويس عوض
- عبدالله خليفة : تنوير يعقوب صروف
- عبدالله خليفة : صراع اليسار واليمين في الإسلام
- عبدالله خليفة : صراع الطوائف أم صراع الطبقات؟
- عبدالله خليفة – الأعمال القصصية
- عبدالله خليفة – الأعمال القصصية – المجلد السابع
- عبدالله خليفة – الأعمال النقدية – المجلد الثامن
- عبدالله خليفة – الأعمال التاريخية
- عبدالله خليفة – الأعمال الروائية – المجلد السادس
- عبدالله خليفة قبل رحيله: المحن مؤذيةٌ وصعبة
- عبدالله خليفة كل الأشجار
- عبدالله خليفة من أجل الشعب اولا
- عبدالله خليفة نفعية في الكتابة
- عبدالله خليفة وقضية المرأة في الرواية الخليجية
- عبدالله خليفة يكتب عن نجيب محفوظ
- عبدالله خليفة أحد أهم الكتاب المخلصين لتجربتهم الفكرية
- عبدالله خليفة أزمة اليسار
- عبدالله خليفة إشكالية البحر والواقع
- عبدالله خليفة المخادعون
- عبدالله خليفة الوعيُّ القرآني قفزةٌ نوعي
- عبدالله خليفة الأعمال الكاملة
- عبدالله خليفة الأعمال الكاملة الروائية والقصصية والتاريخية والنقدية
- عبدالله خليفة الأعمال النقدية الكاملة
- عبدالله خليفة الأعمال الروائية والقصصية والتاريخية والنقدية الكاملة
- عبدالله خليفة الإسلامُ ثورةُ التجار
- عبدالله خليفة الجمهورُ و(الغوغاء)
- عبدالله خليفة الحلال والحرام في السياسة الراهنة
- عبدالله خليفة الرعب من الحب
- عبدالله خليفة السحر والدين
- عبدالله خليفة العقل والحرية
- عبدالله خليفة اسكرايب
- عبدالله خليفة جريدة النور
- عبدالله خليفة رائد الثقافة التنويرية البحرينية
- عبدالله خليفة عن المرأة
- عبدالله خليفة.. تحطيم الصورة وتكوينها
- عبدالله خليفة… حياته
- عبدالله خليفة: في التطورِ العربي العام
- عبدالله خليفة: فائض القيمة البحريني
- عبدالله خليفة: القحط في زمن النفط
- عبدالله خليفة: المسكراتُ وأحوالُ السياسة
- عبدالله خليفة: المغامرات اللغوية أبعدت القارئ عن الرواية
- عبدالله خليفة: الوعيُّ العربيُّ وتطوراته
- عبدالله خليفة: العربُ ونقدُ الواقع
- عبدالله خليفة: تنوير تقي البحارنة
- عبدالله خليفة: تنوير حسن الجشي
- عبدالله خليفة: تناقضات الوعي العربي تاريخياً
- عبدالله خليفة: تباين طرقِ التطور العربية
- عبدالله خليفة: شيعةُ العربِ ليسوا صفويين
- عبدالله خليفة: صراعاتُ الوعي العربي تاريخياً
- عبدالله خليفة: ضعفُ العقلِ النقدي
- عبدالله خليفة: فائض القيمة والاقتصاد السبعيني
- عبدالله خليفة: عبيب «مأكول خيره»..!
- عبدالله خليفة: عبدالناصر كإقطاعي
- عبدالله_خليفة الثلاثة الكبار
- عبدالرحمن بدوي
- General articles
- The_Roots_of_Capitalism_among_the_Arabs
- Abdullah_Khalifa: The_Qarmatians .. Historical Roots
- Abdullah_Khalifa : Domesticated Creatures
- Abdullah_Khalifa : What is the rope of God?
- Abdullah_Khalifa : Our simple, humble man
- Abdullah_Khalifa : Iran between siege and heritage
- Abdullah_Khalifa : The Russian State and Dictatorship
- Abdullah Khalifa: Dance and its social implications
- Abdullah_Khalifa : My throat is filled with fire for my homeland
- Abdullah_Khalifa Farewell, friend of jasmine
- Abdullah_Khalifa : Patriots, not sectarian
- Abdullah_Khalifa Re-producing the Goblins
- Abdullah_Khalifa Marxism Religions
- Abdullah_Khalifa Intellectual Production and its Loss
- Abdullah_Khalifa Opportunists and Anarchists
- Abdullah_Khalifa encounters exploiters across the terrain
- Abdullah_Khalifa : Lack of intellectual development and its causes
- Abdullah Khalifa: Developments in Russian State Capitalism
- ( Scientific) Feuerbach and his followers
- Two incompatible components
- Abdullah Khalifa: Horizons – Articles 2008
- Abdullah Khalifa: A New Reading of the Phenomena of Arab Consciousness
- Abdullah Khalifa: Balzac: The Novel and the Revolution
- Abdullah Khalifa: Enlightening and Modernizing Naguib Mahfouz
- Abdullah Khalifa: Dostoevsky: The Novel and Persecution
- Abdullah Khalifa: Sectarian conflict or class conflict?
- 𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙
- On the progressive intellectual crisis: Abdullah Khalifa
- Al Jazeera and the distortion of Arab consciousness
- Adonis’s statement on modernity
- Children’s stories by Ibrahim Bashmi
- Stories from Dilmun
- An ideological book by Abdullah Khalifa
- Christine Hannah
- Lenin in the court of history
- Lenin and the Adventure of Socialism
- Some of Al-Jahiz’s social and philosophical ideas
- Abdullah Khalifa, our national hero.
- Abdullah Khalifa’s website YouTube
- Master’s Degree in Bahraini Literature – Works of Abdullah Khalifa
- Marx’s symbolism and Derrida’s spectral nature
- Mubarak Al-Khater: The trustworthy researcher responsible for preserving the light in the past
- Mahmoud Amin, the world and change
- Mohammed Amin Mohammedi: Written by Abdullah Khalifa
- A review of religious violence
- A review of religious violence
- Levels of Narration: Meaning and Context – Abdullah Khalifa
- The Bird’s Homeland play
- Children’s play by Ali Sharqawi
- Two problematic models
- We are the seeds
- We are the seeds of Abdullah Khalifa
- Has the kind-hearted man truly passed away?
- It can break people, especially creative and intellectual individuals.!
- Mahmoud Ismail’s awareness
- awareness of the apparent and the hidden
- And the worship of texts
- Youssef Yatim: An Applied Study of the Novel “The Ember” in Light of the Realistic Approach
- Yahya Haqqi: Written by Abdullah Khalifa
- Job the Human: Abdullah Khalifa
- Brethren of Purity
- Prison Literature: An Answer to Questions from Al-Watan Newspaper
- Children’s literature in Bahrain
- The crisis of the left
- The storytelling style of Al-Jahiz in (The Misers))
- The colonial mode of production or Oriental state capital
- Reasons for opportunism on the left
- Producing utilitarian, politicized awareness
- Respecting the history of the left – Written by: Abdullah Khalifa
- The Idea and Its Fire: Abdullah Khalifa
- Leader and activist Abdullah Khalifa, a Bahraini thinker, writer, and novelist
- The word for humanity
- Liberalism in Bahrain
- Lebanese thinker Karim Mroue
- Rooted in national culture
- Islamic Schools of Thought and Change, by Abdullah Khalifa
- Women and Islam
- The difficult birth of the Eastern democratic left
- Consciousness and matter
- Dialectical consciousness in Abu al-Ala al-Ma’arri’s Epistle of Forgiveness
- The left in Bahrain
- The left in Bahrain and opportunism
- The Left and the Religious Heritage
- Bahraini left loses Afifa Al-Akhdar»
- The Complete Journalistic Works. Horizon, 2024
- Political Islam as a Western term
- Intellectual Opportunism – Abdullah Khalifa
- Idealist trends in Arab-Islamic philosophy.
- The folk hero between the past and the present
- Liberation remains high and bright, wrote Abdullah Khalifa
- Sacrificial and exploitative
- Early Modern Arab Philosophical Development… Abdullah Khalifa
- The Ukrainian event and its democratic implications
- chameleons
- The Gulf novel has not yet taken root.
- Sudan needs democracy and peace.
- The Fallen and the Pickers Up – Written by: Abdullah Khalifa
- Desert dwellers and agriculture
- The Indian working class in Bahrain
- Intellectual elements in Arab communism
- A victory for the working class worldwide with the inauguration of President Lula da Silva as President of Brazil.
- The Arab Writers Union in Syria mourns the passing of Bahraini writer Abdullah Khalifa.
- Selling books and writings by Abdullah Khalifa
- The Compositions of the Bahraini Working Class: Abdullah Khalifa
- Contradictions of Marxism-Leninism
- The erosion of modernization and its consequences
- Overcoming favoritism and nepotism – Written by: Abdullah Khalifa
- Challenges of modernity in religious consciousness
- Challenges facing Bahraini secularism
- Interventions of the Liberation Front and the Democratic Platform – Written by: Abdullah Khalifa
- Definition of secularism
- Definition of secularism by Abdullah Khalifa
- The Culture of Opportunism: Books – Abdullah Khalifa
- Islamic Renewal Society
- Georg Lukács… The Destruction of Reason !
- The Bahraini National Liberation Front remains, while the Progressive Tribune is a temporary and transient entity.
- The roots of capitalism among the Arabs
- Constitutional rule and a just God
- Interview with writer Abdullah Khalifa: A good author is unable to reach people
- Interview with Abdullah Khalifa
- Dialogue with secular thinker Sadiq Jalal al-Azm
- companions on the road
- Rifaat al-Saeed and the political narrative
- Russia and its support for dictatorships
- Dictatorship Russia
- Eastern state capital – or the colonial mode of production
- The Narrative of Defeat and Triumph in the Novel “The Statues”: Abdullah Khalifa
- Sectarian and class conflict in Palestine: Written by Abdullah Khalifa
- The book market is vast. The author’s friends don’t know the titles of his books..
- The childishness of the burning word
- The childishness of the burning word: Abdullah Khalifa
- The Emergence of Dialectical Materialism: Written by Abdullah Khalifa
- Ali Al-Sharqawi
- The return of modernists to their sects
- Abdullah Khalifa
- Abdullah Khalifa: Egyptian Thought and its Historical Role
- Abdullah Khalifa: “The word is for the sake of humanity.”»
- Abdullah Khalifa: On the Progressive Intellectual Crisis
- Abdullah Khalifa: The Young Karl Marx Film
- Abdullah Khalifa: Faleh Abduljabbar
- Abdullah Khalifa: A new faction that does not recognize modernity and its laws
- Abdullah Khalifa: The Law of Absolute Production
- Abdullah Khalifa: A word for the writer
- Abdullah Khalifa: Writer of resistance literature
- Abdullah Khalifa: Why does poetry die?!
- Abdullah Khalifa: Had it not been for the inaction of the modernists, the sectarianists would not have come.
- Abdullah Khalifa: Louis Armstrong – La Vie en Rose
- Abdullah Khalifa: Notes on the collection “Butterflies” by Amin Saleh
- Abdullah Khalifa: From Al-Jahiz’s social and philosophical ideas
- Abdullah Khalifa: From our national memory
- Abdullah Khalifa: A historical turning point for the Arabs
- Abdullah Khalifa: A Comprehensive Legacy
- Abdullah Khalifa: Terrified Critics
- Abdullah Khalifa: Naguib Mahfouz: From Historical Novel to Philosophical Novel
- Abdullah Khalifa: The Struggle of Women in Bahrain
- Abdullah Khalifa: And we sold (steel).!
- Abdullah Khalifa: The Martyr’s Rose
- Abdullah Khalifa: Horizons – Articles 2010
- Abdullah Khalifa: Writing Literature in Prison
- Abdullah Khalifa: Reasons for the ability of sectarian movements to infiltrate
- Abdullah Khalifa: Forms of Consciousness in the Traditional Arab Structure
- Abdullah Khalifa: He is the organic intellectual!
- Abdullah Khalifa: Reshaping the popular myth in the hour of the appearance of spirits
- Abdullah Khalifa: Jurisprudence and Domestic Dictatorship
- Abdullah Khalifa: The Arts in Religions
- Abdullah Khalifa: The Short Story Bullet
- Abdullah Khalifa: The Word for Man – Karl Marx
- Abdullah Khalifa: The being who lost himself
- Abdullah Khalifa: Writing and its circumstances: An answer to questions
- Abdullah Khalifa: The Fighter, the Writer, and the Human Being – Presented by Lawyer Abdulwahab Amin
- Abdullah Khalifa: Those who are uprooted from national culture
- Abdullah Khalifa: Popular Intellectuals
- Abdullah Khalifa: The Short Story Collection – The Light of the Mu’tazila
- Abdullah Khalifa: Women Between Passivity and Initiative
- Abdullah Khalifa: Women and the Lack of Political Experience
- Abdullah Khalifa: The Jews: From Heritage to Reality
- Abdullah Khalifa: The Democratic Left and the Adventurous Left
- Abdullah Khalifa: Ideas and Progress
- Abdullah Khalifa: Religions and Marxism
- Abdullah Khalifa: Iranian Reformists
- Abdullah Khalifa: Structure and Awareness
- Abdullah Khalifa: The Philosophical Structure in Children of Gebelawi
- Abdullah Khalifa: The Bourgeoisie and Culture
- Abdullah Khalifa: Cultural Disintegration
- Abdullah Khalifa: Subservience to Religious People
- Abdullah Khalifa: Bahraini Culture and Intellectuals
- Abdullah Khalifa: The Big Three
- Abdullah Khalifa: Al Jazeera’s False Revolutionary Appearance
- Abdullah Khalifa: Modernity is only two projects
- Abdullah Khalifa: Is Dr. Abdulhadi Khalaf a fighter or a magician?
- Abdullah Khalifa: Religion and Philosophy in Ibn Rushd
- Abdullah Khalifa: Religious Symbols and Myths
- Abdullah Khalifa: Betting on the Pen
- Abdullah Khalifa: The Narrator in the World of Muhammad Abdul Malik’s Stories
- Abdullah Khalifa: The Fallen and the Pickers Up – The Non-Progressive Platform as an Example
- Abdullah Khalifa: The great poet Youssef Hassan and the Twilight Flower
- Abdullah Khalifa: Reason and Freedom
- Abdullah Khalifa: Science, Production, and Philosophy
- Abdullah Khalifa: Work, Workers, and the Factory
- Abdullah Khalifa: The Intellectual Elements of Arab Communism
- Abdullah Khalifa: Family and Democracy
- Abdullah Khalifa: Enlightening Naguib Mahfouz
- Abdullah Khalifa: Is it Marxism or Marxists that are eroding?
- Abdullah Khalifa: The Erosion of Marxism in Bahrain
- Abdullah Khalifa: The Climbing of the Religious Petty Bourgeoisie
- Abdullah Khalifa: A truly modern development
- Abdullah Khalifa: Polygamy and Freedom
- Abdullah Khalifa: The Culture of Fractured Democracy
- Abdullah Khalifa: Georg Lukács and the Destruction of Reason
- Abdullah Khalifa: The Roots of Violence in Contemporary Arab Life
- Abdullah Khalifa: The Story of a Writer
- Abdullah Khalifa: The Fading of Epics
- Abdullah Khalifa: Symbols of the Earth
- Abdullah Khalifa: The Spirit of the Nation!
- Abdullah Khalifa: Eastern State Capital – The Working Class in Bahrain
- Abdullah Khalifa: The Ras Rumman apartment where he lived for 21 years and where he died.
- Abdullah Khalifa: The Conflict Between Sects and Classes in Palestine
- Abdullah Khalifa: The Emergence of Dialectical Materialism
- Abdullah Khalifa: Political Entomology
- Abdullah Khalifa: On Democracy
- Abdullah Khalifa: The Poetic World of Qasim Haddad
- Abdullah Khalifa: The Worship of Individuals
- Abdullah Khalifa: How did the wise texts disappear?
- Abdullah Khalifa, writer and novelist
- Abdullah Khalifa: Complete Works of Short Stories, Novels, History, and Criticism
- Abdullah Khalifa’s Biography
- Abdullah Khalifa: Al Jazeera Channel and the Distortion of Arab Consciousness
- Abdullah Khalifa: We are all political Islam!
- Abdullah Khalifa: Lenin in the Court of History
- Abdullah Khalifa: Political and Religious Ideas
- Abdullah Khalifa: One Thousand and One Nights… The Magical Biography
- Abdullah Khalifa: Book Covers
- Abdullah Khalifa: Looking objectively at human history
- Abdullah Khalifa: Religious Awareness and Social Structure
- Abdullah Khalifa: Arab Ideologies and Science
- Abdullah Khalifa: The Intellectual Crisis of the Revolution
- Abdullah Khalifa: Belonging and Alienation
- Abdullah Khalifa: The seeker of an Arab enlightenment horizon
- Abdullah Khalifa: Bahrain, the mysterious island of freedom in ancient times
- Abdullah Khalifa: Imagination and Reality in Religions
- Abdullah Khalifa: Symbolism and its importance
- Abdullah Khalifa: Tribalism and Civilization
- Abdullah Khalifa: The epicenter of illusion, past and present
- Abdullah Khalifa: A ragged proletariat: a weak bourgeoisie
- Abdullah Khalifa: Breaking down the components
- Abdullah Khalifa: The subservience of secularists to religious figures – its roots and consequences
- Abdullah Khalifa: An Analysis of Adventurous Words
- Abdullah Khalifa: Naguib Mahfouz Update
- Abdullah Khalifa: The decline in the status of women and the expansion of slavery✶
- Abdullah Khalifa: A Civilizational Structure
- Abdullah Khalifa: The Development of Religious Consciousness in the Ancient East
- Abdullah Khalifa: The Chatter of Everyday Consciousness
- Abdullah Khalifa: Women’s freedoms are a measure of democracy
- Abdullah Khalifa: Let man be free
- Abdullah Khalifa: Two Visions of Religion
- Abdullah Khalifa: Spinoza and Reason
- Abdullah Khalifa: Political naiveté
- Abdullah Khalifa [ Crushing the components]】
- Abdullah Khalifa: Nawal El Saadawi’s Journey
- Abdullah Khalifa: The Left and Socio-Religious Formations
- Abdullah Khalifa: The Uncircumcised and the Search for Self
- Abdullah Khalifa… An Approach to Pre-Islamic Poetry
- Abdullah Khalifa: A Reading of Taha Hussein
- Abdullah Khalifa: A reading by Ismail Mazhar
- Abdullah Khalifa: Al-Tahtawi’s Awareness of the Renaissance
- Abdullah Khalifa: The Renaissance Consciousness of Salama Moussa
- Abdullah Khalifa: Ibrahim Al-Urayyidh – Poetry and its Cause
- Abdullah Khalifa: The Arab Intellectual Between Freedom and Tyranny
- Abdullah Khalifa: A presentation and critique of his works
- Abdullah Khalifa: Words failed to express
- Abdullah Khalifa
- Abdullah Khalifa: “The Hour is coming, there is no doubt about it.”“
- Abdullah Khalifa… so that he is not buried twice !
- Abdullah Khalifa: The Unity of the Past and the Future
- Abdullah Khalifa: Socialism and the Future
- Abdullah Khalifa: Bahrain is beginning modernization
- Abdullah Khalifa: Social Enlightenment in Farah Antoun’s Thought
- Abdullah Khalifa: Romantic Enlightenment in the Works of Khalil Gibran
- Abdullah Khalifa: Reason and Democracy in the Consciousness of George Tarabishi
- Abdullah Khalifa: Bukharin and the Fate of Russia
- Abdullah Khalifa: Enlightening Louis Awad
- Abdullah Khalifa: Enlightening Yaqoub Sarrouf
- Abdullah Khalifa: The Left-Right Conflict in Islam
- Abdullah Khalifa: Sectarian conflict or class conflict?
- Abdullah Khalifa – Short Stories
- Abdullah Khalifa – Short Stories – Volume Seven
- Abdullah Khalifa – Critical Works – Volume Eight
- Abdullah Khalifa – Historical Works
- Abdullah Khalifa – Fictional Works – Volume Six
- Abdullah Khalifa before his departure: Trials are painful and difficult
- Abdullah Khalifa, all the trees
- Abdullah Khalifa: For the people first.
- Abdullah Khalifa’s pragmatism in writing
- Abdullah Khalifa and the issue of women in the Gulf novel
- Abdullah Khalifa writes about Naguib Mahfouz
- Abdullah Khalifa is one of the most dedicated writers to his intellectual experience.
- Abdullah Khalifa: The Crisis of the Left
- Abdullah Khalifa: The Problem of the Sea and Reality
- Abdullah Khalifa, the deceivers
- Abdullah Khalifa: Quranic awareness is a qualitative leap
- Abdullah Khalifa’s Complete Works
- Abdullah Khalifa: Complete Works of Novels, Short Stories, Historical Works, and Criticism
- Abdullah Khalifa’s Complete Critical Works
- Abdullah Khalifa: The Complete Works of Novels, Short Stories, Historical Works, and Criticism
- Abdullah Khalifa, Islam, the merchants’ revolution
- Abdullah Khalifa, the public and (the mob))
- Abdullah Khalifa: Halal and Haram in Current Politics
- Abdullah Khalifa, the terror of love
- Abdullah Khalifa, the magician and the religious scholar
- Abdullah Khalifa, the Caliph of Reason and Freedom
- Abdullah Khalifa Scribe
- Abdullah Khalifa, Al-Nour Newspaper
- Abdullah Khalifa, a pioneer of Bahraini enlightenment culture
- Abdullah Khalifa on women
- Abdullah Khalifa… Deconstructing and Reconstructing the Image
- Abdullah Khalifa… His Life
- Abdullah Khalifa: On the general Arab development
- Abdullah Khalifa: Bahraini Surplus Value
- Abdullah Khalifa: Drought in the Time of Oil
- Abdullah Khalifa: Intoxicants and Political Affairs
- Abdullah Khalifa: Linguistic adventures distanced the reader from the novel.
- Abdullah Khalifa: Arab Consciousness and its Developments
- Abdullah Khalifa: Arabs and the Critique of Reality
- Abdullah Khalifa: Enlightening Taqi Al-Baharna
- Abdullah Khalifa: Enlightening Hassan Al-Jishi
- Abdullah Khalifa: Contradictions of Arab Consciousness Historically
- Abdullah Khalifa: The Divergence of Arab Development Paths
- Abdullah Khalifa: Arab Shiites are not Safavids
- Abdullah Khalifa: Conflicts of Arab Consciousness Historically
- Abdullah Khalifa: Weakness of Critical Thinking
- Abdullah Khalifa: Abdullah Khalifa: Surplus Value and the Seventies Economy
- Abdullah Khalifa: Abeeb “whose goodness is consumed””..!”
- Abdullah Khalifa: Abdel Nasser as a feudal lord
- Abdullah Khalifa, the three greats
جماليات المكان في مجموعة «سيد الضريح»
زينب جلولي *

قصة «سيد الضريح» من المجموعة التي تحمل نفس العنوان لــ عبدالله خليفة:
يعالج القاص عبدالله خليفة في هذه القصة مسألة اختفاء سيد الضريح ، والذي خرج من قبره لأنه ما عاد يحتمل ما يجري من مظاهر وطقوس مثيرة للاستغراب والاشمئزاز، فيجد خارج هذا الضريح حياة مغايرة لتلك التي يعرفها والتي عاشها في الضريح، ومن ثم تبدأ مهمة البحث عن هذا الكهل التي تتولاها السلطة في البلد، ولكن هذا الكهل هو مجهول الملامح. والصفات التي وُجدت في اللوحة التي صورها الرسام ، والصفات تنطبق على العديد من الأشخاص، وقد اهتمت السلطة بإلقاء القبض عليه لأنه في نظرهم خارج عن القانون ، ذلك لأنه خرج من مقره دون إشعار … والملفت للغرابة أن نفس الظاهرة تحدث في أضرحة أخرى في البلاد ، وينتشر الخبر المرعب كالصاعقة في جميع الأنحاء ، مما يجعل مهمة الإمام مستحيلة في إقناع الناس بوهمية وجود سيد الضريح .
ومما يزيد العرقلة لعملية البحث هو ادعاء كثيرين أنهم سادة الضريح، مما يجعل السلطة تستقر عند حل واحد، هو الإتيان بذلك الكهل الذي زعم أنه خرج من الضريح وإعادته إلى الضريح وإعادة بنائه كما كان ، وأن يشاع خبر إيجاده حتى تسترجع البلاد عافيتها من هذا الجنون، في حين يبقى البحث عن سيد الضريح الحقيقي مستمراً في ظل احتمال استحالة العثور عليه.
سيمياء العنوان
إن التساؤل الذي يشرع لنا طرحه في هذا المضمار، هو هل كان الكاتب عبدالله خليفة موفقاً في اختيار ( سيد الضريح ) عنواناً للقصة؟ أو بعبارة أخرى، هل قام العنوان بوظيفته البنائية المتمثلة في استفزاز واستدراج القارئ إلى الولوج إلى عمق النص؟
فأول مدخل للنص يكون عن طريق العنوان الذي ألفيته من حيث تركيبته اللغوية يتكون من أسمين، الثاني منهما مسند إلى الأول، وبذلك يكتمل تعريف الأول (سيد) بإضافة الثاني (الضريح)، أي (سيد الضريح). وكلمة (سيد) كما هو شائع تطلق عادةً أو تستعمل تسميةً لأشخاص معينين تخصيصاً لمكانتهم سواء كانت اجتماعية ، سياسية، … كما أن الضريح هو المكان الذي يحتوي الإنسان ، بعد مماته وهو قبرٌ لكن ليس عادياً ، فهو متميزٌ بارتفاعه وشكله وأحياناً تعلوه قبة، وذلك لمكانة صاحبه في النفوس ، ولهذا نجد هذه الإضافة بين سيد والضريح متلائمة ومتناسبة، وهي في عمقها تؤكد لنا إمكانية إضافة الإنسان للمكان بعد أن أضحى المكان في علاقة جدلية مع الإنسان، فهو يحتويه منذ أن يتخذه من رحم أمه مكاناً وفي حياته اليومية إلى قبره الذي هو مكانه الأخير في الدنيا.
ومن جهة أخرى فقد أصبحت هذه العلاقة، في القصة، علاقة فاعلية أي أن لضريح أضحى مؤثراً في الشخصية، بحيث يلفظها لتنتقل إلى خارجه وبهذا يتشكل الحدث في القصة وينتهي عنده .
فالقصة إذن تنطلق بدايةً من عنوان يحملُ دلالةً مكانية متنوعة وبلغة مكانية، ويمتدُ هذا التركيز المكاني إلى القصة وأحداثها وحركة شخصياتها وبهذا يصبحُ العنوانُ بوابة النص.
شعرية القص في قصة «سيد الضريح»
إذا كان (تفاعل العناصر المكانية وتضادها يشكلان بعداً جمالياً من أبعاد النص الأدبي) (1)، فالجمالية هي (بحث عن نسق العناصر المكونة للظاهرة لبيان الوظيفة التي تقوم بها داخل العمل الأدبي بشكل عام) (2).
والشعرية ببساطة هي رؤيا تعتمد فلسفة متداخلة بالجمال وهي تلك التي ينتجها المتلقي في تعامله الجاد مع عناصر العمل الأدبي ، بحيث تصبح اللغة وسيلة وغاية في حد ذاتها .
كما أنه بعد تعمق في بنية، القصة لاحظنا اشتراك عناصرها وتداخلها وتفاعلها وهذا ما أضفى على النص شاعرية ومن أولى هذه العناصر:
شعرية المكان
الأمكنة عموماً في «سيد الضريح»، عناق بين الواقع والأسطورة والطابع الخرافي ، حيث يتأرجح القاصُ في وصفه للمكان بين الواقعية والعجائبية ثم أمكنة واقعية وهذا امتثالاً لتكسير رتابة الأحداث المكانية كما هو معروف في القصة الكلاسيكية، فنجد القاصَ يضفي على الضريح أبعاداً أسطورية جعلته يسمو إلى مستوى شاعري فني، حيث يبدأ بوصف الضريح كما في الواقع ليشوش أبعاده فيما بعد بأوصاف أسطورية وبلغة مراوغة ستوقف حيرة القارئ .
وهذا ماثل في قوله :
«أجسادٌ متلاصقة، أطفالٌ وشيوخٌ ونساء ورجال هم شبه عراة والضريح بقبته الكبيرة يحدق بهم ، بأطره الذهبية الواسعة وعيونه الخرزية الكثيفة المثيرة ».
وهو وصفٌ ينمُ عن جوٍ محزن يسودهُ صمتٌ رهيب وهو أشبه بمشهد كارثي إنساني، جاء بلغة عادية بسيطة لعلها تمهيد لتخفيف صدمة القارئ بذلك الوصف العجائبي فيما بعد ، حين يغوصُ بنا في اللاواقع الذي يستفزنا:
“بغتة تنشقُ القبة، المعدنُ الصلب انصهر أولاً، وأخذت الأحجارُ التي تكلست منذ قرون تتصدع وانهارت كتلةٌ … ومن الغبار والعتمة والنار وظهر رجلٌ كهلٌ تطلع بخوفٍ إلى زواره .. نزل بهدوء وغياب وحزن”. وهي عبارةٌ تحيلنا إلى أسطورة البعث تفنن القاصُ في تشكيلها وتوظيفها، حيث يعيدُ تكوين هذا الكهل من الغبار والعتمة والنار ويبعثه من جديد، وقد تسنى للقاص هذا الوصفَ الغرائبي عن طريق الألفاظ والاستعارات (التي تقوم لدى الأديب مقام الألوان لدى الرسام والنغم لدى الموسيقي)
كذلك في وصف القاص لمكان شعري آخر لا يقل عن سابقه في قوله:
«صاح طفلٌ قرب قدمه. مضغةٌ صغيرة من لحم متوارٍ وعظم بارز». وأيضاً «يبكي من هذا الخلود في حمم البشر، يسبح في برك الأعضاء والعيون إلى ما لا نهاية له من اللحم والنار»، فهناك أمكنةٌ أسطورية ابتدعها خيالُ القاص جعلتنا أمام مشاهد ميتافيزيقية سريالية، بصيغة درامية تبعث الأسى والذي تعانيه الشخصية ذاتها .
ولتعميق الصدمة في نفس القارئ، فالقاص يتجهُ إلى تفاصيل هذا المكان الذي أضحى أسطورياً:
«في العتمة الطويلة . . إلى النهر الصاخب من الدموع . . كتل من العظم الأنثوي الذي تــُغرز فيه الحممُ. . قطعٌ من أكباد الأطفال تشوى تحت أنفه . . ولا تستطيع سحبُ البخور أن تدهس رائحة اللحم البشري المحروق . . وأثداء النسوة التي تنغرزُ فيه السجائر والأسنان والإبر . . ».
فهذه الأوصاف التي أضفاها القاصُ على المكان أي الضريح مثيرة للغرابة والدهشة لدى القارئ الموهوم بالواقع والتاريخ وذلك بمعناها أولاً، وبالتركيب اللغوي ثانياً، والذي تخلخلت فيه العلاقة بين الألفاظ ومدلولاتها، والأسماء بأفعالها، وهذه هي عدة الشعرية.
وفي تكسير لمحدودية المكان، نجد القاصَ ينتقل بالشخصية «سيد الضريح» إلى الشارع:
«كان الشارع المعتم البارد ينفجر فيه دوي السيارات المندفعة . . حدق في الأجساد الحديدية الضوئية بذهول». وهذا الانتقال في الأمكنة أدى إلى تكسير نمطية الحدث فيما بعد. وهذا كان ظاهراً حتى من حيث شكل القصة على مستوى ترتيب المقاطع الذي سببه اللاتسلسل في الأحداث وهو سمة القصة الجديدة.
ونلاحظ أن القاص يتجنب المباشرة في وصف ملامح المدينة ومقتضيات العصر، هذا العصر الذي طغت فيه الماديات. . وكأن القاصَ من خلال أسلوبه هذا في الوصف مستاء من الوضع هناك. وقد تكرر ذلك في كثير من المقاطع «يتنازعون القطع الصفراء . .»، و«رآه يتحدث في شيء صغير أسود»، و«كانت الباصات المشحونة تقذف بشراً كالنمل في الميدان وتطلق سحابات من دخان موجع . . نزل رجالٌ بملابس متشابهة يصفرون ويحدقون بأضواء طويلة حادة . . ويضربون بعصي طويلة، ووجد نفسه يتسلل إلى أزقة طويلة كجحور الفئران والأرانب . . ». وكأن القاصَ في تعبيراته هذه عن خصوصيات المدينة يتجاهلها بعدم ذكر أسمائها المتداولة في هذا العصر . ومن جهة أخرى فقد كان لهذا الأسلوب أثر على اللغة بحيث اتسعت الدلالة وتركت أثراً جمالياً على النص . وهذا النشوز من المدينة المعاصرة الذي نلتمسه عند عبدالله خليفة يعلق أحد النقاد بأن (عبدالله خليفة يسترسل في تأمل مجتمع ما قبل النفط ويقارنه بالتطورات الحاصلة بعد اكتشافه ويربط ذلك كله بأزمة القيم الأصيلة في هذا المجتمع المتغير)(3).
وقد ورد في القصة تسميات الشارع، المكتبة، الباصات، الأزقة، الحواري، الجدران . . استطاع القاصُ توظيفها بطريقة فنية هادفة في صيرورة الأحداث وحركة الشخصيات كما (أن التعبير بأطر المكان عن هندسة المدينة (شوارع، جدران) هو تعبير عن إشكالية حضارية صميميه ووجودية مؤلمة تضربُ بأطنابها في صميم الواقع النفسي والمادي للإنسان المعاصر، فتخلخل علاقته بالمكان ويصبح أكثر مأساوية).
وهذا ما يجعل القاص – في محاولة الابتعاد عن السطحي – يتجاهل أشياء المدينة وأطرها بإعطائها أوصافها دون أسمائها. وتعميقاً لمأساوية الواقع بأبعاده المختلفة، قام القاص باستعارة تاريخية تمثلت في توظيف شخصية لا تبت بصلة لهذا العصر بزمانه ومكانه، وتتجلى هذه المأساة اكثر حين تدرك الشخصيةُ المستعارةُ هذه التناقضات من حولها، فالقاصُ يتعمدُ في تحميل هذه الشخصية حالة نفسية صعبة على أثر انتقالها إلى مكان آخر وزمان آخرين.
وفي هذا النص تبرز قيمة التقاطبات المكانية – كما اسماها «يوري لوتمان» – بشكل واضح، فهي تقنية يوظفها القاصُ في الكشف عن الدلالات المتعددة في النص الذي يتعامل مع المكان، وهي تساعد القارئ في مهمة البحث عن شاعريته (المكان) وجماليته المستترة وراء اللغة.
فالملاحظ أن هذه التقاطبات تــُضفي مسحة جمالية على النص الذي بات لا يستغني عنها لتوضيح أهمية المكان فيه ووظيفته.
ومن خلال حركية هذه المتناقضات المكانية نستطيع التعرف إلى كيفية بناء المبدع للنص، وكذلك فهو لا يصوغها اعتباطاً وإنما هي مقصودة لتحيلنا إلى أبعاد دلالية لا حصر لها وبالتالي تدفعنا إلى إعادة تأويل المكان، ونجد في النص أمثلة كثيرة:
ثنائية الانغلاق / الانفتاح
الانغلاق في الحيز المكاني يبرزُ في:
الضريح: وهو مكان منغلق أشبه بالسجن وهو يقيدُ حرية الشخصية «سيد الضريح» ويحدد حركته بجدرانه، وبذلك يصبح مكاناً لا يشجع على البقاء والاستقرار. وهذا ماثل في قوله: «أرجوك هد هذا الضريح عليّ، دعني أموتُ ولو مرة واحدة . .».
وأيضاً في: «وهو محبوس بين الجدران والظلمات كان يتعفنُ وينشرهُ الحزن ُ. . ». وبذلك فالضريح مكان منغلق ومن هذا المنحى – تظهر العلاقةُ بين الإنسان والمكان بوصفها علاقة جدلية بين المكان والحرية، لأن الحرية (هي مجموع الأفعال التي يستطيعُ الإنسان أن يقوم بها دون أن يصطدم بحواجز أو عقبات، أي يقوم بقوى ناتجة عن الوسط الخارجي من لا يقدر على قهرها أو تجاوزها)، (4).
فهو مكان مثير للقلق والضجر وهذا ما يظهر جلياً في قوله: «لا أعرف كيف سجنتموني بين هذه الجدران . . »، وبالتالي يصبح الضريح سجناً – كما سبق الإشارة إليه – مقيداً لحركة البطل وقمعاً لرغباته .
القاعة البلاطية: وهي مكان منغلق يحملُ في طياته الداخل الذي يحيل إلى الخارج وهي ذات السقوف الواسعة اللامعة والأعمدة الهائلة، وهي تضم مجموعةَ البشر على اختلافهم (نساء، أطفال، رجال . .) وهي تدل على الاتساع لاحتوائها ما سبق ذكره .
البوابة: وهي تحملُ جدل الداخل / الخارج، أي المكان المغلق الذي يحيل على المكان المنفتح، وقد تجلى دورها في القصة كونها الوسيط الذي ولجت من خلاله الشخصية «سيد الضريح» إلى العالم الخارجي إلى الشارع .
الشارع: وهو مكان منفتح، تكثرُ فيه الحركة، وهو رمز للحرية والانفراج «والآن يعود للحرية ويشعر بطاقة عظيمة قادرة على الفعل وانفتاح كبير على الفرح»، فالشارع مضاد تماماً للضريح، بحيث يطلق العنان للشخصية في حرية تحركها وانفراج أزمتها النفسية التي عانتها في ذلك المكان، بحيث يشعرُ بالفرح بعدما كان يغمرها الحزنُ والضجر من سوء المصير.
الرصيف: وقد ورد ذكره في النص بطريقة وصف غير مباشر «ثمة طريق مبلط يمشي عليه المارةُ، سار هو عليه أيضاً . .»، لم يكن له دور فعال في القصة، وإن كان من ناحية أخرى يرمزُ إلى ضياع الشخصية في عالم لا تعرف عنه الكثير، وهو بذلك مجال مفتوح تنبعثُ من الحرية .
الظلام / النور: هذه الثنائية كانت الطابع السائد في القصة منذ بدايتها إلى نهايتها وقد ورد ذكرها صراحة في كثير من المواقف.
فالظلام: يستقطب جميع تلك المناظر والظواهر المثيرة للحزن والاشمئزاز والتي صنعتها الأمكنة المنغلقة كالضريح، الذي تملؤه العتمة والظلام – والكهف الذي يملأه الدم والأسمال والدموع والأرواح المعذبة وجثث البحارة الغرقى والعمال المحروقين . .
ودلالات الظلام تتمثل في تلك المظاهر التي تحمل في طياتها معاني الموت (حمم البشر، الجنازات، الأنين، الدمع، الروائح، الحزن . .) ومعاني المرض والغضب والألم والمصير المجهول الذي عرفته الشخصية «سيد الضريح» ومعاناته طوال أحداث القصة، وفي مقابل ذلك نجد:
النور: الذي يستقطب كل مظاهر ومعاني الانفراج والحرية والحياة والانبعاث والميلاد والضوء والسعادة وقد تجلى بوضوح في القصة (الذهب المتناثر، النار، اللؤلؤ، النهار، الاستمتاع بضوء الشتاء، القلوب الوردية، المياه، الكنوز، الراحة، الهدوء، الصلوات بين الأضواء والتلال . .) وهذه الثنائيات المكانية المتضادة لم تلغ بعضها وإنما تكاملت فيما بينها لكي تقدم لنا المفاهيم العامة التي تساعدنا على فهم كيفية تنظيم واستغلال المادة المكانية في القصة . وبذلك يظهر دور المكان واضحاً في تجسيد الصراع والتناقضات داخل الشخصية.
العلو / التدني:
القبة: وهي تمثل الارتفاع، فقد وضعت على الضريح تميزاً له، وهي ترمز للسمو والترفع الأخلاقي والاجتماعي، في مقابل هذا نجد معاني التدني والانحطاط الذي جسده القاصُ في أماكن الانبساط والانخفاض أي في الشارع والذي هو جزء من المدينة، والتي تبدلت فيها القيمُ الإنسانية كما نقلت لنا ذلك شخصية «سيد الضريح».
علاقة المكان بالشخصية:
نجد من خلال تلك الأوصاف التي خلعها القاصُ على الأمكنة خاصة الرئيسية منها للحدث، فقد كان لا يهدف من ورائها إلى تصوير المكان وتقريبه إلى ذهن القارئ، بل كان يقصدُ إلى تجسيد الحالة النفسية المتأزمة غالباً للشخصية الرئيسية وهذا الاهتمام جعل القاص يصوغُ المكنة وفقاً لهذه الحالة، وذلك بما احتواه هذا المكان من أشياء وظواهر تنمُ عن أحاسيس الشخصية ومشاعرها التي تنوعت بين الحزن والغربة والخوف والفرح والاستغراب أحياناً والدهشة. .
فالمكان كان مؤثراً أساسياً في الشخصية حيث نجدهُ يحدد حركته ويطوق حريته في الضريح ويبعثُ على إثارة مشاعر الحزن و الاشمئزاز والضجر مما يجري هناك من طقوس. . إلى الشارع الذي يشعرها بالفرح والحرية والانفتاح.
والملاحظ أن تواجد الشخصية في مكان غير مكانها وزمان غير زمانها وذلك بسبب الاستعارة التاريخية التي التجأ إليها القاص حيث بعث هذه الشخصية من جديد بجميع أبعادها وجوانبها، إلى عالم آخر شبيه بعالمنا الحالي.
ولهذا نشأت تناقضات نفسية داخل الشخصية أفرزتها تلك التناقضات بين عالمها الماضي والعالم الحاضر.
ويظهر أن القاصَ يميلُ إلى التجريب في رؤية المرحلة التاريخية، وحركة الواقع مما يؤثر أحياناً على وحدة التأثير، واتساق الدلالة، غير أنه يعوض عن نزعة التجريب ونهج التبسيط بشاعرية لطيفة ولغة تعبيرية عذبة، لصالح نبض إنساني دافئ لا يخفى على القارئ.
الخوف من المكان: لأن الشخصية الرئيسية وخاصة أنها من زمن ومكان آخرين تعاين المكان باستغراب، وشعور خوف حاد، ربما لهذا مبررات منها سذاجة البيئة التي تعرفها وبساطتها، وعجائبية المكان الآخر، وغرابته وطرافته أحياناً، وهذا ما يظهر في القصة: “نظر في الأجساد الحديدية بذهول، سمع كلاماً غريباً وراءه . . التفت فوجد إنساناً ذا ملابس غريبة، ثمة قطع حديدية على كتفه . . الآخر يحدق فيه كذلك باندهاش”. وغيرها من الأمثلة التي تثبت أن المكان كان مؤثراً رئيسياً في الشخصيات وتناقضاته أدت إلى تناقضات داخله فأصبحت واقعة تحت صدمة واقع مدهش وغريب، ولذلك فحس الضياع بقى ملازماً له ما دامت ملازمة لهذا المكان، الذي تجهل معالمه، وما دامت غير مدركة له سواءاً كان ذلك في الضريح أو خارجه (الشوارع والأزقة)، وكل ما يحيط بالبطل غريب عنه، وتجلى حسُ الضياع في ذلك الحوار الداخلي، الذي أجرته الشخصية مع ذاتها: “ماذا فعلت بنفسك؟ لا سكن ولا طعام ولا لباس، عار كذاتك، كروحك المباعة عبر القرون . . كنت في العزلة الحجرية ملكاً والآن عليك أن تبحث عن كسرة خبز”، وفي قوله أيضاً: “فوجد نفسه يتسلل إلى أزقة كجحور الفئران والأرانب وقد امتلأت بمياه المطر، ووجد المسجد مغلقاً”. وهذا دليل على أهمية المكان بالنسبة للإنسان كما أنه هو الذي رسم ملامح الشخصية، وبرر سلوكها، فكونها لا تعرف المكان الجديد عليها أي المدينة أصبحت غريبة وتخلخلت علاقتها به، فأصبحت أكثر مأساوية، وكبرت هذه المأساة عندما تجد الشخصية ذات الأصول القديمة نفسها متورطة في عالم آخر، كل ما فيه مخالف لعالمها الأول، «ووقف تحت عمارة كبيرة، رأى سلعاً غريبة . .». وهكذا نلاحظ أنه يعاني الاغتراب في هذا العالم الجديد، ويحاول القاصُ أن يوسع الهوة بين الشخصية وهذا العالم بذكر تفاصيله: «نزل رجالٌ بملابس متشابهة ويصفرون ويحدقون بأضواء طويلة حادة . . ».
مكان الحضور والغياب (الهنا والهناك)
يتجسد استحضار شخصية البطل لماضيه وهو في الصحراء، وهو مكان يبدو أكثر تغلغلاً في بواطنه، وهذا الاستدعاء لمكان (الهناك) نتيجة الحالة النفسية المتأزمة بسبب مكان (الهنا) الذي هن الضريح. ولهذا نجد الهناك وهو مكان الذكريات التي استدعاها البطل كمخلص تلتجئ إليه الذات للهروب من أزمتها.
والملاحظ أن انتقال الشخصية من مكان إلى آخر، يرافقه تغير في الأحاسيس والمشاعر، كما أن المكان عموماً هو الذي أكسبه أبعاده المختلفة. وقد تجلى مكان الذكريات (الهناك) في كثير من المقاطع «طفولته التي عانى فيها كثيراً من رعي الأغنام وضرب الأولاد . . ومسيرته في الصحراء يقود جماعة مهلهلة . . حضر كل جنازة صعبة، وشارك في الحروب المريرة . . يحتمل كل شيء سوى أجساد الأطفال التي تحشر قرب قدميه مشوهة بالفحم والأسنان». . رغم معاناة الشخصية في زمانها ومكانها السابقين إلا أنه لا يفوق معاناته في المكان الحالي الذي تعيش فيه ومن هنا تجلى الزمن باعتباره تاريخ الشخصية، ثم يظهر مرتبطاً بالتطور الذي عرفته المدينة فيما بعد، «ما هذه الملابس العجيبة هل تمثل ، لكنني لا أرى آلات تصوير؟».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- المركز الجامع يبشار ــ معهد اللغة العربية وآدابها
الجزائر
(1): من مقدمة كتاب جماليات المكان ، ص 03 ) .
(2): أحمد طاهر حسنين، جمالية المكان، جماعة من الباحثين، عيون المقالات، الدار البيضاء، ط2، 1988، ص 21 .
(3):عبدالله أبوهيف ، مجلة الراوي ، ص 13.
(4):سيزا قاسم دراز، المكان ودلالته، ص 59 نقلاًعن حبيب مونسي، فلسفة المكان في الشعر المعاصر ص 94– 95).
الماء والنار وما بينهما ..
كتب : هدية حسين

من معاناة الفقراء اليومية، من احلامهم المستحيلة وخوفهم المستديم، من قهرهم وانسحاقهم يقدم لنا الروائي البحريني عبدالله خليفة اغنية الماء والنار ويعرض علينا موضوعته ببساطة تناسب بساطة شخصياته، وهي بساطة الروائي المحترف الذي يذكرنا دوماً بما نسيناه او ما تناسيناه في خضم الركض وراء سراب الحياة، يذكرنا باولئك الناس الذين ما يزالون يشكلون النسبة الاكبر على هذا الكوكب، تلك النسبة التي تعيش بصدام لا ينتهي وهي تقف على حافة مسننة من هامش ضيق من الحياة، تأتي الى الدنيا وتشقى ثم تمضي منها دون ان تحقق ما تصبو اليه .. انها فوضى الحياة التي تأخذ منهم ولا تعطيهم ما يستحقون، ويأخذ آخرون اكثر بكثير دون ان يعطوا شيئاً .. هذه هي المعادلة المختلة التي تقوم عليها حياتنا والتي لم تستقم ابداً منذ بدء الخليقة .. ومنها انبثقت رواية اغنية الماء والنار الصراع الدائم بين الاغنياء والفقراء.
تنطلق الرواية من حي فقير جداً يعيش سكانه في اكواخ وبيوت وعشش من التنك والصفيح، تمتلك ارضه سيدة تسكن بعيداً عن الاكواخ في بيت حجري، سيدة لها سطوة وجاه تصل الى المتنفذين من سلك الشرطة، وبيتها هو الوحيد الذي تصله الكهرباء في ذلك المكان، بينما الحي بأكمله يعيش في ظلام دامس في الليل، ويقال عن هذه المرأة بأنها اميرة الاميرات ولها حرس وخادمات.
يتغلغل عبدالله خليفة في مفاصل هذا الحي ليكشف لنا نمط العلاقات السائدة والمعاناة التي يعيشها الناس والتي تكاد تكون زادهم اليومي.

الشخصية الرئيسية في العمل منحها الروائي لشاب يعمل في السقاية يدعى راشد .. فهو المسؤول عن ايصال المياه الى البيوت .. حياة هذا الشاب اكثر من بسيطة، يعيش في كوخ هو كل ما يملكه . هو شخصية مرحة معظم الوقت، يحكي الحكايات لاطفال الحي ويشاكس النساء احياناً .. في الليل حيث يأوي سنعرف ان لراشد وجهاً آخر، فهو يحلم بالزواج من زهرة احدى بنات الحي، يتمنى ان يعيش معها في بيت حجري وينجب الكثير من الاولاد، وزهرة هذه لا تشبه الاخريات اللواتي يداوينه اذا جرحت قدماه، ويضحكن له اذا قص عليهن طرفة، ويسألن عنه اذا تأخر .. انها تغلق الباب دونه، وتحتقره وتشيح عنه اذا مر بالقرب منها، بينما تضحك لصديقه جابر وتقف معه طويلاً عند الباب .. وسنعرف انهما – زهرة وجابر – على علاقة سرية ستكشفها الايام.
لكن احلام راشد لا تقف عند زهرة .. فلطالما ود ان يرى اميرة الاميرات، وتحقق له ذلك ذات صباح حين رأى سيارتها تنتظر قرب بوابة قصرها، ومنذ تلك اللحظة كره الحياة التي وجد نفسه عليها، كره حياة الفقر والعمل المضني في حمل الماء، وكره الكوخ البائس الذي يحتوي جسده المتعب في الليل .. لكنه كان يهرب من هذا الواقع الى الاحلام، وكان من شأن الذين كان يقص عليهم القصص، وعن النساء اللواتي لا يجد فيهن ما يأخذه الى مغامرة كتلك التي تحققها له اميرة الاميرات في احلامه والتي تاخذه الى بيت تلك السيدة فيرى نفسه وقد اضاء مصابيح بيتها واطل من نوافذها العالية على الاكواخ البائسة .. بل اخذته احلامه اكثر من ذلك فوجد نفسه على فراشها الوثير المضمخ بماء الورد .. لقد خرجت احلامه عن نطاق احلام الفقراء، وصار عليه ان يسعى الى ذلك البيت الحجري بأية طريقة.
كان اهل الحي يسمونه ملك الماء ذلك ان مهنته لا تبور طالما بقيت الاكواخ غير مشمولة بمد انابيب الماء الصافي .. ومع ذلك فان هذه المهنة لا توفر له اكثر من قوت يومه .. يأكل القليل ويهرب الى احدى الخمارات لعله ينسى بؤس يومه.
وعبر رحلة راشد على ارض الواقع وفي طيات الاحلام يلقي عبدالله خليفة الضوء شيئاً فشيئاً على شخصياته، زاد رحلته في هذه الرواية التي صدرت ضمن اربع روايات عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2004. فهناك جابر صديق راشد، وهو شاب يعيل اسرة كبيرة متكونة من ام واب واخوة مما يعيق علاقته بزهرة ويحجم عن الزواج منها بسبب ضيق ذات اليد .. وسنقف على اكثر من محطة في حياة هذين العاشقين بالتوازي والتقاطع ايضاً مع احلام راشد ومعاناته.
ذات ليلة كان القمر فيها يمر بحالة خسوف، خرج الناس حاملين الاواني للطرق عليها لعل الحوتة التي ابتلعت القمر ترأف به وتخرجه من فمها المرعب، وكان راشد يمشي في تلك الليلة على غير هدى حين سمع همساً ولمح ظلال امرأة ورجل ظن للوهلة الاولى انهما زهرة وجابر .. وقد حالت ضجة الناس وطغت على المشهد حتى صرخ بهم ليخبرهم ان ما يحدث للقمر ما هو الا بسبب هذا الفعل الشائن.. واسرع والناس من ورائه باحثاً عنهما .. الا انه لم يجد شيئاً وانما ابتلعته احدى الحفر في ظلام الليل، ولم يسمع الا الضحك منه وعليه، واصيب بجروح ورضوض .. ولكن ما آلمه اكثر هو تأنيب الضمير لأنه لم يكن متأكداً مما رآه، فهل يا ترى كان اشكالاً بصرياً تساوق مع افكاره المريضة؟ مهما يكن فقد شعر بالالم لعجزه ولتفاهة حياته وخلوها من الدفء والحب.
ثمة انتقالات انسيابية بين البيت الحجري وما يجري فيه، وحياة الفقراء في الاكواخ والصرائف .. في ذلك البيت تقرر السيدة طرد سائقها العجوز، وكانت المصادفة قد وضعت راشد امامها حين جلب لها الماء، فاقترحت عليه ان يعمل لديها وسوف يتدرب على السياقة .. ها هو الحلم يحلق به عالياً، لطالما تمنى رؤيتها والآن يصبح قريباً منها.
وخلال ايام قليلة قاد السيارة، والمرآة الحلم تجلس في المقعد الخلفي، انه يثرثر معها فتصده بسرعة، ليس هذا مهماً، انه يطمع بامتلاكها وففي اسرارها التي جعلتها غامضة ومهابة الى هذا الحد.
لقد تغير كل شيء فيه، صار نظيفاً وصارت الفتيات قرب يديه، يفتحن له الابواب ويبدين اعجابهن به، بل حتى زهرة اصبحت تنظر اليه بفضول واعجاب .. لكنه لم يصل بعد الى ما يصبو اليه، صارت احلامه تسبقه ويعجز عن اللحاق بها، فهو لم يستطع في الواقع ان يعرف السيدة او يقترب من زوايا البيت واسراره، في وقت فقد فيه الاصدقاء وجلسات الشاطىء وحكايات الاطفال .. وعلى طرف آخر يمضي صديقه جابر في علاقته السرية بزهرة .. لقاءات مسروقة بعيداً عن الانظار .. هي تحبه ولكنه مكبّل بأسرته، وحين تخبره ان رجلاً غنياً تقدم لخطبتها تداهمه فرحة خفية ليزاح العبء عنه .. وقد حدث الامر فعلاً ذات يوم عندما تعالت الزغاريد في بيت زهرة، لكن ما ان آلت الامور الى ذلك حتى شعر بالندم واكتشف ان علاقته بها ليست عابرة وانه يحبها فعلاً.
كل يمضي الى حلمه بطريقة مغايرة، وقد تأتي الاحلام باكثر مما يتمنى المرء وها هي السيدة تطلب من راشد دخول غرفة نومها .. اعطته دفتراً كان بحوزة السائق السابق وامرته ان يجمع لها ايجارات البيوت .. لقد ارتفعت منزلته وخيّل اليه بأنه اصبح قاب قوسين من الشمس .. ولكنه حين راح يدور على الابواب واجهه الكثر بضيق الحال وقلة المورد .. ماذا يفعل؟ انه لم يعد ذلك الشاب البائس الذي يحمل الصفائح وينقل الماء مثيراً ضحك الاطفال، انه الآن بوجه رجولي صلب وينام على سرير فخم ولا بد لشخصيته ان تتغير .. وتغير فعلاً، صار يعامل الناس بفظاظة، ولا يترك الابواب الا بعد استحصال الايجارات، فالمهم لديه هو رضا السيدة التي قلبت حياته رأساً على عقب، والوصول الى حلمه الى اقصى المديات .. وها هي تناديه للصعود الى الطابق العلوي الذي لم يكن مسموحاً له ان يتخطى عتباته، ليس مهماً ماذا تريد منه، قد تستخدمه جمراً للمباخر او فحماً للمواقد .. صعد السلم بهواجس كثيرة لا تستقر على شيء، وحين وصل احس بأن الاضواء التي تحيط المكان قد انطفأت فهوى الى الارض لا يدري بالتأكيد هل رأى السيدة في حضن رجل ام تراءى ذلك، كل ما يدريه ان السيدة صرفته حين احست بتعبه .. ومضى الى البيت مستغرقاً في نوم عميق لم يصح منه الا بعد ايام كانت فيها السيدة قد تزوجت من رجل ثري يدعى خليفة، وفي هذا الوقت بالذات كان صديقه جابر ينتظر في مكان ما زهرة التي شكلت له في آخر مرة رآها فيها ما تعانيه من زوجها التاجر .. كان ذلك اللقاء قد وضع حداً لعلاقتهما اذ لم تعد زهرة تلك المرأة التي احبها .. لقد تخلت عن براءتها ودون خجل تعرت امامه فبدت امرأة مبتذلة على نحو مريع ..
.. وانهارت ايضاً بعد ايام علاقة الزواج بين السيدة وزوجها خليفة، فاستغلت غيابه في رحلة صيد لتبعث بخادمتها الى راشد وتخبره بأنها تحبه وتريده فوراً.
لقد اصبحت المرأة المضيئة بين يديه، وسيأخذه الفرح الى حدود لا نهاية لها.
ولكنه افاق من حلمه وهو بين يديه، تطلب منه ان يحرق الاكواخ ليجبر الناس على الرحيل، وتستثمر الارض بطريقة افضل، وهنا يقع راشد في صراع مرير مع نفسه اذ كيف يتحول الى رجل شرير ويحرق بيوت الناس؟ واخيراً تغلب عنصر الشر وقاده الى صفيحة غاز وعلبة كبريت لتذهب الاكواخ الى النار ويذهب الفقراء الى مكان آخر، وتذهب ذكريات طفولته الى هباء منثور، الحياة الجديدة بانتظاره والمرأة الاميرة طوع اصابعه.
لقد برع الكاتب في لحظات الصراع التي عاشها راشد بين اقدام واحجام وهواجس واحلام ثم البحث عن مكان مناسب لاشعال الشرارة الاولى واستحالة الليل الى نهار وصرخات وعويل، كل يريد النجاة بنفسه من هذا الجحيم الذي اتى على الاكواخ والصرائف .. وهرب راشد باحثاً عن مكان يختبىء فيه فسقط في حفرة عميقة يتناهبه الخوف والحلم في وقت واحد .. الخوف من ان يفتضح امره .. والحلم بامتلاك السيدة التي سلمها كل شيء حتى جثث اهله وتحول من شاب طيب يحمل صفائح الماء ويغني ويحكي الحكايات للاطفال الى رجل شرير هارب لا يقوى على الخروج من الحفرة العميقة التي يسقط فيها .. لقد تذكر الآن وهو على هذه الحالة بأنه مر بثلاثة رجال عائدين من سهرتهم، كان احدهم صديقه جابر وقد رأوه وهو يحمل الصفيحة .. لا بد انهم الآن يبحثون عنه بعد ان تحول الحي كله الى رماد وبقايا اثاث متفحم وروائح غريبة ونساء مفجوعات ..
الشرطة التي وصلت اخيراً لم تفعل شيئاً حتى بعد ان اتهم راشد والسيدة بافتعال الحريق .. ولم يجد الفقراء من يساعدهم فساعدوا انفسهم .. بعد ايام قليلة جلبوا الواح الخشب والصفائح والتنك والسعف لتبدأ من جديد حركة بنيان الاكواخ .. لكن ضابط الشرطة المتواطىء مع السيدة جاءهم بأمر ازالة الاكواخ بقوة القانون .. ولأن الفقراء ليس لديهم ما يخسرونه فقد هاجوا ولعنوا وهجموا على الضابط ولم يستطع الا بصعوبة الخروج من تلك الزوبعة لتأتي بعد ذلك سيارات عسكرية وينهمر الرصاص من كل حدب وصوب على الغاضبين .. لكن ماذا يفعل الغضب والحجارة امام الآلات التي راحت تدك الاكواخ دكاً؟ تلك هي اغنية الماء والنار الاغنية الحزينة والنار التي لم يطفئها الماء .. وكأن عبدالله خليفة اذ وصل بنا الى هذه النهاية اراد ان يقول ان الفقير فقير والغني غني، واذا ما اختلت الامور فانها ابداً لن تكون في صالح الفقراء، برغم انه قادنا الى اعتقاد آخر وسحبنا الى احلام لن تتحقق على ارض الواقع.
- كاتبة عراقية مقيمة في عمان
لحن الشتاء وآفاق ربيع مفعم بالشجن
فريدة النقاش*

حالة كابوسيه للعالم تتكرر في اعمال القصاصين العرب من المحيط الى الخليج وتكتسب في كل بلد سمة خصوصية. تدخل في حالات تحول غير بشرية. وحيث تتشوه صورة العالم وتنقلب راسا على عقب في اعمال الجيل الجديد من القصاصين ويتأسس الكابوس في الواقع لا في الحلم ويتخذ صورة الاحتجاج البارد على التحول الوحشي في شكل الحياة.
اما الكابوس في قصص عبدالله خليفة فهو بوليسي الملامح مختزل الى مفردات شاسعة تدخل في سياق القصة ببراعة، وتصبح جزءا من نسيجها الحي، تضيء جنبات الحياة الصاخبة وتتبدى جزءا اصيلا من الصراع الضاري في كل تفصيلاتها.. الصراع الذي لا يهدأ ابدا.
من مجموعته «لحن الشتاء» سوف نلاحظ ان اختياره لعناوين قصصه التي تحمل هذه الاسماء «الغرباء» «الكلاب» «اغتيال»، «الملاذ»، «الصدى»، «الوحل»، «لحن الشتاء»، «القبر الكبير».. هو اخيار واع للغاية يحمل في ذاته رأيا وخلاصة.. في مواجهته مجموعة اخرى من الاسماء تحمل بدورها رأيا وخلاصة «حامل البرق»، «نجمة الخليج»، «السندباد»، «الطائر».. ولم تكن عناوين هذه القصص لتستوقفنا طويلا لولا ان صميم بنائها يقوم على ذلك التركيز التلغرافي الذي يكاد يحملها الى ساحة التجريد، ويفتح الباب واسعا للمقاربة بينها وبين قصص محمد المخزنجي ومصطفى حجاب ومحسن يونس في مصر حيث التشابه بين القصر والتكثيف البالغ للقصة من جهة، والغنى الداخلي الذي ينبثق من تركيب الجملة واختيار الكلمات ومركزية الواقعة من جهة اخرى.

قصة «الغرباء» تقع في ثلاث صفحات وتسقط من معمارها الاف التفاصيل ليحتشد موضوعها كله في تلك الواقعة المركزية وهي اغتصاب الغرباء لبيت الرجل وتواطؤ بعض اهله في تثبيت هذا الاغتصاب ومن قهر صاحب البيت وجره الى السجن، ويتم ذلك كله في مشهد كابوس يحيلنا مباشرة الى الواقع (الاغتصاب) في اوطاننا والى تواطؤ بعض ابناء جلدتنا في تمهيد الارض له دون ان يسوق الكاتب هذا المعنى من موعظة او اشارة مباشرة للواقع او تعليق منه.. ولكنه يسوق تعبيرا يبدو بريئا وعرضيا للغاية حين يقول: «بعد لحظات كان عدة اطفال صغار يتدافعون الى منزلي، اقصد المنزل». يحمل هذا التصميم والتعريف للمنزل المعنى الابعد والاعمق من الاغتصاب الاني ومن الحدوته، ويستكمل هذا المعنى بعده وعقبه حين يتواصل المقطع قائلا:«وقفوا امامي بدت الدهشة على وجوههم. كأنهم يشاهدون هنديا احمر».
يستدعي مشهد الهندي الاحمر في صلته الوثيقة (بتعميم)، (المنزل) وتعريفه كل اشكال الاستئصال التي عرفها التاريخ وعمليات الابادة التي تعرض لها البشر من قبل وما زالوا يتعرضون لها. وذلك دون ان يستخدم الكاتب مفردات محددة تحمل هذه المعاني او تدل عليها ويستكمل هذا المشهد المعنى الاكثر شمولا لفكرة الاغتصاب التي تدل عليها الواقعة.. اذ يتجاوز حدود الوطن ليحظى بعالميته دون ان يقدم خطبة سياسية.. حيث يقف صاحب الدار رمزا بريئا لكل المضطهدين والمهانين والذين اغتصبت ارضهم.
يتسع عالم عبدالله خليفة لمحنة الطليعة التي تنطح رأسها في صخر الوعي الزائف وغيبة الجماهير وبؤسها والحصار المضروب حولها.
كانت باريس رائعة، عرض عليه العمل فيها، لكنه رفض وشرح لهم عن ارضه الصغيرة. ضحكوا عليه لانهم لم يروها عندما بحثوا عنها طويلا، وعندما حدثهم عن قراها واطفالها ونسائها تحولت الضحكات الى وجوم حزن عميقين.
هكذا يقول الفتى العائد الذي اختار بؤس شعبه بديلا لألق العاصمة العالمية وافاقها التي لا تحد.. ليقف رغم كل شيء مع هؤلاء الذين «يغطون في سبات عميق» في هذه القصة «هكذا تكلم عبدالمولى» نتبين طبيعة القوى الرجعية التي تسوق الناس الى الوراء ورنة الاسى العميق والشجن الخالص وفقدان الصبر الرومانتيكي لدى هؤلاء الذين يسعون لكي يفتحوا للناس باب التقدم الطويل..
يقول الصديق لصديقه القادم من باريس بعد ان اصطدم المرة تلو المرة بجدار الزيف والصمت «انهم لا يرفضوننا ولكن هناك اصحاب مصلحة يدفعونهم لرفضنا. خلفان وعبدالمولى يدفعان لذلك. هل تحسب تغيير الواقع نزهة خلوية..؟».
ورغم ان مهنة المثقف الطليعي الذي عرف الحضارة الاوربية وتملك جوهرها وعاد مع ذلك الى وطنه المتخلف تأتي هنا في سياق جديد. يتسق مع الحساسية المعاصرة عامة التي تحمل طابع الحدة والتمايز الشديد في الخطوط والمواقف فأنها تعيد الى الاذهان على التوحيدة طبيب «قنديل ام هاشم» ليحيى حقي الذي عاد بدوره من اوربا واسئلة بطل «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، وومضات خاطفة من تجربة بطل «الحي اللاتيني» لسهيل ادريس، رغم ان عودة حسين بطل هذه القصة الى وطنه هي عودة حاسمة لا رجعة فيها فأننا نشعر كأنه قدم مختصرا لإجابة واحدة حاسمة مركزة..
«كان امامهما منعطف، قال الآخر:
ــ الى اللقاء.
ــ لا تيأس يا صديقي.
ثم يدور حوار داخلي بين الصديق ونفسه على النحو التالي:
“ها هم الاصدقاء في بداية الطريق ييأسون. سوف يستمر عملنا عشرات السنين. سنسير في درب الآلام غارقين في برك الدم والوحل. كيف سيظلون معنا؟».
فجأة غاصت الدنيا في عينيه وسقط على الارض. تبين بعض الرجال. انطلقوا ينهشونه. احس بلحية عبدالمولى الخشنة. ثم بأسنانه الحادة تقطع لحمه في لذة ونشوة.
قال في حزن واسى:
« ـ كونوا مع الفقراء أيها الفقراء».
ويا لها من مهمة.
ورغم القضايا الجوهرية التي تثيرها هذه القصة فان بعض مقاطعها تسقط في الانشائية والمباشرة وان كنا سوف نجد لها تبريرا قويا في طبيعة المكان الذي تدور فيه الواقعة المركزية في القرية وهو النادي الذي يريد «حسين» العائد من باريس ان يحوله الى منارة للوعي.. ويستغله الرجعيون لحماية المصالح القائمة.
لا يقدم خليفة في قصص المقاومة التي يشبعها انسانية وعذوبة ـــ لا يقدم سوى انتصارات معنوية ينسج عناصرها بدأب. في قصة «الصدى» يقوم النائب العام بإصدار حكم بالسجن لعشر سنوات على طالب صغير ضبط البوليس لديه الة كتابة واسم البطل الصغير «مهدي» وحين يسأله هل تريد ان تقول شيئا.
يقول:
« ــ حضرة القاضي . انا اعترف بملكية هذه الالة، وقد كتبت هذه الاوراق حتى يعرف الناس كيف يعيشون ويعملوا لتغيير حياتهم نحو الاحسن، الشعب ينبغي ان يعيش بارتياح، يأكل اللقمة الهنيئة، ويربي الاطفال الممتلئين صحة وعافية، وينام والاحلام الحلوة تداعب اجفانه.
انا لا اخشى هذه السنوات العشر فأمامي الحياة طويلة، واستطيع ان اتعلم في السجن واغدوا رجلا كالصخرة».
واينما اتجه النائب العام يجد ان كلمات الفتى الذي ساقه الى السجن قد شاعت كالريح رغم ان الجلسة كانت سرية.. ووجد تعاطفا شاملا مع الفتى الصغير واعجابا بجرأته.
«حلم بالفتى الصغير يكسر الاحجار على شاطئ جزيرة صغيرة بعيدة. عندما اقترب منه شاهد الصخور تتفتت بين يديه. وقف الفتى فجأة وراح يصرخ بشدة وعنف، ومضى يقذف الاحجار عليه فأصابه واحد في رأسه.
صحى مذعورا وجد الدماء تبلل قميصه وسريره وزوجته وجدران الغرفة..».
انه انتصار الفتى السجين.. الذي سيظل سجينا لعشر سنوات من شبابه.
تقدم مجموعة «لحن الشتاء» كاتبها ليشغل مكانا مرموقا ومتميزا بين كتاب القصة القصيرة في الوطن العربي واجدني مدينة له باعتذار انني لم اعرفه الا حين زرت الخليج. وحين يتأمل المرء هذه المسألة سوف يجد ان مهمة اضافية تقع على عاتق المثقف العربي اذ عليه ان يسعى بنفسه الى بلدان وطنه حتى يعرفها على نحو صحيح ما دامت القيود على تبادل المطبوعات صارمة كصرامة البوليس والقوانين المقيدة للحريات التي تمتد على الساحة من المحيط الى الخليج.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
- رئيس التحرير لمجلة أدب ونقد المصرية
نجمة الصباح ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
المقالات
اثنتان وثلاثون سنة وأنا أعمل في جريدة «نجمة الصباح». كان مكانها، في البدء، شقة صغيرة وسط السوق. كانت نوافذ الغرف القليلة الضيقة، التي نعمل فيها تسربُ ضجة المارة والباعة، فترتجفُ صيحات المشترين وأبواق الدراجات والسيارات على أوراقنا، يمتلئ المكان بدخان السجائر والعربات وروائح المأكولات الشعبية الساخنة، ويندفعُ إلينا الصغار لحمل الأعداد، أو القراء يفيضون من ينابيع كلامهم.
طاولاتنا المتزاحمة تمتلئ بالأوراق، والصحف، والعرق يتصببُ منا، ونحن ثلة من الكتاب تركنا الوظائف وتمترسنا خلف ذلك الخشب المهتز، ندعُ لأقلامنا وحلوقنا فرصَ الصراخ والسخرية والمرارة.
وفي كل لحظة، ينزلُ إلينا رئيس التحرير، راشد العلي ، يتقدمه غليونه المشتعل كقطار، ويحدقُ في وجوهنا وأوراقنا وتتناثر جمله اللطيفة المشجعة الساخرة، ويبثُ أسئلةً كثيفة كأنها إنفجارات ورد، ويعود إلى غرفته الغزيرة الدخان، حيث المحرقة الأكبر للكلمات، وحيث تتصاعد أبخرة المدهوسين والفضائح والغنائم.
وعندما ينفجر العددُ في الشارع، تتصاعدُ القبضات على النوافذ، وتنهمر سيولٌ من المتحدثين والناقمين، ونتماسكُ خلف الطاولات، متشبثين بالأرض خوفاً من هذه الرياح الهائجة. ونشحذُ الأقلام مرة أخرى، ننزفُ من أصابعنا، ونؤجل نومنا، وحلمنا، كنا نسبحُ في بحار من العرق، نجري إلى سيارات الأجرة والباصات، ونأكل السندويتشات الحارقة، المتساقطة اللحم، وندفنُ عيوننا ضاحكين في صفحات الجريدة وهي تنتشرُ أمام أعيننا، محلقة كنسرٍ، نازفة كشهيدٍ، شاشة للطرق البعيدة والصواري المكسورة والأيدي السابحة بجسارة في البحر.
⊛ ⊛ ⊛
كانت الأحذية تدوسُ فوق الأوراق والبقايا. تحدقُ في وجوهنا، باحثة عن مسامير مضيئة، أو وشماً سحرياً، تقلقلُ الطاولات التي تئنُ بضراوة. وتكاد الأحذية أن تدوسَ أقدامنا، لكنها تتكاثف وتنهمرُ فوق باب راشد العلي. نراهُ مخفوراً بوجوه صلدة، ومسدسات لامعة، يبتسمُ إلينا ويسخرُ «ذاهبٌ إلى وجبةٍ خفيفة، هل يريدُ أحدٌ شيئاً؟».
ويعودُ بعد ساعات أو أسابيع، منتفخ الوجه، كدماته الواضحة لها إضاءات زرقاء، وخطوط خده كالكثبان محَّملة بآثار الجنازير الحديدية، و«القبل الضارية» على حدِ تعبيره.
لكن «السموم» الساخن ينطفئ بزجاجات الشراب الباردة، والضحكات، واشتعالات السجائر ورسائل القراء والمكالمات ذات الأجنحة الملائكية، وسيارة العلي التي تحملنا إلى شاطئ البحر، أو إلى بركة أحد أصدقائه، حيث ننقعُ في المياه الباردة الزجاجات المحلقة، ونسحبُ خيوطَ الفجر، ونضع الشمسَ على مسرح الأفق شاهدة على الفرح والرفقة الحلوة.
أي سعادة خضتنا ونحن نرى راشد العلي يلتهمُ ساعدَ عروسه، ويغوصُ في بحرٍ من الياسمين ورذاذ الفضة ووهج الغناء العارم القادم من الطبالات المتوهجات الصوت الصادحات؟
أي جمهور كثيف، الذي اختلط رجاله ونساؤه، في نهر الزغاريد والحلوى والهدايا، وأوقد النجمات في الأعالي وفرش الأرضَ بالسجاد واحتضن الليل؟
ضاع أهلهُ وسط الحشد الطالع من الزوايا البعيدة، وتداخلت الشكاوى بانفجارات البيرة والعرائضُ بالقبل المسروقة الحارة والعيون الفاحصة بالرقص المجنون..
لكن لم يدعني راشد مستريحاً في إجازة شهر عسله. رشاتُ التليفون تنهمرُ على وجهي كل ساعة. أسئلة مخيفة واهتمامات غريبة وزوايا يفجرها في كلِ يوم. وبدا أنه مصدر الأخبار في نزهته القصية وأنا الأصم في زفة المدينة.
كيف يستطيع أن يوفق بين هذه الاهتمامات النارية وبرودة ملكة الثلج والجمال التي اختارها عروسه؟ تلك الشامخة، المرفهة، المترفعة، التي تأتي إلينا بسيارتها الفخمة وهي في أبهة ملكة؟
كنتُ أنتظ أن تهتز الأسلاك برعشات مختلفة، وأن يتسلل بردهُ إلى قيظنا، لكن راشد أيقظني من نومي مرات عديدة، وأنزلني إلى الشوارع الملتهبة، وجعلني أهذي في نومي مننتظراً كوارثه الجديدة..
⊛ ⊛ ⊛
حين غادرنا شقتنا الصغيرة وسط السوق كدنا نبكي، وحين خلت غرفها من طاولاتنا وكتبنا وأقلامنا، وتناثرت الأوراقُ الصغيرة المقطعة، والمسودات المنهوشة، تجمعنا في كورسِ نحيبٍ داخلي فاجع.
البناية الجديدة كبيرة، مكونة من عدة طوابق. مبنى الجريدة يحتلُ طابقاً كاملاً، والغرفُ الواسعة تصلحُ للمباريات الرياضية. ووجوه الزملاء الكثيرة تناثرت وراء الجدران والسكرتيرات والمواعيد.
البناية تناهت إلى البرية، وحيدة في خلائها الغريب الموحش. ثمة طيور رمادية تضحكُ في السماء ثم تحترقُ في الظهيرة.
كانت قلعة من البرودة والأزرة وسط أرضٍ مشتعلة شوكية. لكن دخول راشد يضفي على المومياءات الطينية بهجة الربيع. لم تحجزه السيارة الفخمة، ولا الفيلا، ولا السمنة الضارية في إخفاء عظامه القديمة.
يهزُ الأبوابَ وينثر الكلمات وغليونهُ لا يزال يطلقُ صفيراً ينبئُ بعدم الوصول إلى المحطة النهائية. يبدأُ عرشُ الصمت يهتزُ، وتتراكضُ السيقان لاهثة وراء الدمار والدخان، وتبدأ أسلاكُ الهاتف في قطعِ مغازلات السكرتيرات، لشحن الفحم المشتعل في الأحياء، وجلب الأيدي المتناثرة على الجبال والوديان، والجثث المقتولة الكثيرة – خطأً – في المستشفيات، وتتحول الثلاجة الثاوية في البرية إلى فرن المنيوم يُــغذى بالعظام.
كان العلي يقودُ ابنه الآن. كان سامر قطعة من القمر، وحلوى متنقلة، لكنه لا يتكلم، لا يضحك، لا يصرخ كالأطفال، يمشي وراء أبيه كالظل المقطوع، ويبكي إذا كلمه أحدٌ، ولذا لم يكن أحد يلمس تلك المزهرية الشفافة.
في غمرة عرقنا وانتفاضات عروقنا كان سامر يكبر. كانت النظارات تتضخم، والذبحات الصدرية وانفجارات الأحلام تغتالُ وجوهاً عزيزة دوماً.
وامتلأ أبو سامر بالشحم، ولم يعد قادراً على صعود السلالم. رُكــّب له مصعدٌ خاصٌ إلى مكتبه. لم نعد نرى الغليون الزاخر بالدخان، والقهقهات الفاقعة بالأسئلة المثيرة الغريبة، كان صوته يأتي هادئاً ناعماً من وراء الأسلاك.
وأرمقه حائراً، خائفاً، منزعجاً. لماذا تنامُ الأوراقُ لديه الآن؟ لماذا تظهر أبوابٌ غريبةٌ تمتلئ بوجوهِ الراقصات؟ لماذا أصبحت العناوين تتكسرُ بمطارق ثقيلة وأبو سامر لم يعد لديه وقت لنا؟! لياليه متناثرة في البساتين والقصور والشقق الغامضة. ماذا حدث؟
أقولُ له كلَ أسئلتي المزعجة. أذكره بالسندويتشات التي كنا نتقاسمها في شقة السوق، والشاي الأحمر الثقيل الذي كان يصنعه لنا بنفسه. فيدعني أصنعُ ما أريد. اندفع مع جوقة حافلة بالغناء البحري العتيق. يحذرنا مرة. يصرخُ فينا مرة أخرى، لكنه يتغاضى، يتسعُ صدره لكل السهام والأسئلة المخيفة، يضحكُ علينا..
كان صوتُ زوجته يلعلعُ أحياناً من وراء خطوط الأسلاك فتتغير الخرائط في المكاتب والكلمات. أما ابنه فقد كبر، يأت يمتأنقاً، يسيرُ كفتاةٍ حلوة. لكنه لا يكلم أحداً، ولا يقترب إلا من أبيه.
آخر مرة أبحثُ عنه في كل مكان. أين العلي أمام هذه الخبر المريع؟ أين التقطه؟ وجدوه لي في بستان ما. سمعتُ رقصاً وطبلاً وتأوهات فظيعة. ثم جاءت صلصلة كؤوس ومضغ لبان. انشق التليفون الأسود عن صوته، مضطرباً، يتعتعه سكرٌ مخيف. لم يعرفني، ثم استدرك متفاوتاً، ثم قطع الخط .
⊛ ⊛ ⊛
كانت جنازته فخمة وغريبة وكئيبة. امتلأت الساحة التي تشرف على المقبرة بالسيارات الكاديلاك السوداء والمرسيدسات الملونة. وجاء علية القوم بعباءاتهم الكحلية والسوداء وثيابهم الناصعة البياض.
وقف جمهورٌ بعيد، تبعدهُ عصي الشرطة وغابة الحديد الملون. لم يستطيعوا أن يلقوا عليه نظرة أخيرة. علية القوم صلوا بسرعة شديدة، واختفت سياراتهم في لمحِ أبيه.
كان سامر غارقاً في عباءته الفضفاضة وعرقه الممطر. لم يكن حزيناً كثيراً، بل مرتبكاً ومتفجراً.
⊛ ⊛ ⊛
عندما جاء إلى الجريدة استخدم مصعدَ أبيه. لم يره أحد، ولم يتكلم مع أحد. جاءتنا أوامره عبر الأسلاك والسعاة والكوابيس. حدثت هزة في المبنى.
عدتُ وحيداً إلى البيت. منذ زمنٍ بعيد لم أتأمل غرفتي وكتبي هكذا. الأيام تمرُ ببطءٍ، والأوراق التي صنعتها صارت ثعابين تلتفُ حولي. أكره أن أرى سطورها. صورها المبتذلة تفسدُ شاي الصباح. كلماتها المقززة خفافيش وقنافذ تتعاركُ في غرفة نومي. أين روحي؟ أضربُ رأسي في الحلم فلا أتألم. أحاولُ أن أنام. سأنام. حتماً سأنام. لكن الفراش مبللٌ بمطرِ جسدي. تليفونات الزملاء والقراء وحدها التي تنعشني. دشٌ ليلي في يومٍ قائظ . لكنني لا أنام. لا بد أن أذهب إلى هناك وأنتزع ذلك المقعد منه! من هو؟ من يعرفه؟ كلُ الحروفِ التي مرتْ على سكة آلامها كانت تمرُ على ضلوعي. كانت طيورها تقتات من دمِ قلبي. وأنا الآن وحيد في بيت كئيب، لم أهتم به يوماً، وعصرتُ جلدي هناك. تنفجرُ روحي من السعادة وأنا أشمُ عرقَ الكلمات وهي تصعد من الورق. أضمُ السواعد والصورَ والضحكات وأطيرُ بها في سماء ملبدةٍ بالنسور الوحشية. كلُ يومٍ أزداد لها حباً وهي ورقٌ ربيعي يتطايرُ فضاء الأرض. أموتُ الآن.. لا أستطيعُ أن أنام. لم تنفعْ الأقراصُ وأدوية الطبيب وثرثرته قربي. سأقتلهُ! سأتعلم استخدام المسدس. لن ينجو مني. قتلني وسوف أقتله.
وأراني أدخلُ في عتمة مشتعلة بفضةٍ، وثمة أصواتٌ مبهمة، متصادمة، كشرائط تلتصقُ ورائي، وأنا أمسكُ بندقية ضخمة، وأسير بسرعةٍ بطيئةٍ طويلةٍ، والحراسُ يتساقطون تحت قدمي، أكسر البوابة الكبيرة، وأراه هناك جاثماً في عرشه البعيد، يقهقه، وأنا أطلقُ بخاراً وأصواتاً، ولكنه بعيد يفتحُ فمه على اتساع شاشة سينما ولا يصدرُ صوتاً، وأطلق وأهوى إلى فراغ من العرق والفراش الرمضاء.
أنهض وأرى المدينة تصحو على صوتِ الديكة وأصوات الجرائد. لو أمسكتها الآن لأصبتُ بنوبةٍ قلبية.
⊛ ⊛ ⊛
لم يبق إلا أن أحملَ مسدسي وأذهب إليه. أوقفتُ السيارة في ممرٍ جانبي. الليلُ مشحونٌ بضجةِ الجنادب. نداءاتها الصارخة تستفزُ أعصابي. كيف سأطلق؟ وعلى من…؟
ها هو البستان الذي طالما ضيفنا فيه مفكرين وقادةً، وصدحت فيه الأشعارُ وأغاني البحارة الصلبة. هنا كنا نوقفُ سياراتنا، وتمتلئ الممراتُ المزهرة المعشوشبة بضحكاتها وحوارنا المحموم.
ثمة أصواتٌ لطبل مائع، وتصفيق غريب، وجاءت ضحكاتُ غنجٍ وكلمات موحلة. استندتُ إلى شجرة. وقفزَ قلبي صائحاً: ما هذا؟ سوف أزيحُ الأغصانَ والأوراقَ لأرى كيف يجلبُ العاهرات إلى هذا المحفل المقدس.
خلال ثغرات الورق رأيت أشباحاً رجالية. لا يبدو أن ثمة امرأة. لكن هذه الأصوات المائعة.. لمن؟
تركتُ الاختباء، دستُ على الورق الأصفر الصارخ، حدقتُ برعبٍ.
كان سامر يلبس بدلة رقص أنثوية، يهتزُ وسط حلقةٍ من مضاغ اللبان المصفقين بتمايل، وهو ينحني ويقتربُ من أفواههم وأيديهم، ويغني..
لا أعرفُ ماذا أصابني. كان المسدسُ يشتعلُ في يدي. وكنتُ أطلقُ بجنونٍ وهذيان وصراخ، وأودُ أن أصحو من النوم والكابوس، لكن المرئيات الصلدة كانت تتفجر أمام عيني مثل الدم.
——————————-
5 – دهشة الساحر «قصص»، 1997.
❖ القصص: «طريق النبع – الأصنام – الليل والنهار – الأميرة والصعلوك – الترانيم – دهشة الساحر – الصحراء –الجبل البعيد– الأحفاد – نجمة الصباح».
أنا وأمي ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
ساعد أمي البض يتلألأ في المقعد الأمامي ، وشعرها الكث الأسود، ووجهها المتوردُ، لوحتي الجميلة الحبيبة .
أتعلقُ بها وأنا في المقعد الخلفي ، أقبلُ زندَها المضيء ، فتدفعني صائحةً ، غاضبة. أحشرُ أختي في زاوية المقعد لتصرخ هي بدورها . فتتطلع إليّ أمي من المرآة الأمامية الصغيرة ، لتبدو عيناها الواسعتان المكحولتان تتأججان بالجمال والغضب: «ألا تكف يا عفريت ؟».
حين تقفُ السيارةُ أمام المتجر ، وتنزلُ أمي جارة عباءتها بيدها ، لتضعها بسرعةٍ على كتفها ، تتدلى رؤوس الرجال من فوق أكتافهم ، وتطلعُ ألسنتهم من حلوقهم ، ويدرك بعضهم حاجته إلى السلع ، ويحدقُ بعضهم إلى الزجاج .
يصيبني الهم والغمُ ، أرفع يدي في وجوههم ، أغمغمُ بشتائم عنيفة تهدرُ داخلي وتتحطم على الزجاج وفي الهواء .
أفتحُ البابَ ، واركضُ إليها ، أتعلقُ بساقها ، أو أحمل كيساً يحني قامتي ، أتطلعُ إلى الرجال حانقاً ، لكنها لا تلتفتُ إلى أحد ، تجمعُ البضائع وقطعَ النقد الصغيرة والصمت .
ღდღ
هذه هي روحي تخرجُ مني وأنا أرى سهراتهم الغريبة . هل يمكن أن يكونَ هذا أبي ؟
صالةٌ واسعةٌ ، وطاولة كبيرة فوقها أطباقٌ مفعمة بالروائح الخلابة المثيرة ، وزجاجات ملونات غريبة ، تتدفقُ منها سوائلٌ مزعجة قاتلة في الكؤوس ، وأبي يقدمها إلى أمي وضيفه ، الذي يضع يده على كتف أمي ويقهقه ، ويقبل خدها ، وأبي يثرثر معه على الكرسي المقابل ، بدلاً من أن يحطم رأسه الكبيرة الصلعاء المشوهة ، بقعر الزجاجة !
ثم يتثاءب أبي ، ويغمغمُ بشيءٍ ما ، وينسحبُ من القاعة متوجهاً إلى غرفة نومه . أتزلزلُ في موقعي خلف باب غرفتي ، أودُ أن أصرخ ، والرجلُ الأصلع دفن رأسه في صدر أمي ، وهي ألقت بنفسها على الكرسي ، دون أن تتفوه بكلمة !
توقظني من الصباح الباكر ، تدغدغُ صدري بأصابعها ، وأشمُ روائحَ غريبة مثيرة ، لكن وجهها لم أعد أراه . تحاولُ أن تجذبَ عيني بدون جدوى . تريدُ أن توصلني إلى المدرسة ، لكن قدمي الرقيقتين ، وساقي العودين ، تحملني إلى المبنى المليء بالأولاد الساخرين مني .
اتجمدُ في ركني ، اصمتُ طوال الوقت ، والسبورة شاشة ليل كئيب تضيءُ فيها زجاجاتٌ وألوانٌ ورؤوسٌ باروكية وهدايا من الخواتم الذهب والمزهريات الرقيقة الشفافة.
ღდღ
امتلئ بالعرق والبخار الساخن ، أمسكُ سريري بأظافري ، ثمة أطيافٌ من النار تتراقصُ حولي . جسدي يدغدغهُ ثعبانٌ كبير ، وأنا أركضُ في العتمة والضباب والعواء ، أعبرُ مستنقعاتٍ من جمرٍ وضفادع وفحيحِ رجال .
اتقلبُ على الفراش ، أودُ أن أعبر تلك الظهيرة المشتعلة ، أن أتخلصَ من جسمي ، وأذوبَ ، أقفز هذا البيت ، وصراخ الرجال في القاعة ، ضحكات أمي التي تفتقُ ضلوعي ، أصيرُ فراشةً في حقلٍ ، أو ناسكاً في كهف ، أموت ، أتحولُ إلى ظلامٍ أبدي ، أرفرفُ نحو السماء ملاكاً .
الحرارةُ تزدادُ ، جسدي يهربُ مني ، الفراشُ كلهُ ماءٌ ، أصرخُ ، أصرخُ بأعلى صوتي، والغرفةُ المظلمة تفتحُ على نور ، وجسد من ياسمين وثلج ، تضمني إلى صدرها ، تلتقطُ تلك الجمرات من كبدي ، تتوغلُ أصابعها الباردة في قلبي . لو أننا نرحلُ بعيداً!
أي غابة من فل وظلمات تغطيني ؟ البيتُ يسترجعُ عروقه من الزجاجات المنتفخة بالصرخات والشهوات، وجسدي يستوقفُ أمي عن الغابة القاعة .
لا تزال الأشباحُ الصفراءُ تطاردني ، والعرقُ الغزيرُ خيوطٌ من اللذة الغريبة ، والحمى صديقة لطيفة في جلدي ، لكن أمي تغادرني إلى نداء أبي ، والبيتُ كله مظلم ، وثمة رجلٌ يضحكُ ويشعلُ الجدران .
ღდღ
غادرنا أبي فجأة ، قبلنا أنا وأختي على عتبة الباب ، وتطلعَ إلينا بعمق وغرابةٍ ، وهمس «وداعاً!». ركضتُ نحو السيارة ، ضربتُ بابه بقبضتي ، ولكنه غاب وذاب.
جاءَ رجالٌ غرباءٌ ، وفتحوا أوراقاً رنحّت أمي على الأرض . كنتُ أرى سريري وألعابي تشحن في سيارة كبيرة . لم يتزحزح الرجال عن فكِ أصابعي عن الأشياء . صراخي عند الثلاجة ، لم يحدث أثراً .
كان البيتُ فارغاً ، ثم سارت بنا أمي خارجةً أيضاً ، لنقبع في غرفةٍ كبيرة موحشة ، كان سقفه يهتزُ من الهواء ، وينتفخُ بالمطر ، لنضع أوانٍ تلاحقُ قطراته العجلى المجنونة .
الجوعُ يقطعُ دواخلَنا ، وارجلنا تضطربُ فوق درجات العمارة الملتفة ، وبين أكوامِ القذارة والأطفال الصارخين وأحذية الأجانب الكثيفة .
تنتزعُ أمي ثياباً جميلة ، تزيح طبقات الصمت والحزن ، تفجرُ وجهها بأقواسٍ من الضياء والربيع ، ويبدو جسدها الملتف بعباءةٍ سوداء زاهية ، كصفعةٍ للعمارة الكئيبة .
الحليبُ الذي تجلبهُ لا أتذوقه ، السيارة الرائعة التي تقفُ تحت الشقق الرثة ، لا أدخلها، جسدي يذوي ، وهي تضعُ اللقمات بقوة في فمي ، ألبس الثياب المرقعة وأهربُ من بدلاتها الملونة ، أتحملُ هزءَ التلاميذ وأغوصُ في الحروف ، أقرأ القرآن وأبكي ، أدخلُ داخلي وأرحل ، لا شيء في روحي ، سوى أوجه مكفهرة وجداول من وحلٍ ، محنط فوق الثياب والقمامة والأحذية الكثيرة .
سأهربُ من هنا ، سأتركها ، بل أنتزعُ أختي ، واجري بها نحو مدينةٍ أخرى ، سأعملُ، سأكنسُ الشوارعَ ، سأغسلُ الملابس والصحون . .
أترنحُ فوق الأرض ، يبللني عرقٌ كثيف ، أتحشرجُ باحثاً عن نفثة هواء ، يحيطني غرباءُ العمارة ويحجزون الضوء والمَلَّاك .
ღდღ
هذا بيتها الجديد الشامخ الآن ، فيلا وأشجار وأثاث ناعم ، وقاعة فسيحة ، وليال مليئة بالعطر والهمسات وقرع الكؤوس . وثمة رجال متأنقون ، هائدون ، يثرثرون بنعومة في أول المساء ، يتداخلون مع النساء ، يتراقصون كالثعابين الملتفة ، يحمحمون ، يطلقون صرخات الزجاجات وزبدها الطائش ، يزيحون المعاطف وأربطة العنق والعقل ، يتداخلون ، يصرخون ، تهتز الأرضُ بقرقعات أحذيتهم ، وتنطلقُ الموسيقى حيات من صناديقها المعتمة ، وتهدأ الأضواءُ ، لنسمع تأوهات في الحديقة، ونرى أقداماً راكضة نحو السيارات أو الأشجار ، وأحياناً تنفجرُ خدودٌ من صفعات حانقةٍ ، ويتعرى المنزلُ من ملابسهِ وأقنعته ، وكأنه دغلٌ يضجُ بالنداءات الوحشية .
أنا وأختي ننعزلُ في شقٍ بعيد من المنزل ، نمعنُ في صلواتنا الهادئة ، أنزلُ رأسها عن النافذة الفاضحة ، وأسدُ أذنيها عن الموسيقى الصاعقة ، لكن الجدران تتزلزلُ ، وكأن الجمعَ الغفير اللاهي يمدُ شوكاته في حلوقنا ، ينتزعُ الأبوابَ ويرقصُ عارياً أمامنا ، أنهضُ حانقاً ، غاضباً ، وأنفجرُ في القاعة الرقيقة الأضواء ، كأنني أحطمُ حاجزاً من الزجاج الشفاف .
يتطلعون إليّ بذعر ينقلب إلى ضحك . يتطلعون إلى ثوبي القصير ، ولحيتي الكثة ، ويزعقون:
ـــ ماذا يفعل هذا الغوريلا هنا ؟
لا أستطيع أن أزحزحَ واحداً من مقعدهِ ، أو أحطم زجاجة ، فعيونها الشرسة تحيطني بزنارٍ من نار ، لكنني في هذه الليلة ، اندفعتُ بقوةٍ نحو الطاولة المثقلة بالزجاجات والكؤوس والشهوات ، وأزحتها عن الأفق .
كانت تصطكُ مع بعضها البعض ، وتتأوهُ ، ثم جاءت فرقعتها المشتركة المدوية كأصنامٍ تتحطمُ معاً .
ღდღ
اختي ورائي وليس لنا سوى كومة صغيرة من الملابس . نداءات أمي المنفجرة لم توقفنا عن التوغل في الليل المبهم البهيمي ، لكن كانت النجومُ تزفنا إلى فجر أبيض وإلى مأذنة يصل صوتها إلى السماء .
غرفة أخرى صغيرة ولا ثلاجة أو هواء ، ظلمة خانقة ، وجدران كالحة ، وقيظٌ يفتت الحصى ويجعلُ المروحة تئن ، ولكن الدرب انفتح لضياء عميق ، كأنه ملائكة يهبطون من الأعالي ، وينثرون أزهاراً من ثلج ومحبة .
كانت أمي تخنقني في أحلامي ، تضعُ وسادة من مسامير وخفافيش على وجهي ، وتسحبُ أختي من يدي ، أصرخُ ، أرفسها ، أطعنها بسكين المطبخ ، لكن النصلَ لا يتغلغل في صدرها ، واسمعها تقهقه . أرى أختي تفرُ إلى ساحتها المضاءة بالمصابيح والرجال البيض الملونين وبالزجاجات التي صارت بالونات ضخمة ، تسبحُ أختي في مائها الواسع ، ليغدو جثثاً طافحة وأيدٍ ، وأنهضُ زاعقاً ، لأجد أختي نائمة قربي .
أبحثُ في متاعها ، أجدُ «روجاً» كانت تخفيه في قعر الحقيبة . أوقظها ، تــُذعر ، أصبغُ وجهها بالروج، وكأني أحفر بالدم ، كأني أكتبُ بالنصل غير المثلوم .
كانت تصيحُ:
ـــ أرحمني يا أخي !
سددت النوافذَ بقطعٍ سميكة من الخشب ، أغلقت عليها الغرفة ، جثمتُ في الخارج خائفاً أن تستطيع التسلل ، بشكلٍ ما ، من المكان.
مشيتُ في الأزقة بحثاً عن رجلٍ ما يتزوجها . لم يرض أحدٌ بها .
انحنيت على يد الشيخ أقبلها وأبكي . كان المسجد خالياً من المصلين . راح الشيخ العجوزُ يربت على رأسي ، ويتساءل:
ـــ لماذا تعذبُ نفسك يا ولدي ؟
ـــ أمي . . أمي . . يا سيدي . . عارها يلاحقني في كلِ مكان . لم أعد أنام . لم أعد آكل ، وأختي قد تصيرُ مثلها . . حينئذٍ سأقتلها وأقتلُ نفسي . . أرحني أيها الشيخ !
ـــ كفْ عن تعذيب نفسك وأمرح في الحياة !
أتطلع إليه مذهولاً . ألم يكن ضيفاً ذات مساء عند أمي ؟ ! لماذا يمتلئ وجهه بزيتٍ مضيء ، وترتجفُ عروقهُ بسعادةٍ مريبة ؟ ألا يعيش في بيتٍ كبير ، ويحب الغناء ، ويثرثر في المقاهي ؟
اركضُ مفزوعاً إلى أختي . قد تكون هربت ، أو ساعدها رجلٌ ما في اقتلاع خشب النافذة واختفت معه في منزله . أجري ، أنفض المارة من دربي المفزوع ، المترب ، وأجدُ الحجرة مغلقة ، ورائحتها عطنه لم تفتح .
وجهُ أختي أصفـر ، مثلثُ العظام ، وخيطها المربوط بالسرير لم يــُقطع . أفكها وأضاحكها ، وأضعُ أمامها الأكلَ . لكنها لا تأكل . تتطلعُ إليّ من كهفين بعيدين . تهمسُ:
ـــ أريدُ أن أرى أمي !
أفاجئ ، أُذعر:
ـــ ماذا ؟ تريدين أن تكوني معها ، تصيرين مثلها ؟ !
أرفسها بقوةٍ فتتدحرجُ إلى الحائط . أصفعها . فأرى خيطاً من الدم يتوهجُ على جبينها. أضمها إلى قلبي . أبكي .
ـــ أصفحي عني ، أرجوك !
ღდღ
لا بد كي أنهي أحلامي المخيفة ، وأنام ، وآكل ، وأضمُ أختي بحنان ، أن أفعل شيئاً ما ، لتلك المرأة .
أدورُ حول فيلتها الكبيرة المضيئة ، ولم تزل قعقعات الزجاجات والأغاني والقبل تدوي في الفضاء الرحب الفارغ الصامت . السياراتُ الفارهة تحيطُ بالمنزل كالذباب يقبعُ حول جثة نتنة .
صفيحة الكيروسين التي أحملها قد تنقذني من كلِ شيء ، تندلعُ النارُ فجأة ، وتبقبق في السيارات ، وتندفعُ إلى الأشجار والجدران والأثاث ، ويندفعُ الجمعُ اللاهي ، أجساده مشوية بنارٍ مخيفة ، والنساء تحترقُ رؤوسهن كتعاويذ السحرة .
لكنني أجبنُ عن اشعال الفتيل . أسمع كأن أمي تناديني وأنا طفل ، تدعوني إلى المائدة ، تركضُ في الظهيرة إليّ ، وعباءتها تشتعلُ بالشمس .
يدي تهتزُ ، وأمشي حانقاً من خوفي ، أنفجرُ ، لا بد أن أزيح هذه المرأة من عالمي !
صفيحة الكيروسين تمتلئ بالحياة والنار في دكان خمور . زجاجاته تقرقعُ وأخشابه تنفجر قاذفة عفاريت وصيحات مجنونة . وأنا أقف سعيداً مذهولاً ، وقبضة شرطي تقتحمُ فرحي فجأة !
ღდღ
خرجتُ من السجن النتن ، كومة من الحشرات وتنكات البول والضربات . كانت أمي هي التي ذهبت لأحد أصدقائها الضباط ليفرج عني . صرختُ ، لا أريد أن أخرج بسببها ! فقذفوني إلى الشارع .
لم تكن أختي في الغرفة . هربت ! رحتُ أدقُ رأسي في الجدار . السلسلة مكسورة ، والكتب ممزقة ، وكلمات بذيئة مكتوبة على الحيطان .
هناك أنا مسجى ، بركة من العرق ، والشعر الغزير ، والأصوات الغريبة التي تناديني، وأمي التي تزورني وتضع أطباقَ الأكل الذي لا أمسه وأسلمه للقطط . تقبلني، فأصيح:
ـــ أخرجي من هنا !
أدخل المسجد . الشيخ العجوز ، كتلة الشحم والشخير ، توفي ، وجاء أبنه مكانه . شابٌ صلدٌ ، متفجرُ الروح ، صارخٌ ، ناريٌ على المنبر .
كانت عيناي تترقرقان بالدموع فرحاً وحباً .
جئتُ إليه:
ـــ أنا تعبٌ يا سيدي . . أمي عاري الذي أحمله في كل مكان . .
أفضيتُ بكل شيء . قال:
ـــ أتريدُ أن أعلمك واجبك ؟ لماذا أنت جبان رعديد هكذا ؟ كتلة من الخرق والذعر والقذارة ؟ الا تجد حجارة وحصى في كل مكان ؟ لعل أختك تواصل رحلة الأم الموحلة!
كلمات الشيخ قتلتني . لم أعد أنام الآن . صرختُ في نفسي: جبان ! اشتريتُ سكيناً حادة . نصلها يتوغلُ في الخشب . ذهبتُ إلى منزلها . سأغرزُ السكينَ بحدةٍ في بطنها . وأذا وجدتُ الأخرى هناك سوف ألاحقها وأطعنها أيضاً . لن أتركهما حيتين أبداً . انتهت حياتي ، سأودعُ كلَ شيء .
الشارعُ الضاجُ بالأضواء والألوان والفساتين لا يغريني . السماءُ الزرقاء العميقة تعبرُ فيها الطائرات كنقاطٍ من اللؤلؤ الزائف .
ها هو البيت أمامي . سافاجئهما وأطعنهما بلا خوف .
لكن البيت لم يعد لها . ثمة رجل آخر خدعها وسرقها وهجرها . أين هي الآن ؟ عليّ أن أفتش عنها في كلِ مكان .
مضت سنوات وأنا أتعثر بالأشياء . أقلقل براميل القمامة والقطط والأبواب . أفتشُ وجوهَ الفنادق والخمارات . سأعثرُ عليها ، أهتفُ: سأطعنها ! ولا أجد سوى أشباح رثة.
ღდღ
التفتُ بذعر . ها هي هناك ! غرفة حقيرة في بيتٍ شائه ، من هذه العجوز ، الحطام، الهيكل الخشبي ، ذات الشعر الثلج ، التي تمسكُ صحناً خائفاً . . ليست أمي ! تلك غزالة جميلة ، نفثة ضوءٍ وعطر ، من هذه ؟ أين السكين ؟ صدأت منذ سنين.
تطالعني أمي من تحت أهدابها المحترقة . أمسكُ يدها العود . أين ذهب الماءُ الرقراقُ والعشبُ الأخضر؟
يتقاربُ رأسانا المهزومان . تختفي في صدري ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ツ 4 – سهرة «قصص»، 1994. ❖ «القصص: السفر – سهرة – قبضة تراب – الطوفان – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».


