مجموعة «لحن الشتاء» للكاتب البحريني عبدالله خليفة محاولة قصصية تندرج في سياق الحركة الادبية المتصاعدة التي تعرفها البحرين في فترة السنوات الأخيرة حتى يومنا هذا. ولعل حركة المضمون التى ينطوى عليها، هذا الكاتب تشكل الحدث الأكثر بروزا وطغياناً فيه. فالقضية هي قضية معاناة إنسانية عميقة الجذور متشعبة ترسم صيغ الأوضاع الاجتماعية والسياسية والإنسانية والحضارية التى يعانى منها الإنسان كإنسان فى البحرين. وان هذا الامر لا يعبر عنه الأديب تعبيراً مسطحاً أو سريعاً وعابراً. إنما يشكل هاجساً أكبر يتنفس من كل كلمة وحرف وفاصلة. . انه حلم أو هذيان أو جنون ينقله الكاتب إلى اللغة التى تصرخ حيناً وتناجي حيناً آخر وترصد الحركة الوجدانية في كل الأحيان. لكن اللغة التي تحمل هذه الهواجس لا تقف على رجلين متساويتين، بمعنى أنها لغة تتراوح بين السردية المباشرة والحوارية الدائلة، الواقعية حيناً والخيالية حيناً آخر، حتى لتصل احياناً، إلى الشعر وخصوصاً في أقصوصة «لحن الشتاء» حين يتحدث عن اللحن مشيراً إلى أنه «ينبعث من جهة ما، ينطلق الى البيوت والاشجار، يهزها، يجرحها، يسيل دماءها فينطلق الحزن والأسى والعذاب في الطرقات».. أو حين يقول في الاقصوصة ذاتها «اللحن رجل مجنون.. يكلم الجدران والنوافذ».. «اللحن خناجر تنغرز في عظامك» أو حين يقول في أقصوصة السندباد «أمطرت السماء حزناً وغياباً».. حيث تتبين في هذه المعطيات الرقة والانسياب اللذين تتميز بهما في بعض الأحيان. من هنا يمكننا أن نفهم أهمية الأقصوصة في الأدب البحريني حيث تبشر الحركة الادبية هناك بنوع من المستقبل الزاهر الذي ستعرفه هذه الحركة الادبية في الفترات القريبة المقبلة. جريدة «العصر» اللبنانية 11/7/1980
المناقشات حول تطور الرواية ومدى تعبيرها عن قضايا المجتمع، تُبرز دور الأدب في تشكيل الوعي الثقافي.
يجمع الدارسون على أن الرواية هي تتويج لفن القص، هذا الفن الذي عرفه الإنسان مذ عرف النطق والكلام، فالرجل يحدث امرأته وقد عاد من الصيد عما رأى وشاهد، ما حدث لـه في رحلته وما واجهه من أهوال ومصاعب، والمرأة تحدث الرجل عما جرى لها في غيابه قاصة عليه قصصها وأخبارها… هذا الفن العتيق الأصيل عتق الشعر في الغناء وأصالتهما تطور ككل جنس أدبي آخر واتخذ أشكالاً وتلونات كثيرة نعرفها جميعاً إلى أن جاء العصر الحديث بطباعته وصحفه وانتشار التعليم فيه ونهوض بورجوازية المدينة… إلخ لتظهر معه الرواية بشكلها الحديث الذي يضرب جذوره عميقاً في القصص الطويلة والحكايات وسير الأبطال والملاحم… كروايات الفرسان، والمغامرات في الأدب الأوروبي، وقصة حي بن يقظان، وسيرة عنترة، وحكايات ألف ليلة وليلة، وحمزة البهلوان… إلخ.. في أدبنا العربي. وهكذا ظهر هذا الشكل الجديد من فن القص لأنه الأقدر على استيعاب قضايا الإنسان وهمومه، مشاكل المجتمع وقضاياه، فالرواية هي فن بناء الحياة من جديد وإعادة تشكيل الواقع مرة ثانية لكي يتاح لمن جاء في مكان آخر وزمان آخر أن يعرف كيف كانت تلك الحياة وهذا الواقع.. وهو ما جعل الرواية اليوم الفن الأدبي الأكثر رواجاً ومبيعاً يبن الأجناس الأدبية كلها… ذلك أن الإنسان يسعى وراء ما يعنيه، ويهتم بالأدب الذي يلامس جرحه ويعالج قضاياه الإنسانية والاجتماعية وهي كثيرة، حتى ولو لم يقدم لها حلولاً.. بل حسبه أحياناً أن يطرح القضية على بساط البحث أملاً في أن يجد لها الحل فيما بعد… وإذا كانت الرواية العربية قد تأخرت قرنين من الزمان عن نظيرتها في الغرب ـ أي ما بين بداية القرن الثامن عشر حين ظهرت رواية دانيال ديفو، روبنسون كروزو، وبين بداية القرن العشرين حين ظهرت رواية محمد حسين هيكل، زينب ـ فإنما ذلك نتيجة الفارق الحضاري بين أوروبا التي بدأت نهضتها منذ القرن السادس عشر والوطن العربي الذي تأخرت نهضته حتى أواخر القرن التاسع عشر. .
فالحضارة كل لا يتجزأ، كما أن النهضة كل لا يتجزأ… يتقدم الكل معاً أو يتخلف الكل معاً، لهذا ما إن بدأت رياح النهضة تهب على وطننا العربي حتى رأيناها تهب أولاً على أدبنا بشعره ونثره.. وهو ما جعل الرواية تظهر… ثم تنمو وتترعرع بطيئة حذرة في البداية، ثم سريعة قوية فيما بعد. . في مصر، بدأت الرواية العربية الحديثة وذلك لأسباب لا مجال لذكرها الآن، ثم في بلاد الشام والعراق التي عرفت الرواية جيداً في النصف الأول من القرن العشرين… لكن في البلدان العربية الأخرى تأخر ظهور الرواية إلى النصف الثاني من القرن العشرين، حيث بدأت تظهر الرواية في المغرب العربي الكبير، السودان، وجنوب الجزيرة العربية ووسطها وفي الخليج… وهو ما يعنينا في هذا البحث: الرواية الخليجية. .
لقد تناولت الرواية الخليجية منذ ظهورها هموم الإنسان وقضايا المجتمع، شأنها شأن الرواية العربية بخاصة والرواية العالمية بعامة.. فمجال الرواية هو المجتمع وفضاؤها قضاياه . . ولعل من أهم هذه القضايا: قضية المرأة. هنا، نحن لا نعني بالمرأة ذلك الكائن!! الذي يشكل نصف المجتمع أو الأم المدرسة أو الحبيبة التي تكتب فيها قصائد الغزل، وللعرب باع طويل في هذا المضمار، بل نعني بها المرأة المشكلة التي وصل وضعها إلى درجة من التعقيد والعسر والصعوبة صار معها عقبة كأداء في وجه التغير الاجتماعي والحراك والتقدم الاجتماعي ككل، نعني بها المرأة القضية التي تثير الخلافات والإشكالات إلى درجة يتنازع حولها الناس وتقتضي الحل السريع. لقد أصبحت المرأة قضية مذ أنزلها الرجل عن عرشها في المجتمع الأمومي الذي كانت فيه السيدة المسيطرة المهيمنة، ليحل محلها ويصبح هو السيد المسيطر المهيمن . . لقد حدث تبادل أدوار وحل المجتمع البطريركي الأبوي محل المجتمع الأمومي، ليسنّ الرجل الشرائع التي تناسبه والقوانين والأعراف التي تؤكد هيمنته كرجل من جهة وخضوع الطرف الآخر الذي هو المرأة من جهة أخرى… فجاءت شرائع حمورابي تسن صراحة على أن من حق الزوج التصرف بامرأته كيفما شاء، إذ لـه الحق بضربها وحبسها بل وبيعها وقتلها إن اقتضى الأمر… منذئذ صارت المرأة قضية أساسية من قضايا المجتمع، فهي الضعيفة العزلاء التي لا تملك سلاحاً تدافع فيه عن نفسها عرضة دائماً لكل أنواع المخاطر وأشكال المذلة والهوان . . ففي الحروب هي تسبى وتساق مع الغنائم الأخرى ليمتلكها السابي أو يبيعها في سوق النخاسة . . وهي المقيدة بالأعراف والتقاليد لا تستطيع المشاركة في إدارة دفة المجتمع ومعالجة شؤونه، إلا ما ندر. وهو الاستثناء الذي يثبت القاعدة ولا يلغيها. وهي الغارقة في الجهل والأمية المحرومة من العلم والتعلم لا تستطيع التعبير عن ذاتها ولا معرفة حقوقها فكيف بالمطالبة بها؟. . قضية المرأة والتخلف: ترتبط المرأة بوصفها قضية ارتباطاً عضوياً بالتخلف . . إذ على الرغم من أن الرواية ظهرت في مجتمعنا العربي وهو يعاني من التخلف وإشكالاته إلا أن المرأة كانت هي الأكثر معاناة من ذلك التخلف، فالرجل قد يروغ يزوغ، يفلت هنا، يهرب هناك لكن المرأة ليس أمامها مفر.. إنها تواجه التخلف بكل سطوته وكل قسوته.. الجهل هي التي تتحمل وطأته كاملة.. إذ ظل الرجل بهذا العذر أو ذاك يتعلم، يذهب إلى الكتّاب، يصبح رجل دين . . إلخ.. لكن كيف يتاح هذا للمرأة؟ إنها تترك لقدرها لا يحق لها الذهاب إلى كتاب ولا الاختلاط بالذكر في أماكن التعليم ولا تصبح امرأة دين . . لهذا كانت الأمية ولا تزال هي الأكثر تفشياً بين النساء.. وإذا كانت نسبة الأمية في المجتمع العربي أيام زمان هي 98 بالمائة تقريباً فإن مائة بالمائة من هذه النسبة هي من النساء وإذا كانت اليوم خمسين بالمائة فإن ثمانين بالمائة من هذه الخمسين من النساء. الفقر، وهو الأقنوم الثاني للتخلف، يقع بمعظم أعبائه على كاهل المرأة، هي التي يتعين عليها أن تربي أطفالها وترعى بيتها وتدبر شؤونه المعيشية، لكن كيف تفعل ذلك والزوج فقير عاطل عن العمل، لا يكاد يأتي إلى البيت بما يسد الرمق، فتقاسي المرأة أيما مقاساة… هي بين المطرقة والسندان: فقر معيلها ومطالب عيالها، والأدهى والأمر إذا ما ذهب المعيل وتحولت هي إلى معيلة، هنا تكون الطامة الكبرى، فالمجتمع لا يرحم وتقاليده صارمة قاسية لكن عليها أن تحول بين أطفالها وبين غائلة الجوع وهو ما يدفعها أحياناً للانزلاق إلى مهاوي الرذيلة… ويقضي عليها قضاء مبرماً في نظر المجتمع . . كذلك الأمر مع المرض، الأقنوم الثالث للتخلف، فالمرأة بجسمها الضعيف مقارنة بالرجل وتكوينها الفيزيولوجي كأنثى تحمل وتلد هي الأكثر عرضة للمرض وهي الأكثر هشاشة إزاء الطبيعة وتقلباتها، متطلبات الحياة ومتغيراتها… فالمرأة كانت وما تزال تدفع ثمناً باهظاً من حياتها لقاء أمومتها وقيامها بالإنجاب، كما تدفع ثمناً باهظاً من حياة أولادها الذين تنجبهم، إذ لم يكن يبقى منهم إلا طويل العمر… لتعاني المرأة بذلك أشد المعاناة وتظل أقانيم التخلف الثلاثة جميعاً تقيدها أكثر إلى راهن بائس تريد التخلص منه لكنها لا تستطيع، لهذا كانت الرواية ولا تزال معنية بمسألة التخلف هذه قدر ما هي معنية بالمرأة كقضية لأنهما مسألتان مترابطتان أشد الترابط. قضية المرأة وحقوق الإنسان: تشكل حقوق الإنسان العمود الفقري لقضية المرأة، فقد جاءت النهضة والمجتمع العربي لا يعرف إلا القليل عن حقوق الإنسان. الرجل نفسه محروم من حقوقه فكيف بالمرأة؟ هو يعاني من انعدام الفرصة في الوصول إلى أبسط حقوقه فكيف تراها حال المرأة وهي رهينة محبسين: محبس المجتمع ومحبس الرجل؟ لقد ظل الرجل رغم الأنظمة السياسية والاجتماعية يجد بعضاً من الحرية تسمح لـه بها القوانين الاجتماعية والأعراف والتقاليد، أما المرأة فلا تجد شيئاً منها البتة. سيما وأنها العورة التي يحاول أن يستر عليها الجميع وأن يحجبها الجميع ويغيبها الجميع، سيما وأن موروثنا الثقافي مليء بالأقوال المضادة للمرأة والتي تعمل على حرمانها من وجودها الاجتماعي وحريتها الفردية، إلى درجة تقول معها إحدى المقولات: «دفن البنات من المكرمات» وإلى حد يقول معه أحد الشعراء عن بنته: تهوى حياتي وأهوى موتها شفقاً والموت أكرم نزال على الحرم لهذا كله لم يكن ثمة مجال للحديث عن حقوق المرأة كإنسان، إذ كان كل ما يريده لها المجتمع ويريده لها أهلها بل حتى أمها وجدتها هو الستر والصون والبقاء فقط على قيد الحياة لكي تقوم بوظيفتها الأساسية في المجتمع: خدمة البيت والإنجاب. أي بعبارة أخرى، لم يكن ثمة مجال للحديث، مجرد الحديث عن حرية المرأة وعن حقها في التعبير والاختيار وكذلك عن حقوقها الإنسانية الأخرى كحقها في المساواة مع الرجل، وحقها في العمل والتعلم، فكيف بحقها في الحب واختيار الشريك؟ هذه مسألة خطيرة يتوقف عليها مصير المرأة: وجرائم العرض والشرف ما تزال متفشية في مجتمعنا العربي حتى اليوم… هذا الحرمان من حقوقها كإنسان هو الذي شكل ولا يزال يشكل جانباً أساسياً وهاماً من قضية المرأة وهو الذي تناولته الرواية العربية باستفاضة ومنها بالطبع الرواية الخليجية . . قضية المرأة وحقوقها الاجتماعية: المكوّن الأساسي الآخر لقضية المرأة هي حرمانها من حقوقها الاجتماعية، وهو حرمان بات قاطع في أكثر الأحوال إلى درجة ترك معه آثاره على تقدم المجتمع نفسه وعلى قدرته على الحركة والتطور كما سبق وذكرنا، وليس على وضع المرأة وحسب، فالمرأة كائن مغيَّب إلى حد كبير في المجتمع، دوره يقتصر على الطبخ والنفخ والتناسل، وبذلك يخسر المجتمع نصف يده العاملة ونصف طاقته الإنتاجية وهي خسارة فادحة يمكننا أن نعرف مدى فداحتها إذا ما قارنا حالة العمالة بين مجتمع متقدم ومجتمع نام كمجتمعنا، ونجد ذلك متوفراً بكثرة في الإحصائيات التي تنشر عن هذه المجتمعات . . ولا يتوقف الأمر عند بطالة المرأة وحرمانها من العمل وتخفيض قدرة المجتمع الإنتاجية وحسب بل يتعدى ذلك إلى تحويلها إلى عالة وعبء على كاهل الرجل وهو ما يفسر إلى حد كبير انخفاض معدلات الدخل الفردي والناتج القومي في المجتمعات المتخلفة… خاصة إذا كان الرجال أنفسهم فيها لا يجدون عملاً. كذلك فإن حرمانها من المشاركة في قيادة المجتمع وسياسته يؤدي إلى خسارة طاقة كبيرة ثبت أنها فعالة وأنها ضرورة أساسية لبناء مجتمع سليم صحي متكامل. إن إبقاء المرأة كائناً مغيباً وراء ستار يعني فيما يعنيه إبقاء المجتمع ذا بعد واحد ومنظور واحد وبالتالي إلى إفقار المجتمع، هو الذي كلما تعددت أبعاده وازدادت منظوراته كان أقرب إلى النضج والاكتمال. وهكذا تحرم المرأة في كثير من مجتمعاتنا العربية من حقها في الانتخاب حتى اليوم. ومن حقها في استلام المسؤوليات وتسنم المناصب العليا، رغم أن التجربة الحضارية قدمت البرهان تلو البرهان على أن المرأة صنو الرجل كفاءة وجدارة وأنها قد تكون أكثر حرصاً على المجتمع من الرجل وأكثر أمانة وإخلاصاً منه. هذا الحرمان من حقوقها الاجتماعية ومن ممارسة فعاليتها كعنصر فاعل فيه ترك هو الآخر آثاره الضارة على المجتمع العربي وترك جرحاً نازفاً دائماً في نفوس الكتاب العرب وخاصة الروائيين منهم الذين سلطوا الأضواء في كثير من أعمالهم عليه وحاولوا أن يعالجوه، وهو أيضاً ما نلمسه في الرواية الخليجية وإن كان يحذر أكثر من أختها العربية. قضية المرأة والرواية العربية: لقد عُنيت الرواية العربية بإلحاح شديد بقضية المرأة انطلاقاً من أنها نصف المجتمع وأنه لا يمكن لمجتمع أن يتقدم بنصفه فيما يظل النصف الثاني محجوراً عليه مغيباً… إنه كأن تطلب من رجل أن يسير على ساق واحدة فيحجل حجلاً ولا يسير ولا يركض.. لقد أدرك الأديب عموماً والروائي خصوصاً منذ البداية أن تقدم المجتمع رهن بتقدم المرأة فجاءت أول رواية عربية بالمعنى الحديث للرواية، بعنوان زينب، بطلتها زينب وتتحدث عن حال المرأة البائس في الريف المصري وغير الريف المصري. كما كتب الشعراء عن المرأة فقال حافظ إبراهيم: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق كما قال الزهاوي: إنما المرأة والمرء سواء بالجدارة علموا المرأة فالمرأة عنوان الحضارة إذن، الأمر واضح كعين الشمس في أذهان المتنورين والأدباء والكتاب.. حال المرأة في مجتمعنا مزرٍ، نريد أن نتقدم.. إذن يجب أن نحسن وضع المرأة، من هنا كانت قضية المرأة إحدى أهم القضايا التي أثيرت ونوقشت وأثارت العواصف والزوابع في عصر النهضة، فقد ظهر هناك من يدافع عن المرأة وحقها في الحياة ومن يقف ضد المرأة وخروجها إلى الحياة، تمسكاً ومحافظة على الوضع الراهن . . في خضم هذا الصراع ظهر رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وقاسم أمين… إلخ مصالحين ودعاة تغيير كما انعكس ذلك كله في الرواية العربية التي تعكس بطبيعتها الواقع بكل مكوناته وعناصره، إشكالاته وهمومه. ولو أن المجال يسمح لذكرنا الكثير من الأمثلة على ذلك في الرواية العربية سواء في مصر أو بلاد الشام أو العراق… لكننا سنقتصر هنا على نماذج من معالجة الرواية هنا لهذه القضية. الرواية الخليجية وقضية المرأة: لا بد لي هنا من أن أذكر، بكل أسف وأسى، مشكلة بتنا نعاني منها جميعاً إلى هذه الدرجة أو تلك ألا وهي: مشكلة الانقطاع الثقافي بين الأقطار العربية نتيجة صعوبة انتقال الكتاب من هذا القطر العربي إلى ذاك. ذلك أن الحدود والحواجز التي أقامها الاستعمار بين أقطارنا العربية لم تقتصر على إيجاد الكيانات السياسية الشائعة وتمزيق الوطن الكبير إلى مزق ورقع، بل طالت كل شيء في حياة الإنسان والمجتمع العربي حتى الكتاب . . ورغم أنه ظل في البداية يتحرك بشيء من الحرية وينتقل ببعض اليسر. . إلا أنها شيئاً فشيئاً بدأت هذه الحدود تضيق وتلك الحواجز تزداد ارتفاعاً إلى أن بات الكتاب يعامل كالسلعة تماماً بل أشد سوءاً من السلعة وباتت حركته أعسر من حركة الأشل. . الأمر الذي راح ينعكس على الكتاب أزمة خانقة وكساداً شديداً وعلى المتعاملين مع الكتاب جفوة وعدم قدرة على التواصل. . إذ من الصعب الآن وأنت في سورية، مثلاً، أن تتابع أعمال الأدباء الخليجيين وتطلع بسهولة على ما يصدر عنهم من روايات وقصص. . قد تقع على شيء من هذا في معرض من معارض الكتب. وهي النافذة الوحيدة المتبقية عملياً لحركة الكتاب الميسرة، أو قد تقرأ عن عمل في مجلة.. لكن هذا لا يكفي لتحقيق تواصل حقيقي. . فالانقطاع، بشكل ما، قائم وهو، وأعترف هنا، ما جعلني أبحث كثيراً وأفتش علني ألم بالطيف الكامل للرواية الخليجية لكن عبثاً، فإن وجدت رواية هذا الكاتب لا أجد أخرى وإن وجدت عملاً لآخر لا أجد لثالث. . وهو ما حال بيني وبين دراسة الرواية الخليجية ككل لأقتصر على اتخاذ نموذج واحد هو: أعمال عبدالله خليفة وقضية المرأة: على الرغم من أن عبدالله خليفة هو نتاج مجتمع بطريركي بامتياز، الرجل فيه كل شيء، إلا أنه يدرك منذ روايته الأولى «اللآلئ» التي صدرت عام 1981، مدى فداحة الظلم والقهر الذي تعيشه المرأة في مجتمع أرادها أن تكون مجرد تابع عليه الطاعة والخضوع فقط، كائن لا يملك من مصيره شيئاً، فالآخرون هم السادة وهم الذين يقررون كل ما يتعلق بشأنه وما عليه هو إلا أن يسمع ويطيع. . أليس الرجال قوامين على النساء؟ أليسوا هم الأدري بمصلحتهن وخيرهن؟ 1ـ المرأة، كائناً تابعاً يقرر مصيره الآخرون: يعلم عبدالله خليفة وضع المرأة جيداً في مجتمعه المغلق الخانق للمرأة كما يعلم جيداً وضعها اليائس فيقول في روايته «الينابيع»: “أحس محمد أن جمعة يتحدث عنه ويرى أمه وهي مضطربة، مستباحة في المخزن في ليلة طاش بها صواب سيدها” ص 56. بينما يقول في مكان آخر: “… حتى اهترأ ومات ولحقته أمي… كانت تقذف حمماً من قطع الدم الكبيرة وتضرب أختي بهستيريا جنون وشعرها منثور وملابسها ممزقةّ ماذا عرفت أنت عن العذاب والألم والقهر؟ أرأيت أحداً من أهلك يهان ويغتصب؟ وأمك تموت بأسياخ المطوع الساحر وماء البرك الملوث المقدس؟”. إن عبدالله خليفة يتماهى مع الراوي هنا في إحساسه بالوجع والظلم الواقع على المرأة التي تقذف حمماً من الدم وتموت بأسياخ المطوع وبماء البرك الملوث غير المقدس كما يقصد على ما أعتقد… إنه يشفق على المرأة، هذا الكائن الذي لا يستطيع اختيار شريك حياته بل لا أحد يأخذ رأيه في ذلك… فيفرض عليه الأمر أمراً واقعاً عليه هو أن يستسلم لـه ويخضع. فها هو يقول في «الينابيع» ذاتها، وقد جاءت ميّ إلى محمد ترمي آخر سهم في كنانتها: “ـ محمد، لم لا تتكلم؟ الآن نزلت صخرة فوق ضلعه، طحنت لحناً وحلماً وأعطته لهب الأرض ـ أنت ترين فقري وحالي، أيمكن أن نكون معاً؟ ـ أفديك بروحي … ولكن ـ الحال صعب ـ أهلي سوف يزوجونني لرجل كبير… ما بك ترتجف؟ ـ كل هذه السكاكين ولا تريدينني أن أتألم؟ ـ الذي يهواه القلب عجز البخت أن يجيبه…” ص 58. إذن هي اختارت من قبل وأحبت لكن أهلها يريدون شيئاً آخر.. اختاروا لها مصيرها وقرروا عنها حياتها، ولسوف يزوجونها شيخاً كبيراً وهي لا تستطيع إلا أن تسمع وتطيع.. ها هي ذي تقول في مكان آخر: “ـ شيخ هو الذي يريدني. أتعرف أنك سقطت من شجرة وارفة ورحت تنمو في الماء المالح. أتعرف كم قصراً لديه وأراض وجزر؟ وليس كريهاً ولا جاهلاً. هو في ذروة المجد والأدب!! هو الكامل على هذه الجزيرة!! أيمكن لفتاة مثلي أن ترفس مثل هذه النعمة؟” ص 59. طبعاً، الجواب لا.. ليس باستطاعة أية فتاة أن ترفض ما اختاره لها الأهل كيف لا وهي لا تملك من مصيرها شيئاً.. ـ هي الضلع القاصر، ناقصة الحظ والعقل والدين، أيحق لها أن تختار؟ أتعطى حرية الرأي وتقرير المصير؟ في روايته «الضباب» نجد ما هو أنكى، إذ يقول على لسان المرأة التي جاءت إلى بيت البطل العجوز: “قالت: ـ أخذتني خالتي إلى ذلك البيت الحجري الكبير… رحت أساعد المرأة المتجهمة الغريبة المسيطرة على ذلك البناء المدهش. كنت أرتجف وأنا أجري وراءها من مكان إلى آخر. كان لديها بضعة أولاد أشقياء وزوج هادئ منعزل وفي الصباح تخرج طويلاً ثم تعود لتجد الأكل جاهزاً فتتذوقه وتلسعني بلسانها الملتهب المليء بالشتائم القذرة..” «الضباب» ص 68 إلى أن يقول: “كان كل أولئك الأولاد يأخذونني إلى غرفهم ويتناوبون على جسدي.. كنت أعي ولا أعي، أتلذذ وأقرف، حسبت ذلك جزءاً من عملي وخفت كثيراً أن أفاتح الأم…” ص 68 وهكذا تتطور الأمور إلى أن تقول: “صرت آتي إلى ذلك الكوخ مع الأم ليدخل علينا الرجال، واشتهرت في الحي كله..” ص 68. وهكذا تتحول الفتاة التي لا تملك إلا أن تستسلم لمشيئة الآخرين وإرادتهم إلى مومس تبيع جسدها لكل من يريده… إنها تعيش المأساة بكل أبعادها، تحترق روحاً وجسداً، مع ذلك لا تستطيع أن تفعل شيئاً، فمصيرها قرره الآخرون، وقدرها ليس ملك يدها… إنها التابع الخانع الخاضع الذي لا إرادة لـه والذي يتحرك أشبه بريشة في مهب ريح. هذه «فيّ» تحب محمداً لكن أباها يقرر زواجها من رجل آخر: “ألا تسمعين يا فيّ؟ التفتت إليه وينبوع من الماء يقترب من صدرها. ستغطس الآن في الماء الساخن. ـ ماذا تريد يا أبي؟ لقد جهزت لك الغداء ـ إنني أتحدث عن عرسك، عن زفافك، يوم أن نلقاك ملفوفة في سجادة في غرفة عريسك ـ أوه.. يا أبي!! ـ وجهك يتضرج من الخجل! لكن اسمعي.. أتعرفين جارنا سعيد المناعي؟ هذا الرجل الشهم، لؤلؤة البحر.. إنه يريدك!!” «الينابيع» ص 62. ولأنه يريدها ويوافق أبوها على إرادته سيتعين عليها أن تدفن أحلامها في الحب الذي لا تجرؤ على البوح به… تتخلى عن كل شيء وتذهب رغماً عن أنفها إلى سعيد المناعي. وها هي فتاة أخرى تدعى زهرة تلقى المصير ذاته، فلا أحد يستشيرها في أمر مصيري يخصها هي وحدها إذ: “قال أهلها: ـ مهدي أولى بك، سيعتني بطفل أخيه دفنت وجها في رمال الوقت وارتعبت من أسنانه وانكفأت بعيداً عن النخيل والحكايات…” «الينابيع» ص 115. إنها مقهورة مرغمة كما كانت عند ما زوجوها أول مرة، راسمين قدرها بالشكل الذي يشاؤون: “عندما دخل عليها كانت ترتجف رعباً. ماذا سيفعل؟ هل سيأكل من جسدها؟ أهو الذي يضع فيه جنيناً وكيف” «الينابيع»، ص 114. إنها لا تملك شيئاً من مصيرها وحسب بل تجهل كل شيء عن ذلك المصير وعن نفسها وجسدها والآخر، إلى درجة ترتعب معها عندما تراه وتساورها ظنون شتى: هل سينهش لحمها؟ هل سيأكل قطعة من جسدها؟ إنه الجهل المطبق بحيث لا تعرف الفتاة شيئاً عن أخص خصوصيات الحياة: العلاقة بالرجل. 2 ـ المرأة، هدفاً للأطماع والنزوات: يتناول عبدالله خليفة في أعماله المرأة كقضية باعتبارها هدفاً للأطماع والنزوات فهي الأضعف جسداً من الرجل والأقل حرية وقدرة على الحركة، تظل نهبة للرجل وأطماعه ونزواته. ها هو أكبر مرتضى في رواية «الينابيع» يتأمل زوجته زينب وهو يخطط لابتزازها ونهب أموالها، هي التي لم يتزوجها إلا طمعاً في ذلك. “تطلع أكبر إلى زوجته وتساءل: من كان يستطيع الزواج بك، وأنت ذات الوجه البشع واللسان السليط… ألا تدخلين القفص يا لبؤة؟ اقترب منها بحذر وأمسكها بود فجفلت وصاحت: ـ ماذا تريد؟ أخذها برفق إلى حافة السطح فذعرت: ـ ماذا تفعل؟ هل تريد أن تقتلني؟ ابتعد! ـ يا حبيبتي، كيف أقتلك وأنت قطعة من قلبي، بل كل روحي.. بل أود أن تنظري إلى الأرض العظيمة التي حدثتك عنها. طالعي هذه المسافات الخالية وبيوت السعف الكثيرة المحتشدة حتى الشاطئ البعيد. أليست ساحرة وجميلة؟ ـ ماذا بك؟ هل خرفت؟ أي جمال في هذه العرشان القبيحة…؟ ـ بل الجمال كله ـ يا حبيبة عمري ـ في امتلاك هذه الأرض، هذه المساحات التي تنطلق فيها الخيل!! ـ وما دخلي أنا بامتلاكك الأرض؟ اذهب واشترها!! ـ ومن أين المال؟ هنا زعقت وصاحت وأزبدت… إلخ” «الينابيع»، ص 158. لكنها مع ذلك ظلت هدفاً لأطماعه ونزواته، إذ إن لديه هدفاً وعليها هي أن تقدم لـه العون لبلوغ ذلك الهدف… على أن المشكلة الأخطر، حين تتحول المرأة إلى فريسة يفترسها الرجل بكل وحشية وقسوة. إنه الاغتصاب الذي تعاني منه الكثيرات والكثيرات، فالرجل يمارس هنا قوته الجسدية وتفوقه العضلي على المرأة، فيقهرها ويذلها ويزرع فيها جروحاً قد لا تشفى منها أبداً. كثير من الروايات عالجت مسألة الاغتصاب وما تخلفه من آثار في نفسية المرأة، لكن عبد الله خليفة يعالج هذه المسألة على نحو معكوس تماماً ليبين آثار حالة اغتصاب على رجل وجد امرأة مغتصبة وملقاة في الطريق فقدم لها العون لكن ليجر عليه ذلك الويلات. الحادثة تحدث في الواقع لكن ما يهمنا ليس ما جرت على الرجل من ويلات بل الوضع الذي وجد فيه هذا الرجل المرأة والذي دفعه لمساعدتها فيقول: “امرأة تتلوى على التراب وتنهش الحجر. تعض يديها وتبحث عن قطع فستانها الممزق وعباءتها المتوحدة بالظلام. اقترب منها، انتفض جسمها الممزق” «الضباب» ص 6. إنها حالة بائسة إلى أقصى حدود البؤس يجد الرجل المرأة المغتصبة فيها إلى حد أنه حين يحاول مساعدتها ورفعها بين يديه: “تضربه، تصرخ، تبكي، تخدش وجهه بأظافرها، اتركني.. اتركني” «الضباب»، ص 7. تصرخ مرتعبة هلعة، هي التي اغتصبها الذكر مستغلاً ضعفها ورقتها. كذلك حين: “تفتح عينيها تستعيد الألم المنتفض والذكرى الحادة. تتكلم، تهذي، تندس في صدره كابنة ضائعة، وفجأة تصرخ كأنها لمست الجلد الذكوري ذاته..” «الضباب»، ص 7. إنه الخوف الذي يتملك الفريسة من المفترس والذي يجعلها تبتعد عنه، لأنها جربت معه نهشه للحمها ولا تريد تكرار التجربة. هنا يفلح عبدالله خليفة في تصوير هذا الشعور لدى الفريسة تصويراً بارعاً، كما يتناول في أعماله أكثر من فريسة من هذا النوع: امرأة كانت مطمعاً للرجل ومحطاً لنزواته فإذا ما انتهى منها تركها لأخرى، ها هو في «الضباب» يتكلم عن امرأة تزوجها رجل فقط لكي يستغلها ويبتزها، فيقول في حوار بين الرجل والمرأة: “ـ ماذا بك؟ لماذا تشمئز مني؟ ـ مللتك، اغربي عن وجهي!! ـ أشم في ملابسك عطر نساء؟ ـ وماذا في ذلك؟ ـ أتعترف بهذه البساطة وأنا التي ضحيت من أجلك… ـ ومن أجبرك؟ ـ أعرف أن لك علاقة بامرأة غنية الآن. تريد أن تستنزفها كما عصرتني ولكني سأقتلك قبل أن تلقيني في الشارع” «الضباب» ص 46 ـ 47. مع ذلك لا ينفعها تهديدها لـه، فهو يلقيها في الشارع وقد استنزفها تماماً ليذهب إلى أخرى يستنزفها وهكذا دواليك… 3 ـ المرأة، ضحية للظلم والعسف: في كثير من المواضع يتناول عبدالله خليفة المرأة في وضعها الاجتماعي الصعب كضحية للظلم والعسف. ولا غرو، فهي الطرف الأضعف في المعادلة دائماً، جسداً ومالاً وعلماً لهذا يمكن لأي رجل أن يمارس عليها عقده ويفرغ فيها حقده ومفرزات دونيته ونقصه، بل لأنه هو نفسه عرضة للظلم والعسف الاجتماعي، إما على يد المستعمر، أو الحاكم أو الملاك أو رب العمل… إلخ، فإن من الطبيعي أن يبحث عن التعويض لكي يحقق التوازن النفسي الذي يمكّنه من الاستمرار والعيش، هذا التعويض يكون على حساب المرأة التي تتلقى في حياتها كل أشكال الظلم والعسف بدءاً من أبيها وأخيها مروراً بزوجها وأهل زوجها وانتهاء حتى بأبنائها. عبد الله خليفة يرى هذا ويسلط الضوء عليه في كل عمل من أعماله. ها هو في الينابيع يتكلم عن «فيّ» الفتاة التي تموت أمها ويتزوج والدها بهدف أن تكون هذه الزوجة أماً لها لكن ماذا يجري؟ “وجاءت امرأة ساكنة هادئة احتلت المكان. وفجأة تمزقت ملابس فيّ وتقطعت ضفائرها وتكسرت نجمات بحرها وراحت تهذي وتجري في الليل تصرخ الزوجة فيه: ـ هذه ابنتك مدللة، لا تريد أن تغسل صحناً ولا أن تنظف أرزاً. وهو يصرخ فيها بدوره: ـ أتريدين وضع هذه الطفلة بين النيران والقدور منذ الآن؟ ـ ليست طفلة، إنها امرأة.. حين التهب جسدها وتناثرت أهرامات صغيرة من الجلد المتغضن المنتفخ وهربت من البيت مراراً وتاهت بين كتل السفن الجاثمة على الشطآن… إلخ” «الينابيع» ص 61 حينذاك فقط يتنبه الأب لضرورة إنقاذها، فعلى يد زوجته حل بالفتاة ظلم لا نظير لـه، فضُرِبت وعذبت وحبست ومزق جلدها ونتف شعرها… لا لشيء إلا لكي تنفس الزوجة عما في داخلها من عقد نتيجة الظلم الذي مورس عليها هي ذاتها من قبل ولتفريغ الشحنة العدوانية التي تحتل أعماق لا شعورها، رغم أن الأب يحاول الدفاع عن ابنته التي يحبها إلا أنه لا يستطيع ذلك إلا بالتخلص من الزوجة وإخراجها من بيته. بل إن المرأة، كما يرى عبدالله خليفة، تقع ضحية للظلم والعسف حتى في علاقة الحب التي يمكن أن تقوم بينها وبين الرجل، ذلك أن أي عواقب وخيمة أو نتائج غير شرعية تنجم عن تلك العلاقة غالباً ما تنعكس على المرأة وحدها، إذ يفر الرجل بجلده لتبقى المرأة وجهاً لوجه أمام مصيرها المحتوم: ذبحاً أو رجماً أو عاراً أبدياً يجثم صخرة على صدرها وصدر أهلها، جاراً عليها سلاسل من العذابات والمآسي التي لا تنتهي. هذه فيّ في الينابيع وقد شعرت ببذرة محمد تنمو في أحشائها تجيء إليه مستنجدة مستغيثة. “قالت فجأة: ـ استرني… يا محمد ارتعب، لم يعد يشتهي شيئاً، سمكة الشعري المقلية بالزيت والمترامية فوق الأرز الأبيض المعذب، مصيدة لسجن العمر الكئيب، لهذا الحجر الذي سينطفئ فيه الأغنيات والكلمات. أتريد أن تصطاده بهذا الثمن البخس؟ صرخ فجأة: ـ هيا، اذهبي من هنا. ـ لا أستطيع. نطفتك تتكون داخلي. ـ أأنت مجنونة؟ هل تتصورين أنني، أنا الرجل الحر، أحبس نفسي في هذه الخرابة لأصنع أطفالاً وأناغي زوجة وأشتري الأدام كل صباح… إلخ ـ وأبي وأحجار الرجال التي ستنهال على جسمي، وعصا سالم الرفاعي التي ستحطم رأسي. ـ اذهبي من هنا، وخذي أرزك وفضائحك ودموعك معك!! اتركيني… كانت تتقطع دموعاً ويداً وثدياً. كل ينابيعها المحبوسة بأقفال الأمل ضخت فجأة كل الوجع والرعب وصارت المدينة والسماء كلها حصا. سمعت عن جارتها التي انتفخ بطنها حراماً وأحضروا عجوزاً شمطاء قتلت الطفل وأذابته في الحمام، ثم هربت العائلة كلها فيما وراء البحر. وأمينة صديقتها التي قتلوها ودفنوها… إلخ” «الينابيع» ص 92. وهكذا ترى الفتاة قدرها بأم عينها، ذاك القدر الذي عليها أن تواجهه وحيدة مفردة، تخلى عنها شريكها في الحب، وتنصّل من الذنب لتلقى هي وحدها العقاب الذي كان عليهما كليهما أن يتشاركا فيه.. ها هو بطل الضباب الذي تتزوج أمه رجلاً آخر بعد أبيه يرى كم يمارس عليها هذا الزوج من ظلم وعسف إلى درجة يصرخ معها ذات مرة: “ذئب!! ذئب”: ويود لو يخنقه بيديه لكنه مجرد طفل وزوج الأم رجل كبير يظل يضطهد أمه ويعذبها إلى أن تقضي نحبها فيقول مخاطباً نفسه: “كل وجهك، حطم الجدران والمزهريات، فلا فائدة وأمك تحمل على نعش بعد أن عذبها اللص حتى الموت وحوّل أولادها إلى خدم…” «الضباب» ص 72. على هذا النحو يصور عبد الله خليفة هذا المخلوق الضعيف الذي هو عرضة دائماً لاضطهاد الرجل واستبداده، ظلمه وعسفه إلى درجة تستسلم معها لكل ممارسة يريد الرجل ممارستها عليها، بانتظار، ربما معجزة سماوية تنقذها لكنها أكثر الأحيان لا تجيئ. 4 ـ المرأة، رهينة للكبت والحرمان: يعلم عبدالله خليفة، هو الذي يعيش ظروف مجتمعة وشروط الحياة فيه بخيرها وشرها، أن الإنسان العربي يعاني أكثر ما يعاني من الكبت والحرمان، فالتقاليد والعادات والأعراف الاجتماعية كلها تفرض عليه إطاراً معيناً للعيش يتعذر عليه الخروج خارجه، ليظل في معظم الحالات رهن الكبت والحرمان الذي يمسك بقبضته عنق الإنسان إلى درجة يكاد يخنقه فيها، ذلك ينطبق على الرجل والمرأة على حد سواء، لكن لما سبق وذكرناه من ظروف مخففة لدى الرجل تكون وطأة الكبت والحرمان أخف عادة مما هي على المرأة، التي تعاني في أغلب الأحيان من حرمان شديد وكبت قاهر يكاد يدمر حياتها، بل هو نفسه ما يدفعها في أحيان كثيرة للانزلاق في منزلقات الخطيئة، وبالتالي للانحراف والضياع، فالمرأة التي يفرض عليها، خاصة في المجتمعات المغلقة شديدة المحافظة، أن تظل حبيسة المنزل، تنتظر العريس إن كانت في بيت أبيها، أو تنتظر دورها، إن كانت في بيت زوج متعدد الزوجات، تجد نفسها تتآكل من الداخل وفي جسدها حاجات لم تشبع وغرائز لم ترو… فلا تملك إلا أن تسعى لإروائها.. لنر عبدالله خليفة كيف يسلط الضوء على هذا الجانب من المرأة، كقضية ومشكلة، فها هي الفتاة التي كان يحبها جابر تركته وتزوجت رجلاً ثرياً متعدد الزوجات لكنها لا تجد معه ما يروي ظمأها القاتل ويعوضها كبتها وحرمانها الطويل فتعود خلسة إلى حبيبها السابق: “سمع خطوات مضطربة عند الباب ثم دقات عصبية سريعة. فتح وإذا هي متدثرة بعباءتها تلتفت إلى الوراء خوفاً، ثم ترنحت بين يديه عصفورة مضطربة القلب مذعورة…” «أغنية الماء والنار» ص 134، وهي لكي تراه تلجأ إلى حيل وأساليب عجيبة وغريبة، إذ عليها أن تكتم وتخفي أو كانت الفضيحة وبالتالي العقاب الشديد الذي قد يكون الموت نفسه، إذ إنها تراه مصادفة في السوق وحينذاك: “تطلعت في وجهه. ارتبكت وشعت بالابتسام. تركت البائع، اندفعت في الزحام. تبعها، تركت الدكاكين والسوق ودخلت الأزقة. كان أحدها خالياً، توقفت أرادت أن تتكلم، لكن الألفاظ تعثرت في شفتيها. ـ كأن الفراق كان سنوات طويلة. تتلفت ثم تطالع وجهه بارتياح. كأنها كانت تبحث عنه طويلاً. تريد أن تلقي برأسها على صدره لكنها تظل بعيدة، متوجسة من المارة والأصوات. ـ لقد تعبت من هذا الرجل الفظ القاسي الذي لا يعرف سوى رغباته. لقد اشتقت إليك كما لم أشتق من قبل. يا ربي!! كيف تسرعت وأخطأت!! ـ هل كان بريق الثروة رائعاً؟ ـ لا تحقد علي الآن. كنت طوال هذه المدة أذكرك وأتعذب…” «أغنية الماء والنار» ص 93. إنه الحرمان الذي يجعلها تذكره وتتعذب وهو الحرمان الذي يدفعها لأن تتبع الأساليب الملتوية لتلبية حاجاتها الجسدية، فتقترح عليه هي نفسها أن يستأجر غرفة كي يلتقيا معاً بل وتعطيه نقوداً. “ـ أريد أن أقول لك كلاماً كثيراً. لماذا لا تستأجر غرفة هنا؟ قبل أن يفتح فمه أعطته رزمة من النقود. ـ غداً سألقاك هنا وفي هذا الوقت لرؤية المكان” «أغنية الماء والنار» ص 94. وإذا كانت حبيبة جابر تهرب بعيداً عن بيت زوجها فإن حبيبة محمد في رواية الينابيع تأتي به إلى بيتها للعناية به وقد مرض وتقيم معه علاقة وهي تحت سقف بيت أبيها وذلك لشدة الدافع والرغبة التي صنعها الكبت والحرمان. “يحتضن فيّ بقوة، وكان المطر الناعم يتغلغل في التراب منتشياً صارخاً ويرى أن جسده كله يشتعل، وهذه ليست رقصة في بحر والتفاف جسدين بين كتل الماء والأعشاب، بل استحمام في برد ونار، والغرفة تركت لـه، والليل، والأب ينام في وحدته، غافلته ابنته واندفعت للهوى والجمر…” «الينابيع» ص 86 . كيف لا، والكبت والحرمان يصنعان ما هو أفظع من هذا وأشد هولاً، خاصة لدى المرأة التي تقاسي أشد أشكال الكبت والحرمان حتى تتشوه نفساً وجسداً كما تتشوه قدم الفتاة الصينية وقد وضعت في قالب يمنعها من كل نمو أو تطور. 5 ـ المرأة، كائناً هشاً سريع التأثر: يتابع عبدالله خليفة في أعماله كلها رصد قضية المرأة باعتبارها كائناً هشاً ضعيفاً سريع التحول والتأثر، تنعكس ظروف الحياة الصعبة عليها مباشرة لتجعل منها الكائن الذي ينكسر ويعطب بسرعة كبيرة، كما يتأثر ويتغير بسرعة كبيرة أيضاً: “الفتاة تطلعت إليه بخجل، بخجل شديد، وتوارت نظراتها وانكسرت وبدا أن دمعة ساخنة تحرق خدها.. ” «الضباب» ص 17. وهل لهذا الكائن الهش حين يخجل أو يخاف أو يقلق سوى الدموع والبكاء؟ ها هي في أغنية الماء والنار تصف نفسها بنفسها وقد تأثرت وتحولت تحولاً كبيراً حتى غدت كائناً آخر: “كانت عيناها قاسيتين، الوجه الجميل استحال إلى شكل مرعب. خاف، تراجع. ـ أين ستذهب؟ ـ هل أحببت أحداً ما؟ ـ عشت في قسوة طويلة. حين اغتصبني الشيخ الثري وأنا صبية كرهت كل شيء كرهت الناس، كرهت أبي الذي كنت أحبه كثيراً. بدا لي عاجزاً ضعيفاً وكنت أتصور أنه عملاق يصل إلى السماء. لم أشعر بأي لذة. لم أفكر بعدها إلا أن أملك وأملك..” «أغنية الماء والنار» ص 125ـ 126. لقد تغيرت إلى درجة تحولت معها إلى وحش حقيقي ليس لديه مانع من أن يلتهم حتى لحم أخيه الإنسان… فتخطط لإيقاع راشد بحبائلها لكي ينفذ لها مأرباً بعيداً يلبي نهمها الشديد للتملك: ألا وهو حرق أعشاش الفقراء وبيوتهم حتى ولو التهمت النيران نصف ساكنيها، وهو ما تفلح فيه مورطة بذلك راشداً الذي يدفع فيما بعد الثمن غالياً. وها هي مي التي كانت تذوب حباً بمحمد وذهبت إلى منزلـه لكي تقنعه بأن يعمل لإنقاذها من براثن الشيخ العجوز الذي سيشتريها بماله، ها هي ليلة عرسها من هذا الشيخ العجوز، وقد تغيرت تماماً واندمجت في جو العرس اندماجاً تاماً.. “تتطلع مي من غرفة العرس إلى المدينة وهي تشتعل بفرحها، تتجمد ذائبة من النشوة ولأنها كائن هش سريع التأثر تبدو على أتم الاستعداد للغرق في ذلك العالم الآخر”. 6 ـ المرأة، فريسة للخوف والقلق: من الطبيعي، والمرأة في مثل هذه الشروط الاجتماعية والإنسانية، أن تكون دائماً نهبة للقلق والخوف، وعبد الله خليفة يعرف هذا ويسجله بكثير من الإشفاق والرثاء. فالمرأة غالباً ما تعيش حياتها سلسلة متصلة من الخوف والقلق. إنه الخوف من مفاجآت الحياة، من المخفيات التي لا تعلم متى تظهر لها فتدمر حياتها أو حياة أطفالها وزوجها.. “كانت زهرة تحدق من وراء الخوص، في السفينة الكبيرة الوحيدة التي جرفت بعيداً عن ساحل قرية العين.. كانت النسوة يرفعن أيديهن ومناديلهن للبحارة المتوغلين في اليم… ولم تصدق أن زوجها سيغرق فجأة وإلى الأبد، كومضة، كفراشة. تبحث عن ملامحه في النهار والليل فلا تجده. إن حشد الأهل يطفئ آهاتها الساخنة ويملأ بماء العين قنواتها النابضة” «الينابيع» ص 113. أما حبيبة جابر التي تزوجت من الرجل الثري فتعيش أشد حالات العذاب والخوف والقلق في بيت زوجها، هي التي تجد نفسها محاصرة بالأعداء من كل جانب والتي يهددها الخطر في كل لحظة: “لا تقل هذا. إنني أموت كل يوم. منذ أن جئت إلى بيته والمعارك لا تهدأ مع زوجته الأولى ومعه. ليس هذا بيتاً بل مستشفى. زوجته تغير مني وترغب ألا أحمل أبداً، تحرق البخور وتغرز المسامير في الخشب المحترق. وهو ينتظر كل يوم أن أكون قد حملت” «أغنية الماء والنار» ص 94. إنه الخوف والقلق الذي يترصد المرأة في كل طور من أطوار حياتها وحالة من حالاتها فهي إن أحبت انقضت عليها وحوش الخوف والقلق، تنشب فيها مخالبها وأنيابها، خشية أن يكتشف أمرها فتفتضح… “ينهض فجأة ويلقي العود. ترتعب الفتاة، يغلق الباب فتذكره بالفانوس الذي تركه مشتعلاً…”«الينابيع» ص 49. كذلك الأمر مع حبيبة جابر التي تجد نفسها مشطورة شطرين: أحدهما يجري وراء الحب الذي ضيعته وثانيهما يعمل كل ما في وسعه للحفاظ على الرجل الذي رضيت به زوجاً وذلك فقط لأنه قادر أن يؤمن لها مستوى حسناً من العيش. “يا لهذا الحب!! كنا نجري في الظلام حين أكلت (الحوتة) القمر. أتذكر؟ كنا نلتقي في القلق والخوف كأن حبنا قد دمغ ولعن بالمطاردة والظلام. وحتى هنا، في فسحة الوقت، أخاف أن يفتح الباب فجأة ويدخل زوجي” «أغنية الماء والنار» ص 136. بل هي تشعر بالمرارة والغصة وهي تعلم علم اليقين ما يهدد حبها لـه وعلاقتها به من مخاطر وأهوال. “لقد تحملت كثيراً وجئت إليك، سرت في الأزقة متغطية عن العيون، ومشيت طويلاً حتى وصلت هنا… فتقابلني بهذا البرود! الكلمات المرتجفة بالبكاء هزته. دهش لأن المرأة تحولت هذا التحول كله. أيكون مخطئاً في كل شيء؟ أيكون أبله بحيث لا يميز بين الجمود والتعب؟” «أغنية الماء والنار» ص 127. هذا التحمل الشديد. هذا السير في الأزقة، هذا المشي الطويل إنما يتم كله على نصال الخوف وأسنة القلق، فأي عابر قد يسبب لها مشكلة، وأي حدث طارئ قد يثير لها فضيحة، مع ذلك هي تغامر، تتحدى القلق والخوف لا لشيء إلا لأن دافع الحب أقوى بكثير من دافع الخوف وغريزة الحياة أقوى بكثير من غريزة الجمود والموت. “في المرة الأخيرة قالت (أخاف من الحضور. أتتذكر ماذا حدث ليلة الخسوف؟ الجميع كانوا يلاحقوننا) ـ لا تخافي سنتزوج قريباً. ـ سنتزوج؟ كيف وأين؟ ـ هنا، ستعيشين معنا في البيت.. ـ بين إخوتك وأمك وأبيك، هذا خان وليس عش حب..” «أغنية الماء والنار» ص 59. إنه القلق والخوف الدائم من مصير أسود ينتظر المرأة، هذا الكائن الرقيق الذي لا يريد سوى حياة كريمة توفر لـه ما يحتاجه دون أن يعرض نفسه للإهانة والذل. إنها تخاف أيضاً أن تخسر حبيبها وهي تراه متعلقاً بفتاة أخرى فلا تملك إلا أن تقلق إلى حد الارتعاش. “كانت فيّ ترتجف عند شجرة الرمان في الحوش. رأت المرأة الفاتنة عند محمد وأبصرته يعبدها فصارت عموداً من ملح يذوب…” «الينابيع» ص 60. بل إن المرأة حتى إن تزوجت يظل الخوف يساورها والقلق يسكن أعماقها، ماذا لو تزوج الزوج من جديد والشرع يسمح لـه باثنين وثلاث ورباع؟ ماذا إن لم تنجب لـه أولاداً وهو يريد العزوة والأولاد؟ “وتذكر أمه وهي تنتظر أباه في الحوش قلقة متسائلة عن تأخره، تهتز كما لو كانت تقرأ القرآن ثم تنظر من الباب إلى الدرب الفارغ فلا ترى صياداً تسأله عنه. سنوات كثيرة عاش بلا أطفال. ذهبت إلى (الخضر) وفلقت عدة بيضات على حجريه الصلدين وأعطت البيض الباقي لخادم المزار. غير أن الأطفال لم يزرعوا في بطنها. كانت ترتعش وتبكي في الليل وتقابل السماء المرصعة بالنجوم وهي تقول (سيتزوج غيري وينجب منها أطفالاً، أترضى بهذا يا رب؟)” «أغنية الماء والنار». هذه هي حال المرأة، قدرها أن تظل دائماً فريسة للقلق والخوف، لم لا وهي الكائن الضعيف الذي لا يملك من أمره شيئاً بل عليه أن يكون تابعاً خاضعاً مصيره مرتبط بإصبع الرجل، السيد المهيمن الذي يملك كل شيء. 7 ـ المرأة، كائناً مغيّباً: عبدالله خليفة يعرف هذا جيداً، وهو يرى المرأة في مجتمعه في إحدى حالتين: إما رهينة جدران أربعة لا تخرج منها إلا بإذن ولا تدخل إلا بإذن وإما غائبة خلف حجب سوداء لا يراها أحد ولا تكاد هي أن ترى أحداً. لقد فرضت عليها العادات والتقاليد الاجتماعية أن تكون هكذا، وهي لا تستطيع اختراق تلك العادات والتقاليد بل ولا حتى مواجهتها، فتستسلم لمصيرها امرأة حرمت من أبسط حقوقها في الحرية والتعبير عن الذات، المساواة مع الرجل والمشاركة في الحياة الاجتماعية. رغم ذلك ترضى المرأة بقدرها، هي التي لا تستطيع تغييره، فقديماً قالت عائشة التيمورية: وما احتجابي عن عيب أتيت به وإنما الصون من شأني وعاداتي إذن هي ترضى بالاحتجاب لأن العادات والتقاليد هي التي تفرضه، وهي ترضخ لتلك العادات والتقاليد، فذلك أسلم وأقل وجع رأس. وعائشة التيمورية هي التي تقول أيضاً: بيد العفاف أصون عز حجابي وبعصمتي أسمو على أترابي… رغم أن هذا الحجاب بكل ما لـه من عز ومنعة هو الذي يغيّبها عن الحياة ويبعدها عن المشاركة الاجتماعية ويحرمها في معظم الأحيان من حقها في العمل والتعلم. إنها الأسيرة التي ترضى بأسرها، فلا تشكو ولا تتذمر، بل كثيراً ما تكون أكثر تشبثاً بأسرتها: الأعراف وبقيودها: التقاليد، من الرجل نفسه، حريصة على أن تبقى المغيبة، راضية بغيابها ذاك. عبدالله خليفة يرصد ذلك الغياب بنظر ثاقب ويحزن، يريد من المرأة أن تشق أكفانها وتخرج إلى الحياة، إذ غالباً ما يتكلم عن العباءة والحجاب، ونادراً ما يغيب صورة المرأة المعزولة المبعدة عن الحياة الاجتماعية الفاعلة عن أعماله. بل هو يرى ذلك الغياب والحجاب ماثلاً حتى في ليلة زفاف مي. “وتسدل الحجاب الحريري على وجهها وتحكم طي العباءة على جسمها، وتسمع هذه الطبول تقترب وأقدام الحشد الرجالي تصعد السلم وتقلقل البيت وتبدأ الأنفاس الذكورية في التسلل إلى مخدعها الناعم وتتذكر وصية أمها المليئة بأقانيم الطاعة والصمت والعمل، وممانعة الزوج في ليلة الدخلة وعدم تركه يأخذها بسهولة، وعليها أن تلتف جيداً في عباءتها حتى ينتزعها انتزاعاً…” «الينابيع» ص 88 . ترى هل هناك تغييب أكثر وضوحاً من هذا التغييب؟ وهل هناك أسر أشد مرارة وشراسة من أسر التقاليد والأعراف هذا؟ فلا تستطيع المرأة معه أن تعيش حياتها كما ينبغي ولا تتمكن من التعبير عن ذاتها وممارسة حريتها كإنسان كامل الحقوق الإنسانية. إنها المأساة التي يسلط الضوء عليها عبدالله خليفة ببراعة وحذق، وكأنما يحث بذلك مجتمعه كله على أن ينهي هذه المأساة وأن يحل قضية المرأة ككل، مخلصاً إياها من كل ما يحول بينها وبين الحياة الحرة الكريمة، ويحررها من كل قيودها لتنطلق في فضاء الحياة صنواً للرجل تعمل معه يداً بيد وتبني الحياة والمستقبل معه جنباً إلى جنب دون تفرقة أو تمييز، بل بكل ما لها، كإنسان، من حق في الحرية والمساواة. ــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصة «سيد الضريح» من المجموعة التي تحمل نفس العنوان لــ عبدالله خليفة: يعالج القاص عبدالله خليفة في هذه القصة مسألة اختفاء سيد الضريح ، والذي خرج من قبره لأنه ما عاد يحتمل ما يجري من مظاهر وطقوس مثيرة للاستغراب والاشمئزاز، فيجد خارج هذا الضريح حياة مغايرة لتلك التي يعرفها والتي عاشها في الضريح، ومن ثم تبدأ مهمة البحث عن هذا الكهل التي تتولاها السلطة في البلد، ولكن هذا الكهل هو مجهول الملامح. والصفات التي وُجدت في اللوحة التي صورها الرسام ، والصفات تنطبق على العديد من الأشخاص، وقد اهتمت السلطة بإلقاء القبض عليه لأنه في نظرهم خارج عن القانون ، ذلك لأنه خرج من مقره دون إشعار … والملفت للغرابة أن نفس الظاهرة تحدث في أضرحة أخرى في البلاد ، وينتشر الخبر المرعب كالصاعقة في جميع الأنحاء ، مما يجعل مهمة الإمام مستحيلة في إقناع الناس بوهمية وجود سيد الضريح . ومما يزيد العرقلة لعملية البحث هو ادعاء كثيرين أنهم سادة الضريح، مما يجعل السلطة تستقر عند حل واحد، هو الإتيان بذلك الكهل الذي زعم أنه خرج من الضريح وإعادته إلى الضريح وإعادة بنائه كما كان ، وأن يشاع خبر إيجاده حتى تسترجع البلاد عافيتها من هذا الجنون، في حين يبقى البحث عن سيد الضريح الحقيقي مستمراً في ظل احتمال استحالة العثور عليه. سيمياء العنوان إن التساؤل الذي يشرع لنا طرحه في هذا المضمار، هو هل كان الكاتب عبدالله خليفة موفقاً في اختيار ( سيد الضريح ) عنواناً للقصة؟ أو بعبارة أخرى، هل قام العنوان بوظيفته البنائية المتمثلة في استفزاز واستدراج القارئ إلى الولوج إلى عمق النص؟ فأول مدخل للنص يكون عن طريق العنوان الذي ألفيته من حيث تركيبته اللغوية يتكون من أسمين، الثاني منهما مسند إلى الأول، وبذلك يكتمل تعريف الأول (سيد) بإضافة الثاني (الضريح)، أي (سيد الضريح). وكلمة (سيد) كما هو شائع تطلق عادةً أو تستعمل تسميةً لأشخاص معينين تخصيصاً لمكانتهم سواء كانت اجتماعية ، سياسية، … كما أن الضريح هو المكان الذي يحتوي الإنسان ، بعد مماته وهو قبرٌ لكن ليس عادياً ، فهو متميزٌ بارتفاعه وشكله وأحياناً تعلوه قبة، وذلك لمكانة صاحبه في النفوس ، ولهذا نجد هذه الإضافة بين سيد والضريح متلائمة ومتناسبة، وهي في عمقها تؤكد لنا إمكانية إضافة الإنسان للمكان بعد أن أضحى المكان في علاقة جدلية مع الإنسان، فهو يحتويه منذ أن يتخذه من رحم أمه مكاناً وفي حياته اليومية إلى قبره الذي هو مكانه الأخير في الدنيا. ومن جهة أخرى فقد أصبحت هذه العلاقة، في القصة، علاقة فاعلية أي أن لضريح أضحى مؤثراً في الشخصية، بحيث يلفظها لتنتقل إلى خارجه وبهذا يتشكل الحدث في القصة وينتهي عنده . فالقصة إذن تنطلق بدايةً من عنوان يحملُ دلالةً مكانية متنوعة وبلغة مكانية، ويمتدُ هذا التركيز المكاني إلى القصة وأحداثها وحركة شخصياتها وبهذا يصبحُ العنوانُ بوابة النص. شعرية القص في قصة «سيد الضريح» إذا كان (تفاعل العناصر المكانية وتضادها يشكلان بعداً جمالياً من أبعاد النص الأدبي) (1)، فالجمالية هي (بحث عن نسق العناصر المكونة للظاهرة لبيان الوظيفة التي تقوم بها داخل العمل الأدبي بشكل عام) (2). والشعرية ببساطة هي رؤيا تعتمد فلسفة متداخلة بالجمال وهي تلك التي ينتجها المتلقي في تعامله الجاد مع عناصر العمل الأدبي ، بحيث تصبح اللغة وسيلة وغاية في حد ذاتها . كما أنه بعد تعمق في بنية، القصة لاحظنا اشتراك عناصرها وتداخلها وتفاعلها وهذا ما أضفى على النص شاعرية ومن أولى هذه العناصر: شعرية المكان الأمكنة عموماً في «سيد الضريح»، عناق بين الواقع والأسطورة والطابع الخرافي ، حيث يتأرجح القاصُ في وصفه للمكان بين الواقعية والعجائبية ثم أمكنة واقعية وهذا امتثالاً لتكسير رتابة الأحداث المكانية كما هو معروف في القصة الكلاسيكية، فنجد القاصَ يضفي على الضريح أبعاداً أسطورية جعلته يسمو إلى مستوى شاعري فني، حيث يبدأ بوصف الضريح كما في الواقع ليشوش أبعاده فيما بعد بأوصاف أسطورية وبلغة مراوغة ستوقف حيرة القارئ . وهذا ماثل في قوله : «أجسادٌ متلاصقة، أطفالٌ وشيوخٌ ونساء ورجال هم شبه عراة والضريح بقبته الكبيرة يحدق بهم ، بأطره الذهبية الواسعة وعيونه الخرزية الكثيفة المثيرة ». وهو وصفٌ ينمُ عن جوٍ محزن يسودهُ صمتٌ رهيب وهو أشبه بمشهد كارثي إنساني، جاء بلغة عادية بسيطة لعلها تمهيد لتخفيف صدمة القارئ بذلك الوصف العجائبي فيما بعد ، حين يغوصُ بنا في اللاواقع الذي يستفزنا: “بغتة تنشقُ القبة، المعدنُ الصلب انصهر أولاً، وأخذت الأحجارُ التي تكلست منذ قرون تتصدع وانهارت كتلةٌ … ومن الغبار والعتمة والنار وظهر رجلٌ كهلٌ تطلع بخوفٍ إلى زواره .. نزل بهدوء وغياب وحزن”. وهي عبارةٌ تحيلنا إلى أسطورة البعث تفنن القاصُ في تشكيلها وتوظيفها، حيث يعيدُ تكوين هذا الكهل من الغبار والعتمة والنار ويبعثه من جديد، وقد تسنى للقاص هذا الوصفَ الغرائبي عن طريق الألفاظ والاستعارات (التي تقوم لدى الأديب مقام الألوان لدى الرسام والنغم لدى الموسيقي) كذلك في وصف القاص لمكان شعري آخر لا يقل عن سابقه في قوله: «صاح طفلٌ قرب قدمه. مضغةٌ صغيرة من لحم متوارٍ وعظم بارز». وأيضاً «يبكي من هذا الخلود في حمم البشر، يسبح في برك الأعضاء والعيون إلى ما لا نهاية له من اللحم والنار»، فهناك أمكنةٌ أسطورية ابتدعها خيالُ القاص جعلتنا أمام مشاهد ميتافيزيقية سريالية، بصيغة درامية تبعث الأسى والذي تعانيه الشخصية ذاتها . ولتعميق الصدمة في نفس القارئ، فالقاص يتجهُ إلى تفاصيل هذا المكان الذي أضحى أسطورياً: «في العتمة الطويلة . . إلى النهر الصاخب من الدموع . . كتل من العظم الأنثوي الذي تــُغرز فيه الحممُ. . قطعٌ من أكباد الأطفال تشوى تحت أنفه . . ولا تستطيع سحبُ البخور أن تدهس رائحة اللحم البشري المحروق . . وأثداء النسوة التي تنغرزُ فيه السجائر والأسنان والإبر . . ». فهذه الأوصاف التي أضفاها القاصُ على المكان أي الضريح مثيرة للغرابة والدهشة لدى القارئ الموهوم بالواقع والتاريخ وذلك بمعناها أولاً، وبالتركيب اللغوي ثانياً، والذي تخلخلت فيه العلاقة بين الألفاظ ومدلولاتها، والأسماء بأفعالها، وهذه هي عدة الشعرية. وفي تكسير لمحدودية المكان، نجد القاصَ ينتقل بالشخصية «سيد الضريح» إلى الشارع: «كان الشارع المعتم البارد ينفجر فيه دوي السيارات المندفعة . . حدق في الأجساد الحديدية الضوئية بذهول». وهذا الانتقال في الأمكنة أدى إلى تكسير نمطية الحدث فيما بعد. وهذا كان ظاهراً حتى من حيث شكل القصة على مستوى ترتيب المقاطع الذي سببه اللاتسلسل في الأحداث وهو سمة القصة الجديدة. ونلاحظ أن القاص يتجنب المباشرة في وصف ملامح المدينة ومقتضيات العصر، هذا العصر الذي طغت فيه الماديات. . وكأن القاصَ من خلال أسلوبه هذا في الوصف مستاء من الوضع هناك. وقد تكرر ذلك في كثير من المقاطع «يتنازعون القطع الصفراء . .»، و«رآه يتحدث في شيء صغير أسود»، و«كانت الباصات المشحونة تقذف بشراً كالنمل في الميدان وتطلق سحابات من دخان موجع . . نزل رجالٌ بملابس متشابهة يصفرون ويحدقون بأضواء طويلة حادة . . ويضربون بعصي طويلة، ووجد نفسه يتسلل إلى أزقة طويلة كجحور الفئران والأرانب . . ». وكأن القاصَ في تعبيراته هذه عن خصوصيات المدينة يتجاهلها بعدم ذكر أسمائها المتداولة في هذا العصر . ومن جهة أخرى فقد كان لهذا الأسلوب أثر على اللغة بحيث اتسعت الدلالة وتركت أثراً جمالياً على النص . وهذا النشوز من المدينة المعاصرة الذي نلتمسه عند عبدالله خليفة يعلق أحد النقاد بأن (عبدالله خليفة يسترسل في تأمل مجتمع ما قبل النفط ويقارنه بالتطورات الحاصلة بعد اكتشافه ويربط ذلك كله بأزمة القيم الأصيلة في هذا المجتمع المتغير)(3). وقد ورد في القصة تسميات الشارع، المكتبة، الباصات، الأزقة، الحواري، الجدران . . استطاع القاصُ توظيفها بطريقة فنية هادفة في صيرورة الأحداث وحركة الشخصيات كما (أن التعبير بأطر المكان عن هندسة المدينة (شوارع، جدران) هو تعبير عن إشكالية حضارية صميميه ووجودية مؤلمة تضربُ بأطنابها في صميم الواقع النفسي والمادي للإنسان المعاصر، فتخلخل علاقته بالمكان ويصبح أكثر مأساوية). وهذا ما يجعل القاص – في محاولة الابتعاد عن السطحي – يتجاهل أشياء المدينة وأطرها بإعطائها أوصافها دون أسمائها. وتعميقاً لمأساوية الواقع بأبعاده المختلفة، قام القاص باستعارة تاريخية تمثلت في توظيف شخصية لا تبت بصلة لهذا العصر بزمانه ومكانه، وتتجلى هذه المأساة اكثر حين تدرك الشخصيةُ المستعارةُ هذه التناقضات من حولها، فالقاصُ يتعمدُ في تحميل هذه الشخصية حالة نفسية صعبة على أثر انتقالها إلى مكان آخر وزمان آخرين. وفي هذا النص تبرز قيمة التقاطبات المكانية – كما اسماها «يوري لوتمان» – بشكل واضح، فهي تقنية يوظفها القاصُ في الكشف عن الدلالات المتعددة في النص الذي يتعامل مع المكان، وهي تساعد القارئ في مهمة البحث عن شاعريته (المكان) وجماليته المستترة وراء اللغة. فالملاحظ أن هذه التقاطبات تــُضفي مسحة جمالية على النص الذي بات لا يستغني عنها لتوضيح أهمية المكان فيه ووظيفته. ومن خلال حركية هذه المتناقضات المكانية نستطيع التعرف إلى كيفية بناء المبدع للنص، وكذلك فهو لا يصوغها اعتباطاً وإنما هي مقصودة لتحيلنا إلى أبعاد دلالية لا حصر لها وبالتالي تدفعنا إلى إعادة تأويل المكان، ونجد في النص أمثلة كثيرة: ثنائية الانغلاق / الانفتاح الانغلاق في الحيز المكاني يبرزُ في: الضريح: وهو مكان منغلق أشبه بالسجن وهو يقيدُ حرية الشخصية «سيد الضريح» ويحدد حركته بجدرانه، وبذلك يصبح مكاناً لا يشجع على البقاء والاستقرار. وهذا ماثل في قوله: «أرجوك هد هذا الضريح عليّ، دعني أموتُ ولو مرة واحدة . .». وأيضاً في: «وهو محبوس بين الجدران والظلمات كان يتعفنُ وينشرهُ الحزن ُ. . ». وبذلك فالضريح مكان منغلق ومن هذا المنحى – تظهر العلاقةُ بين الإنسان والمكان بوصفها علاقة جدلية بين المكان والحرية، لأن الحرية (هي مجموع الأفعال التي يستطيعُ الإنسان أن يقوم بها دون أن يصطدم بحواجز أو عقبات، أي يقوم بقوى ناتجة عن الوسط الخارجي من لا يقدر على قهرها أو تجاوزها)، (4). فهو مكان مثير للقلق والضجر وهذا ما يظهر جلياً في قوله: «لا أعرف كيف سجنتموني بين هذه الجدران . . »، وبالتالي يصبح الضريح سجناً – كما سبق الإشارة إليه – مقيداً لحركة البطل وقمعاً لرغباته . القاعة البلاطية: وهي مكان منغلق يحملُ في طياته الداخل الذي يحيل إلى الخارج وهي ذات السقوف الواسعة اللامعة والأعمدة الهائلة، وهي تضم مجموعةَ البشر على اختلافهم (نساء، أطفال، رجال . .) وهي تدل على الاتساع لاحتوائها ما سبق ذكره . البوابة: وهي تحملُ جدل الداخل / الخارج، أي المكان المغلق الذي يحيل على المكان المنفتح، وقد تجلى دورها في القصة كونها الوسيط الذي ولجت من خلاله الشخصية «سيد الضريح» إلى العالم الخارجي إلى الشارع . الشارع: وهو مكان منفتح، تكثرُ فيه الحركة، وهو رمز للحرية والانفراج «والآن يعود للحرية ويشعر بطاقة عظيمة قادرة على الفعل وانفتاح كبير على الفرح»، فالشارع مضاد تماماً للضريح، بحيث يطلق العنان للشخصية في حرية تحركها وانفراج أزمتها النفسية التي عانتها في ذلك المكان، بحيث يشعرُ بالفرح بعدما كان يغمرها الحزنُ والضجر من سوء المصير. الرصيف: وقد ورد ذكره في النص بطريقة وصف غير مباشر «ثمة طريق مبلط يمشي عليه المارةُ، سار هو عليه أيضاً . .»، لم يكن له دور فعال في القصة، وإن كان من ناحية أخرى يرمزُ إلى ضياع الشخصية في عالم لا تعرف عنه الكثير، وهو بذلك مجال مفتوح تنبعثُ من الحرية . الظلام / النور: هذه الثنائية كانت الطابع السائد في القصة منذ بدايتها إلى نهايتها وقد ورد ذكرها صراحة في كثير من المواقف. فالظلام: يستقطب جميع تلك المناظر والظواهر المثيرة للحزن والاشمئزاز والتي صنعتها الأمكنة المنغلقة كالضريح، الذي تملؤه العتمة والظلام – والكهف الذي يملأه الدم والأسمال والدموع والأرواح المعذبة وجثث البحارة الغرقى والعمال المحروقين . . ودلالات الظلام تتمثل في تلك المظاهر التي تحمل في طياتها معاني الموت (حمم البشر، الجنازات، الأنين، الدمع، الروائح، الحزن . .) ومعاني المرض والغضب والألم والمصير المجهول الذي عرفته الشخصية «سيد الضريح» ومعاناته طوال أحداث القصة، وفي مقابل ذلك نجد: النور: الذي يستقطب كل مظاهر ومعاني الانفراج والحرية والحياة والانبعاث والميلاد والضوء والسعادة وقد تجلى بوضوح في القصة (الذهب المتناثر، النار، اللؤلؤ، النهار، الاستمتاع بضوء الشتاء، القلوب الوردية، المياه، الكنوز، الراحة، الهدوء، الصلوات بين الأضواء والتلال . .) وهذه الثنائيات المكانية المتضادة لم تلغ بعضها وإنما تكاملت فيما بينها لكي تقدم لنا المفاهيم العامة التي تساعدنا على فهم كيفية تنظيم واستغلال المادة المكانية في القصة . وبذلك يظهر دور المكان واضحاً في تجسيد الصراع والتناقضات داخل الشخصية. العلو / التدني: القبة: وهي تمثل الارتفاع، فقد وضعت على الضريح تميزاً له، وهي ترمز للسمو والترفع الأخلاقي والاجتماعي، في مقابل هذا نجد معاني التدني والانحطاط الذي جسده القاصُ في أماكن الانبساط والانخفاض أي في الشارع والذي هو جزء من المدينة، والتي تبدلت فيها القيمُ الإنسانية كما نقلت لنا ذلك شخصية «سيد الضريح». علاقة المكان بالشخصية: نجد من خلال تلك الأوصاف التي خلعها القاصُ على الأمكنة خاصة الرئيسية منها للحدث، فقد كان لا يهدف من ورائها إلى تصوير المكان وتقريبه إلى ذهن القارئ، بل كان يقصدُ إلى تجسيد الحالة النفسية المتأزمة غالباً للشخصية الرئيسية وهذا الاهتمام جعل القاص يصوغُ المكنة وفقاً لهذه الحالة، وذلك بما احتواه هذا المكان من أشياء وظواهر تنمُ عن أحاسيس الشخصية ومشاعرها التي تنوعت بين الحزن والغربة والخوف والفرح والاستغراب أحياناً والدهشة. . فالمكان كان مؤثراً أساسياً في الشخصية حيث نجدهُ يحدد حركته ويطوق حريته في الضريح ويبعثُ على إثارة مشاعر الحزن و الاشمئزاز والضجر مما يجري هناك من طقوس. . إلى الشارع الذي يشعرها بالفرح والحرية والانفتاح. والملاحظ أن تواجد الشخصية في مكان غير مكانها وزمان غير زمانها وذلك بسبب الاستعارة التاريخية التي التجأ إليها القاص حيث بعث هذه الشخصية من جديد بجميع أبعادها وجوانبها، إلى عالم آخر شبيه بعالمنا الحالي. ولهذا نشأت تناقضات نفسية داخل الشخصية أفرزتها تلك التناقضات بين عالمها الماضي والعالم الحاضر. ويظهر أن القاصَ يميلُ إلى التجريب في رؤية المرحلة التاريخية، وحركة الواقع مما يؤثر أحياناً على وحدة التأثير، واتساق الدلالة، غير أنه يعوض عن نزعة التجريب ونهج التبسيط بشاعرية لطيفة ولغة تعبيرية عذبة، لصالح نبض إنساني دافئ لا يخفى على القارئ. الخوف من المكان: لأن الشخصية الرئيسية وخاصة أنها من زمن ومكان آخرين تعاين المكان باستغراب، وشعور خوف حاد، ربما لهذا مبررات منها سذاجة البيئة التي تعرفها وبساطتها، وعجائبية المكان الآخر، وغرابته وطرافته أحياناً، وهذا ما يظهر في القصة: “نظر في الأجساد الحديدية بذهول، سمع كلاماً غريباً وراءه . . التفت فوجد إنساناً ذا ملابس غريبة، ثمة قطع حديدية على كتفه . . الآخر يحدق فيه كذلك باندهاش”. وغيرها من الأمثلة التي تثبت أن المكان كان مؤثراً رئيسياً في الشخصيات وتناقضاته أدت إلى تناقضات داخله فأصبحت واقعة تحت صدمة واقع مدهش وغريب، ولذلك فحس الضياع بقى ملازماً له ما دامت ملازمة لهذا المكان، الذي تجهل معالمه، وما دامت غير مدركة له سواءاً كان ذلك في الضريح أو خارجه (الشوارع والأزقة)، وكل ما يحيط بالبطل غريب عنه، وتجلى حسُ الضياع في ذلك الحوار الداخلي، الذي أجرته الشخصية مع ذاتها: “ماذا فعلت بنفسك؟ لا سكن ولا طعام ولا لباس، عار كذاتك، كروحك المباعة عبر القرون . . كنت في العزلة الحجرية ملكاً والآن عليك أن تبحث عن كسرة خبز”، وفي قوله أيضاً: “فوجد نفسه يتسلل إلى أزقة كجحور الفئران والأرانب وقد امتلأت بمياه المطر، ووجد المسجد مغلقاً”. وهذا دليل على أهمية المكان بالنسبة للإنسان كما أنه هو الذي رسم ملامح الشخصية، وبرر سلوكها، فكونها لا تعرف المكان الجديد عليها أي المدينة أصبحت غريبة وتخلخلت علاقتها به، فأصبحت أكثر مأساوية، وكبرت هذه المأساة عندما تجد الشخصية ذات الأصول القديمة نفسها متورطة في عالم آخر، كل ما فيه مخالف لعالمها الأول، «ووقف تحت عمارة كبيرة، رأى سلعاً غريبة . .». وهكذا نلاحظ أنه يعاني الاغتراب في هذا العالم الجديد، ويحاول القاصُ أن يوسع الهوة بين الشخصية وهذا العالم بذكر تفاصيله: «نزل رجالٌ بملابس متشابهة ويصفرون ويحدقون بأضواء طويلة حادة . . ». مكان الحضور والغياب (الهنا والهناك) يتجسد استحضار شخصية البطل لماضيه وهو في الصحراء، وهو مكان يبدو أكثر تغلغلاً في بواطنه، وهذا الاستدعاء لمكان (الهناك) نتيجة الحالة النفسية المتأزمة بسبب مكان (الهنا) الذي هن الضريح. ولهذا نجد الهناك وهو مكان الذكريات التي استدعاها البطل كمخلص تلتجئ إليه الذات للهروب من أزمتها. والملاحظ أن انتقال الشخصية من مكان إلى آخر، يرافقه تغير في الأحاسيس والمشاعر، كما أن المكان عموماً هو الذي أكسبه أبعاده المختلفة. وقد تجلى مكان الذكريات (الهناك) في كثير من المقاطع «طفولته التي عانى فيها كثيراً من رعي الأغنام وضرب الأولاد . . ومسيرته في الصحراء يقود جماعة مهلهلة . . حضر كل جنازة صعبة، وشارك في الحروب المريرة . . يحتمل كل شيء سوى أجساد الأطفال التي تحشر قرب قدميه مشوهة بالفحم والأسنان». . رغم معاناة الشخصية في زمانها ومكانها السابقين إلا أنه لا يفوق معاناته في المكان الحالي الذي تعيش فيه ومن هنا تجلى الزمن باعتباره تاريخ الشخصية، ثم يظهر مرتبطاً بالتطور الذي عرفته المدينة فيما بعد، «ما هذه الملابس العجيبة هل تمثل ، لكنني لا أرى آلات تصوير؟». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المركز الجامع يبشار ــ معهد اللغة العربية وآدابها الجزائر (1): من مقدمة كتاب جماليات المكان ، ص 03 ) . (2): أحمد طاهر حسنين، جمالية المكان، جماعة من الباحثين، عيون المقالات، الدار البيضاء، ط2، 1988، ص 21 . (3):عبدالله أبوهيف ، مجلة الراوي ، ص 13. (4):سيزا قاسم دراز، المكان ودلالته، ص 59 نقلاًعن حبيب مونسي، فلسفة المكان في الشعر المعاصر ص 94– 95).
من معاناة الفقراء اليومية، من احلامهم المستحيلة وخوفهم المستديم، من قهرهم وانسحاقهم يقدم لنا الروائي البحريني عبدالله خليفة اغنية الماء والنار ويعرض علينا موضوعته ببساطة تناسب بساطة شخصياته، وهي بساطة الروائي المحترف الذي يذكرنا دوماً بما نسيناه او ما تناسيناه في خضم الركض وراء سراب الحياة، يذكرنا باولئك الناس الذين ما يزالون يشكلون النسبة الاكبر على هذا الكوكب، تلك النسبة التي تعيش بصدام لا ينتهي وهي تقف على حافة مسننة من هامش ضيق من الحياة، تأتي الى الدنيا وتشقى ثم تمضي منها دون ان تحقق ما تصبو اليه .. انها فوضى الحياة التي تأخذ منهم ولا تعطيهم ما يستحقون، ويأخذ آخرون اكثر بكثير دون ان يعطوا شيئاً .. هذه هي المعادلة المختلة التي تقوم عليها حياتنا والتي لم تستقم ابداً منذ بدء الخليقة .. ومنها انبثقت رواية اغنية الماء والنار الصراع الدائم بين الاغنياء والفقراء. تنطلق الرواية من حي فقير جداً يعيش سكانه في اكواخ وبيوت وعشش من التنك والصفيح، تمتلك ارضه سيدة تسكن بعيداً عن الاكواخ في بيت حجري، سيدة لها سطوة وجاه تصل الى المتنفذين من سلك الشرطة، وبيتها هو الوحيد الذي تصله الكهرباء في ذلك المكان، بينما الحي بأكمله يعيش في ظلام دامس في الليل، ويقال عن هذه المرأة بأنها اميرة الاميرات ولها حرس وخادمات. يتغلغل عبدالله خليفة في مفاصل هذا الحي ليكشف لنا نمط العلاقات السائدة والمعاناة التي يعيشها الناس والتي تكاد تكون زادهم اليومي.
الشخصية الرئيسية في العمل منحها الروائي لشاب يعمل في السقاية يدعى راشد .. فهو المسؤول عن ايصال المياه الى البيوت .. حياة هذا الشاب اكثر من بسيطة، يعيش في كوخ هو كل ما يملكه . هو شخصية مرحة معظم الوقت، يحكي الحكايات لاطفال الحي ويشاكس النساء احياناً .. في الليل حيث يأوي سنعرف ان لراشد وجهاً آخر، فهو يحلم بالزواج من زهرة احدى بنات الحي، يتمنى ان يعيش معها في بيت حجري وينجب الكثير من الاولاد، وزهرة هذه لا تشبه الاخريات اللواتي يداوينه اذا جرحت قدماه، ويضحكن له اذا قص عليهن طرفة، ويسألن عنه اذا تأخر .. انها تغلق الباب دونه، وتحتقره وتشيح عنه اذا مر بالقرب منها، بينما تضحك لصديقه جابر وتقف معه طويلاً عند الباب .. وسنعرف انهما – زهرة وجابر – على علاقة سرية ستكشفها الايام. لكن احلام راشد لا تقف عند زهرة .. فلطالما ود ان يرى اميرة الاميرات، وتحقق له ذلك ذات صباح حين رأى سيارتها تنتظر قرب بوابة قصرها، ومنذ تلك اللحظة كره الحياة التي وجد نفسه عليها، كره حياة الفقر والعمل المضني في حمل الماء، وكره الكوخ البائس الذي يحتوي جسده المتعب في الليل .. لكنه كان يهرب من هذا الواقع الى الاحلام، وكان من شأن الذين كان يقص عليهم القصص، وعن النساء اللواتي لا يجد فيهن ما يأخذه الى مغامرة كتلك التي تحققها له اميرة الاميرات في احلامه والتي تاخذه الى بيت تلك السيدة فيرى نفسه وقد اضاء مصابيح بيتها واطل من نوافذها العالية على الاكواخ البائسة .. بل اخذته احلامه اكثر من ذلك فوجد نفسه على فراشها الوثير المضمخ بماء الورد .. لقد خرجت احلامه عن نطاق احلام الفقراء، وصار عليه ان يسعى الى ذلك البيت الحجري بأية طريقة. كان اهل الحي يسمونه ملك الماء ذلك ان مهنته لا تبور طالما بقيت الاكواخ غير مشمولة بمد انابيب الماء الصافي .. ومع ذلك فان هذه المهنة لا توفر له اكثر من قوت يومه .. يأكل القليل ويهرب الى احدى الخمارات لعله ينسى بؤس يومه. وعبر رحلة راشد على ارض الواقع وفي طيات الاحلام يلقي عبدالله خليفة الضوء شيئاً فشيئاً على شخصياته، زاد رحلته في هذه الرواية التي صدرت ضمن اربع روايات عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2004. فهناك جابر صديق راشد، وهو شاب يعيل اسرة كبيرة متكونة من ام واب واخوة مما يعيق علاقته بزهرة ويحجم عن الزواج منها بسبب ضيق ذات اليد .. وسنقف على اكثر من محطة في حياة هذين العاشقين بالتوازي والتقاطع ايضاً مع احلام راشد ومعاناته. ذات ليلة كان القمر فيها يمر بحالة خسوف، خرج الناس حاملين الاواني للطرق عليها لعل الحوتة التي ابتلعت القمر ترأف به وتخرجه من فمها المرعب، وكان راشد يمشي في تلك الليلة على غير هدى حين سمع همساً ولمح ظلال امرأة ورجل ظن للوهلة الاولى انهما زهرة وجابر .. وقد حالت ضجة الناس وطغت على المشهد حتى صرخ بهم ليخبرهم ان ما يحدث للقمر ما هو الا بسبب هذا الفعل الشائن.. واسرع والناس من ورائه باحثاً عنهما .. الا انه لم يجد شيئاً وانما ابتلعته احدى الحفر في ظلام الليل، ولم يسمع الا الضحك منه وعليه، واصيب بجروح ورضوض .. ولكن ما آلمه اكثر هو تأنيب الضمير لأنه لم يكن متأكداً مما رآه، فهل يا ترى كان اشكالاً بصرياً تساوق مع افكاره المريضة؟ مهما يكن فقد شعر بالالم لعجزه ولتفاهة حياته وخلوها من الدفء والحب. ثمة انتقالات انسيابية بين البيت الحجري وما يجري فيه، وحياة الفقراء في الاكواخ والصرائف .. في ذلك البيت تقرر السيدة طرد سائقها العجوز، وكانت المصادفة قد وضعت راشد امامها حين جلب لها الماء، فاقترحت عليه ان يعمل لديها وسوف يتدرب على السياقة .. ها هو الحلم يحلق به عالياً، لطالما تمنى رؤيتها والآن يصبح قريباً منها. وخلال ايام قليلة قاد السيارة، والمرآة الحلم تجلس في المقعد الخلفي، انه يثرثر معها فتصده بسرعة، ليس هذا مهماً، انه يطمع بامتلاكها وففي اسرارها التي جعلتها غامضة ومهابة الى هذا الحد. لقد تغير كل شيء فيه، صار نظيفاً وصارت الفتيات قرب يديه، يفتحن له الابواب ويبدين اعجابهن به، بل حتى زهرة اصبحت تنظر اليه بفضول واعجاب .. لكنه لم يصل بعد الى ما يصبو اليه، صارت احلامه تسبقه ويعجز عن اللحاق بها، فهو لم يستطع في الواقع ان يعرف السيدة او يقترب من زوايا البيت واسراره، في وقت فقد فيه الاصدقاء وجلسات الشاطىء وحكايات الاطفال .. وعلى طرف آخر يمضي صديقه جابر في علاقته السرية بزهرة .. لقاءات مسروقة بعيداً عن الانظار .. هي تحبه ولكنه مكبّل بأسرته، وحين تخبره ان رجلاً غنياً تقدم لخطبتها تداهمه فرحة خفية ليزاح العبء عنه .. وقد حدث الامر فعلاً ذات يوم عندما تعالت الزغاريد في بيت زهرة، لكن ما ان آلت الامور الى ذلك حتى شعر بالندم واكتشف ان علاقته بها ليست عابرة وانه يحبها فعلاً. كل يمضي الى حلمه بطريقة مغايرة، وقد تأتي الاحلام باكثر مما يتمنى المرء وها هي السيدة تطلب من راشد دخول غرفة نومها .. اعطته دفتراً كان بحوزة السائق السابق وامرته ان يجمع لها ايجارات البيوت .. لقد ارتفعت منزلته وخيّل اليه بأنه اصبح قاب قوسين من الشمس .. ولكنه حين راح يدور على الابواب واجهه الكثر بضيق الحال وقلة المورد .. ماذا يفعل؟ انه لم يعد ذلك الشاب البائس الذي يحمل الصفائح وينقل الماء مثيراً ضحك الاطفال، انه الآن بوجه رجولي صلب وينام على سرير فخم ولا بد لشخصيته ان تتغير .. وتغير فعلاً، صار يعامل الناس بفظاظة، ولا يترك الابواب الا بعد استحصال الايجارات، فالمهم لديه هو رضا السيدة التي قلبت حياته رأساً على عقب، والوصول الى حلمه الى اقصى المديات .. وها هي تناديه للصعود الى الطابق العلوي الذي لم يكن مسموحاً له ان يتخطى عتباته، ليس مهماً ماذا تريد منه، قد تستخدمه جمراً للمباخر او فحماً للمواقد .. صعد السلم بهواجس كثيرة لا تستقر على شيء، وحين وصل احس بأن الاضواء التي تحيط المكان قد انطفأت فهوى الى الارض لا يدري بالتأكيد هل رأى السيدة في حضن رجل ام تراءى ذلك، كل ما يدريه ان السيدة صرفته حين احست بتعبه .. ومضى الى البيت مستغرقاً في نوم عميق لم يصح منه الا بعد ايام كانت فيها السيدة قد تزوجت من رجل ثري يدعى خليفة، وفي هذا الوقت بالذات كان صديقه جابر ينتظر في مكان ما زهرة التي شكلت له في آخر مرة رآها فيها ما تعانيه من زوجها التاجر .. كان ذلك اللقاء قد وضع حداً لعلاقتهما اذ لم تعد زهرة تلك المرأة التي احبها .. لقد تخلت عن براءتها ودون خجل تعرت امامه فبدت امرأة مبتذلة على نحو مريع .. .. وانهارت ايضاً بعد ايام علاقة الزواج بين السيدة وزوجها خليفة، فاستغلت غيابه في رحلة صيد لتبعث بخادمتها الى راشد وتخبره بأنها تحبه وتريده فوراً. لقد اصبحت المرأة المضيئة بين يديه، وسيأخذه الفرح الى حدود لا نهاية لها. ولكنه افاق من حلمه وهو بين يديه، تطلب منه ان يحرق الاكواخ ليجبر الناس على الرحيل، وتستثمر الارض بطريقة افضل، وهنا يقع راشد في صراع مرير مع نفسه اذ كيف يتحول الى رجل شرير ويحرق بيوت الناس؟ واخيراً تغلب عنصر الشر وقاده الى صفيحة غاز وعلبة كبريت لتذهب الاكواخ الى النار ويذهب الفقراء الى مكان آخر، وتذهب ذكريات طفولته الى هباء منثور، الحياة الجديدة بانتظاره والمرأة الاميرة طوع اصابعه. لقد برع الكاتب في لحظات الصراع التي عاشها راشد بين اقدام واحجام وهواجس واحلام ثم البحث عن مكان مناسب لاشعال الشرارة الاولى واستحالة الليل الى نهار وصرخات وعويل، كل يريد النجاة بنفسه من هذا الجحيم الذي اتى على الاكواخ والصرائف .. وهرب راشد باحثاً عن مكان يختبىء فيه فسقط في حفرة عميقة يتناهبه الخوف والحلم في وقت واحد .. الخوف من ان يفتضح امره .. والحلم بامتلاك السيدة التي سلمها كل شيء حتى جثث اهله وتحول من شاب طيب يحمل صفائح الماء ويغني ويحكي الحكايات للاطفال الى رجل شرير هارب لا يقوى على الخروج من الحفرة العميقة التي يسقط فيها .. لقد تذكر الآن وهو على هذه الحالة بأنه مر بثلاثة رجال عائدين من سهرتهم، كان احدهم صديقه جابر وقد رأوه وهو يحمل الصفيحة .. لا بد انهم الآن يبحثون عنه بعد ان تحول الحي كله الى رماد وبقايا اثاث متفحم وروائح غريبة ونساء مفجوعات .. الشرطة التي وصلت اخيراً لم تفعل شيئاً حتى بعد ان اتهم راشد والسيدة بافتعال الحريق .. ولم يجد الفقراء من يساعدهم فساعدوا انفسهم .. بعد ايام قليلة جلبوا الواح الخشب والصفائح والتنك والسعف لتبدأ من جديد حركة بنيان الاكواخ .. لكن ضابط الشرطة المتواطىء مع السيدة جاءهم بأمر ازالة الاكواخ بقوة القانون .. ولأن الفقراء ليس لديهم ما يخسرونه فقد هاجوا ولعنوا وهجموا على الضابط ولم يستطع الا بصعوبة الخروج من تلك الزوبعة لتأتي بعد ذلك سيارات عسكرية وينهمر الرصاص من كل حدب وصوب على الغاضبين .. لكن ماذا يفعل الغضب والحجارة امام الآلات التي راحت تدك الاكواخ دكاً؟ تلك هي اغنية الماء والنار الاغنية الحزينة والنار التي لم يطفئها الماء .. وكأن عبدالله خليفة اذ وصل بنا الى هذه النهاية اراد ان يقول ان الفقير فقير والغني غني، واذا ما اختلت الامور فانها ابداً لن تكون في صالح الفقراء، برغم انه قادنا الى اعتقاد آخر وسحبنا الى احلام لن تتحقق على ارض الواقع.
حالة كابوسيه للعالم تتكرر في اعمال القصاصين العرب من المحيط الى الخليج وتكتسب في كل بلد سمة خصوصية. تدخل في حالات تحول غير بشرية. وحيث تتشوه صورة العالم وتنقلب راسا على عقب في اعمال الجيل الجديد من القصاصين ويتأسس الكابوس في الواقع لا في الحلم ويتخذ صورة الاحتجاج البارد على التحول الوحشي في شكل الحياة. اما الكابوس في قصص عبدالله خليفة فهو بوليسي الملامح مختزل الى مفردات شاسعة تدخل في سياق القصة ببراعة، وتصبح جزءا من نسيجها الحي، تضيء جنبات الحياة الصاخبة وتتبدى جزءا اصيلا من الصراع الضاري في كل تفصيلاتها.. الصراع الذي لا يهدأ ابدا. من مجموعته «لحن الشتاء» سوف نلاحظ ان اختياره لعناوين قصصه التي تحمل هذه الاسماء «الغرباء» «الكلاب» «اغتيال»، «الملاذ»، «الصدى»، «الوحل»، «لحن الشتاء»، «القبر الكبير».. هو اخيار واع للغاية يحمل في ذاته رأيا وخلاصة.. في مواجهته مجموعة اخرى من الاسماء تحمل بدورها رأيا وخلاصة «حامل البرق»، «نجمة الخليج»، «السندباد»، «الطائر».. ولم تكن عناوين هذه القصص لتستوقفنا طويلا لولا ان صميم بنائها يقوم على ذلك التركيز التلغرافي الذي يكاد يحملها الى ساحة التجريد، ويفتح الباب واسعا للمقاربة بينها وبين قصص محمد المخزنجي ومصطفى حجاب ومحسن يونس في مصر حيث التشابه بين القصر والتكثيف البالغ للقصة من جهة، والغنى الداخلي الذي ينبثق من تركيب الجملة واختيار الكلمات ومركزية الواقعة من جهة اخرى.
قصة «الغرباء» تقع في ثلاث صفحات وتسقط من معمارها الاف التفاصيل ليحتشد موضوعها كله في تلك الواقعة المركزية وهي اغتصاب الغرباء لبيت الرجل وتواطؤ بعض اهله في تثبيت هذا الاغتصاب ومن قهر صاحب البيت وجره الى السجن، ويتم ذلك كله في مشهد كابوس يحيلنا مباشرة الى الواقع (الاغتصاب) في اوطاننا والى تواطؤ بعض ابناء جلدتنا في تمهيد الارض له دون ان يسوق الكاتب هذا المعنى من موعظة او اشارة مباشرة للواقع او تعليق منه.. ولكنه يسوق تعبيرا يبدو بريئا وعرضيا للغاية حين يقول: «بعد لحظات كان عدة اطفال صغار يتدافعون الى منزلي، اقصد المنزل». يحمل هذا التصميم والتعريف للمنزل المعنى الابعد والاعمق من الاغتصاب الاني ومن الحدوته، ويستكمل هذا المعنى بعده وعقبه حين يتواصل المقطع قائلا:«وقفوا امامي بدت الدهشة على وجوههم. كأنهم يشاهدون هنديا احمر». يستدعي مشهد الهندي الاحمر في صلته الوثيقة (بتعميم)، (المنزل) وتعريفه كل اشكال الاستئصال التي عرفها التاريخ وعمليات الابادة التي تعرض لها البشر من قبل وما زالوا يتعرضون لها. وذلك دون ان يستخدم الكاتب مفردات محددة تحمل هذه المعاني او تدل عليها ويستكمل هذا المشهد المعنى الاكثر شمولا لفكرة الاغتصاب التي تدل عليها الواقعة.. اذ يتجاوز حدود الوطن ليحظى بعالميته دون ان يقدم خطبة سياسية.. حيث يقف صاحب الدار رمزا بريئا لكل المضطهدين والمهانين والذين اغتصبت ارضهم. يتسع عالم عبدالله خليفة لمحنة الطليعة التي تنطح رأسها في صخر الوعي الزائف وغيبة الجماهير وبؤسها والحصار المضروب حولها. كانت باريس رائعة، عرض عليه العمل فيها، لكنه رفض وشرح لهم عن ارضه الصغيرة. ضحكوا عليه لانهم لم يروها عندما بحثوا عنها طويلا، وعندما حدثهم عن قراها واطفالها ونسائها تحولت الضحكات الى وجوم حزن عميقين. هكذا يقول الفتى العائد الذي اختار بؤس شعبه بديلا لألق العاصمة العالمية وافاقها التي لا تحد.. ليقف رغم كل شيء مع هؤلاء الذين «يغطون في سبات عميق» في هذه القصة «هكذا تكلم عبدالمولى» نتبين طبيعة القوى الرجعية التي تسوق الناس الى الوراء ورنة الاسى العميق والشجن الخالص وفقدان الصبر الرومانتيكي لدى هؤلاء الذين يسعون لكي يفتحوا للناس باب التقدم الطويل.. يقول الصديق لصديقه القادم من باريس بعد ان اصطدم المرة تلو المرة بجدار الزيف والصمت «انهم لا يرفضوننا ولكن هناك اصحاب مصلحة يدفعونهم لرفضنا. خلفان وعبدالمولى يدفعان لذلك. هل تحسب تغيير الواقع نزهة خلوية..؟». ورغم ان مهنة المثقف الطليعي الذي عرف الحضارة الاوربية وتملك جوهرها وعاد مع ذلك الى وطنه المتخلف تأتي هنا في سياق جديد. يتسق مع الحساسية المعاصرة عامة التي تحمل طابع الحدة والتمايز الشديد في الخطوط والمواقف فأنها تعيد الى الاذهان على التوحيدة طبيب «قنديل ام هاشم» ليحيى حقي الذي عاد بدوره من اوربا واسئلة بطل «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، وومضات خاطفة من تجربة بطل «الحي اللاتيني» لسهيل ادريس، رغم ان عودة حسين بطل هذه القصة الى وطنه هي عودة حاسمة لا رجعة فيها فأننا نشعر كأنه قدم مختصرا لإجابة واحدة حاسمة مركزة.. «كان امامهما منعطف، قال الآخر: ــ الى اللقاء. ــ لا تيأس يا صديقي. ثم يدور حوار داخلي بين الصديق ونفسه على النحو التالي: “ها هم الاصدقاء في بداية الطريق ييأسون. سوف يستمر عملنا عشرات السنين. سنسير في درب الآلام غارقين في برك الدم والوحل. كيف سيظلون معنا؟». فجأة غاصت الدنيا في عينيه وسقط على الارض. تبين بعض الرجال. انطلقوا ينهشونه. احس بلحية عبدالمولى الخشنة. ثم بأسنانه الحادة تقطع لحمه في لذة ونشوة. قال في حزن واسى: « ـ كونوا مع الفقراء أيها الفقراء». ويا لها من مهمة. ورغم القضايا الجوهرية التي تثيرها هذه القصة فان بعض مقاطعها تسقط في الانشائية والمباشرة وان كنا سوف نجد لها تبريرا قويا في طبيعة المكان الذي تدور فيه الواقعة المركزية في القرية وهو النادي الذي يريد «حسين» العائد من باريس ان يحوله الى منارة للوعي.. ويستغله الرجعيون لحماية المصالح القائمة. لا يقدم خليفة في قصص المقاومة التي يشبعها انسانية وعذوبة ـــ لا يقدم سوى انتصارات معنوية ينسج عناصرها بدأب. في قصة «الصدى» يقوم النائب العام بإصدار حكم بالسجن لعشر سنوات على طالب صغير ضبط البوليس لديه الة كتابة واسم البطل الصغير «مهدي» وحين يسأله هل تريد ان تقول شيئا. يقول: « ــ حضرة القاضي . انا اعترف بملكية هذه الالة، وقد كتبت هذه الاوراق حتى يعرف الناس كيف يعيشون ويعملوا لتغيير حياتهم نحو الاحسن، الشعب ينبغي ان يعيش بارتياح، يأكل اللقمة الهنيئة، ويربي الاطفال الممتلئين صحة وعافية، وينام والاحلام الحلوة تداعب اجفانه. انا لا اخشى هذه السنوات العشر فأمامي الحياة طويلة، واستطيع ان اتعلم في السجن واغدوا رجلا كالصخرة». واينما اتجه النائب العام يجد ان كلمات الفتى الذي ساقه الى السجن قد شاعت كالريح رغم ان الجلسة كانت سرية.. ووجد تعاطفا شاملا مع الفتى الصغير واعجابا بجرأته. «حلم بالفتى الصغير يكسر الاحجار على شاطئ جزيرة صغيرة بعيدة. عندما اقترب منه شاهد الصخور تتفتت بين يديه. وقف الفتى فجأة وراح يصرخ بشدة وعنف، ومضى يقذف الاحجار عليه فأصابه واحد في رأسه. صحى مذعورا وجد الدماء تبلل قميصه وسريره وزوجته وجدران الغرفة..». انه انتصار الفتى السجين.. الذي سيظل سجينا لعشر سنوات من شبابه. تقدم مجموعة «لحن الشتاء» كاتبها ليشغل مكانا مرموقا ومتميزا بين كتاب القصة القصيرة في الوطن العربي واجدني مدينة له باعتذار انني لم اعرفه الا حين زرت الخليج. وحين يتأمل المرء هذه المسألة سوف يجد ان مهمة اضافية تقع على عاتق المثقف العربي اذ عليه ان يسعى بنفسه الى بلدان وطنه حتى يعرفها على نحو صحيح ما دامت القيود على تبادل المطبوعات صارمة كصرامة البوليس والقوانين المقيدة للحريات التي تمتد على الساحة من المحيط الى الخليج.
القاص والروائي والكاتب البحريني عبدالله خليفة البوفلاسة حرفك ذات يوم علمنا غواية السرد، حيث أبحرنا وشهوة الحلم تعبر نحو «اللآلئ»؛ ثم نمضي في متاهة الموج الأزرق كيما نبلغ «الهيرات»، يحدونا الأمل ولا ندري ما يتوارى لنا خلف «أغنية الماء والنار»، وإذا ما كان «القرصان والمدينة»، في انتظارنا هناك في أزقة العدامة والمحرق والمنامة.ثمة خليط ملون هنا من الحكايات، خاطب روحك الغائبة عنا، لكن طيف أنفاسك الساخرة يعرفها، هيّا.. ﺍجمع كل هؤلاء المحتفلين حولك في حلقة الزار وأخبر عفاريتك وسط العتمة، وكذا العمال المطحونين قرب آبار النفط وحقول الصحراء ومدن الاسمنت وكآبة «المعتقل»، أخبرهم أن عشاق الحرف يستمر ركبهم، وهذا مدادهم محلّق في فضاء الوطن الذي أحببته، لا ينقطع غيثه الطيب مهما تبدلت الأحوال.إلى ذكراك الطيبة نقدم هذا الكتاب تقديراً وعرفاناً.. لترقد روحك بسلام
احمد المؤذن
عتبة اولى لا بد منها من الصعب إجمالا اختزال كلية المشهد السردي ــ ونعني به هنا «عوالم القصة القصيرة البحرينية»، في مقدمة مقتضبة ضمن هذا الكتاب الصغير بعدد صفحاته والثري بمضمونه كما تأمل، الكننا في توجهنا هنا من الهم أن نٌطلع المتلقي العربي على جزئية مهمة من حراك الساحة الثقافية في مملكة البحرين، هذه الجزيرة الصغيرة في الخليج العربي حيث تُعڐ ملتقى للثقافات طوال العقود الماضية، ولا تزال حتى يومنا هذا. جزءٌ مهمٌ من نموها الحضاري وتطورها جاء نتيجة الانصهار والتعايش السلمي ما بين مختلف الإثنيات والمذاهب، وهذا تماما كان المحك في ثقافة قبول «الآخر»، واستيعابه في عمومية البناء المجتمعي بمختلف تجلياته وتمثلاته.. لذا فإن المشهد السردي يحمل سمات البيئة البحرينية وملتحمٌ بهواجسها وقضاياها اليومية، وخير من صور هذه البيئة وعمل على التوغل في همومها، هو الأديب والباحث الراحل: عبدالله خليفة البوفلاسة، ابن البحرين الذي غذى روح السرد بانحيازه للفقراء والمهمشين، وأغنى المشهد الثقافي البحريني بمؤلفاته المتنوعة حتى بعد رحيله. أكثر الأمور إيجابية في صيرورة هذا المشروع القصصي والذي يعمل عنوان «قصص من دلمون»، حيث أن دلمون تلك الحضارة القديمة التي تميزت بأنها نقطة الوصل ما بين الطرق التجارية القديمة الشرقية والغربية، وتحتوي على الآثار التاريخية التي تحمل معها تاريخ البحرين قبل خمسة آلاف عام تقريبا، فقد نشأت حضارة دلمون ما بين 2800 ــ اــوحي للصحافة البحرينية؛ فهو من أسس الصحافة الحديثة في منطقة الخليج العربي، الأمر الذي أثرى الحركة الفكرية والأدبية وساهم في بروز الأقلام المحلية والعربية. فكان لفن القصة القصيرة دورها وإن كان خجولا في ارهاصاته الأولى لڪن أسهم في انطلاقة تلك الأقلام البحرينية في تلك الفترة التي شهدت نهضة البحرين واليوم تتواصل الساحة الأدبية في زخمها الثقافي، حيثُ تتسيدها الكثير من الأجيال تتفاوت في جهودها كقامات أدبية مهمة كمثل الراحل (فريد رمضان، عبدالله خليفة البوفلاسة، محمد عبدالملك، أمين صالح، خلف أحمد خلف، جمال الخياط، عبد الحميد القائد، فوزية رشيد، عبد القادر عـقيل، علي سيار، أمينة هاشم الكوهجي وأسماء أخرى لا خضرني الآن)، وثمة أسماء أخرى ظهرت للساحة مثل، (عبدالعزيز الموسوي، ايمن جعفر، شيماء الوطني، فتحية ناصر، حسن بوحسن، جعفر الديري، محمد أبوحسن، مها المسجن، منار السماك، ندى نسيم، جميلة الوطني، نعيمة السماك، علي الحداد، جابر خمدن، علي خميس الفردان، فخرية المخلوق، يثرب العالي، أحمد المؤذن، وأسماء أخرى تغيب عن المشهد ممن صدرت لها مجاميع قصصية، ثم اختفت عن الساحة في زحام الحياة. في هذا الكتاب نطلق شهية السرد للعــديـد من الأقلام التي استحوذ عليها سحر الحكاية بالذات التي استجابت لدعوتنا وتواصلت معنا وأرسلت قصصها، وهناك أسماء أخرى «ربما لم تتحمس لفكرة المشروع»، وعدم تواجدها في متن الكتاب لا يفسر على كونه تجاهلا متعمدا أو مقصودا في حق تجاربها، ففي نهاية الطاف لكل تلك الأقلام الغائبة أعذارها وظروفها الحياتية كيفما كانت، وهي موجودة على كل الأحوال. وهناك أصوات أخرى من غير المكان «التصرف» بنقل نصوصها القصصية، لكوننا لا نمتلك الصلاحية في ذلك بالرغم من بصمتها السردية الوازنة في المشهد الأدبي البحريني. أكثر الأمور إيجابية في صيرورة هذا المشروع القصصي والذي يعمل عنوان «قصص من دلمون»، حيث أن دلمون تلك الحضارة القديمة التي تميزت بأنها نقطة الوصل ما بين الطرق التجارية القديمة الشرقية والغربية، وتحتوي على الآثار التاريخية التي تحمل معها تاريخ البحرين قبل خمسة آلاف عام تقريبا، فقد نشأت حضارة دلمون ما بين 2800 ــ 323 قبل الميلاد، تعطينا الحافز على محاولة فهم كنه قدم الرغبة البشرية في سرد الحكاية، والتي أطلقها إنسان الكهوف لما شرع يرسم ويحكي الحياة من حوله بالرسم على جدران الكهوف، وعليه فالسرد غريزة إنسانية أصيلة تضمر إحساسنا الفطري في أرشفة صيرورة الحياة وتخليد الحدث/ الحكاية. لهذا فإننا هنا عملنا على جمع هذا الخطوط الأدبي، والإعداد له، ولم نتعسف في تصنيف مجمل الكتاب المشاركين بفرض معيارية فوقية على مبداً (الاستحقاق للأفضل)، فالقصص الواردة تتنوع في مضامينها الحياتية، وتعبر عن بيئتها ضمن مناخاتها المحلية، تبرز صراع الإنسان المعاصر على سطح هذه الجزيرة الصغيرة بمختلف قضاياه وروتينه اليومي وهمومه كأي مواطن عربي، متمنين لعموم القراء رحلة سردية ماتعة تستنطق جزءاً من مسيرة القصة البحرينية المعاصرة، والتي لا يمكن هنا بأية حال من الأحوال «أن تعكس كلية المشهد الراهنة»، نظراً لغياب أسماء أخرى مؤثرة لكننا بشكل عام نضع هذا المجهود الأدبي المتواضع بين يدي القارئ العربي من المحيط إلى الخليج كيما نتواصل حضارياً مع الجميع، ابتغاء التعريف بعطاء القصة البحرينية القصيرة التي في بالأساس جزء أصيل من نتاج الساحة الثقافية العربية، ولا تنفصل عنها من دون أدنى شك. تمنياتي لكم بحصد الفائدة والمتعة في السطور القادمة والله ولي التوفيق. أحمد المؤذن
8 نوفمبر 2023 / مملكة البحرين
لحن الشتاء قصص من البحرين
مجموعة «لحن الشتاء» للكاتب البحريني عبدالله خليفة محاولة قصصية تندرج في سياق الحركة الادبية المتصاعدة التي تعرفها البحرين في فترة السنوات الأخيرة حتى يومنا هذا.ولعل حركة المضمون التى ينطوى عليها، هذا الكاتب تشكل الحدث الأكثر بروزا وطغياناً فيه. فالقضية هي قضية معاناة إنسانية عميقة الجذور متشعبة ترسم صيغ الأوضاع الاجتماعية والسياسية والإنسانية والحضارية التى يعانى…
قضية المرأة في.. الرواية الخليجية عبدالله خليفة أنموذجاً
كتب : عبدالكريم ناصيف* يجمع الدارسون على أن الرواية هي تتويج لفن القص، هذا الفن الذي عرفه الإنسان مذ عرف النطق والكلام، فالرجل يحدث امرأته وقد عاد من الصيد عما رأى وشاهد، ما حدث لـه في رحلته وما واجهه من أهوال ومصاعب، والمرأة تحدث الرجل عما جرى لها في غيابه قاصة عليه قصصها وأخبارها…هذا الفن…
جماليات المكان في مجموعة «سيد الضريح»
زينب جلولي * قصة «سيد الضريح» من المجموعة التي تحمل نفس العنوان لــ عبدالله خليفة:يعالج القاص عبدالله خليفة في هذه القصة مسألة اختفاء سيد الضريح ، والذي خرج من قبره لأنه ما عاد يحتمل ما يجري من مظاهر وطقوس مثيرة للاستغراب والاشمئزاز، فيجد خارج هذا الضريح حياة مغايرة لتلك التي يعرفها والتي عاشها في الضريح،…
الماء والنار وما بينهما ..
كتب : هدية حسين من معاناة الفقراء اليومية، من احلامهم المستحيلة وخوفهم المستديم، من قهرهم وانسحاقهم يقدم لنا الروائي البحريني عبدالله خليفة اغنية الماء والنار ويعرض علينا موضوعته ببساطة تناسب بساطة شخصياته، وهي بساطة الروائي المحترف الذي يذكرنا دوماً بما نسيناه او ما تناسيناه في خضم الركض وراء سراب الحياة، يذكرنا باولئك الناس الذين ما…
لحن الشتاء وآفاق ربيع مفعم بالشجن
فريدة النقاش* حالة كابوسيه للعالم تتكرر في اعمال القصاصين العرب من المحيط الى الخليج وتكتسب في كل بلد سمة خصوصية. تدخل في حالات تحول غير بشرية. وحيث تتشوه صورة العالم وتنقلب راسا على عقب في اعمال الجيل الجديد من القصاصين ويتأسس الكابوس في الواقع لا في الحلم ويتخذ صورة الاحتجاج البارد على التحول الوحشي في…
قصص من دلمون
إهداء القاص والروائي والكاتب البحريني عبدالله خليفة البوفلاسة حرفك ذات يوم علمنا غواية السرد، حيث أبحرنا وشهوة الحلم تعبر نحو «اللآلئ»؛ ثم نمضي في متاهة الموج الأزرق كيما نبلغ «الهيرات»، يحدونا الأمل ولا ندري ما يتوارى لنا خلف «أغنية الماء والنار»، وإذا ما كان «القرصان والمدينة»، في انتظارنا هناك في أزقة العدامة والمحرق والمنامة.ثمة خليط…
أدب الطفل في البحرين : قصة الأطفال عند إبراهيم بشمي
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة إبراهيم بشمي من أكثر الكتاب البحرينيين انتاجاً لقصة الأطفال، فلديه أكثر من ثمانية إصدارات لقصص الأطفال، وكلها ذات لغة سهلة، مرحة، هادفة، ومنها «العصفور الأعرج»، «سراطين البحر الجبانة»، «الزهرة الزرقاء»، «فرخ البط الخواف»، «جزيرة الطيور»، «النبع المسحور»، «اللؤلؤة السوداء»، «طائر الكيكو».ويتجه القاص إبراهيم بشمي في كتاباته الموجهة للأطفال، إلى تشكيل حكاية ذات…
علي الشرقاوي : قصائد الربيع ــ الموجه للأطفال
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة إلى أين يريد الشاعر علي الشرقاوي الذهاب بكتاباته للأطفال؟ ماذا يبغي ان يصنع في هذا النوع الادبي الصعب المتفرد؟ هل يقدم شيئا عميقا وبسيطا. وآسرا للصغار أم ينسج محفوظات تقليدية طالما صيغت من قبل بعض تجار «التربية»؟!هل هو يتغلغل في كلماته الشعرية المختلفة هذه كما يتغلغل في قصائده. لا يفصل بين روحه…
أدب الطفل في البحرين: مسرحية الأطفال عند علي الشرقاوي
كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة إذا كان علي الشرقاوي شاعراً ومبدعاً متميزاً . وإذا كان ناجحاً في تأليف أغنية الأطفال. ذات البساطة العميقة. والصور الجميلة المشبعة بظلال الحياة والعمل. والايقاعات السهلة، الراقصة، فإنه في تأليف مسرحية الاطفال يواجه صعوبات عديدة وإشكالات تمنعه من صياغة دراما ناجحة للأطفال.في مسرحية «الأرانب الطيبة»، يشكل مسرحية من ثلاثة فصول طويلة،…
وطن الطائر: نموذج معبر لأدب الطفل في البحرين
كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفةقصة ومسرحية الأطفال عند خلف أحمد خلفتجسد قضايا كبيرة بثيمات فنية بسيطة وواضحة في مسرحية (وطن الطائر)، يطور خلف احمد خلف التقنية الدرامية التي بدأ بتجسيدها في مسرحية (العفريت).والفكرة الاساسية للمسرحية مأخوذة من قصة للأطفال، غير منشورة، كتبها الشاعر قاسم حداد (انظر الكتاب ص91). والقصة تصور طائراً جميلاً ذا صوت خلاب سجنه…
إبراهيم بشمي من أكثر الكتاب البحرينيين انتاجاً لقصة الأطفال، فلديه أكثر من ثمانية إصدارات لقصص الأطفال، وكلها ذات لغة سهلة، مرحة، هادفة، ومنها «العصفور الأعرج»، «سراطين البحر الجبانة»، «الزهرة الزرقاء»، «فرخ البط الخواف»، «جزيرة الطيور»، «النبع المسحور»، «اللؤلؤة السوداء»، «طائر الكيكو». ويتجه القاص إبراهيم بشمي في كتاباته الموجهة للأطفال، إلى تشكيل حكاية ذات مغزى واضح، وعبر لغة مبسطة، ذات صور وظلال جميلة، وتتركز شخصياته على الحيوانات والطيور، مستهدفاً خلق عبرة. واغلب قصصه في هذا المنحى التعليمي، وتتجه قصصه ذات الطول الأكبر، إلى توسيع نمط الحكاية وتعميقها، وخلق بنية أكثر تطوراً، تذوب في جزئياتها الإرشادات التربوية والاجتماعية الواضحة المباشرة. في قصص مثل: سراطين البحر الجبانة، مهرجان الضفادع، فرخ البط الخواف، السلاحف الثرثارة، الاصدقاء، نجد الحكاية المصاغة بغرض التوجيه التعليمي، مستهدفة قضايا جزئية متعددة. في «مهرجان الضفادع»، نشاهد لوحة صغيرة عن مجموعة من الضفادع، تنهض في عتمة الليل، حيث جميع الكائنات نائمة، وتقوم بالنقيق واللعب. في البدء يظهر القمر المنير، متذمراً من الغيمة التي حجبته عن الظهور ومشاهدة العالم. وهذه اللقطة الافتتاحية وبطلها القمر سرعان ما تختفي، ليتم التركيز على الضفادع التي قفزت في بركة الماء وراحت تصيح وتغني. و ليس ثمة حدث خاص بهذه الضفادع سرى اللعب «البريء»، ولكن هذا اللعب والزعيق في منتصف الليل، يزعج الكائنات الأخرى، فها هي السلحفاة تخرج رأسها وتزعق طالبة الهدوء. لكن الضفادع لا تلقي اهتماما لتذمر الآخرين وانزعاجهم، وتواصل اللعب ورش الماء والضحك والقفز. فيتسع الانزعاج من شغبها الليلي، وتتذمر العصافير قائلة: ان لديها أعمالا في الصباح تريد قضاءها، وهي ليست مستعدة للأصغاء الى هذا الضجيج المزعج، كما يصرخ الديك الذي يطالب هو الآخر بالهدوء، لأنه على موعد قبيل طلوع الشمس. ولا يستطيع أن يسكت الضفادع النقاقة سوى حذاء قديم يندفع من يد فلاح ينهض غاضباً من فراشه. وتتضح بنية القصة التعليمية، من هذا الابتعاد الكلي عن شخوص الضفادع وذواتها وكون النقيق يعبر عن حالة «انسانية»، خاصة بها. ومن التركيز الشديد على الصراع بين الضفادع وبقية الكائنات، حيث تندفع الضفادع إلى اللهو بقوة. وفي كل مقطع، يظهر صوت، يؤكد على أهمية الليل للراحة والاستعداد للعمل. فالضفادع تظهر في مقطع، وتناقضها السلحفاة في مقطع تال، وتظهر بعدئذ العصافير وتصارع الضفادع. ومن ثم الديك، واخيراً الفلاح. وتتضح الغاية التوجيهية التعليمية من هذا التصاعد في المعترضين للضفادع، فكل منها يسعى لغاية هامة عملية في النهار، في حين لا تستهدف الضفادع في ضجيجها ليلاً سوى اللعب وليس الإنتاج. واذا كانت السلحفاة لم تقل سوى «ألا تنامي؟ اخفضي صوتك المنكر رجاء»، فان العصافير أوضحت الغاية أكثر بقولها: «إن لدينا أعمالا كثيرة في الصباح»، كذلك فعل الديك عندما قال: «أريد النوم قليلاً، حتى أصحو قبل طلوع الشمس». وتنعزل كافة الجوانب الأخرى من ذوات الضفادع وطبيعة عملها الليلي الخاص بها، والمرتبط بكينونة خاصة، وشخصيات الكائنات الأخرى ونفسياتها المتفردة، ليتركز السرد في تبيان طبيعة الليل وكونه خلق للنوم والاستعداد للعمل، في حين خلق النهار للعمل والإنتاج. وهذه وظيفة بشرية رتبها الناس في ظل ظروف انتاجية طبيعية خاصة، وتحولت هنا إلى توجيه، تجسد في كائنات، ليست لديها هذا الترتيب الخاص. لقد حدثت تناقضات بين المادة القصصية والمادة العلمية، لكن لصالح التوجيه التربوي. ولا تهم الكاتب المطابقة بين المادة القصصية والمادة العلمية، بقدر ما يهمه تسريب توجيهاته الوعظية داخل بنية القصة. ولكن داخل البنية القصصية تحققت السياقات الناجحة، عبر هذه الفرشة المتعددة للطبيعة والكائنات المختلفة وتنامي الصراع، عبر لغة سردية مرنة، اوصلت الوعي إلى الأهداف المطلوبة. ومثل هذه البنية تتكرر في قصص اخرى مثل «السلاحف الثرثارة»، حيث نجد الفقرة الأولى تحتوي على مضمون القصة كل: [كانت السلاحف في ذاك الزمان البعيد.. كبيرة الحجم.. مشهورة بالكسل والثرثرة.. والقيل والقال.. ورغم سخرية الحيوانات من ثرثرتها إلا أنها لم تترك هذه العادات السيئة]. في هذه الفقرة الافتتاحية نجد لتضاد واضحاً بين السلاحف وبقية الحيوانات، وهو على سياق التضاد التام بين الضفادع وبقية الكائنات في القصة السابقة. ونجد سبب الاختلاف بيناً واضحاً أيضاً، وهو يتركز في التباين بين السلاحف كحيوانات ثرثارة، وبقية الحيوانات غير الثرثارة. وتغدو بنية القصة التالية تطبيقاً لهذه الافتتاحية، فسرعان ما يأتي نبأ عاجل بقرب جفاف الوادي، واستعداد الحيوانات المتعددة الكثيرة للرحيل. ماعدا السلاحف التي تسخر من هذه النبوءة. ويأتي عالم الحيوانات الأخرى، المقدم كأمثولة ونموذج، متكاملا من حيث الاستعداد و استكشاف المكان التالي، وتجهيز المؤونة. في حين أن عالم السلاحف، والمقدم كمثل سيء يجب ان لا يحُتذى، ويبدو معادياً لعالم التخطيط والمعرفة ولاهيا في يومه واكله المتواجد الحاضر. ويبدأ السرد في التركيز على هذا الجانب، فينمو الصراع والاختلاف حول رؤية المستقبل، حين يجادل الهدهدُ السلاحف الصغيرة غير الواعية لما يدور – وهي نموذج للشباب في الأمة – فيقول الهدهد [ألم تعرفوا بعد ان الأمطار لن تسقط في هذا العام وسيعم الوادي الجفاف؟]. وحين لم يعرفوا وقد عاشوا على تربية الجهل من قبل السلاحف الكبيرة، ينتقل الهدهد إلى بؤرة القصة ومضمونها [يبدو أنه حقيقة ما يقال عن جماعة السلاحف بأنها كسولة وثرثارة.. ولا تتعب نفسها بالتفكير بالمستقبل والاستعداد له]. ان الثرثرة تتطابق هنا مع فقدان التخطيط وتضييع الغد، وتبدو السلاحف الكبيرة – العرب، نموذجاً للعادة السيئة هنا، كما كانت الضفادع نموذج العادة السيئة هناك. ولكن العادة السيئة في هذا النموذج أكثر غوراً وأشد خطورة ومرتبطة بكيان الأمة. ويتضح أكثر طابع المحور الحدثي – القصصي، حين يحدث انشقاق في عالم السلاحف نفسه، بين السلاحف الكبيرة السن، والسلاحف الصغيرة. الأجيال القديمة والأجيال الشابة. ولكن من أين أتى هذا التباين؟ [قالت إحدى السلاحف الثرثارة معلقة على رحيل السلاحف الصغيرة : انها تكرر عبارات جديدة وأفكاراً (؟) غريبة نتيجة اختلاطهم (؟) بالغرباء من الطيور]. وهكذا تغدو السلاحف الصغيرة رمز الأجيال الشابة المتوثبة لتبديل الماضي، وهي نفسها مقدمة امثولة للأطفال ونماذج للاحتذاء. وسرعان ما تتضح الأمثولة. والنهاية الحتمية للتخلف، السلاحف الكبيرة تدخل بياتها الشتوي، فلم تعد تعي ما يدور، فتشققت الأرض من الجفاف، والأعشاب اصفرت ويبست، وجف النبع.. وماتت الاسماك.. وحين انتبهت لم تجد شيئا غير الحرارة.. والزوال. هكذا تتجه القصة الأمثولة نحو المشكلات الأبعد، والأكثر عمقاً وجذرية. فلم تعد المشكلة صياحاً في الليل وازعاجاً، بل نماذج معتادة على تضييع الزمن وعدم التفكير في المستقبل. وتبدو هذه العادات السيئة نتاجاً لاختيارات وعادات سلوكية بالدرجة الاولى ومن الممكن تبديلها، عبر هذا التباين بين الجيل الهرم والجيل الفتي. ولا تتناقض هنا المادة القصصية والمادة العلمية. بل تبدو متسقة ومنسجمة. وتتوغل قصص الامثولة أكثر في المشكلة الاجتماعية المعروضة. فهي لا تصبح فقط عادة سيئة، بل فقداناً للقدرة على الصراع ضد الاعداء، و استكانة في مواجهة الأخطار الاجتماعية لا الطبيعية فحسب. فهذا ما يحدث لـ«السراطين الجبانة». فهذه السراطين كانت تعيش بسعادة ولهو في واديها الجميل في اعماق البحر. ولكن حين جاء الأخطبوط ذو الأذرع الكثيرة و«العيون» الجاحظة غدت مادة شهية له. ورغم قوة أجسادها وذراعها، إلا أنها كانت تستسلم بسهولة للعدو. ويتضح محتوى القصة – الامثولة في الحوار بين الحلزون والسراطين «إلى أين ترحلين ايتها السراطين الحمراء؟. فتجيب: نبحث عن وطن. يرد الحلزون ملخصا الحكاية: لماذا لا تدافعون عن انفسكم ووطنكم». لقد طرح الكاتب في البداية العادات الاجتماعية كجذور لتخلف كائناته، ولكن الخلفية السياسية الأبعد، راحت تطرح ذاتها على بُنى القصص، لتغدو معا بنية مجتمع الحيوانات المتخلف – التابع، شكل التجلي لواقع الامة. فتغدو السراطانات امتدادا للضفادع والسلاحف، أو مظاهر متعددة للأمة، الفاقدة للوعي الحضاري المعاصر وقدرة الدفاع عن ذاتها، حتى تعيش قرب الساحل حيث تكثر المجاري والأوساخ، فتبهت أشكالها وتتقزم أحجامها. في قصة «اللؤلؤة السوداء» المطولة، والصالحة للفتيان، نرى حكاية الامثولة التعليمية، بشكل أكثر اتساعا وتطورا، وببنية متعددة السياقات. في البدء نقرأ، ذات الافتتاحية القديمة «كان يا ما كان في قديم الزمان، أميرة جميلة تعيش في قصر والدها سلطان بغداد…»، وهو نفس الموتيف القديم، حيث ثمة خلل ما في قصر الخلافة، وفي مركز هذا القصر، حيث الأبنة المدللة مركز الكون القصصي. وفي ذات سياق الموتيف القديم، يسارع السلطان نحو ابنته المكتئبة، مستعداً لعمل أي للقضاء على حزنها. لكن الكآبة لم تكن لفقد كائن حبيب، أو نتيجة لمرض مزمن. بل لفقدان عقد من اللؤلؤ الأسود الثمين. وهنا يفارق القاص بشمي طابع القصة القديمة المؤثر والعميق، مدخلاً فقدان العقد اللؤلؤي، غير المهم. نظراً لأن أي فتى يدرك مبلغ الثروة الخيالية لسلطان بغداد حيث الامبراطورية ومركزها.. فلا يغدو العقد اللؤلؤي. موقداً لنار الحدث الحكائي المعاصر المنتظر. ويظهر الموتبف القصصي القديم الثاني، حين يعلن السلطان أن من يجلب العقد سوف يتزوج ابنته. وهنا وقعت بنية الحكاية في اشكالية. فقد كانت الحكاية القديمة منسجمة مع ذاتها، فدعوتها لمساعدة الأميرة والزواج منها، معاً، لا تظهر إلا للجلل الخطير من الأمور. كالمرض المزمن أو الكآبة المستعصية على الأطباء والحكماء. أما فقدان عقد ليس به تميمة ما، أو سر خطير، فليس سبباً معقولاً لان يعلن السلطان تزويج ابنته لمن يعثر عليه. فلا شك أن ابنته اغلى من العقد. ومهما كان الجدل التبريري الذي جرى بين السلطان ووزيره، حول شكل الدعوة ومصداقيتها، فإن كل المبررات التي طرحها الوزير، غير معقولة. وقد ظهر هذا الارتباك في السياق القصصي نظراً لان الكاتب لم يستفد من البنية القصصية القديمة العميقة الكبيرة. فالحكاية القديمة كانت تضع الإنسان في بؤرتها القصصية، وليس العثور على اللؤلؤ والذهب مهما كان ثميناً. فشفاء الأميرة وانقاذها هو ما كان يحرك ويلهب السرد والأحداث. لكن القاص اراد ان يكسر طريقة الحبكة القديمة، وأن يطرح الخطاب الأيديولوجي المعاصر في موادها الممزقة، فيُظهر ان الاغنياء أنانيون وسيئون، وأن الفقراء وحدهم هم من يقومون بالأعمال الباهرة الشجاعة، وهذا هو نموذجهم الكلي القدرة، «عناد»، القادم من مدينة صغيرة في الخليج، الذي يتطوع، لا لكي يسلي الأميرة. بل لينقذ أصحابه الفقراء الغواصين. وحين يجلب اللؤلؤة السوداء يرفض الزواج من ابنة السلطان بل وحتى استلام المكافاة المالية!. [هذه بطبيعة الحال من أعمال إبراهيم بشمي القديمة، في أواخر السبعينات] لكن رغم المآخذ التكوينية، على هذه القصة، إلا أن الكاتب يتناول هنا مادة تاريخية تراثية، برؤية مختلفة، وعبر شخصيات بشرية، متعددة، وفي مساحة جغرافية متلونة متباينة، بانيا حكاية متنامية مشوقة.
إلى أين يريد الشاعر علي الشرقاوي الذهاب بكتاباته للأطفال؟ ماذا يبغي ان يصنع في هذا النوع الادبي الصعب المتفرد؟ هل يقدم شيئا عميقا وبسيطا. وآسرا للصغار أم ينسج محفوظات تقليدية طالما صيغت من قبل بعض تجار «التربية»؟! هل هو يتغلغل في كلماته الشعرية المختلفة هذه كما يتغلغل في قصائده. لا يفصل بين روحه هنا وهناك، فيعتبرها وسيلة جديدة للتأثير والخلق، بعد ان «تمكن» من التعبير للكبار، فيلون اسلوبه وافكاره ذاتها من أجل الصغار؟ في كتاباته الشعرية للكبار هو باحث عن مناطق جديدة للتعبير ، ومساحات مختلفة للكشف ، وقادر على الاكتشاف والاحساس العميق بالتحولات في البيئة والانسان ، فهل يتعامل مع الصغار ، بهذا الثراء الروحي ، أم يأتي اليهم كشخصية أخرى ، لا تمتلك ذلك الثراء؟! علينا ان نقرأ، ولنطالع القصيدة الأول من ديوانه الجديد ، الموجه للأطفال ، والمسمى «قصائد الربيع» ، الطبعة الأولى ، الناشر غير معروف : (أغنية الصباح) غردي غردي يا طيور زغردي للصباح والندى والزهور غردي فالفضا ملعب والغصون سكن شرقي غربي في الرياح واحملي في الجناح بسمة لعيون الوطن. ص 8
يتعامل الشاعر هنا مع القصيدة بعقلية تقليدية مدرسية , وليس بثراء شعرة وخبرته الفنية .فإنظر كيف انطلقت الأفعال الأولى : غردي ، زغردي ، غردي .. فهذه الأفعال يقولها اطفال الشرقاوي في القصيدة ، وهم يستقبلون الطيور . وهم يستقبلون الصباح . الاطفال هنا يقفون في طابور مدرسي ، متطلعين إلى هذه الطيور وكأنها مفتاح للصباح . فالصباح لا يتشكل إلا من خلال الطيور ، التي تنطلق وتزغرد فيتشكل بدء النهار .. النهار إذن مرتبط بالطيور وزغردتها ، وليس على سبيل المثال ، بنضوج الخبز في التنور ، أو نزول العامل الى باصه المنتظر في ضباب الصباح ، أو نهوض الأم مبكرة من الفراش ، لا ، فالصباح في أغنية الشرقاوي مرتبط بنهوض الطيور وزغردتها , ولكن هذه الكائنات ليست مفصولة عن الانسان ونهوضه ، وعن اندفاع الأم لصنع الخبز , أو شرائها للحليب ، أو نهوض الصغار لبدء الدراسة . فإنها كل متكامل , ولعل الأم لدينا الآن لا تسمع العصافير وهي تعد فطور الصباح ، ولعل الطبيعة بتغاريدها ونباتها ، انقطعت عن بصر بعض الأطفال وهم ينهضون مبكرين, لكن هذه الكائنات , الانسان والطيور والطبيعة , تنتعش وترفرف وقت الفجر ، وتستعد جميعا للانطلاق والحياة والنشاط .. ولكن على عكس هذه الجدلية الحقيقية . فإن القصيدة , وفي محاولتها للتغنى عبر وعي الصغار وتقليد رؤاهم ، عجزت عن اكتشاف تنوع الظاهرات الحياتية الطبيعية ؛ ففصلت الطيور عن الطفل ، وفصلت الكون عن البشر ، وفصلت الطيور عن الصباح ، فيغدو الفجر زغردة للطيور فحسب ، لا زغردة للانسان كذلك ، لذا فإن الصياغة تعود بوعي الطفل ، لا إلى وعيه الحقيقي , بل الى الرؤى القديمة , الفاصلة بين الانسان والطبيعة ، أي انها لم تصل الى الرؤية الجديدة , التي تضفر بين الطبيعة والحياة اليومية؛ وهي رؤية الطفل الحقيقية، هي رؤية الشرقاوي في شعره المخصص للكبار. وهكذا تجد فعلى: «غرديه»، «زغردي»المنطلقين من فهم «الطفل» يصيغان علاقة منقطعة بين الانسان والطيور . فالطفل واقف ، جامد ، يقول للطيور «زغردي !» ولكنه غير قادر على الزغردة . والطفل الحقيقي لا يفصل نفسه عن الطيور والشمس، بل ان وعيه يضعه بينها بكل بساطة . فهو يزغرد معها ، ويطير ، ويسافر، ويقاتل, اذن هنا نجد الوعي التقليدي مسيطراً قابضاً على الكون , مانعاً اياه من التمازج مع الصغار. بمعنى أخر ان الساكن في ذات الشرقاوى جمد المتحرك في ذات الطفل . فظهرت الأوامر «زغردي !». وظهر الفصل الذى لا يحسه الطفل ؛ فتحول الشاعر الى مدرس تقليدي ، لا إلى رجل يتفهم الطفولة ، يتحسس دفقة الكون الصباحية فيزغرد ويرتعش كالعصفور ويغني كطفل متفهما مشاعره وحالاته، محاولا خلق صباح حقيقي له مدركاً ارتعاشاته وأماله فيعي ان للطفل روحاً تريد النهوض والاندفاع وانها لا تقل جمالا عن الطيور وزغردتها، بل ما هذه الطيور والزغردات والشمس ودخان الفطور واستيقاظ المدينة سوى صدى لروح هذا الطفل المشوشة العارمة التي سوف تحلق وتطير بأجنحتها المتعددة إلى السماء والسطوح والشمس والعمل ! هنا عبر كسر الرؤية التقليدية فحسب، يمكن للغة ان تتحرك، وأن تتخلص من سيطرة الأوامر، والانفصالات الشاسعة بين الطفل – الطبيعة ، والطفل - الحياة والموقف . أي ان تتوحد لغة القائل, الطفل, بلغة الشاعر, فتندفع وتكسر هذا التردد والنمطية اللغوية الباردة . وانت ترى الشاعر يواصل تعداد الأماكن التي يحق للطيور ان تزغرد لها : الصباح – الندى – الزهور . لا للسطح، أو اصابع الأم, أو حقيبة الطفل, أو باص المدرسة، أو نوافذ الفصل المشرقة، فتلك المناطق التى اختارها لزغردة الطيور هي اماكن طبيعية بحتة ، أي اعاد انتاج الفصل بين الانسان والطبيعة مرة اخرى ، أي اعاد تكرار الرؤية التقليدية، عبر توسيع نطاقها .. فالطيور التى يتخيلها الشاعر، ليست هي الطيور التى يتخيلها الطفل، فهي طيور جامدة، مناخها الطبيعة البعيدة، لا الحياة اليومية، لا حياة الطفل, وسريره ، ومدرسته, وأرضه، ونخيله, انها طبيعة خاصة مقولبة بخيال جمّد الأشياء، لا طبيعة طفل متحركة فعالة خلاقة، لا تفصل بين البشر والأشياء والحالات. وهذا التجميد لانطلاقة الطيور، الذى تصوره الشاعر ، جزء من الرؤية ، التى جعلت من الانطلاق والحرية ، صفة للطيور، لا للبشر ، وبالتالي ، جعلت مناطق الانطلاق والحرية ، هي مساحات الطبيعة المنفصلة عن الانسان . فالحرية والحياة والتغيير ستكون في الطبيعة المفصولة عن الطفل ، ستكون في الندى والزهور ، ولن تظهر في الفصل الدراسي، والبيت، أو غيرها من المظاهر الحياتية، وهنا يقوم الوعي التقليدي، بتجميد الانطلاق لدى الطفل ، عبر تقليص مساحات الحرية في حياته اليومية . فبعد ان اعطى الطيور الحرية والسعادة والانطلاق، حبسها عن التأثير في الطفل، فتجمد الطفل في صباحه، واندفعت الطيورخارجاً عنه. فهو يغني لحريتها هي، لكن لا يغني لاندفاعه وحريته هو . والشاعر في النشيد، يواصل توسيع حرية الطير، عبر كل الجهات، وعبراجواز الفضاء، لكن دون ان تمس شيئاً حقيقياً، أو تكسر قيدا محدداً. انه يأمرها : «شرقي !», «غربي !». ولكنها تطير في فضاء عدمي, فارغ, لا تضاريس فيه, ولا ملامح نفسية له . ومن هنا فالقصيدة تنمو وهي تأكل نفسها وتدمر ذاتها , ولا تجد شيئاً تمسكه إلا العبارات المحفوظة : واحملي في الجناح / بسمة / لعيون الوطن . كيف؟ فالجناح لم يمسك شيئا ولم يحمل شيئا , لأنه لم يغتن بجدل خصب مع الطبيعة والانسان . وبالتالي فان الوطن , جامع تلك الوحدة الخصية بين الانسان والطبيعة, بين الحياة ومشكلاتها , يتبخر حالما يظهر . ويواصل الشرقاوي ذات الهندسة التقليدية في أناشيد اخرى , فلنقرا نشيد «الفصول». ص 11 : اذا اتى الصيف لنا تبتسم النجوم ويضحك القمر اذا اتى شتاؤنا تنتشر الغيوم وينزل المطر اذا أتى الخريف تجدد الأشجار أوراقها لتنتج الثمر لكنه الربيع اذا أتى يجدد الحياة للبشر . مرة اخرى يغدو الفصل بين الطبيعة والانسان، في قصيدة موضوعها التشابك المفترض بين الطبيعة والانسان، وفي وعي «ذلك» الانسان الذى لا يعرف الفصل بين الطبيعة والانسان ، يغدو هذا الفصل شيئًا قوياً ، وكأن الشاعر غير قادر على الانفكاك منه ، وبالتالي فهم الطفل والابداع له . فالصيف عندما يأتي «تبتسم النجوم»، و«يضحك القمر - وكأن شتاءنا يخلو من النجوم والقمر – ولكن دعك من هذا وانظر الى علامة تحديد الصيف ؛ عبر مظاهر الطبيعة وحدها، عبر مظاهر خارجة عن الانسان، فالصيف علاماته ابتسامة النجوم وضحك القمر, لكن لا علاقة له بالشمس المتوهجة والعرق والبحث المضني عن نسمات شحيحة، أي ان سمات الصيف موجودة في اشياء خارج الانسان ، بل ان الأنسان هنا لا يغدو مهما ، فيكفي ان النجوم تضحك؛ لكن هل هناك علاقة بين امتلاء السماء بالنجوم والعاب الأطفال في الليل، لا، لا توجد علاقة ، فالشاعر انفصل عن الطفل, وقولب السنة قولبة ألية, لا علاقة لها بمشاعر البشر، وهو يسعى لتحفيظ الطفل اسماء الفصول وتواليها، لا ليشعره بها، وبالطبيعة واحوالها وتحولاتها، وبمجتمعه وحياته المتأثرين، على نحو خاص، بهذه الفصول؛ انه يريد منه ان «يحفظه»، هذه الأسماء، لكن لا يهمه علاقة هذه الفصول بالطفل، أو الأشكال الملموسة لتجلي الفصول لدى طفلنا؛ فكأنه يكتب لطفل مجرد عليه ان يحفظ اسماء الفصول ويتلقنها، وهنا لا توجد فصولنا، أو مناخنا الخاص، أو حياتنا, أو انساننا، بل توجد صورة مقولبة عن الفصول ينبغي للطفل ان يحفظها، عبر الترديد الآلي لهذه المحفوظة . ثم لاحظ هذا البناء التقليدي النمطي, عبر ادوات الربط النثرية التقليدية «اذا اتي ..»، لتتالى الأفعال المرتبطة بالمجيء «تبتسم ..»، ثم تأتي ادوات العطف والشرط لتجمع مسبحة طوية من الفعال : «اذا اتى..»، «تنتشر..»، و«ينزل..»، «اذا اتى..»، «تجدد..» و«لتنتج..» الخ.. عملية آلية عبر تفعيلة متكررة ، كالقضيدة السابقة ، يسودها المنطق النثري الفصلي التعليمي . ويستمر المنطق الداخلي الفاصل بين الطبيعة والانسان فتغدو الأبيات نسخا له، أي تكراراً للسكون واللاجدلية وعدم التماسك الفكرى . فهو يختمها بمثل كبير على هذا الفصل عندما يقول «لكنه الربيع/ اذا اتى / يجدد الحياة للبشر» . فكأن بقية الفصول لا تقوم بالتجديد, وكأن ضحك القمر, وانتشار الغيوم ونزول المطر وقدوم الخريف, كلها, لا تحمل تجديدا للبشر, فقط «الربيع» الذي يوم بذلك.. هنا نجد ان الآلية في الصياغة تدفع الشاعر لوضع «لكن» التي دمرت حتى منطقية البناء ذاته . فكافة الفصول خلافا للخبرة المعاصرة - لا علاقة لها يتجديد حياة البشر، بل لها علاقة بتجديد حياة النبات؛ ووحده الربيع الذي يجدد حياة البشر! ويتحول الفصل بين الطبيعة والانسان هنا، الى اخطاء معرفية وليست منهجية فحسب . هكذا لا يقوم الشرقاوي ببناء نشيد غير تقليدي للطفل، فيضفي من روحه وخبرته الفنية الطويلة, لمسات عميقة على القصيدة الموجهة للطفل؛ فيشكل نشيدا معاصرا مفعما بثراء فكري وبساطة تعبيرية ، بل هو يتخلى عن عصريته ويتحول الى تقليدي يكرر القاموس السابق .
إذا كان علي الشرقاوي شاعراً ومبدعاً متميزاً . وإذا كان ناجحاً في تأليف أغنية الأطفال. ذات البساطة العميقة. والصور الجميلة المشبعة بظلال الحياة والعمل. والايقاعات السهلة، الراقصة، فإنه في تأليف مسرحية الاطفال يواجه صعوبات عديدة وإشكالات تمنعه من صياغة دراما ناجحة للأطفال. في مسرحية «الأرانب الطيبة»، يشكل مسرحية من ثلاثة فصول طويلة، تقع في 72 صفحة من القطع المتوسط، الأمر الذي يجعل المسرحية تستغرق عدة ساعات. وهذا التطويل في البنية الفنية، سببه اشكالات التركيب وتعثر بناء الحكاية. فالمسرحية تكشف في الفصل الأول من صفحة 3 إلى 25 ، عن مجيء ثعلب الى الغابة والتقائه بأسرة الارانب، فيقرر أن يعيش في ذات المكان، اكلا الأرانب واحداً واحداً، وزاعماً أنه يريد بناء بيت للأرانب، في حين كان يستولى على أرضهم، وكذلك كثيمة فنية ورمزية للاستعمار. وفي الفصل الثاني نجد أن البيت قد بُنى . وتحول إلى ما يشبه المؤسسة، ومديرها العام هو «الخروف». وهنا تتجه احداث المسرحية الى التيه، وتتراكم اللقطات الجزئية دون بناء فني. ففي بداية الفصل الثاني نجد عراكاً بين القطة والكلب والخروف في عدة صفحات دون فائدة أو أهمية فنية. بينما يظهر أب الأرانب وامهم بعد عدة صفحات تالية، ونجد أن الصراع بين الثعلب والأرانب لم يعد هو مدار الصراع المسرحي. فقد صارت الفكرة الآن هي سيطرة الثعلب: على كل شيء في الغابة، ويظل مجيء الحيوانات الأخرى كالحروف، الذي أسيء اختياره تماماً كمدير عام! والكلب، والقط، هامشياً وغير مؤثر في الصراع. وحين يظهر الأب والأم المسئولان عن اسرة الارانب، نجد أن صغيرين من الأسرة قد اختفيا، فيلجأ الأب والأم إلى الذئب – الوزير، عبر مقطع طويل، هو الآخر بين 34 – 40، لكن الثعلب يرشو الذنب – الوزير، فلا يفعل شيئاً لمساعدة الأرانب. وتدخل الذئب، مثال على طريقة نمو الحبكة، فالذئب يظهر فجأة ويختفي بذات الصورة، دون أن تكون له لمسة درامية خاصة على البناء، ويصير حواره الطويل، على مدى خمس صفحات، اضافة الى ترهليه أخرى. كذلك كان مجيء الأسد، عبر مقطع طويل، بعد ان استعان به الأب والأم، اضافة ترهليه اخرى. لقد رشاه الثعلب أيضاً وخرج دون ان يترك اثراً. وفي نهاية المسرحية فإن الأرانب تكتشف ان الثعلب يأكل الصغار ويدفن عظامها كما يفعل بالدجاج والطيور. أن الحبكة الأساسية جيدة، ولكن تم إدخال عدة محاور. ولقطات جزئية جانبية، وحوارات ثانوية، وشخصيات زائدة، مما أرهق البناء الأساسي، واضعف تشكيله. فلو أخذنا الفصل الأول، على سبيل التشريح الموضعي، لوجدنا أن ثمة مقدمة يظهر فيها «المخرج» ليلقي خطبة طويلة عن أعماله، ثم يشرح فنه للأطفال قائلا: [قال البعض عن مسرحياتي انها مخلوطة أي للكبار والصغار وأتصور ان السبب الاساسي في هذه النتيجة هو عدم مشاركتكم وطرح أرائكم بصورة حقيقية حول هذه المسرحية] ! اضافة الى تحول المقدمة الى ترهل أول، فإنها ضد فن المسرح وفن مسرح الطفل خصوصاً، عبر تحولها الى مناقشة فكرية فنية، ليست بمستوى الصغار، كما ان إقحام شخصية المخرج في بدء العرض وخلال المسرحية كلها، كان سلبياً. وبعد هذه المقدمة، وافتتاح المسرحية عن الفصل الأول، نجد مجموعة من العصافير تتحدث طويلا عن إيقاظ الأرانب، وإذا كانت أغنيتها مناسبة وجميلة كافتتاح مشرق للنهار، فإن الحوار وحبكة الحدث لا أهمية له. فالأغنية وحدها كانت غنية بالتعبير. وحين تصحو الأرانب، الشخصيات المحورية في العرض، يحدث حوار طويل كذلك حول النهوض الصباحي والرغبة في رؤية الأم وإفساد الحلم وحب الأكل والجزر، وهو حوار مطول بلا توظيف. ولا تبدأ الدراما الا عندما يأتي الثعلب مهدداً إياهم وراغباً في أكلهم ! ولا نجد للأرانب شخصيات محددة، ولا نجد للأب والأم خصائص متميزة، لكن الثعلب يتميز ببعض الخصائص الشخصية العامة الفنية، كحيوان مفتون بالأكل وتاجر طريف متنقل. ان كل هذه الحوارات المطولة في الصفحات العديدة، كانت فوائدها الفنية قليلة، فقد رسمت لنا موقع الأحداث، ثم أوضحت الشخصيات الرئيسية، وهي الأرنب والثعلب، وكان يمكن تكثيف الحوارات الى اقصى حد ممكن. ويمكن تلخيص صفات مسرحية الأرانب الطيبة بأنها: الترهل، ضياع المحور الحدثي الأساسي، عدم تنمية الحبكة بصورة فنية دقيقة، والتيه في سراديب جانبية، واخفاق الصراع المتطور النامي. خذ هذا الحوار كمثال على عدم خلق اللغة الدرامية: الأرنب الثاني: تصوروا. انني حتى هذه اللحظة لا اعرف ما هو عمل أبي الارنب. الأرنب الثالث: ولا أمي ايضاً. الأرنب الأول: لكنهما حدثونا (؟) عن عملهما عدة مرات. الأرنب الثاني: نسيت. الأرنب الرابع: ما أكثر ما تنسى. الأرنب الثالث: هل تعرف انت؟ الأرنب الرابع: نعم. أمي تشتغل في المستشفى. الأرنب الثاني: لكن ماذا تعمل؟. الأرنب الرابع: لا اعرف. فقط اعرف انها في المستشفى. الأرنب الاول: ابي يعمل سائق شاحنة. الأرنب الثالث: لكن ما هو عمل أمي. هل هي طبيبة ؟ . الأرنب الأول: لا. الأرنب الثاني: ممرضة ؟ الأرنب الأول: لا..) الخ.. ورغم طول المقطع، فإنه بلا تأثير أو قيمة فنية، فعمل الأب أو الأم غير المعروف، لا يساهم بأي دور، أو لا يؤدي بالأرانب إلى اكتشاف شيء جديد، أو دخول ميدان عمل، أو المساهمة في حبكة الأحداث الخ.. وخلافاً للمسرحية السابقة، فإن مسرحية «بطوط» المكتوبة سنة 1983، والصادرة سنة 1990، عن وزارة التربية والتعليم، والمعدة عن قصة هانز أندرسن «فرخ البط القبيح»، والتي لم يذكر الكاتب شيئاً عن الأصل الأجنبي اقتباس أو اعداداً، توضح الفروق بين النصوص العالمية في أدب الطفل إنتاجنا المحلي، وبين مسرحية الشرقاوي السابقة «الأرانب الطيبة» المفككة، ضائعة الملامح، وهذه المسرحية الدقيقة، الكثيفة الرؤية، وبسيطة العرض واللغة. تنمو الحكاية نمواً دقيقاً، وتظهر الشخصية المحورية بطوط، متميزة بضخامتها الجسمية وقبحها، وقوتها، ويسبب هذا التميز حسدا عند الإخوة الآخرين، فيدبرون المؤامرات لطرده وابعاده. وإذ يعيش البط في سلام وعمل مثمر، فإن القطط تعيش على خطط العدوان وخرق المواثيق، ويصور الشرقاوي هنا الصراع بين المعتدين والمنتجين المسالمين. ويتشكل بطوط الشرقاوي عبر التميز الجسدي الهائل والانتصار في الألعاب والقوة. ويرفض الهروب بعيدا عن وطنه الذي نفاه، بل يقاتل القطط ويتشكل ويعود. ويتشكل بطوط. ولكن اللوحات العديدة التي اضافها الشرقاوي الى قصة هانز أندرسن كانت باتجاه قوته الجسدية الخارقة، وتشكيل علاقة غرام سريعة وناجحة وضحلة مع البطة الكحيلة. كذلك بدا انتصاره الفردي الساحق على القطط العدوانية سهلا وسريعا. ان «فرخ البط القبيح» لهانز اندرسون يتجه اتجاها آخر فبدلا من التسطيح السياسي يحوله إلى نموذج يلتقي بشخصيات عديدة، كلها تضطهده، وتصغر من وجوده، وهو المتميز عميق المشاعر مرهف الحس . ان فرخ اندرسن يتشكل عبر الغربة والألم والنفي. وهو شخصية نموذجية غنية، ذات تميز جسدي، ونفسي بالدرجة الأولى، فهو قبيح الشكل فقط، لا قوة سوبرمان كفرخ الشرقاوي، وقبحه الشكلي الخارجي يتنافر ويتضاد مع عاطفته المرهفة «الإنسانية»، وحبه للسفر والحرية والبحث والاغتناء الداخلي. كما انه نموذج للمضطهد المكافح الذي يأخذ مساراته الداخلية من نموذج البطل اليتيم الفقير المضطهد في الحكاية السحرية الشعبية. في حين ركز الشرقاوي على الحركة الخارجية: الالعاب، الطرد من الغابة، العراك مع القطط، صناعة الشباك المصيدة، والانتصار على العدو، حبكة الحب/ الزواج. وبالتالي فإنه اتجه الى الدلالات الظاهرة المباشرة للقصة الأصلية، ولم يعمقها عبر التركيز على نمو شخصية الفرخ القبيح وانتقالاته وضغوط النماذج الرديئة على شخصه. لكنه حافظ على دقة الكلمة، وتنمية الحبكة بصورة دقيقة وسريعة، وارتبطت معظم الشخصيات بالمحور الحدثي المتنامي.
كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة قصة ومسرحية الأطفال عند خلف أحمد خلف تجسد قضايا كبيرة بثيمات فنية بسيطة وواضحة
في مسرحية (وطن الطائر)، يطور خلف احمد خلف التقنية الدرامية التي بدأ بتجسيدها في مسرحية (العفريت). والفكرة الاساسية للمسرحية مأخوذة من قصة للأطفال، غير منشورة، كتبها الشاعر قاسم حداد (انظر الكتاب ص91). والقصة تصور طائراً جميلاً ذا صوت خلاب سجنه ملك، فيرفض الطائر التغريد، ويغريه الملك بطبيعة ساحرة لكنها مسورة، فيواصل الطائر الصمت، حتى يكاد ينفق، فيطلقه الملك ليعرف أي مكان هذا الذي يفضله الطائر على القصر وحديقته، فيجده يغرد فوق صخرة جرداء في المياه. هذه هي الفكرة المحورية التي اقتبسها خلف، ليبدو شكل تجسدها على الخشبة، هو الاضافة الدرامية للفكرة. والفكرة، كقصة للأطفال، بسيطة وشاعرية، لكن كيف يمكن أن تتحول إلى دراما غنية بالحركة، والتلون وتباين الشخصيات وصراعاتها؟. إن بعض الثيمات التي استخدمها خلف في (العفريت)، يواصل استخدامها وتطويرها هنا.. فشخصية الراوي، المتحدث في الحكاية، المعلق عليها. تظهر هنا أيضاً، ولكن بصورة (طفل) و(طفلة)، مرحين، ساخرين من السلطان وقفصه وابنته البلهاء. وإذا كانت بعض مقاطع حضور هذا الراوي المشترك، ضمير المؤلف والأطفال معاً. حيوية، نابضة، فإن بعضها الآخر، زائد وتعليمي ومرهل لجسد المسرحية. كحديثهما الفكري عن الحكيم والحرية ص 122-123. ان وجود الطفلين، الراوي الواحد المتسق عقلاً، المختلف جنساً، ضمير العمل، يطلق الحركة الدرامية عبر تعليقات ساخرة على السلطان وابنته وحرسه، أو عبر التعليقات الجادة على الحكيم، أو لوصف حركات وأحداث لم تظهر على الخشبة.. إن وجود هذا الراوي هو أول تجسيد درامي للقصة، وهو أول جر للقصة من ميدانها السردي المكثف، الى جسد المسرح الحركي الصراعي التجسيدي، وتنبيضها لوناً، لكن وجود الراوي الثنائي من جهة اخرى، وفي بضع مواقع، يوقف الحركة الدرامية ويثقلها، فيكون أشبه بوجود كاتب القصة في المسرح، أشبه بحضور السرد في الدراما.
وعلى سبيل المثال، اقرأ الفقرة الطويلة في ص 148، حيث يتناوب الطفلان – وهذا التناوب جزء من محاولة الخروج من مأزق الراوي الشارح – مدح الحكيم وحيلته في تحرير الطائر من أسر السلطان وإطلاقه إلى وطنه، إن هذه الفقرة، ليست سوى تمن بالذهاب مع القافلة ومدح الحكيم: (يا له من رجل حكيم – سأكون ابن الحكيم – سأكون ابنة الحكيم – وسنرى هذا الوطن الجميل.. الخ). أن الأجزاء الخيرة من الصراع، كالطائر والحكيم والصخرة، توصف عن قبل الراوي المشترك بكل صفات الطهر والطيبة، في حين توصف الأجزاء الشريرة من الصراع كالسلطان وفهمان ونبهان والابنة والحراس، بكل صفات الغباء والقبح. ومن هنا يكن المدح المبالغ فيه للجانب الخير من قبل الراوي، والسخرية الزائدة على الجانب الشرير، تحجيماً لوعى الطفل وتعليمية مباشر، حاول المؤلف أن يتجنبها. ونجد الروح الدرامية لا تتجسد فحسب عبر وضع الراوي الممتع، وتعليقاته الذكية، بل عبر التنويع والإمتاع والتلون في شخص السلطان وحرس وابنته. ففي القصة القصيرة عند قاسم، لم يكن يوجد سوى الملك بمفرده، في مواجهة الطائر، لكن هنا يتحول السلطان إلى ما يشبه المهرج الخفيف الظل، لكن الباطش السطوة، القاسي. إن صفات السلطان المتعددة تظهر، تباعاً، من خلال خطاب الراوي، وهو يبدو بحركاته الكثيرة الخرقاء، وطريقة فهمه للأشياء عبر الشكل العجيب، حيوي الظهور، مرح الكلام، لكن في إطار قسوة مستمرة، وصلف، هو جزء من تكوينه. ويحيط الكاتب السلطان بثلة من البلاهة، تتجسد في شخصيتي الحارسين الاخرقين (فهمان)، و(نبهان)، الذين يغدوان كإضافة مهرج ثنائي، إلى مهرج مركزي هو السلطان، ويغدو استغلال غباء الحارسين، بدءاً من إسميهما الى حركاتهما وتصادمهما المستمر، وذكائهما الذي يتحول الى غباء، إضافة جانب ممتع ومسل وساخر إلى جانب السلطان. إن الهالة التي تحيط بالطبقة الراقية تتمزق هنا عبر أنماط ملموسة. ولا يكتفي الكاتب، بهذا التمزيق، لكن يضيف نمطا ثالثا مغايرا، جوانبه السلطان، التي كانت تغدو في الحكاية القديمة، رمزا لكل ما هو نقي وسحري وسري، فتصير هنا ابنة بلهاء مضحكة طيبة، تركب فوق ظهر أبيها وتحوله الى حمار، تستغل وجود نبهان وفهمان الآدمي بديلا عن دميها. ان فكرة تحطيم الأوهام القديمة الفكرية – الفنية تستولي على مسرح خلف، عبر رفضه لفكرة الساحر القادر على كل شيء في (العفريت) وتمزيق ما هو مدرسي بليد، تحنطه الكتب، لنجد هنا ابنة السلطان تنزل من عليائها الى الواقع، ويرى الصغار اجنحة الحكايات الخيالية القديمة وهي تحترق فوق الارض، وتتكشف هذه الأنسجة المعقدة للثقافة والمجتمع، عبر مفردات الفن (البسيطة) المقدمة للأطفال. ان حركات ابنة السلطان المتعددة تضيف بهجة وحيوية أخرى على النص القصصي، الذي سُحب الآن، من سكونه السردي الصراعي المكثف، إلى اتساع الشخصيات المتضادة والتعارضات البهيجة – المؤلمة، وتنوعات المواقف والأشياء..
ان القصة القصيرة ببنيتها المضغوطة وشخصيتها شبه الوحيدتين، تتباين مع بنية المسرحية ذات الاتساع غير المطول، والمتبلور في عملية صراع، متنامية، متعددة الوجوه، وإذا كانت القصة تقدم (الشرير) في شخصية، فإنها تقدم (الخير) في شخصية مقابلة، وهو الطائر، لكن في المسرحية تتسع الشخصيات المتقابلة، فكما تعددت وجوه السلطان والحاشية، فقد اتسعت شخصية الطائر لتصير راويين وحكيما يقدم المشورة الذكية الخبيثة ليسجن من قبل السلطان. أن الطائر الذي لا يتكلم في القصة، يفصح عن ذاته، ويتجسد مضمونه عبر شخصيات متعددة في المسرحية. ولا يكتفي الكاتب بإضفاء توترات درامية – هزلية على المسرحية، بل يستفيد من التقنية المسرحية الصرفة، عبر كتابة ارشاداته عن الديكور والحركة، الأمر الذي يغدو اخراجا اوليا يتواصل عبر نص المسرحية. انه يقسم المسرحية ست لوحات، هي مقاطع المشاهد المتتالية النامية عبر عرض المسرحية، ويكتفي باستخدام [الديكور الرمزي في اللوحات الخمس الأولى] ص 90، حيث أن أجواء المشاهد تتحد في عوالم القصر والحديقة، وهذه أمكنة مسرحة يمكن التحكم فيها، من قبله. لكن اللوحة السادسة [تحتاج إلى تجسيمات عديدة لتقريب وتصوير مغزى المسرحية حول ارتباط الحرية بالوطن.. يمكن الإكثار من المؤثرات البصرية والسمعية في تلك اللوحة]. ان اللوحة السادسة هي لوحة قصصية، وتمثل لحظة الانتقال الحركي الطويل للسلطان والحاشية الى صخرة الطائر البعيدة، وطيران هـذا الطائر اليها، أيضا، مما يجعل التجسيد المسرحي صعبا. ان اهتمام المؤلف بـ(المغزى) وضرورة تجسيده بالمؤثرات تدل على الرغبة الدقيقة في تحديد نمو المسرحية بالكيفية التي يراها، فهو يخرج المسرحية قبل إخراجها. وتتضح العملية الاخراجية من سيطرة الكاتب الدقيقة على حركة الشخصيات، وأشكالها وملابسها، وقطع الديكور والمؤثرات. وكمثال نقرأ ما يلي: [الطفل: (يدخل على أطراف أصابعه محاذرا اصدار صوت، يتلفت في حذر تجاه الرجل النائم] و[فهمان ونبهان: يسرعان في التحرك فيتصادمان ويقعان على الارض، يسرع السلطان باتجاههما فينهضان بسرعة ويخرجان صارخين] الخ.. وهناك امثلة كثيرة على التحديد الدقيق لحركة المسرحية، واغلب هذه الإرشادات الإخراجية تستهدف تحديد عملية المسرحية للنص الأدبي. وهذه الإرشادات تدفع باستمرار باتجاه تنبيض اللغة وتجسيدها، واثارة المفارقات الجسدية، الحركية، اللونية، الشخصية، وإبعاد المسرحية عن الطابع التأملي العقلي. والكاتب يفلح في استنطاق النص قبل اخراجه، عبر عشرات الإرشادات التي تبدو عفوية في الصياغة، ومن هنا كانت عروض مسرحياته هي أعمال تنفيذية تنساق وراء الإخراج الضمني فيها. ويجب أن نتوقف هنا حول (المغزى). ان الكاتب لا يوضح فقط طريقة نمو التسلسل الدرامي وتجسيداته، بل يصر على المغزى وتحديده، فيقول [.. لتقريب وتصوير مغزى المسرحية حول ارتباط الحرية بالوطن ]. ان جملة الارتباط هذه تبدو غير واضحة، فالحرية مفهوم سياسي واجتماعي خاص، والوطن كيان ملموس، وليس ثمة علاقة مشتركة محسوسة. فهل يزول الوطن عندما يكون مستعبدا؟ أو يظهر الوطن فقط في الحرية؟ وهل يفر الإنسان / الطائر من وطنه إذا كان مكبلا؟ أو أن المواطنة الحقيقية لا تأتي إلا في وطن حر؟ ان المسرحية تهدف الى القول، ببساطة فلسفية، ان الوطن يكمن حيث توجد الحرية. ولكن ألا يقلل هذا من الوطن، ومن الحرية معا؟ واذا جئنا إلى القصة القصيرة، أساس النمو الدرامي، فإن (مغزى) آخر يتبدى هناك، حيث الطائر هو المبدع، الذي لا يستطيع الإبداع – الغناء وهو ملك لأحد. ان الابداع تمازج والحرية ، ويذوبان في سيرورة واحدة. وتغدو الصخرة الصغيرة في البحر، المجردة من القضبان، هي موقع التغريد والفعل الحر والوطن. ان سياقات القصة الداخلية أكثر عبر هذه الترابطات الوثيقة. ولكن كان من الصعب ـ على ما يبدو ـ إبراز هذا -المغرى- في مسرحية تقدم للصغار، فكان لابد من التحوير، وتغيير طابع المسرحية، لتغدو الصخرة هي الوطن وهي الحرية، وأن الطائر لا يستطيع أن يحيا (لا ان يغرد فحسب) إلا في وطنه، الذي هو الحرية. لقد اقتضت طبيعة النوع الأدبي الخاص. وهو مسرح الطفل، تغيير الموضوع، لكنه تحول الى موضوع تجريدي. فنشأ تناقض بين الموضوع وطبيعة النوع الفني، الأمر الذي أدى في الصياغة الى محاولة التغلب المستمر على الطابع التجريدي، بجعله ملموسا، حيا، قريبا، وهذا أغنى تطور بعض الأدوات الفنية، من جانب، وظهور بعض المباشرة، من جانب آخر. لكن (المغزى) ظل مع هذا مراوغا، كقول الطفلة متحدثة عن السلطان [لا يقتنع ابدا ان غناء الطائر هو الحرية.. وليس الحديقة السجن التي أقامها] ص 121، أو قول الطفل [ نعم.. نعم.. الحرية التي غنى لها هذا الطائر اجمل اغنية] ص 123. بعدئذ تصبح الصخرة وسط الماء هي الوطن، الحرية. وتقيم المسرحية سلسلة من التضادات المطلقة، فهناك: الطائر، الحكيم، الراويان، الصخرة، الغناء، الوطن، الحرية، السعادة، الجمال، الذكاء.. الخ.. في جهة، ومن جهة أخرى هناك السلطان، القصر، السجن، الابنة، فهمان ونبهان، الحراس، الغباء، القبح .. الخ. ولا يحدث الانتقال من جانب إلى اخر، في الشخصية، ويظل الخطان متضادين، وحين تنتقل الابنة المعتوهة إلى وطن الطائر والخط الآخر، فإنها تفعل ذلك بصورة غير مقنعة فنيا. ان وجود هذه التضادات في العالم الفني، يجعل الشخصيات منمطة، فالحكيم رمز الحكمة والكفاح، والطائر رمز الحرية، وهكذا بقية شخصيات الخط الأول، يغدو السلطان رمز المحدودية والضحالة، الخ.. ان الية النمطية تتيح توصيل التوجيه والمباشرة، لكنها تجعل العالم الفني أكثر احتياجا للغنى والتعدد.