ولا بأس هنا من التذكير بأن الرواية تأتي في سياق مشروع ممتد للكاتب بدأه منذ العام 2004 مع إصداره «رأس الحسين» التي استعاد فيها سيرة الحسين بن علي بن أبي طالب(ع). سرعان ما أتبعها بـ 3 روايات متصلة ضمن حقل الرواية التاريخية، وقد وضعت في سياق حيوات ثلاثة من صحابة النبي محمد، وهي على التوالي: «عمر بن الخطاب شهيداً» 2007 و«عثمان بن عفان شهيداً» 2008 و«علي بن أبي طالب شهيداً» .2008 .
وقد لاقى مشروع خليفة بصدد الرواية التاريخية من الحيف، الشيء الكثير، خصوصاً مع تعرض
ألم يتعب بعد عبـــــــدالله خلــــــــيفة ؟ لا يبدو أن ذلك أمر وارد حتى الآن. الروائي غزير الإنتاج وأحد أبرز المقارعين على محاور المأثرة السبعينية التي فتحت سؤال الحداثة وصعدت بالنقاش الأدبي بشأن اتجاهات الكتابة إلى منتهاه، لا يزال يلج في التجربة حتى منتهاها. وخلاف أي من أبناء جيله، يبدو أنه أكثرهم وفاءً لشرط الكتابة، وغزارة إنتاجية سواءً بسواء. آخر ما صدر له في سياق الكتابة الإبداعية، روايتان: «محمد ثائراً» و«ذهب مع النفط». وقد طرحهما أول مرة في غضون معرض الكتاب الدولي 14 المنتهي تواً في غضون الفترة من 17 إلى 27 مارس/ آذار الماضي. ليكون بذلك قد طرح في غضون العامين الأخيرين فقط، أي منذ العام ,2008 ست روايات على الأقل. الشيء الذي لا يكاد يتيسر لأي من الشخصيات المجايلة له، بل شخصيات التجربة الشابة، حتى وهي في كامل «فتوّتها» الآن، العضلية والروحية. هذا في سياق الكتابة الأدبية الصرفة ضمن التصريفات القارّة لعملية الإبداع. ما يعني استثناءنا طبعاً لأشكال الكتابة الأخرى، لا سيما تلك الفكرية التي يخوض في غمارها منذ سنين، ونعني تحديداً استثناء من كل ما صدر له، مطارحته الدؤوبة في سياقات «الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية» التي يصدر له فيها جزء رابع قريباً. في روايتيه الجديدتين اللتين صدرتا من بيروت عن مؤسسة الانتشار العربي يستأنف خليفة رحلته في غواية السرد لكن على جبهتين مختلفتين. الأولى تتصل بكتابة الرواية التاريخية، التي يكاد يكون متفرداً فيها، حيث يمكن عده الوحيد الذي يعمل أدواته الكتابية ضمن هذا الباب، وهو ما يمكن أن يمثله صدور رواية «محمد ثائراً». ولا بأس هنا من التذكير بأن الرواية تأتي في سياق مشروع ممتد للكاتب بدأه منذ العام 2004 مع إصداره «رأس الحسين» التي استعاد فيها سيرة الحسين بن علي بن أبي طالب(ع). سرعان ما أتبعها بـ 3 روايات متصلة ضمن حقل الرواية التاريخية، وقد وضعت في سياق حيوات ثلاثة من صحابة النبي محمد، وهي على التوالي: «عمر بن الخطاب شهيداً» 2007 و«عثمان بن عفان شهيداً» 2008 و«علي بن أبي طالب شهيداً» .2008 . وقد لاقى مشروع خليفة بصدد الرواية التاريخية من الحيف، الشيء الكثير، خصوصاً مع تعرض غير رواية له وضعت في هذا الإطار للمصادرة من قبل الرقابة. فيما شكل صدور روايته الجديدة «محمد ثائراً» استثناء القاعدة. وهي رواية راهن عليها الكاتب كثيراً و«لعلها الأصعب» مثلما عبر المؤلف في حديث سابق مع محرر «الوقت». خصوصاً مع مجيئها في سياق «عبقرية» شخصية فذة، يأتلف داخلها التاريخ مع التقديس، سواء بسواء. في ذات الوقت الذي يمثل البحث عن هوامش التجلي البشري لها – أي التاريخي خارج سطوة التقديس – واحدة من المعالجات السردية التي يعكف عليها المؤلف. وعلى ذلك يمكن أن نقرأ نعت المؤلف لها في ظهر الغلاف بأنها «رواية محمد الإنسان». في الجبهة الثانية، تأتي رواية «ذهب مع النفط» التي هي بحسب المؤلف نفسه «رواية واقعية كابوسية ساخرة». الشيء الذي يمكن أن يصله بمراحل تجربته السابقة التي عبر فيها من خلال نحو 11 رواية، آخرها كانت «التماثيل» التي صدرت العام ,2007 عن انحياز متواتر للمذهب الواقعي، الذي شكل واحداً من محاور الاختلاف مع بقية أبناء جيله فيما أسميناه في المستهلّ «المأثرة السبعينية». لذا فهو يواصل التعبير عن هذا الاختلاف لكن بـ«خلاف أقلّ وإنتاج أكثر»، مشكلاً مناعة «عملانية» ضد كل أشكال «الجاذبية» التي وفرتها مذاهب التجريب والحداثة وما حذا حذوهما. كما عبر فيها ثانياً، عن وصال حميم مع مضمون أثير ظل ساطياً على جل أعماله، منذ «اللآلئ» و«القرصان والمدينة» و«الهيرات»، وما تلاها لغاية هذه الساعة، ألا وهو الانحياز للفئات الفقيرة والمهيمن عليها في «جدلها» وصراعها المحموم مع القوة والثروة. على ذلك وجدناه يقول «هذه الرواية، الفرد الوحيد حين يسحق، يداس كحشرة» في ذات الوقت الذي يكون فيه «النفط يملأ البلد، ويصير بحراً ويبتلع البشر والأرض». هذا وستصدر للمؤلف قريباً روايتان جديدتان في هذا الإطار تحت اسم «ثمن الروح». و«حورية البحر»، إضافة إلى مجموعة قصصية بعنوان «إنهم يهزون الأرض!». أرأيتم؟ عبدالله خليفة لم يتعب بعد، يجب ألا يتعب. كتب حسين مرهون
«ابنُ السيد» هي رواية أدبية صدرت عام 2016 للكاتب والروائي البحريني الراحل عبدالله خليفة.عاد إلى وطنه بعد غربة، فقد أوراقه في الرحلة، يتذكر حياته اليومية في بلد الغربة، وتبدأ معاناته في بلده بدون أوراق ومع غياب الأصدقاء ومع الضياع، والكوابيس التي تلاحقه، لكنه يبدأ رحلته لإستعادة نفسه، لفهم مصيره، للعودة إلى أبيه وميراثه بدون تخلِّ…
General articles The roots of capitalism in the Arabs Abdullah_Khalifa The_Qarmatians .. Historical Roots Abdullah_Khalifa : Domesticated Creatures Abdullah_Khalifa : What is the rope of God? Abdullah_Khalifa : Our simple, humble man Abdullah_Khalifa : Iran between siege and heritage Abdullah_Khalifa : The Russian State and Dictatorship Abdullah Khalifa: Dance and its social implications Abdullah_Khalifa : My throat is filled with fire for my homeland Abdullah_Khalifa Farewell, friend of jasmine…
اليوم 10/21/ الذكرى لــ 11 لوفاة عبـــــــدالله خلـــــــيفة في رسالة بعثتها الى موقع عبـــــــدالله خلــــــــيفة مرحبا أنا كريستين هانا، مؤلفة كتاب «النساء»، و«العظيم وحده» و«العندليب» وأكثر من عشرين رواية أخرى تستكشف الحب والشجاعة ومرونة الروح البشرية. بدأت رحلتي في الكتابة قبل وقت طويل من أي قوائم من أكثر الكتب مبيعا أو تعديلات للأفلام. بدأ الأمر…
في البدء يكون الألم، والألم هو الذي يبقى في الذاكرة، والذاكرة وعاء الفن . . والرواية وعاء المجتمع ولذا فالرواية هي فن المجتمع، وهل بغير النضوج الاجتماعي تتشكل الفنون الاجتماعية! وكيف يكون الميلاد طبيعيا . . في حينه ووقته، إذا لم يكن النمو هكذا طبيعيا . . وإلا فليس صعبا ان نفهم ما الإجهاض! حين تعلن الرواية عن ميلادها نستطيع ان نقدر ان المجتمع قد استكمل من التعقيد مدى، ومن التناقضات أو التوافقات ما أباح الميلاد الطبيعي . . والزمن قيمة من قيم التعقيد والتطور، وفي الخليج، مجتمع يختزن منذ جذوره البعيدة إمكانات الفن الروائي . . لكن الانتظار كان ضرورة للنمو، لأن الأشياء لا تفقد منطقها وإن فعلت فإلى حين، تعود الى الاتزان، وهي إذ تتطور داخل قوانين منطقها الذاتي تصل الى «الكتلة الحرجة»، حيث تصبح إمكانات التفجر الذهني والفني والعقلي، ولعل الخليج، يملك خصوصية لا يدانيها مجتمع آخر، فالانقلاب الاقتصادي الذي أصابه . . كان بسرعة مذهلة، فانتصب الاقتصاد عملاقا فوق أرضية مختلفة . . هي امتداد لعصر البحر والغوص . . لم تملك الفرصة الكافية لتتحول استجابة أو تمهيدا لعصر النفط فكان هناك انكسار . . والانكسار في الاقتصاد ممكن . . لكنه في الانسان مستحيل، فانثنى انسان الخليج، جسمه وذهنه في أوج النفط، بما استتبع من تغييرات اجتماعية سريعة، وروحه مازالت في البحر . . ولغته الانفعالية الصادقة مشتقة من زمان الحزن . . وفي زمان الفرح . . تبدو لغة الحزن غريبة . . لكنها تكتسب التحديد . . والإبعاد . . هذا الفتق الحاد . . جعلنا نقف أمام مواجهة شيئين غريبين . . حزن صار ذكرى، لكنها ذكرى تجذرت في العمق، وفرح صار واقعا أو هو يصير . . إلى حد بعيد . . والحزن هو مفجر الابداع كله، لكن التعبير كان محددا . . بل كان قاصرا . . وحين جاء عصر التعبير، واللغة البينة، كان الحاضر مكتنزا بحياة جديدة . . فلا الذين كانوا يعانون عثروا على لغتهم داخل المعاناة ولا الذين يمكنهم العثور على اللغة يعانون . . فصارت بعض الفنون لذلك مشاريع مؤجلة . . عن وعي . . الى أن يجئ زمن . . تتوحد فيه اللغة مع شكل وحدة المعاناة . . أو تصبح اللغة فيه في محاذاة المعاناة . . وحين كان التعبير يفرض نفسه . . أحيانا . . كان فرديا وذاتيا . . ينحصر في زمان ومكان متعامدين متقاطعين، فاقداً للامتداد . . ولا أدري هل هذا يكفي أن يفسر لنا سبق الشعر للقصة . . وسبق القصة للرواية؟! وازدهر الشعر وازدهرت القصة القصيرة . . لأن كلا الفنين فن اللحظة، وفن التفجير الذاتي . . فن الفرد . . والفرد موجود دائما، قادر على استبطان علاقات ما داخله، متفاعل مع اللحظة الخارجية، واللحظة بطبيعتها لا تمتد . . هي لحظة، اذا تفجرت كانت القصيدة، أو كانت القصة القصيرة إذا مازجها شيء من الزمن، لكن الخروج من اللحظة الى الزمان الممتد . . ومن البسيط الى المركب، ومن الحدس الى الحدث، ومن النقطة إلى الخط يتطلب تركيبا اجتماعيا وثقافيا وحضاريا، يكون شرطا سابقا أو كالسابق لفن أكثر بقاء، لأنه أكثر وقوعا أو أكثر إيهاما بالوقوع. هذا كله . . قد يساعد على تفسير بسيط: لماذا لم تولد الرواية في الخليج بشكل يساير الشعر أو القصة القصيرة؟ مسألة تحتاج الى استقصاء ليس سهلا وأقصد بالرواية، الرواية الخليجية التي تنسج بالحياة الخليجية أو بجوانب من هذه الحياة، بحيث ترقى الرواية لتكون وثيقة، لا مجرد أن تكون ولدت في الخليج . . وإلا كنا سنقول إن روايات إسماعيل فهد إسماعيل خليجية، لمجرد انها ولدت في الكويت . . وهذا جانب آخر تماما . . لأنها ليست كذلك رغم شهادة ميلادها هل يحق لنا أن نقول أن «الشياح» رواية خليجية؟!! الجواب يقع في السؤال! لكننا نستطيع أن نبرز «شاهنده» كأول رواية خليجية، تحمل نسغا خليجيا، فيها شيء من لون وطعم وأخلاق وممارسات . . وحياة الخليج في فترة من الفترات . . وهذا هو نجاح راشد عبدالله . . بينما قصر عن ذلك ــ من ناحية خليجية ــ محمد عبدالملك في «الجذوة» فالجذوة ليست رواية خليجية . . وإن كانت مولودة في الخليج، وأحداثها ربما كلها وقعت في مكان ما من الخليج . . لكنها لا تعطي ملمحا واحدا يخص الخليج دون غيره . . فهي وثيقة إنسانية . . وليست وثيقة خليجية . . وذلك لا يقلل من قيمتها . . ولكنه يخرجها من نطاق التعريف السابق . . ونقترب الآن من «اللآلئ» التي كتبها عبدالله خليفة . . وهي واحدة من عدة روايات ولدت في هذا العام . . وللكاتب رواية أخرى ولدت مع اللآلئ . . فقد دفع روايتين في آن واحد وفي زمان كهذا . . صارت فيه صعوبة الطباعة عقبة عسيرة لا بد أن يختل منطق الحمل والميلاد.* نلتقي برواية «اللآلئ» . . وللوهلة الأولى لا بد أن نتوجس ونحن نتناول رواية اللآلئ . . لأن كتاب القصة القصيرة حين يلجون عالم الرواية . . ينسون أحيانا أن يغيروا أدواتهم . . فيجئ النتاج الجديد . . مختلفا من وجهة كمية . . لا فنية . . وهذا ليس قاعدة بطبيعة الحال . . لكنه احتراز، ومجرد سوء ظن مشروع، يضاف الى تلك الحالة العامة . . توجس آخر . . هو لو أن عبدالله خليفة . . حمل الى روايته كل عيوب مجموعته القصصية «لحن الشتاء» فإن ذلك سيكون سبب توجس آخر لا يبعث على الطمأنينة . . مجرد سوء ظن مشروع . . ومحملا بكل هذه الظنون السيئة . . دخلت عالم اللآلئ . . وأريد أن أسجل أول حكم . . وهو حكم لا يحتاج الى تبرير ولا الى حيثيات . . فحين تبصر طائرة محلقة . . وتقول هذه طائرة . . فانك تستند في ذلك على مفهوم للطائرة استقر لا يختلف عليه اثنان . . وحين تبصر في صحيفة قصيدة ستدرك طبقا لما استقر من مفهوم الشعر . . انها قصيدة لا يختلف اثنان . . لكن الخلاف سيكون على أمور أخرى في القصيدة أو في الطائرة . . لأن الجوانب متعددة ومختلفة . . أقول بعد أول قراءة لرواية «اللآلئ» أنه . . وحسب المفهوم الذي استقر في الأدب العربي وحتى الآداب الأجنبية . . وبدون تبرير أو تفسير أو حيثيات . . أن اللآلئ «رواية» . . وهذا الحكم نفسه هو مبرر دراستها على أنها رواية . . وإلا لكان التوقف أفضل. وقبل أن نتحدث عن اللآلئ . . علينا أن نذكر المقولة التي تفيد: حين تبدأ احدى اليدين بتسجيل نبضات الحروف، فان الأخرى تتحسس الجرح . . من هنا يبدأ الفن . الزمان: قبل عصر النفط . . أي عصر البحر . . عصر الغوص . . والغوص هو ملحمة انسان الخليج . . انه المغامرة . . الحب . . الحقد . . الموت . . الحياة . . الظلم . . العدل . . القوة الإنسانية والضعف، حيث الإنسان اقوى ما يكون وأضعف ما يكون . . جبار حيا . . وجيفة ميتا . . وبين الجبروت والجيف، هو خزين من الألم والذكرى والأشواق . . والضياع والانكفاء . . أو التملك والجشع . . من هذه الملحمة اجتزأ لنا الراوي مقطعا ذا دلالة ما، مستكمل العناصر، المحور يدور حوله تدور الأحداث . . نوخذة طاغية . . حازم . . بيده الأمر والنهي، وهل كان النواخذة غير ذلك؟! مع تشكيلة من البحارة، مستسلمين حانقين . . وهل كان البحار غير ذلك؟! . . غواصون . . وسيوب وشباب . . حياة كاملة، فيهم الصبي والكهل والشيخ الهرم، فيهم العربيد وفيهم المتدين، لكل منهم فلسفة خاصة يعيش الحياة بها، بكل ما في الحياة من حقائق وما في الحياة من وقائع . . وحدتهم السفينة . . ووحدتهم رحلة غوص وفرقتهم الجذور . . ومزقتهم الأشواق . . كل منهم جاء من أسرة مختلفة عن الأخرى . . لكل منهم حياة جوانية خاصة به . . اشواقهم، الحياة التي يحلمون بها . . كل شيء بينهم مختلف . . يحلمون فوق هذه السفينة كل تناقضاتهم الإنسانية، التي يدفنونها مؤقتا من أجل هذا العمل الذي يبدو مشتركا . . تناقضات صغيرة تذوب في التناقض الأكبر، تناقضهم الأكبر الآن مع النوخذة، المتسلط المستخف بكل الإنسانية، يحلم بالثروة . . باللؤلؤ . . بالجاه وهذا شأن الربابنة ايام اللؤلؤ . . ان محمد سرحان نمط لكل النواخذة، وفي مواجهته نماذج مستلبة، تكاد تلقاهم فوق كل سفينة، مطر الغواص الذي انفجرت أذنه ثم انفجر رأسه من الغوص ولم يرحمه النوخذة . . وتركه يغوص ثم يموت . . مطر حلم أبيه في الحياة . . وأبوه إمام مسجد أعمى . . يبصر بالعصا . . في طريقه ليؤذن للصلاة . . ناصر . . بحار آخر فيه بعض البلاهة أو هكذا يراه النوخذة . . له زوجة جميلة . . ربما كانت تخونه مع البقال . . علي بحار قليل الكلام . . شديد الإحساس بالفجيعة. صبي صغير معهم . . طفل يتدرب على الرجولة . . يبكي ليلا . . موسى . . رجل متدين . . سلطان . . وغيرهم وغيرهم . . كانوا أنغاما حزينة في السمفونية المفجعة، تحت وطأة النوخذة يجترون مشاعرهم المشتركة، وعلاقات تبدو حميمة . . كانوا يتعذبون مرتين. النوخذة . . اللؤلؤ . . وجهان . . لشيء واحد بريق اللؤلؤ لا يقاوم . . ووسط أشواق العودة وتحفزهم «وحين غادرت العناكب الخشبية المنطقة» أراد النوخذة محمد سرحان أن يبقى على سفينته أياما أخرى . . طمعا في مزيد من اللؤلؤ . . رغم الحاح البحارة في العودة لكن . . حدث انكسار قلب كل موازين النوخذة والبحارة . . وهنا يبدأ الجزء الأكثر درامية والأكثر تراجيدية في الرواية . . العاصفة تضرب السفينة . . يغيرون اتجاههم لتفاديها يسيرون في اتجاه بر قريب . . تتحطم السفينة فوق صخرة ضخمة . . تسحبهم الأمواج إلى الصحراء . . شديدة القسوة . . يفقدون بعض الرجال . . ويفقدون الصبي. في البحر . . الصحراء . . تتغير معطيات كثيرة في الصراع، تتغير مراكز التناقض . . يصيرون جميعا في تناقض رهيب مع القدر القاسي، الوضع الذي استجد . . هذا التناقض يغطي أحيانا التناقضات الصغيرة والتناقضات السابقة، تختفي مؤقتا ولكن . . لا تنتهي فهي تظهر من حين الى آخر. «يلتفتون إليك . . يصغون . . ينمو الحماس في اتجاه مغاير، قريب إليهم كأنك منهم! بينهم تدخل، عيونهم معك، ينبضون في اللقاء . . مبهج أن تكون منهم ولكن هل أنت منهم . . ». هذا هو الوضع الجديد . . إحساس النوخذة كأنه منهم ولو مؤقتا، لكن هل هو عمليا منهم؟! «انهم يفهمونني الآن جيدا لست النوخذة القديم، أنا صديق لكم، بل أنا منكم، اختاروا شخصا غيري لقيادتكم» هذه التحولات في طبيعة الصراع أمام الخطر الأكبر. ويشح الماء، ويموت حمد من العطش، بينما كان الماء معهم، كانوا يتوجسون من بعضهم، ومع ذلك هم يواجهون الخطر، وبين الحين والحين تنشأ بينهم المواجهة، وحتى انهم في لحظة ضربوا النوخذة وسلبوا منه اللآلئ، التي احتال للاحتفاظ بها في حزامه، وكانت هي محور الصراع الخفي بين الجميع، وحين تتأزم الرحلة، يقعون في أيدي مجموعة من البدو، يسلبونهم اللؤلؤ . . ويساعدونهم على استئجار سفينة تعود بهم. كان من الممكن أن تبقى الرواية مجرد أحداث في بحر وسفينة وصحراء . . ومجموعة من الأشخاص اختلفت أدوارهم، لكن الروائي نجح في أن يجعل الرواية ذات زخم اجتماعي، لأنه لم يغفل جذور الأبطال، بل احتفى بشكل رئيسي بالبعد الثالث لشخصيات الرواية، هذا البعد الذي ينطوي على الحياة الجوانية للشخصيات، في واقعها النفسي من جهة وفي ارتباطها الاجتماعي من جهة أخرى، ورغم أن الأحداث تقع في البحر والصحراء، إلا أن المجتمع ذاته كان حاضرا مؤثرا كذلك . . ومن خلال التقنية التي اعتمدها، وهي رصد الحياة النفسية للأبطال بالوسائل الموصولة بهذا العالم الخفي، فكان الابطال يتنقلون من البحر الى البحر من خلال تيار الوعي أو الحلم أو المونولوج الداخلي، أو الحوار . . وهذا وضع اللوحة في مكانها الصحيح من حيث أنه بسط تحت أقدام شخوصها أرضية اجتماعية من الضروري الإلمام بها، ومن الضروري التعرف عليها، حيث يواجهنا شخوص نمطيون في البحر، لكن نموهم الحقيقي يجئ من تجذرهم في البحر، وانتماء كل منهم الى فئة من الناس . . هم أسرته، التي تعاني قضاياها الخاصة بها . . لقد استطاع من خلال الانتماء الى البحر أن يقدم لنا النوخذة، الذي تعلم التسلط من أبيه، الذي كانت له سطوة، يتدخل في صنع حياة ابنه بشكل لا يقبل المناقشة، حتى أنه يتدخل في زواج ابنه وفي معنى هذا الزواج . . وكذلك دور الأم وموقعها في هذا المجتمع المتعالي. «يجب أن تصبح ما أريد أنا . . أنا الذي أحدد لك ماذا تعمل ومن تتزوج». حتى ان هناك لقطات تنال بعض الفكر الاجتماعي، وتفسير الكثيرين للأحداث بشكل لاهوتي، وهو التفسير الذي يجعل لكل مصيبة عقوبة سماوية على مخالفة من المخالفات «لا بد اننا سيئون جدا وإلا لما القانا في هذه الأرض القاحلة، وسلط علينا عذابه». الى الشطآن نقلنا الراوي حيث البحر قد شكل الحياة الاجتماعية ببعض التقاليد والطقوس التي كانت ترافق الغواصين في خروجهم وفي غيابهم . . الزغاريد في الحناجر والمشموم في الرقاب، لسنا أمام مجموعة يطعنها البحر، بل نحن أمام امتداد اجتماعي، وارتباطات هناك فوق السيف . . وفي البيوت . . هذا هو واحد من أسباب عذاب البحارة وهم يضيعون في هذا التيه حتى مات من مات منهم، سيبلغ أهله مصيره، هذه الفئة من الناس التي صار البحر قدرها . . تحبه وتكرهه في آن . . بناء الرواية : لأن عبدالله خليفة يكتب الرواية لأول مرة، ولكنه لا يكتب القصة لأول مرة . . كان المتوقع أن يبدأ بداية تقليدية، لكنه لم يفعل وتجاوز البدايات التقليدية الى بناء أكثر تطورا وأكثر تعقيدا، حيث انه ربما استنفد التجريب في قصصه القصيرة، وابتدأ وتجاوز البدء . . انه يقدم لنا رواية ذات تقنية متطورة . . ومتقدمة . . ومسيطر عليها إلا قليلا. اللعبة الروائية . . لعبة البناء . . هي أكثر الجوانب صعوبة في العمل الروائي، ولعل الوحدة الزمانية والوحدة المكانية في جانب والوحدة النفسية في جانب آخر هي المحك الأكثر الذي ينجح فيه الروائي أو يفشل. لقد نجح عبدالله خليفة في تجاوز هذه المفارقة، وأحكم قبضته على الرواية في معظم أوقاتها معتمدا على الوحدة النفسية، مستخدما لذلك الأدوات التي تخدم هذه التقنية. تيار الوعي، الحلم، المونولوج، الحوار . . هي تقنيات إذا أحكم الروائي السيطرة عليها فإنها تعطي للرواية بعدا سيكولوجيا. إن البراعة في التقاط التيارات الحقيقية في النفس الإنسانية في مواجهة المواقف المعلنة، تضعنا أمام شخوص تعيش حياتين في آن واحد . . الحياة الخارجية وحياة داخلية هي المؤشر للانفعال الإنساني وللموقف، هي أصدق وأقرب الى الحقيقة النفسية من تلك الخارجية، ولكنها تبقى في الظلام، وتظهر في مناسبات نفسية مختلفة. ولأن الرواية هي التاريخ الوجداني للمجتمع، تحمل زخمه الحقيقي، من خلال ما يتفجر داخلها من إرهاصات وتحولات حتى لو بدت على شكل نبضات بسيطة، إلا أنها هي الحركة الاجتماعية في النهاية. منذ البدء نلتقي بالراوي يبادل في موقعين للكلام، الراوي نفسه والنوخذة، وبينهما يجري نقل الأحداث وتصويرها، من خلال ضمير المخاطب وضمير الغائب . . وضمير المتكلم، هذه أخرجت الرواية من تقنية السرد الى تقنية الرصد، من الموقف خارج الفعل الى الموقف داخل هذا الفعل، وهذا يجعل التقنية تقنية نفاذ الى العمق، وهذا أصدق وأقرب الى النفس الإنسانية بل إنه الاعتراف نفسه، إن رواية الاعترافات هي رواية النبض النفسي، تضع الأبطال في مجال الصدق من التوصيل ومن خلال الومضات الدالة السريعة تتفتح الآفاق الكبرى للمتابع، انها اللقطات المتداخلة. ولقد نجحت الرواية في ايصالنا الى حياة الأبطال الداخلية، وكيف كانت المواقف تظهر وتختفي حسب الظروف وأطراف الصراع، إن كان الخطاب . . أو التجريد . . تضبط الأحداث . . وتبتعد عن الفضفضة . . ولأمر كهذا كانت الرواية النفسية هي أنجح الروايات من حيث تصوير الحدث الذي لا يتطور في خيط وإنما تتطور المجموعة متداخلة. والحلم . . يربط الفرد بلا شعوره ويكشف التيار عن التناقض الرهيب في مواقف، الانسان واضطراره الى ذلك . . والمونولوج يكشف بعدين متداخلين . . وكان الحوار رشيقا مختصرا ذا دلالة هذا كله يحسب مع الرواية . . لكن . . لكن ماذا؟ من الوهلة الأولى نلتقي بلغة بلاغية البناء، من حيث تبادل العلاقات، وهذا البناء في الجملة اصبح ممجوجا في الشعر، فكيف في الرواية . . أن الانتفاع بطاقات اللغة أمر مطلوب، لكن الوصف الروائي يجب أن يعتمد على الدقة لا على التخيل البلاغي التقليدي الذي اهترأ من زمان بعيد. إن الرواية فن الحدث . . واللغة المتحركة هي التي تساعدنا على الاقتراب من الحدث . . وكلما اقتربنا من نبض الحدث كلما صار ذلك موحيا . . لكن التورم البلاغي فوق انه يصرفنا عن متابعة الحدث، إلا أنه يوقعنا في هذا الخيال الرومانسي الفظ. لننظر في هذه الجمل التي هي نموذج لمئات الجمل المنتشرة في الرواية، وهي التي تشكل بقعا فاتحة في هذا الجسم الجميل . . خيم سكون كهل فوق الماء./ زحفت جميع العناكب الخشبية نحو الغرب./ راح الماء يقاتلهم بسيوفه./ تكورت قبضة الموج./ خففت الريح من لهجتها الغاضبة./ الريح تطرق فؤوسها فوق الأحجار./ ننظر إلى منشار الريح./ كانت عيناه مفلوقتين بفأس الألم. وغير ذلك كثير من تراكيب لا تطيقها الفنون الروائية، بل حتى أشد الفنون التصاقا بها صار لا يحتملها. ثم إن بعض التجاوزات اللغوية التي لا تحتمها ضرورة، تصبح مرفوضة كقوله: «يتفطر بالحنظل ويتعشى بالتيزاب» ونلاحظ أن يتفطر تقابل يتعشى . . أي «يفطر» وفرق كبير بين يتفطر ويفطر. وأخيرا يمكننا أن نقول . . أن «اللآلئ» رواية ستذكر حين يجئ يوم يؤرخ فيه أحد مؤرخي الآدب للفن الروائي في الخليج العربي . . كواحدة من الروايات الناجحة. كتب : عبدالحميد المحادين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ رواية اللآلئ: كتبت في السجن سنة 1979 ونشرت في عام 1982. ــ رواية القرصان والمدينة: كتبت في السجن سنة 1980 ونشرت في عام 1982. من المؤكد ان لا توجد رفاهية في النشر! كتابات: العدد الثامن عشر ـ السنة الثامنة ـ 01 يناير 1982.
كتب : حسن داوود المصدر السفير التاريخ 1983 – 3 – 19
قارئ رواية «اللآلئ» لـ عبدالله خليفة لا يستطيع أن ينتزع الابطال من المحيط المكاني الذي يحتويهم . دائما يرى القارىء أبطال الرواية عن بعد من مسافة تفصله عنهم . فحين هم في البحر يراهم القارىء من عل. أولا يرى السفينة الهرمة، ثم يراهم على متنها نقاطا صغيرة. وحين تهب العاصفة العاتية وتحطم السفينة وترميهم في الصحراء، نراهم ضائعين في مساحات من الرمال لا تنتهي ايضا في الصحراء هم بقع صغيرة ، ويراهم القارىء من عل. وحين يتحركون أو يتكلمون أو يجري بينهم حدث فكأنما الكاميرا السينمائية هبطت من علو شاهق واقتربت من رجلين يتحاوران لكن تقف الكاميرا في مكان تحرص منه أن تظهر الرمال المترامية في خلفية الصورة . هنا تختلف الصحراء عن تلك التي قدمها غسان كنفاني في روايته «ما تبقى لكم» (التي تأثر في كتابتها برواية الصخب والعنف لفوكنر). في غسان كنفاني الصحراء مكان لا يلبث أن يتحول إلى بقعة رمل صغيرة حين يتواجه البطل ونده الاسرائيلي. وفي لحظات الترقب الحاسم بينهما يبدو وجه الفلسطيني مستديراً وكبيراً. وجهان يتربصان أو يتحاوران لكنهما يطغيان على المكان ويلغيانه. في رواية عبدالله خليفة لا تتسع الوجوه لتشمل محيط الكتابة كله. تبقى دائماً اشياء في المكان ، صغيرة ، وكل ما تفعله يدل على سطوة الصحراء وطباعها حين يتنازع الابطال الهاربون، حين يقتتلون ويتحاسدون وتبلغ بينهم غرائز التملك ذروتها ، فإنما يكون ذلك دليلا على التأثير الذي تحدثه الشمس اللاهبة وفقدان الماء في الشجر. ابطال الرواية، حين يتحركون. فكأنهم يخرجون من الصحراء طبائعها المختبئة ، يعطون للمكان بعده البشري . هم كائنات صحراوية لذلك لا تنفصل اقدامهم عن الرمل ووجوههم عن الشمس ، ولا يتنازعون إلا كمجموعة مشبعة الغرائز. مجموعة ليس في الإطار المكاني المترامي ما يدل على أثر مما أثار الاتفاق أو التآلف. كل مشهد ترسمه الرواية كبير ومتسع البحر . الصحراء ، والأبطال لا يتعثرون بل يموتون، لا ينمو بينهم الحوار بل يشج واحدهم رأس آخر فيتدفق الدم احمر غزيراً ويبطل أي فاعلية لاحتمل كلام افعل البشر الضائعون في الصحراء متلائمة مع الاتساع الخرافي للبحر والصحراء من حولهم ولا يتم التعبير عن هذا التلاؤم بالقتل وحده ، بل بإزالة كل أشكال العلاقة الموروثة بين الرجال الضائعين . في قلب الصحراء وفي مرحلة شديدة من عطش الرجال وضياعهم لا يعود أمر «النوخذا» ( وهو قائد سفينة صيد اللؤلؤ وصاحبها) مطاعاً، لا تعود رغباته مستجابة ، ولا تحفظ مكانته الاصلية، المستمدة اصلاً من اليابسة وليس من البحر . في قلب الصحراء والضياع، يتعرى «النوخذا» من صفاته ومرتبته ويصبح جسدا صرفا ، رجلا مثل الآخرين، ينساق معهم كواحد بينهم . في آخر الرواية، ولا يعود شيئا مختلفا عنهم . حين يكتب عبدالله خليفة عن المكان الشاسع والقاسي، عن البحر والصحراء، عن أمكنة لم يغيرها التاريخ بل بقيت هي نفسها على مداره . حين يكتب عبدالله خليفة عن ذلك كله فإنما يكون ينقل هذه الامكنة الى مجال الكتابة ويجعلها أدبية شرط ذلك، شرط أن يصف الكاتب سفينة عتيق خربة فيها طبائع البشر ، أن يعيش الكاتب حنيناً الى سفينة لم تعد موجودة شرط أن يحضر المكان سيدا طاغيا ، هو ان يبتعد البشر الصيادون والضائعون عن البحر والصحراء. عبدالله خليفة يتذكر زمناً وأمكنة. ينتابه حنين إلى ما لم يعد موجوداً. إلى بشر باتوا وكأنهم من ماض سحيق بينما بعضهم ما زال حياً ويستطيع ان بسرد بالتفاصيل حكاية يعتبرها الجيل الذي أتى بعده ذكرى شديدة البعد. يستطيع صيد اللؤلؤ في البحرين الكهل الذي ما زال حيا ، أن يتذكر وجوه الصيادين والخشب الواقعي الذي صنعت منه صارية السفينة . ويستطيع ايضاً أن يستعيد حشرة صغيرة كانت قد ملأت عينيه وهو يحدق فيها في الصحراء المترامية . الراوي عبدالله خليفة لا يفعل ذلك. بل ينقل اشياء تلك الحياة وملامحها الى حيز الأدب . وفي الأدب ، لا يعود يظهر من المكان إلا خاصية طاغية ، ومن حركة البشر إلا ما ينبىء بالمصير. نوع خاص من الادب، او نوع خاص من الرواية تجعل المجرى الذي تنتظم فيه الأشياء والأحداث وكأنه يسير بقوة التذكر. التذكر الذي هو خالق الأنساق لأنه يوحد بين أشياء متآلفة ، معتمداً في ذلك على الزمن الواحد الذي يخترقها معاً. عبدالله خليفة شاعر وروائي . يظهر هذا من لغة الرواية أيضاً. حيث لا وجود للكلام السردي الذي يحاول أن يكون صورة عاكسة للحدث لا يسعى إلى أن يغير في نبرة اللغة ودلالاتها تبعاً لتدرج موضوعه بين الوطن والحوار والحدث . اللغة هي واحدة . وحين تنقل قتالا بين رجلين تاخذ الارتخاء نفسه الذي تأخذه حين يصف الراوي الجبل العالي البعيد . اللغة كانها تحوم فوق ما يجري ولا تهبط إليه. قارئ الرواية سيبذل جهداً ، أو سيقرأ المقطع مرة ثانية حين يتبين في نهايته أنه يدور حول حدث وليس حول وصف هنا لا تجهد اللغة . لا تتوتر أو تنبسط أو تتسارع تبعاً لنوعية الموضوع واهميته بين المواضيع الأخرى لا تكشف اللغة عن فعل القتل كأنها تكشف عن سر أو عن كنز حدثي. حين يجد الرجال علي مقتولاً فإنما يقال هذا ببساطة وفي السياق الطبيعي كان فعل القتل حدث عابر أو حلقة من حلقات الكلام . «بدأ رجل يجلدك ماذا بقي فيك ؟ تكلم ، تكلم ، ماذا أعطاك أولئك الأوباش ؟ اهانوك ، بصقوا في وجهك ، تركوك وتبعوا آخرين . تكلم لترجع إلى أهلك حتى بلا لؤلؤة واحدة اتكلم ! سيجدونها، الان يفتشون خالداً ، هو الذي سرقها وداسك فانتقم منه…». هذا المقطع يبدو وكأنه فاصل من مناجاة ، سيناريو من حدث متخيل ، أو استعادة لحدث ماض بصيغة التذكر. هذا ما يعتقده القارئ . لكن ، في الرواية ، هذا المقطع هو ذروة التوتر في البناء الروائي، ويعبر عن اللحظة الأكثر خطراً وتعقداً في الرواية . القارىء يحسب غالباً أن الراوي استعمل هذه الصيغة للخروج من الحدث الذي ينتمي الى المضارع. بينما في الرواية هذه تحضر الأزمنة الثلاثة في نسيج واحد . لا يأبه الكاتب لأن يوحد الاشياء في مجرى زمني واحد . ربما لأن الحدث ليس المهم بالنسبة له، بل مصدره والمحيط الذي يولده . وهنا أيضاً نعود الى الأبطال الذين لا يشاهدون إلا عن بعد ، من عل، كأنهم في الصحراء ، نقاط حين يتبعثرون ، وخيط دقيق على رمال الصحراء المترامية ، حين يسيرون إلى الهدف الذي لا يعرفون عنه شيئاً.
إسم الكاتب حسن داوود المصدر السفير التاريخ 1983 – 3 – 19 الموضوع القصة العربية
تعتبر الرواية في البحرين حديثة العهد في الساحة الأدبية بالقياس إلى بقية الأشكال الأدبية الأخرى المتواجدة معها على نفس الساحة . إذ أن الكم الروائي الذي صدر حتى الآن لا يتجاوز عدد أصابع اليد ، مما يطي انطباعاً على قلة عدد المبدعين الذذي دخلوا هذا المجال . ويعود هذا التأخر في ممارسة الإبداع الروائي عند أدباء البحرين إلى تأخر المجتمع البحريني في الانفتاح على مظاهر الحياة العصرية وعلى الأشكال الثقافية الحديثة . وقد نشط الإبداع الروائي في مطلع الثمانينيات في هذه المنطقة من العالم العربي . إذ لم تكن الساحة الأدبية في البحرين قبل هذا الوقت إلا مسرحاً لقصائد الشعر والقصة القصيرة والمقال النثري ، ولم تكن الوراية بزخمها المتشابك ونسيجها السردي المعروف ، وخصوصياتها في سبر أغوار العالم والحياة إلا مطمحاً غالياً للمبدعين في البحرين.
وكانت أول رواية بمعناها الفني تصدر في البحرين هي رواية (الجذوة) لمحمد عبدالملك عام 1981 ، تتابعت على أثرها روايات (اللآلئ) عام 1982، و(القرصان والمدينة)عام 1982، و(الهيرات) عام 1983 لعبدالله خليفة . كما صدرت رواية أمين صالح (أغنية أ . ص الأولى ) عام 1982 ورواية (الحصار) لفوزية رشيد. ويمثل إنتاج عبدالله خليفة القسم الأكبر في عدد الروايات التي صدرت في مسيرة الأدب البحريني . إذ تمثل رواياته الثلاث نصف عدد الروايات الصادرة تقريباً والتي تمثل البواكير الأولى لمحور الرواية في الأدب البحريني الحديث. وعالم عبدالله خليفة الإبداعي سواء ما ظهر في قصصه القصيرة أو في رواياته هو عالم البيئة الاجتماعية البحرينية بخوصياتها ومتغيراتها وتحوراتها . وبكل ما يكتنفُ جوانبها من هموم ترتبط بالبحر والسواحل وحياة الصيد والغوص لاستخراج اللؤلؤ وتجارته . وكذا بكل ما طرأ على بينتها الأساسية من متغيرات ملحة خاصة بعد ظهور النفط في أرضها ودخول عالم التقنية والمال وغزو العمالة الآسيوية وما صاحبها من تطورات على البنية الأساسية للبيئة البحرينية ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً. والتعبير عن الواقع هو الهم الأول للشكل الروائي سواءً كان لواقع بيئياً ينبعُ من صلب البيئة وما يطرأ عليها من تغير نتيجة للانجازات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة التي تحدث في بينها للمجتمع كما حدث في بيئة البحرين بصفة خاصة والخليجية بصفةٍ عامة . كما أن الواقع النفسي الذي تضطلع به الرواية في الأعمال التي تتميز بهذا اللون من الكتابة ، والذي تحشدُ له من الشخصيات التي تفرز من همومها وطموحاتها واقعاً نفسياً يمثلُ هو الآخر واقعاً اجتماعياً له خصوصيته. وقد كانت البدايات الأولى للرواية في البحرين متأثرة تأثراً كبيراً بهذا الواقع خاصة إن المؤثرات التي تمورُ بها الساحة الأدبية في العالم الغربي والعالم العربي كانت تجد لها صدى في هذه البدايات ، وكان المضمون العام لهذه الروايات ينسحب في إسقاطاته على الواقع الاجتماعي الذي تعيشه المنطقة. ولعل فكرة الربط بين الشكل والمضمون في الأعمال الروائية البحرينية من ناحية أ،ها تتناول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في هذا المجتمع والمشكلات الناجمة عنه جعل رواد الرواية في البحرين يحتفون بالأشكال الواقعية التي تعبر عن مدلول البيئة وما يصاحب ذلك من تعبير عن النقد الاجتماعي والتمرد ضد مظاهر التسلط و(الفقر) والقمع، وهي سمة احتفى بها رواد الرواية في العالم كله حينما بدأت الأشكال الروائية تأخذ طريقها إلى الظهور ، وكان التعبير عن الواقع هو الهم الأول لدى معظم من كتبوا الرواية في بداياتها الأولى في كل مرة . وكلنا نذكر أعمال ديستويفسكي وجوجول وتولستوي في روسيا ، وبلزاك وستاندال وفلوبير وزولا في فرنسا وديكنز وتوماس هاردي وسمرست موم في انجلترا . فقد كانت كتاباتهم الروائية جميعها تنبع من بيئتهم الخاصة وتعبر عن هموم ومآسي مجتمعاتهم ، وتجسد المشكلات الذاتية ، والهم النفسي ، وتأزمات العصر ، والواقع على المستوى العام والخاص على السواء. كما أن الرواية العربية هي الأخرى عندما بدأت طريقها في دروب الساحة الأدبية ، كان الاتكاء على الموضوعات المستمدة من البيئة هو أهم موضوعاتها ، نجد ذلك في رواية (زينب) للدكتور هيكل ، وأعمال نجيب محفوظ ، وحنا مينا ، ومحمود المسعدي ، ومحمود أحمد السيد ، والطيب صالح وغيرهم. ولعل الروائي البحريني عبدالله خليفة وهو أهم روائيي البحرين حتى الآن ، وأحد الذين استمدوا أعمالهم من الواقع الاجتماعي لبيئته ، وأحد الذين عبروا بأعمالهم القصصية والروائية عن هموم المجتمع البحريني بكل خصوصياته . لعله يعتبر رائد الرواية البحرينة بجانب انه يتسمد خصوصيته في هذا المجال من احتفائه بصفة خاصة بعالم البحر والغوص وما يحيط ويتصلُ به من اعمال لها عبقها وتراثها وموروثها الاجتماعي الخاص . وفي حديث له عن تجربته القصصية والروائية قال : (لقد بدأت محاولات الكتابة القصصية منذ عام 1969 ، وقد نشرتُ عشرات القصص والمقالات الأدبية منذ تلك السنة ، ومنذ البداية كانت تسكنني هموم وطني وآماله ، وقد عبرتُ عنها حسب تجربتي الأدبية والفكرية ، حيث كنتُ اتوجه إلى الفكرة والحدث بوضوح وبلامواربة ، وقد حاولت استعياب فن القصة وبعد فترة رحتُ اتأمل التجربة بشكل أكثر عمقاً واستيعاباً ، كما أن حصلتُ على تجارب كثيرة ومختلفة حياتية ، استطعتُ من خلالها الاقتراب من الواقع بشكل أكثر حمييمة . ولهذا صارت القصص حسب رأيي أكثر اتساعاً وإحاطة بالحياة ، كما أن هذا الاتساع والإحاطة مهدا لعملية الكتابة الروائية ، فمنذ أن يحدد الكاتب شخصياته ، ويقومُ بتعميقها ، ويشكل فصولاً في قصته القصيرة ، حتى يبدأ في طريق الرواية . وقد كتبتُ قبل روايتي الأولى (اللآلىء) ثلاث روايات قصيرة لم أقم بنشرها ، كنتُ اتجه فيها إلى الغرابة واستحداث أجواء عجيبة ولكني مع الاهتمام بموضوعات شعبية أخذتُ اقترب من الرواية ، وبدأت ملامح الأشخاص في الظهور ، كما أخذ واقعهم الذي يعشون فيه بالتبلور شيئاً فشيئاً . قد دفعني هذا إلى محاولة السيطرة على الصراع الروائي ، ووحدته وعملية تطويره ). (اللآلى) ومظاهر القهر الاجتماعي تشكل رواية (اللآلئ) نغمة خاصة في اعمال عبدالله خليفة ، فهي الرواية الأوللى له ، وهي تعبرُ عن مجتمع البحر وصيد اللؤلؤ ، وما يكتنف هذا العالم من مخاطر الغوص ، والعلاقات التي تربط بين العاملين بالبحر ، وممارسات أصحاب السفن ، وجشعهم ، وتسلطهم ، ومظاهر القهر الاجتماعيي ، والتحكم الذي يفرضه (النواخذا) صاحب سفينة صيد اللؤلؤ على الرجال الذين يعملون على سفينته سواء كان ذلك في أعمال الصيد أم في تسيير دفة السفينة . ومن خلال الحدث الذي يتنامى ويتصاعد في الرواية من موت صائد اللؤلؤ (مطر) بعد إصرار النوخذا على معاودة نزوله الماء مرة أخرى ، ومحاولة الرجال المستميتة إقناع النوخذا بالاكتفاء بهذا الصيد الثمين ، مروراً بهذه الأم التي تدفعُ صغيرَها ليعمل في الغوص بدلاً من أبيه المكبل بديون النوخذا ، وكان البحر انتزع صياداً ماهراً للؤلؤ بعد رحلة حياتية شاقة ، فدفع له البر المتمثل في هذه الأم بالبدل (الصغير) ليجدد دم هذا العالم المتميز ، عالم الغوص العجيب المثير . ويصور الروائي عبدالله خليفة إصرار الأم على عمل إبنها في عالم الغوص ، غير مبالية بنظرات الرجال النهمة ، وبالمصير المجهول الذي ينتظر إبنها : (( فزعَ الصغير ، قام وعاد إلى مكانه . جاءت أمهُ وهي تجره وراءها . دخلت عليه في المجلس بين الرجال . ماذا تريد هذه المرأة ؟ ، تطلعوا إليها وإلى الصغير الذي اختفى وراء عباءتها . إن وجهها لم يزلْ جميلاً . وهذه عيناها وراء البرقع تنبئ بذلك . لم تزل تملك بعضَ الموارد حتى وزوجها مشلول)). وتبدأ رحلة الصيد والغوص وسط العواصف والأنواء والأمواج ، ويصور الكاتب معاناة الرجال وصراعهم ضد الطبيعة الثائرة . وكذا هذا الصراع للنوخذا وحرصه على لآلئه التي استخرجها من البحر . إنه لا يخاف الطبيعة بقدر ما يخاف ثورة البحارة عليه ، إنه لا يخاف هذه الأمواج التي تعلو كالجبال ، كما يخاف رجاله الذين يستغلهم أبشع استغلال ، ويعرض حياتهم للخطر والموت في سبيل لآلئه المزعومة : ((بحثَ عن حزامه ، ها هو ذا ، سكب السائل البلوري على قطعة مخنل ، تشعُ هذه اللآلئ كالنجوم . أدخلها في جيب منه . أحكم إغلاقه جيداً . بحث عن خنجرهِ فوجدهُ تحت وسادته . لأستعدَ جيداً . هؤلاء البحارة مستريحون في فقرهم ونومهم وموتهم . وأنا عليَّ أن أواجههم في يقظتهم وغضبهم )). وفي خضم هذه العواصف يفقد النوخذا الطفل الذي دفعته أمه إلى البحر ليتعلم فنونَ الغوص بدلاً من أبيه . لقد ارتطمتْ السفينة بصخرةٍ كبيرة . ولكنها الحقيقة اصطدمتْ بالواقع الأليم ، وبدأ الرجالُ رحلة المعاناة مع الطبيعة والصحراء والماء واللآلئ والموت : ((أين الرجال ؟ إنهم قطعٌ خشبية تطفو في محيطٍ صاخبٍ ضار فهل تستطيع إمساك جذوره ؟ أين الرجال وهم ينهارون في قبضة العملا ويتفتتون كرملٍ يابس ؟ تقدم إذا بغيت الهلاك . أين الرجال وهم يبحثون عن جحور يختبئون فيها ؟ الدفة قطعة خشب كعصا معلم أعمى . الرجالُ والدفة والظلام والظلام واللآلئ والموت بانفجار الرأس والمراقبة طوال النهار ، والركض حيث تولد اللؤلؤة ، والسياط على ظهور الرجال ، والدم الذي يتسربُ واهناً . . نقطة نقطة . وأكوام المحار . أين الرجال وأحلام الآلات والدخان والحدائق . تعال الآن ليخرس هذا الفم إلى الأبد ، تعالْ لتزرع عظامك فوق هذه الصخرة الشيطانية)). وتتحطم السفينة ولكن النوخذا يحتفظ بحزام اللآلئ وينتظر على الشاطئ المهجور بينما أخذ الرجالُ في التنقيب عن الماء والطعام والأسماك الصغيرة في البحر . فالماء يأت من نبع في البحر . وهذه إحدى خصائص البحرين الفريدة . وأحصى النوخذا خسائر الرحلة في الرجال فجاءت ثلاثة ومن بينهم الصبي . وقبعوا على رمال الشاطئ المهجور ينتظرون النجدة ويحتمون من البرد . وتجوسُ كلمات الكاتب لتغترف من باطن الشخصيات حكاياتهم وأوشاقهم للأهل والزوجات. ثم يعارك الرجالُ الصحراءََ برمالها وشمسها عملاً على الوصول إلى ميناء ينقذهم من الهلاك جوعاً في هذا الشاطئ المقفر بقيادة الربان أو النوخذا الجديد من زملائهم الذي يعمل اللآلئ والنقود(؟) كتب: شوقي بدر يوسف ناقد ادبي من مصر
المنظور السردي صورة مصغرة من العالم الروائي الذي يمثل لما يمكن أن يوجده الراوي من مفردات، سواء اتصلت بذاته، أم ببقية عناصر الأدوات الفنية، ولذلك يمكن اعتبار المنظور مصوغاً كلياً بديلاً عن المكونات البلاغية قصيرة المدى داخل النص، لأنها إن وجدت فهي تتصل ببلاغة الجملة أو الكلمة او بالمدى القصير الذي يوجده المجاز في صورة مصاحبات دلالية تعمل في نطاق ما تصل بعناصر المنظور من مفردات، ويكمن أن نقارن صورة المنظور السردي باعتباره مكوناً للنص الروائي بصورة منظور آخر يصاحبه، وهو المنظور الحكائي، والذي يمثل صورة موازية داخل المنظور السردي، ويمثل بدوره مفردات تتصل بعناصر الحكاية، بداية من الذوات والمكان والزمان والفضاءات المكونة للنص، وقد تتقاطع السردية والحكائية في بعض مفرداتهما، مثل ما يمكن أن يقدمه الراوي إذا كان يعتمد على زمن مغاير لزمن الحكاية، أو كان مجرد ظل لحكاية، وأيضاً إذا استوت أزمنه مختلفة داخل الرواية، مثل ما يمكن أن يمثله زمن القص كإطار حكائي، وزمن الحكاية كمتن حكائي. إن المنظور السردي لا يقف عند الحدود الشكلية للمعنى، ولكنه يتجاوز ذلك إلى الدلالات والذوات بل وكل عناصر البناء، ويعتمد على أطر معنونة تتصل منظورات مصاحبه سواء كانت متوازية أم متقابلة على مستوى رقعة النص، فنرى عدة صور للمنظور على النحو التالي: ــ المنظور السردي الخارجي وهو الإطار الأكبر الذي يضم عناصر غير حكائية مثل الوصف، والمجاز وعلاقات الراوي، واتجاهاته، وكيفية إدارته لحركة الطرح القيمي داخل النص الروائي، ويمكن أن نحدد عدة منظورات مصاحبة للمنظور الخارجي. ــ المنظور السردي الداخلي ويظهر هذا المنظور فيما يقدمه الراوي داخل الذوات من عوالم مصاحبة يمكن أن تتمثل الصورة المقابلة للصراع داخل النص، أو تمثل تأويلاً فكرياً يحدد عالم القيم داخل الفكرة الاجتماعية أو الفكرة السياسية، وهو أيضاً يتقاطع مع المنظور الخارجي ويكمله، ويمثل أحياناً أجزاء منه فيما يخص العلاقات الذي تصنع الغطاء الحكائي للحدث، أو مجموعة الأفعال التي يبني على أساسها النص. إن المنظور السردي يمكن أن يقدم العلاقات الظاهرة والمسكوت عنها داخل النص من خلال كل ذات وطبيعة حركتها، ومن خلال المكان وما يمثله داخل كل شخصية، وأيضاً يعطي أثراً دلالياً متشابهاً للأثر الدلالي الذي يرتبط بصورة الحدث والفعل داخل الرواية، بل إن ما تقدمه العناصر الكلاسيكية في الحكاية مثل الزمن، والراوي، أو الأفعال، يعتبر عاملاً مهماً في بناء المنظور الظاهر، وبل يتحمل ما يمكن أن نقدمه من تأويلات فيما أسميه بالمنظور الضمني، وهنا تتضح عملية السرد، بداية من السارد والمسرود لهن والعملية السردية بكامل مستوياتها بما تتضمنه من عناصر وأفكار تتصل بكل أداة من أدوات السرد. ولذلك يسمح الفضاء النصي والمجازي الذي يضمنه الراوي داخل المنظور بتقديم مفردات الحكاية بشكل يوحي باتحاد الراوي وبقية العناصر التي تتبع كل مفردة من مفردات العملية السردية، والتي بدورها تنتمي إلى حركة الصراع داخل الرواية. إن الراوي عند عبدالله خليفة راو ينحاز إلى ذوات مهمشة في معظمها، ذوات مأزومة بطريقة أو بأخرى، وهي في حالة تناقض دائم مع كل مفردات السرد، يبدأ هذا التناقض مع الذات، ثم يتسع ليشمل الذوات الأخرى، حتى تلك التي تمشي في الدرب القيمي والفكري نفسه، أما الذوات الأخرى، والتي تمثل الحالة المقابلة في الصراع فإنها هي التي تحرك السرد، بمعنى أن ذوات عبدالله خليفة ذوات في كثير من المواقف، سكونية الرؤية، او هكذا يحاول الراوي أن يقدمها من خلال عدد من عناصر الحكاية: 1ــ الأفكار التي تحرك الذوات. 2ــ طبيعة المكان، وعلاقة الذوات به. 3ــ طبيعة الذوات، وعلاقتها بعناصر البناء الحكائي. 4ــ الأحداث التي تواكب حركة الذوات. ■ السياق المؤسس للحكاية: إن الصراع في روايات عبدالله خليفة يمثل صورة افتراضية لما مر به الإنسان والمكان داخل الذات التي تمثل حركة الراوي أولاً، وداخل المكان الذي يمثل الإطار المادي للفعل، فهو يعتمد على صورة الراوي العليم الذي يقدم الحكاية من أولها إلى آخرها معتمداً على مخزون هائل من التفاصيل الحكائية التي تقدم الواقع في صورة افتراضية من ناحية، وتقدم داخل الذوات بصورة مختلفة، تمثل من الناحية النفسية صورة من صور المنظور النفسي الذي يؤسس له سياق إنساني واجتماعي تتميز به فترة تاريخية مهمة من حياة المجتمع الجديد في البحرين، وبالذات مدينة المحرق، وهي المدينة الملاصقة تماماً للبحر. وقد مثل هذان العنصران صورة التطور الطبقي والاجتماعي بشكل يومي، وكأن منظور الصراع داخل النص الحكائي يتم صنعه بشكل حتمي. كذلك فإن الرواية نفسها لا تتضمن مرجعية واحدة فحسب، بل مرجعيات مختلفة، منها مرجعية الكاتب التي يستحضرها لتمتزج بمرجعية النص التي يريد الكاتب طرحها. لا يمثل الصراع عند عبدالله خليفة صورة اجتماعية بقدر ما يمثل صورة وجودية ليست كالتي يمكن أن نجدها في كتابات ساتر، ولكنها الخلفية الافتراضية لحالة الحضارة التي وصل إليها المجتمع في الوطن العربي، وهو يمثل ــ أيضاً ــ واحة مقابلة لحالة الوجود في مدينة مثل الإسكندرية، حيث المكان هو الذي يوجد علاقات المنظور الحكائي، وكذلك مدينة المحرق والمكان هو الذي يوجد المنظور السردي، وهو الأعم في التصور عند الراوي، يعقب ذلك صورة مختلفة لهذا الوجود. ــ المقابلات السردية: المقابلة هي الصورة الأكثر ظهوراً في مستويات السرد الحكائي عند الراوي، فنجد على سبيل التمثيل في رواية «ألماس والأبنوس» يقدم صورة الراوي «برهان» الشخصية المركزية في النص، في مقابل صورة الأب الذي يمثل الحالة التراثية الواعية بمفردات الحياة الواقع. ثم يبدأ الراوي في تحريك المنظور ليقدم المقابلة على أنها منظورات حكائية متقابلة. الأول: يمثله برهان الراوي والذي لا يعي مفردات الواقع. الثاني: الأب ويمثل حالة الوعي. وبعد ذلك يبدأ الخطان السرديان في التداخل والتماهي لنصل إلى حالة فريدة من الوعي عند الأب، وحالة من الغياب عند الابن. لأن الأحداث والمؤشرات التي تميل إليها كل عنصر في الحكاية يمكن تأويلها في داخل السياق وخارجة. إن الصراع الطبقي الذي يمثله الراوي ليس من منظور الفكر الماركسي بقدر ما هو تعبير عن الواقع الفعلي، في بدايات تكوين المجتمعات العربية، حيث الاستعانة بالأفارقة (ويمتلكون العرق الأسود) الذي يقدمه الراوي على أنه صورة للعبودية وحالة مستقلة من الإنسانية، في مقابل العربي الذي ينتمي إلى القبائل التي تكونت للمجتمعات العربية منها. لا يفصل الراوي بين ذاته وبين ذوات الآخرين وهو يقدم البناء الحكائي القائم على التصور المكاني على شواطئ المحرق حيث البحث عن اللؤلؤ هو البحث عن المال والجاه وامتلاك السفن وامتلاك للقوة آنذاك. ــ الحلم واللاوعي: يعتمد عبدالله خليفة في بناء الرواية على صور متعددة من صور تداخل الحلم مع عناصر المجاز التي يمكن ان تتمثل الشخصية بستائر متعددة ومتراكمة من حالات اللاوعي داخل الحكاية، وهو بهذا يقدم صورة الصراع ليس على أنه صراع طبقي فقط. ولكنه صراع وجود في مقابل الحركة المتنامية للمكان وفي وجود حركة مصاحبة مثل حركة الصيد والبحر، وفي ظل حالة من البحث عن الذات داخل الحالة. ولا يتوقف الراوي في حالة اللاوعي التي تمثل صورة من منظور النفسي، وهو ملمح بنائي مهم يعتمد الراوي عليه في جذب دلالات للنص ويقدم المنظور على أنه هو الأكثر ظهوراً في الرواية، ربما لا يريد الراوي أن يقدم الحكاية على أنها حركة حياة، ولكنه يريد أن يقدم الحكاية داخل ظلال من سياق موسع يحتوي الصراع والوجود والبحث عن حقيقة النفس وبقاء الإنسان من الداخل والخارج. يقول الراوي وهو يقدم صورة الصحراء: “آفاق الصحراء غير مرئية. تشابهت فتلاشت الرؤية. مرآة رملية تطالع نفسها. وسماء ممتدة رمادية. وعدة كائنات عطشى تدب وتبحث عن عشب. أصابعي تتجول في نقاط الخريطة. المستنقعات الذهبية تشرد من أنابيبي. الآلة تحفر وتحفر وتلاقي التراب والحصى، تتفجر تأوهاتها وشرارتها. كهف واسع يحدق في البرية. الحمير لا يتسع لها المكان. نسكب المياه في أجسادنا اليابسة الظمأى. تتراقص الأسربة أمام أعيننا. الجبل يجلس شامخاً بعيداً عنا. نرى القوافل تتراقص في سراب الزجاج المضيء. تقطف الجواري والثمار ثم تذوب في المحال. البدوي الذي قطع تذاكر الصحراء لنا يتغذي بالضببة والجرابيع المشوية ثم يعزف الربابة وينام“. ربما يبحث المتلقي عن أثر للفعل الحكائي فلا يجد، وإنما يجد نفسه داخل حالة من الحوار الذاتي الذي يصنعه الراوي مع الأشياء بداية من ذات، ومروراً بالشخصيات ويمثلها «جوهر الأسود» والذي يقدمه برهان الراوي في علاقات متشابكة مع الأشياء والمفردات التي تمثل الواقع. ■ السياق المصاحب والبناء الدرامي: في رواية «أغنية الماء والنار» يقدم الراوي السياق المصاحب كبديل فني عن الصورة الشعرية التالي يعتمد عليها في الحكاية البسيطة المعقدة بين «راشد» السقاء، منبع الحكايات لأطفال الأكواخ التي تنمو على شاطئ المدينة كما ينمو الزنبق في الرمال الجافة. على أن النص كله لا يقدم أفعالاً تُذكر سوى فعل واحد هذا الذي غير مسار الحكاية، فعل البحث عن ذاته في مقابل التخلص من كل شيء، وفي الوقت نفسه أكمل الرؤية السياقية المصاحبة لبناء درامي محكم من خلال عدد من الخطوط السردية المتوازية. ــ قدم الراوي شخصية «راشد» السقاء كذات مقهورة. ــ في نهاية الحكاية تظهر شخصية «راشد» السقاء القاهرة. ــ قدم صورة المرأة الغامضة على أنها جزء من الضعف واللين في مقابل القهر الجسدي. ــ وفي نهاية الحكاية ظهرت شخصية المرأة على أنها صانعة الفعل. الذوات التي تقابل شخصية السقاء قد تكون في حالة صراع ظاهر، وتناقض اجتماعي في حين أن الراوي أراد أن يقدم أطراف الصراع في حالة من الانسجام في كثير من الأحيان ليبني اللعب الحكائي بناءً درامياً يعتمد على صورة التناقض الظاهر بين الشخصيات. يقول الراوي عن السقاء: “يسير في الظلام الشاحب، قد هدهده الكلام والحزن والسكر والضجر، يرمق القمر المستدير كالبالونة الضخمة البيضاء التي لم يطلقها طفل. تأتيه أنفاس البحر فتدغدغ حواسه المتعبة ويرى نفسه الصياد الفقير واقفاً على الصخرة يكلم السمكة/المرأة. ثم يمضي إلى مدن مضاءة بالنور، يضحك من أعماق قلبه، وينام على فراش نظيف ومعه امرأة جميلة لا يزيد فيها سوى الذيل. اقترب من البيت الكبير الجاثم لوحده. إن الأضواء ترقص من نوافذه. سمع إيقاعات طبل وهزات دفوف وغناء فكاد يرقص من جمال الصوت والنشوة. قال (سأتفرج على أجسادهن)، واقترب من النوافذ. لكن شقوقها لم تكن تساعده في رؤية شيء إلا البساط وبعض الأقدام. سمع صوتاً يقولك ــ من هناك؟ كان صوتاً نسائياً رقيقاً. التفت وراءه فلم يجد شيئاً. عاد ثانية للبحث عن الأجساد التي لا ترى منها سوى الأقدام. حاول أن يجلس فلربما اتسعت شاشة الرؤية ولكن بدون فائدة. عاد الصوت النسائي ثانية بأقوى مما كان. التفت إلى النوافذ الأخرى فلم يجد أحداً. وحين نظر إلى السطح وجدها. وجهها الأبيض المشع كان يخترق الظلمة وقلبه. تسمر واقفاً، فرحاً، مضطرباً، راغباً أن يتجمد هذا المشهد طويلاً“. إن الصراع الاجتماعي القبلي الذي يحاول أن يرمز به الراوي للنخوة العربية وصورة القيم التي اكتسبها الراوي من الصحراء، في حين أن الحضارة لم تقدم سوى الحزن والبؤس والقيم التي لا تسهم في بناء الأنسان. وفي رواية «رسائل جمال عبدالناصر السرية» خروج من دائرة الوقوف على شواطئ البحرين ليقدم الصورة الايديولوجية للفكر الروائي حينما يعتمد على شخصية تاريخية معاصرة في بناء درامي يعتمد على أحداث حقيقية ليرى (حرب فلسطين) (العدوان الثلاثي ــ هزيمة 1967) ليظهر الراوي الذي ينتم صراحة إلى الفكر الاشتراكي، ويرى في زعيمه جمال عبدالناصر صورة المخلص الحقيقي الذي يمكن أن يعطي الإنسان العربي الجديد حكاية جديدة، فنراه يعتمد على حالة من الحالات التي اعتمد أن يقدمها في رواية كلها وهي تداخل الحلم والواقع ليخرج شخصية عبدالناصر من إطارها الواقعي إلى الإطار الذي يمكن أن ينتمي لفكر «الواقعية السحرية» بداية من الفعل، ومروراً بالحوارات الذاتية التي يقدمها من خلال الاعتماد على المنظور السردي التخييلي. في حين أنه في رواية «ألماس والأبنوس» يأتي السياق مؤسساً للنص، لأن فكرة الصراع تنتقل من الحالة التخييلية العامة إلى الحالة الواقعية التي ترتبط بالزمان والمكان. ويقول الراوي: “من نسل الصحراء، من صرخة حوريس، من تقطع أوزوريس، من ذكاء عمرو، من بسالة خالد، من نقاء علي، يطلع من حصار السيارات المحروقة والمدرعات الجائعة للحم النيليين، ويمشي بين حقول الجثث المزهرة حقداً خططاً. يحرك البدلات العسكرية للقرويين المليئة بالأشباح والتمائم فيحصد غباراً. ينغمر في الحارات والحقول يصافح المجندين والشهداء والأمهات الثكالى. كلما مشى مع احدهم رأى كبشاً أو نعجة. تعرف بود على برميل لحم فوجده يحلم أن يكون ملكاً “. إن السياق في النص يشتمل على قواعد اللغة، ومواقف الكاتب، والقارئ، وأي شيء آخر قد يكون متصلاً بهذا الموضوع وبطريقة يمكن تصورها أو إدراكها. ولكن إذا قلنا إن المعنى هو السياق المحدد، وهنا يجب أن نقول إن السياق قد يكون غير محدد قبلياً فيما يصل بالموضوعي. ــ الرموز السياقية في الحكاية: هناك دلالات تفصيلية في حياة الراوي عند عبدالله خليفة يجعل منها صورة من صور التحول الحكائي، وصورة من صور الانفصال عن الواقع كأداة من أدوات تجميل حالة الصراع التي تسيطر في الايديولوجية الهاربة من أفعال الشخصيات، وصورة المكان، فنجد على سبيل التمثيل في رواية «ألماس والأبنوس» ولادة طفل أسود يعني بشكل حاد أن المرأة قد خانت مع رجل أسود، وهذا يعني انهيار العلاقات الإنسانية والاجتماعية داخل التراتبية التي حددتها القبيلة العربية، بالإضافة إلى الحالة النفسية التي تصاحب ولادة طفل أسود. ربما أراد الكاتب أن يرمز إلى ازدواج الشخصية عند العربي في صورة العلاقة بين الأبيض والأسود. فالنص يوجد حالته وسياقاته من خلال مجموعة من الرموز السياقية التي تحدد الهدف الايديولوجي أحياناً، أو تحدد وجهة الشخصيات والأفعال داخل الحكاية، وغالباً ما تأتي عند عبدالله خليفة باعتبارها خلفية اجتماعية وإنسانية يمكن أن تقدم سياقاً سياسياً، أو سياقاً حضارياً.
يقول الراوي في «رسائل جمال عبدالناصر السرية» المرأة ذات وجه متألق جميل، عيناها بحيرتان تطير فيهما الكراكي والبجع، تنفث لغة قديمة لا يفهمها، يجلب لها الماء والزبائن والضالين في شعاب الجبال. على الجدران خطوط غريبة. حفر فوجد عملة فيها ذوالقرنين يهزأ بالزمن، وثمة امرأة على ساعدها نسر، وثمة حية تلتف حول عصاها المتجذرة في التراب. النسر يقبض على الصاعقة. والفرعون ملأ الأرض خراباً. المرأة تتبدل في الفراش، تغدو عامية ساخرة من نجمته وبدلته المحروقة وقدومه من النهر للجبال، يرى الحشود تبيع الحيات والقات والتراب للسياح والعقود الزائفة ويقبضون عليه ويضعونه في الحبس، والمرأة تجلب له الأكل والشراب وتسحر الضباط والجنود. تقرأ عليه سورة بلقيس: للتحول فصول كثيرة، جسد المرأة ربيع الطبيعة، ادخل في خلاياي وتكون بشرياً إنسياً جميلاً. يسبح في بركتها الواسعة ويشرب الحليب. يبحث في التلال والأرض الواسعة والحصى عن عملات، يجد جماجم وسلاسل، وعظاماً أزلية ساخرة بالحياة، يركب باخرة مليئة بالجنود تزحف ببطء في البحر وترى السفن المكتظة بالحجاج الغارقة، حشود من الثياب البيض واللحى والنهود، مصانع الحليب المتوقفة المأكولة من سمك القرش، يضحك بين الدخان في المقهى، وهو يطالع الجري وراء القطع المعدنية“. فلو تتبعنا الرموز السياقية الصغيرة لوجدنا الآتي: ــ عملة ذي القرنين يهزأ بالزمن. ــ النسر يقبض على الصاعقة والفرعون ملأ الأرض خراباً. ــ للتحول فصول كثيرة، جسد المرأة ربيع الطبيعة. على أن كل كلمة تصلح أن تكون رمزاً، ثم تتحول إلى فعل من أفعال الدلالة المركزية في النص، والتي تتمحور حول عتبة النص الأولى «رسائل جمال عبدالناصر السرية»، وكأنه يتحدث أو هو يتحدث عن الأحداث السياسية. طبيعة المرحلة، الصراعات الاجتماعية، الطموح الزائد، النصر الزائف، الهزيمة المقنعة. وهكذا يحول الراوي اللغة التي يستخدمها إلى لغة مضادة، وكأنه يكتب الشعر لتتحول الدلالة على أثر ذلك إلى دلالات شعرية تميل إلى المنطق العام أكثر مما تميل إلى منطق الحكاية إن وجدت، لأن الراوي في كثير من سروده لا يميل إلى حكاية مؤطرة بقدر ما يميل إلى حالة من السرود الوصفية التي تتضمن بشكل أو بآخر صورة من صور الحياة التي يقدمها، وهو يعتمد عليها بنائياً في النص بأكثر من أسلوب. الأول: يقدم التأصيل السردي القائم على الوصف، ثم يعقبه بتأصيل فكري ثم يقدم الحدث مغلفاً في السرد. الثاني: يقدم التأصيل الحكائي، ثم يعقبه بسرد وصفي يعتمد على مجازات الواقع والمكان والأفكار. الثالث: يقدم الذوات، ثم يعقب ذلك بوصف سردي يعتمد على الذوات والمكان من خلال العلاقات المجازية النفسية التي تبدو في الحكاية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. محمد زيدان أستاذ النقد الأدبي الحديث
محاضرة للدكتور محمد زيدان أستاذ النقد الأدبي الحديث بعنوان «الرواية البحرينية المعاصرة .. عبـــــــدالله خلــــــــيفة أنموذجا». أكد الدكتور محمد زيدان أستاذ النقد الأدبي الحديث ، الحاجة الى رؤية جديدة في نقد النص الأدبي العربي بداية من النص الشعري ومرورا بالنص الروائي والمسرحي والتمثيليات المرئية ، حيث انها أصبحت نصوصا تؤثر كأي نص أدبيا آخر. وأوضح في محاضرة نظمها مركز عبدالرحمن كانو الثقافي بعنوان «الرواية البحرينية المعاصرة .. عبـــــــدالله خلــــــــيفة انموذجاً»، ان الروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة في روايته الماس والأبنوس استطاع ان يقدم فكرة المقابلة في البلاغة العربية والتي تكون أحيانا بين جملتين او بين عدة جمل ، واستطاع ان يقدمها على مستوى المنظور ، وهذا يتناسب مع الأشكال ما بعد الحداثة في الرواية العربية. أوضح الدكتور محمد زيدان أن تقنيات الكتابة لدى عبـــــــدالله خلــــــــيفة فيها تشابه في الأسلوب والتشكيل مع تقنيات الكتابة لدى الروائيين في مصر والعراق ، كما انه يقدم الوصف الدقيق كأكواخ الصيادين في بداية تكون المدينة على شواطئ مملكة البحرين ، وبذلك فهو يعتبر أهم ملمح بنائي في الرواية لدى عبـــــــدالله خلــــــــيفة وهو اعتماده كليا على المكان في بناء النص الروائي، بالاضافة الى استغلاله لكل ما يتصل بالنص بداية من الراوي ففي روايات عبـــــــدالله خلــــــــيفة هو العليم وكل شيء منبثق من الراوي وهي تقنية مشهورة في الرواية العربية ، حيث يتكلم الراوي عن نفسه بضمير الأنا ثم ينتقل ليتحدث عن غيره فيما يشبه فصل الضمائر بين الأنا والهو لينتقل بين هذه الأساليب انتقالات غير مرئية وغير مفصول بينها ، وعليه يحتاج القارئ الى وعي شديد وهو يتنقل بين اللوحات التي يرسمها عبـــــــدالله خلــــــــيفة. وأضاف الدكتور محمد زيدان أن الملمح السردي الثاني الذي يعتمد عليه الروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة في تشكيل النص هو اعتماده على لغة مجازية رامزة شديدة التبييض شديدة المجازية لدرجة أنه في بعض الأحيان المجازات الصغيرة واللغة الشعرية داخل النص تلفت الى نفسها أكثر مما تلفت الى ما فيها من أحداق وأفعال ، ومن وجهة نظره أنه لا أحداث كبيرة في النص السردي لدى عبدالله خليفة ، وإنما هي أفعال ترتبط بزمان ومكان معينين. وأوضح أن الروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة يعتمد اعتمادا كبيرا ولافتا على ما يسمى في النقد بتيار الوعي ، لذلك نرى عنده المنولوجات طويلة جدا ، وخصوصا الخاصة كالحديث الى الذات أو الى الآخر ، حيث يعطي جمالا نفسيا للعلاقات التي ينشئها بين الشخصيات ، كروايته الماس والأبنوس التي كان يقصد شخص من افريقيا اسمه الماس والأبنوس الذي يقصد به المرأة او الرجل أو الرمز باعتبار أنه نوع من البنات له طبيعة خاصة في الشكل والتركيب والمنظر ،ثم يدلف الى النص بهذه المفارقة والعلاقة والصراع الطبقي بالمعنى الاجتماعي والذي يطرح رؤيتين في المجتمع ، الا وهو رجلا يبحث عن نفسه وسط اهله ويبحث عن نفسه داخل نفسه ، وهي الفكرة والدلالة المركزية عنده في الرواية . وأشار الدكتور محمد زيدان أن ما يميز روايات عبدالله خليفة هو عنصر الامتاع بمعنى انك تستطيع ان تستمع باللغة التي يستخدمها استخداما لافتا للنظر مع كل عنصر من عناصر بناء الرواية ، والشخصيات كلها ذات علاقات متشابكة والفضاء الذي يستخدمه هو الفضاء النفسي اولا ، ثم يخرج منه الى الفضاء الواقعي الذي يتصل عنده بتأسيس الشخصيات وكل شخصية في النص تقدم منظورا حكائيا مختلفا ، ومن خلال روايات عبـــــــدالله خلــــــــيفة تستطيع ان تقدم عدة منظورات حكائية وكل منظور منها سوف تجد فيه اللغة والرؤى البلاغية والسياقية التي يستخدمها وهو مؤسس للنص لأن فكرة الأيدلوجية اذا ارتبطت بالحياة الواقعية تستطيع ان تخرج منها سياقا مؤسسا للحكاية.
ا.د. صباح عبدالرضا اسيود ــ جامعة البصرة / كلية التربية القرنة
الملخص:
دارت رحى النص والسرد في مجموعة (سهرة) للقاص البحريني عبدالله خليفة دورات عدة، ولعل أهم دوراتها ما تعلق بالمكان الممثل بالقرية والبحر والسجن بصفة خاصة، مما كان له تأثير كبير فى مفاصل كثير من القصص، بوصفها أمكنة متكررة وذات دلالة مواربة في المجموعة القصصية (سهرة) برمتها. وقد كانت انطلاقة القاص من هذه الأمكنة انطلاقة ذاتية، بمعنى أنه عبر عن موقع لهوه فى القرية التي عاش فيها أيام صباه في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين ومن ثم استطاع وبتمكن فني من التعبير عنها في فنه القصصي، وبذلك فإنه يتشارك مع الادباء الذين تحكي قصصهم ورواياتهم حياة كاتبيها أو تنهل من معينها. فبعد أن عاش في القرية وشاهد حياة البحر ودخل السجن مدة طويلة أبرت على الست سنوات ومن ثم عاد إليه في أوقات لاحقة، وهو ما كان مدعاة لان يتكرر وصفه الأمكنة بعينها في عدد من القصص والحكايات التي ضمتها هذه المجموعة القصصية، علاوة على انسحاب تلك التجربة إلى الهم السياسي الذي حاول تجسيده. الكلمات المفتاحية : عبدالله خليفة، المكان، سهرة، القرية، البحر، السجن. المقدمة : حققت القصة القصيرة حضورا لافتاً للانتباه في مملكة البحرين ولا سيما في العقود الأخيرة، بعد أن كان لجيل الرواد أثر كبير في هذا النوع من السرد. بيد أن القصة والسرد عموما قد وجدا ضالتهما فيما أهداه إليهما بعض الكتاب الجادين في تناول بعض المفاصل المهمة التي لم تكن أيدي الرواد ق امتدت إليها وبصفة خاصة الأماكن التي تمت بصلة إلى حياة المؤلف أو الكاتب الذي يعير أهمية لما يعير أهمية لما تجلى في حياته، وقد انعكس أثرها في فنه كما هي متجسدة في أعمال الواقعيين عندما تناولوا ما يكتنف حياتهم وما يحيط بها في أعمالهم الأدبية. ويعد الأديب والكاتب عبدالله خليفة من أكثر الأدباء البحرينيين نشاطاً وأبرزهم موهبة ولمدة طويلة تجاوزت الخمسة عقود، في مجال القصة القصيرة والرواية والكتابات النقدية والفكرية، فقد ولد في العام ١٩٤٨، وتوفي في العام ٢٠١٤، إذ إنه كتب القصة القصيرة والرواية منذ أواخر ستينيات القرن المنصرم، بحيث تجاوزت مؤلفاته القصصية اثنا عشر مجموعة ، فضلا عن عشرات الروايات : ولهذا فإن تنوع تجربة الأديب عبدالله خليفة وغناها يحتم علينا أن نختار مجموعة قصصية واحدة ونحاول نتلمس أهم ما يميزها من تقنيات فنية لكي نتوصل من خلالها إلى ما يميز أدب هذا الأديب، لأن حيز البحث ومحدوديته لا يمكن أن يستوعب هذه التجربة الواسعة والعريضة وذات المشارب المتعددة كلها؛ ومن هنا فقد توجهنا إلى مجموعة قصصية واحدة من نتاج الأديب فحسب. لنكشف عن أهم تقنية فنية في عالمه القصصي، وهي تقنية المكان. وقد وقع اختيارنا على مجموعة (سهرة) التي صدرت في العام ١٩٩٤، وذلك لاعتبارات عدة منها أن المدة التى كتب بها الأديب هذه المجموعة القصصية هي مدة نتوسط في نتاجه الأدبي، وهي تمثل مرحلة الاختمار الأدبي بالنسبة للقاص. بعد أن خاض تجارب عدة في المجاميع القصصية وفي الروايات والكتابات النقدية والسياسية بوصفه من الشخصيات اليسارية في البحرين، وقد أودى به هذا الانتماء إلى ا أن يخوض تجربة السجن ولمدة ليست بالقصيرة إذ كان دخوله إلى السجن في عام ١٩٧٥، ولم يخرج منه إلا بعد عام ١٩٨١، ولابد لهذه التجربة القاسية أن يكون لها إفرازاتها على تكوين الأديب حياته الفنية وحتى حياته الشخصية بدليل أن مفردات السجن والاعتقال كانت تتوافد وتتوارد على مجمل كتاباته الأدبية وحتى في كتاباته السياسية والثقافية، ما يعد إضافة نوعية إلى ما يسمى أدب السجون الذي توقف عنده كثر من الباحثين وهم يستجلون الواقع السياسي والثقافي العربي وحتى العالمي من بين الكتابات الإبداعية العربية، ونحن هنا لا نقصد ارتباط الفني بالإديولوجي الذي حذرت منه الدكتورة يمنى العيد، على أساس أنه يسقط شرعية الفن«١»، وإنما نقصد أثر التجربة الحياتية في صوغ القالب الفني للأعمال الفنية. ناهديك عن أن تجربته الأولى قد وصفت من لدن كثير من الباحثين بتغليها الفكري المباشر على الجانب الفني «٢». أو أنه كان منشغلا بقضايا الانتماء أكثر من انشغاله بقضايا الفن والأدب«٣». وفضلا عن هذه التجربة القاسية في عالم السجن فقد سطع نجم الأديب عبدالله خليفة بعد معاناته في عالم الحياة اليومية والمعاشة أيضاً؛ إذ إنه من طبقة العمال التي توصف عادة بأنها الطبقة الكادحة. وقد عاش في منطقة اللينات شرق القضيبية في ساحة بيوت العمال التي بنيت بعد حريق القضيبية الشهير الذي نشب في عام ١٩٥٤«٤». ولهذا نراه منحازاً إلى المعدمين والبسطاء من الناس، علاوة على كونه ابن عامل في الأصل. ومن هنا فقد كان مهموماً بحقوق الطبقة الكادحة من العمال«٥»، كما ينقل لنا الشاعر علي الشرقاوي وهو صديق الكاتب بأن عبدالله خليفة قد سكن في بيت من الطين وما كتابته عن المعدمين إلا تعبير مباشر عن الحياة التي عاشها هو وعن أجواء الأحياء الفقيرة التي تشبه الحي الذي كبر بين ملاعبه. ناهيك عن علاقته بعالم البحر الذي كان يعيش بالقرب منه«٦». وتوظيف البحر لا يقتصر على عبدالله خليفة فحسب وإنما اتجه أدباء البحرين شعرا ونثرا إلى البحر ليس بوصفه حيزاً ومكاناً وحسب وإنما باعتباره وعاءً للعذاب الذي عاشه الإنسان البحريني في أيام الغوص والشقاء. ولهذا فإن أبطاله ينتمون إلى فئة المعدمين والعمال والبسطاء من الناس، كما أن تعبيره عن هذه الفئات من الناس يتوافق وتعبيره عن نفسه هو. ولهذا فقد غدا حديثه عن البسطاء والمعدمين لا يختلف عن حديثه عن نفسه هو. ولعلنا لا نبتعد كثيرا عن الموضوع عندما نشير إلى أن القصة القصيرة قد تقدمت زمنياً على الرواية في البحرين؛ إذ تعود بدايات القصة القصيرة إلى الثلاثينيات من القرن العشرين بينما تتأخر الرواية إلى الثمانينيات منه، وذلك يربط بطبيعة القصة القصيرة التي تناسب مع أجواء الحياة البسيطة في البحرين وفي سائر بقاع الأرض، التي أشار إليها أحد الباحثين وعدَّها مناسبة لعالم القصة القصيرة في حين توافق الرواية مع تعقد الحياة وتشابكها، ولهذا وجدنا أن القصة القصيرة قد تقدمت زمنيا في البحرين على الرواية التي يناسبها التعقيد والتشابك في الحياة والأحداث ومن هنا فقد تأخرت زمنياً«٧». وفي ضوء ذلك يمكننا القول إن الأديب عبدالله خليفة لا يختلف عن أدباء البحرين الذين تناولوا حياة القرية البسيطة مثلما تنالوا حياة البحر. وقد كان لهاتين المفردتين آثارهما المباشرة في نتاجه كله وليس في قصص مجموعة، «سهرة» وحسب، ولكن آثارهما انعكست بشكل لافت للانتباه. وكما سنتناول ذلك من خلال تناول أهم التقنيات القصصية التي تتوزع على القرية والبحر والسجن بوصفها أمكنة متكررة في سرد عبدالله خليفة، وهذه الأكنة في المجموعة القصصية «سهرة» مترددة ومتكررة على نحو تتفوق فيه على أية أمكنة أخرى؛ بل لا يمكن أن تقاس بها تلك الأمكنة، وسوف نتناول هذه الأمكنة في مجموعة «سهرة» على النحو الآتي. ١ـ تجسيد القرية كمكان في مجموعة سهرة : يعد المكان من أهم التقنيات التي تميز النتاج السردي والأدبي عموماً ولهذا فلا مندوحة من التوجه إلبه ومحاولة بيان تجلياته في هذه المجموعة القصصية «سهرة» التي تغص في تثبيت دعائم المكان في القرية البحرينية، ولا سيما الأمكنة التي كانت مرتع صبا الأديب عبدالله خليفة نفسه، وقد انعكست آثارها في أدبه بوصفه من الأباء الذين تحكي قصصهم ومحكياتهم عن حياة كاتبها وقد وجد أحد الدارسين أن قصص هذه المجموعة «سهرة» وقصص مجموعة «دهشة الساحر» تعبر عن هموم الكاتب الفكرية والسياسية والاجتماعية وقد كتب الأديب معظم قصصهما من وهج تجربته الشخصية«٨»؛ وبما يمكن أن يشار إليه على أنه من باب تقديمه العام من خلال الخاص. إذ ينطلق المكان بكل تجلياته الممسرحة منذ السطر الأول في القصة الأولى التي ضمتها المجموعة القصصية «السفر» التي يطالعنا في مستهلها القول: «الحي القديم يتفتح بدروبه الضيقة الملتوية، كالأيام والأنام، أحجاره تآكلت وتساقطت قشرتها، وتحولت غيرانها ملاجئ للهوام، بيوت متراكبة فوق بعضها، تشاجر ضلوعها وأبوابها، قميئة، كالحشائش الفطرية الذابلة، قماماتها حدائق للذباب، ومسام دروبها تنزف هياكل وفئران وأشباحاً ومجانين وغرباء.»«٩». فمنذ الكلمة الأولى بالقصة نجد القاص حريصاً على رسم لوحة لقريته التي عاش فيها طفولته ونهل منها دقائق حياته الأولى فكشف النقاب عن عالم تلك القرية، على عادة كثير من الأدباء البحرينيين الذين يتميزون بالتعبير عن خصائص البيئة البحرينية في البحر والنخل والزرع، ثم في النفط والتحولات الحضارية والاجتماعية والاقتصادية التي لازمته وغيرت من تركية المجتمع البحريني«١٠». إذ يطالعنا الحي القديم بدروبه الضيقة والملتوية وكأن القاص يرسم لوحة فوتوغرافية طالما شاهدها وعاش لحظاتها، وهكذا هي البيوت المتآكلة والمتراكمة فوق بعضها البعض، بحيث كانت تلك البيوت مرتعاً للذباب والجرذان ومن ثم الناس البسطاء، والمسحوقين، وبذلك نقول إن القاص رسم بالكلمات لوحة فنية متجسدة وقد استلها من ذاكرته الى غصت بمثل تلك البيوت المتراكمة التي تفتقر إلى أدنى مراتب الحياة الإنسانية ولا سيما في الواقع البحريني في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. وهو في هذا لا يبتعد كثيراً عن التعريف الذي أوردته نجاة صادق الجشعمي عندما تصدت لتعريف القصة القصيرة بقولها «هي فن أدبي وجنس من الأجناس الأدبية، وهي تعرض مجموعة من الأحداث الواقعية في مرحلة معينة من مراحل الحياة، وعادة ما تكون هذه الأحداث قصيرة وصغيرة يدور حولها محور القصة… شرط أن يبذل الكاتب جهداً لتكون مؤثرة ومعير بطريقة وأسلوب فني واستخدام اللغة المؤثرة التي تترك أثراً في نفس القارئ ومختصرة كثيراً وتسرد أحداثاً مكثفة دون أن تؤدي إلى فشل العمل القصصي»«١١»، وذلك عين ما يمكن وصف تجربة القاص عبدالله خليفة في ضوئه إذ إنه حرص أشد الحرص على أن ينقل عصارة تجربته في هذه المجموعة القصصية ولم يقتصر عمله على قصة محددة بذاتها وإنما شمل عمله المجموعة برمتها. وعلى الرغم من توافق هذا العريف والقصة التي أشرنا إليها في فن عبدالله خليفة لكنا لا نعوِّل كثيراً على كلمة الأحداث الواقعية التي أشارت إلها الباحثة نجاة الجشعمي في تعريفها لفن القصة القصيرة، لأنه من المكن أن تكون الأحداث غير واقعية وتكون القصة القصيرة على درجة عالية من الفن والرقي ، كما هو حال الكثير من القصص العربية والعالمية، بل أن القصص الخيالية تفرق غيرها المستندة إلى الحياة المعاشة واليومية بما لا مجال لحصره وتأكيده، لكن القاص في هذه القصة قد عرض علينا حدثاً واقعياً عاشه الأديب نفسه في مرحلة من حياته وأثر في تكوينه النفسي والحياتي وظل مرافقأ له وقد عكسه لذا في فنه؛ وبما يؤكد أنصهار الحدث اليومي في الفن القصصي، وكما يبدو فإن المكان الذي انتشله الكتاب من ذاكرته هو الذي رسم الصورة وقربها من الواقع وأفاض عليها بإسلوبه أثراً جعلنا مشدودين إلى الحدث من أول وهلة، بل وبإمكانا أن نتوقع ما ستصل إليد الأحداث أو نتواصل مع خيط الأحداث الذي بدأ به الكاتب ما دام يعرض لواقع معاش في بيئة عربية جالبة لهموم الناس البسطاء والمعدمين وآمالهم. الأمر لا يقتصر على هذه القصة فحسب وإنما ينسحب إلى كثير من قصص المجموعة القصصية برمتها، في قصة «قبضة تاب» على سبيل التمثيل تطالعنا القرية نفسها التي أشرنا إليها في القصة الأولى، يقول في مستهلها أيضاً:؛ كانت زرقة السماء مشوبة بنور فضي شفاف وثمة عصافير تشاجر في دغل مهجور، كان الطريق إلى المدرسة ترابياً؛ متعرجاً، بين مستنقعات آسنة، من بقايا المطر، وأكوام أنقاض.»«١٢». فالقرية التي طالعتنا في القصة الأولى هي نفسها في هذه القصة تماماً بحيث نستطيع أن نرسم معالم القرية الواحدة من التفاصيل التى أوردها القاص في كلتا القصتين كثير .من التروي. فالطريق الترابي المفضي إلى المدرسة هو نفسه الذي طالعنا في القصة الأولى، وتعرج الطريق هو الطريق الملتوي في القصة الأولى، وهكذا ثُعؤِّض أكوام الأنقاض في هذه القصة عن قمامات المدينة المليئة بالذباب والفئران. وهذا ما يفضي إلى القول إن القرية التي انطبعت معالمها في ذهن القاص هي ذاتها وأنه يعبر عنها بتعابير تكاد تتشابه لولا بعض الفقرات التي تبدو مختلفة ولكنها في الحقيقة تنسخ بعضها بعضاً وتؤول إلى منبت واحد. وهكذا يمكننا أن نرصد تشابهات القرية في كثير من مفاصل القصتين فهو يقول فى هذه القصة الثانية : «بدت بيوت القرية المتراصة كمعسكر للاجئين»«١٣». وهذا الوصف لبيوت القرية هو نفسه الذي ألفناه في بيوت قرية القصة الأولى «السفر» ولا سيما في قوله «بيوت متراكمة فوق بعضها» فإذا ما استبدلنا البيوت المتراكمة بالبيوت المتراصة لما تغير الوصف شيئاً ولبقيت القرية على حالها وهي قرية المعدمين الذين يجاهدون الحياة جهاداً، بل نجد انحسار الجميل فيها وتبدله كما وجدنا الحاج فاضل الذي التقى بالمديرة الجديدة لمدرسة القرية وعبر لها عن امتعاضه وأبناء قريته من تغير الحياة الاجتماعية وما كانت تريد بناءه يقول لها «جئت إلى هنا منذ سنوات طويلة لم أصعد إلى الهضبة، كنت اندفع فوقها وأنا شاب.. أركب الحمار.. ونجري معا.. والحصا يتطاير.. تحتنا.. لم تكن الهضبة هكذا.. صارت جرداء.. جرداء.. ليس ثمة سوى.. الأدغال المهجورة.. والقطط الشرسة.. كانت هذه الأرض.. أيتها المديرة.. خضراء.. مليئة بالأشجار.. والينابيع. الآن. كل البساتين.. التي كانت.. غدت أرضاً.. قاحلة.. لم يبق سوى بضع بساتين صارت فللاً يسكنها غرباء.. لو كنت تقفين فوق.. سطح المدرسة.. لرأيت القربة.. بيوتاً كثيرة متزاحمة»«١٤». وهذا ينم عن موقفين متناقضين إزاء القرية فبعد أن كانت القرية مرتع الفقراء ومآل المعدمين صارت ملجأ الغرباء الذين وجدوا ضالتهم في تغير البناء والعمران فيها ولكن هذا العمران جسد حياة جديدة تختلف عن الحياة الأولى التي تتميز بالصفاء، وهنا يتجسد موقف آخر غير الموقف السابق بمعنى أن النص بدأ يعكس موقفاً أيديولوجياً يتبدى من خلال السطور؛ وبما أكده بيير ماشيري عندما أشار إلى مسألة ارتباط العمل الأدبي بالأيديولوجية في قوله «إن العمل الأدبي لا يرتبط بالأيديولوجية عن طريق ما يقوله، بل عبر ما لا يقوله فنحن عندما لا نشعر بوجود الايديولوجية نبحث عنها من خلال جوانبه الصامتة الدالة التي نشعر بها في فجوات النص وأبعاده الغائبة. هذه الجوانب الصامتة هي التي يجب أن يتوقف عندها الناقد ليجعلها تتكلم»«١٥». وقد اقترح ماشيري برنامجاً لا ظهار المضمر الأيديولوجي في الرواية ينهض على أمرين: أولهما يتعلق بالإلمام بالسياق التاريخي الأيديولوجي الموضوع فيما بين السطور وثانيهما بناء الإشكالية التي تطرحها القصة انطلاقاً من الجوانب التي قدمتها»«١٦». ولهذا فأن أبناء القرية عندما أرادوا إحراق المدرسة وكل ما يمت بصلة للحياة الجديدة، فهذا إعلان منهم بعدم توائمهم مع عالم المدينة ورغبتهم في الحفاظ على القرية التي عاشوا فيها الشطر الأول من حياتهم وقد كانت حياتهم ذات نكهة خاصة لا مجال فيها لعالم الغربة الذي تجسد في المدينة الجديدة، بمعنى أن هذا العالم هو العالم المرادف لحياة الفطرة والنقاء. وهنا يغدو عالم المدينة موازياً لعالم السياسة المرتبط بالاستعمار الذي ربت على قلوب الفقراء والمستضعفين من الشعب ما دام هذا المستعمر يحيل حياتهم إلى شذرات فاقدة للحياة الإنسانية ويسلبهم إمكانياتهم وثروات بلدهم. وإذا كانت القرية كمكان هي المحور الأول الذي دارت، حوله رحى بعض قصص مجموعة «سهيرة» فإن البحر لا يكاد يفترق عن هذا التحديد؛ فهو يشترك مع القرية في تحديد وتشكيل «المكان البحريني». وهذا ما سنتوقف عنده في الفقرة الآتية. ٢ – البحر كمكان في مجموعة سهرة؛ لا يختلف عالم البحر عن عالم القرية بالنسبة للإنسان البحريني، فقد ارتبط البحريني بهذين العالمين ارتباطاً صميماً وصار يعبر من خلالهما عن وجهة نظره من الحياة؛ بوصفهما رمزين للإنسان البحريني الذي عاش في كنفهما هزيعا من العصور، فضلا عن كونهما يمثلان عالم البراءة والطهر الأول، وقد أشار الدكتور علوي الهاشمي في مجمل كتاباته النقدية إلى هذا المنحى والاتجاه في الأدب البحريني «١٧». لأنهما مثَّلا حقبة الحياة الأولى مثلما عبَّرا عن عالم الحياة البسيطة الأولى. وقد ألفينا، القاص عبدالله خليفة يعود إليهما في مجموعة سهرة وفي جل كتاباته الإبداعية. ولهذا نستطيع أن نصف منجزه بأنه المكافئ والموازن للقرية والبحر على حد سواء. وهو في هذا يتمرد على المجتمع البحريني الذي ينقسم أبناؤه بحسب الحياة التي عاشوها، بحيث وجدنا المجتمع ينقسم على أساس القرية أو البحر، فبعضهم يعيش حياة القرية وبعضهم يتخصص في حياة البحر بل ألفينا التقسيم يمتد حتى إلى التسمية فيتقاسمون التسمية بين البحرينيين والبحرانيين على أساس أن كل تسمية تتصرف إلى تجمع بعينه أو إلى طائفة بعينها أو مذهب بعينه«١٨». وقد أشرنا سابقاً إلى أن الأديب عبدالله خليفة قد عاش في جنيهما حياته الأولى وقد شكلا له إرثاً حقيقياً؛ بحيث صار يعود إليهما كلما سنحت له الفرصة أو الموقف الفني. وهذا ما ينجلي في جمعه بينهما في قصة الطوفان ـ على سبيل التمثل ـ التي يقول فيها:« كل هذه الجزر البازغة في الماء ربيتها كأولادك، وهذه الطرق الطالعة كالوديان الخضراء نادمتها ولم تسكرك…»«١٩». فهو يجمع بين جزر البحرين الممثلة بالماء وبين أرضها في معترك واحد ينم عن حقيقة واحدة تؤول إلى ولاء تام للأرض البحرينية بعيداً عن أجواء الطائفية وما يلحق بها من مسميات وحلقات أضحت منكشفة، وسبيلا للتفرقة بدلا عن الاتحاد. ولعل قصة «الأضواء» من أهم قصص مجموعة «سهرة» إشارةً إلى البحر والاستناد إليه سواء أكانت بعدد مرات ذكرها لمفردة البحر أم ببناء القصة في ضوء اهتمامها بالبحر، وهي في الأحوال كلها تفصح عن نظرة جديدة للبحر بوصفه الملاذ الآمن لمن يرغب بالعيش في الحياة الجديدة التي تقوم على الثراء؛ ما دام البحر مرتبطاً بالنفط وتصديره إلى العالم الصناعي الذي يجلب الأموال والثراء، وهذه اللمسة الجديدة التي لم نكن نتوخاها في القصص القديمة التي كانت توجه لتصف البحر وأهواله وما يتعرض فيه الغواصون إلى المهالك بحثاً عن لقمة العيش في حين ارتبط البحر في هذه القصة وفي كثير غيرها بالنفط وبالبحث عن الثراء والحياة الجديدة المصاحبة له بعد أن انحسرت الهموم التي صاحبت البحر هزيعاً من العصور، وكما صورها عبدالله خليفة نفسه في رواية «اللآلئ» سنة ١٩٨٢، التي تعرض فيها بطل الرواية الغواص «مطر» إلى الموت بعد أن أجبره النوخذا «الربان صاحب السفينة» على النزول إلى البحر والغوص للبحث عن اللؤلؤ هو مصاب بمرض خطير في أذنه مما عرضه بالنهاية إلى الموت«٢٠». وهذه القصة «الأضواء» تبدأ برسم ملامح الواقع البحريني المحلي الذي يتجلى في الرطوبة المتأتية من امتزاج حرارة الجو بالمياه الحارة بحيث غدت الصورة وكأنها تجمع بين بحرين محترقين؛ يقول:« وبدا كأن بحراً ثانياً؛ محترقاً يطفو فوق المياه المشتعلة»،«٢١». ومن ثم ننتقل عبر محطة شخصين قد هجرا قريتهما وسارا إلى المدينة بعد أن دفعا، مبلغاً كبيراً من المال حتى يصلا إلى الميناء، فوجدا الكثير من معارفهما وهم يختبئون في قعر السفن مع الحيوانات (الغنم) في محاولة للتسلل والوصول إلى المدن، وهكذا نطالع حسن ومرتضى يجالدان فى الذهاب إلى مدن النفط، حيث الثروة .المال والشراب. وقد وجدا ضالتهما في رجل قادهما إلى ربان السفينة في مقابل مبلغ مالي له ولربان السفينة فنجحا في أن يمتطيا السفينة وقد خُصِّصَ لهما مكان صغير وظلا متلاصقين. وبحركة دراماتيكية تنقلنا القصة عبر وسيلة الاسترجاع إلى ما كان يدور بين حسن ومرتضى عندما كان حسن يحاول إقناع مرتضى بركوب مركب المغامرة «كانا متلاصقين، أيضاً؛ تحت شجرة في ذلك الحقل البعيد حسن الطويل، النحيف، هو الذي كان يجر مرتضى القصير، الهادىء، إلى المغامرة، يصيح فيه أتعجبك العيشة هنا مع الماعز والعجائز حيث لا ثلاجة ولا سينما ولا خمر! هيا أحلم بالمدن الذهبية، مدن النفط، حيث الثروة والنساء والمتع! هيا قم من رقدتك في الروثّ»،«٢٢». وهكذا عاش مرتضى على الأحلام الوردية التي رسمتها مخيلته بفعل «جعجعة حسن» فإذا هو يتصور رزم المال وقد غزت جيوبه وأحياناً يتصور نفسه «وهو يعود إلى قريته بسيارة جيب متجها إلى بستانه الذي اشتراه»،«٢٣». وظلا يحومان حول العائدين يسألائهم عن الأشياء التي حملوها معهم، ولكن أحلامهما تذهب أدراج الرياح حين يلتفت إليهما ربان السفينة قائلاك «التفت الربان إلى الشابين المحدقين في سراب المياه. وقال: «هيا انزلا! خوضا البحر، إنه ضحل هنا، وتمنياتي لكما بالتوفيق»،«٢٤». وهنا نعود إلى صورة البحر المألوفة والمربطة بالخوف الجاثم على الصدور، بعد أن عدنا إلى عالم الواقع، فهنك خوف من الدوريات التي تصطاد المغامرين وعلى الربان أن ينزلهما في أقرب نقطة قريبة من الشاطئ، وطلب منهما المضي إلى الجزيرة في الليل «في الليل أمضيا نحو الأضواء، سترونها خافتة لكن لا تشعرا بالخوف، المياه ستكون ضحلة والجزر سيتسع، سيرا بهدوء وحذر، ستصلان المدينة، وستنعمان بالعمل والثروة»،«٢٥». بيد أن مرتضى وحسن يستسلمان على التوالي لغفوة بين الصخور القريبة من شاطئ الجزيرة ليتفاجآن بالمد الذي حاصرهما من كل اتجاه، وفي ظل هذه المياه المتلاطمة عليهما أن ينظرا حتى اليوم التالي بعد أن حوصرت أحلامهما الوردية وتضاءل بريقها وصارا يصارعان الموج الذي بدأ يفرش سطوته على الأمكنة المتاحة بين الصخور والرمل، بحيث صار هو السيد الماء والآخران يتشبثان الأمل في النجاة وها هي أصابع المياه تلحس أقدامهما، وتحسس مذاق جسديهما، وكأن جيشاً من النمل يندفع في شرايين عود قصب»،«٢٦». وهذا ما يمهد، للنهاية المأساوية التي لقي فيها الاثنان مصرعهما غرقاً في مياه الخليج: «وهذا هو الماء يتذوق صدريهما، ويبقبق حولهما قدرا يطبخ أحياء لمائدة مجهولة، وفجأة تأوه مرتضى واختفى، صاح حسن طويلا ونادى، ولكن الماء وحده، كان يثرثر مع ذاته، ولم يكن ثمة صدى،…»،«٢٧». ونفاجأ بأن حسن في نهاية المطاف أيضاً سيسقط في وسط المياه الغامرة. هذه النهاية المأساوية ترسم خطاً تصاعدياً لأحداث القصة التي بدأت بالتفاؤل ومحاولة تغير المصير ممثلة بمجاهدة الشابين حسن ومرتضى على تغير الواقع من غير جدوى ولهذا فقد ذهبت محاولتهما أدراج الرياح، بيد أن هذه النهاية تضعنا أمام تشابك لتجليات الواقع البحريني المعاصر، إذ إن موت البطلين مؤشر على انعدام الأمل في الواقع الحالي وأن ما يؤمل للبحر أن يقوم به من توفير وسائل الوفاة والسعادة قد غدا من مرادفات التعاسة في الواقع اليومي المعاش، وهذا ما قد بعد مؤشراً على انحسار الرؤية الإيجابية في الحياة السياسية التي يفقد فيها الإنسان حياته حيال أمله بالتغير. وبذلك فقد اشترك البحر والقرية في رسم لوحة فسيفسائية تدل على واقع الإنسان في البحرين ولكنها في الآن نفسه تجرد الإنسان من حقوقه التي يسعى إلى تحقيقها، ويبدو أن الصورة المأساوية التي انتهت إليها القصة الأخيرة «الأضواء» هي صورة مكررة بشكل أو آخر في قصص أخرى من المجموعة القصصية سهرة، ولكنها تدل في الأحوال كلها على العقم والموت والدمار الذي يحيط بالإنسان البحريني المعاصر. ولذلك ألفينا القاص عبدالله خليفة ينزع إلى إشراك مكون آخر غير المكونين السابقين معهما في هذه المجموعة القصصية على الأقل في محاولته تجسيد مكانة البحرين كبلد، وهو السجن كمكان مكرر في قصص المجموعة برمتها، على أساس أن ما تجسد في القرية وفي البحر يفضي إليه، وهذا ما سنتوقف عنده في الفقرة القادمة من البحث. ٣ ـ السجن كمكان فى مجموعة سهرة؛ أشرنا سابقا إلى أن شخصية الكاتب عبدالله خليفة تجمع بين المفكر اليساري«*» والأديب القصصي والروائي وقد وصفه بعضهم بأنه المناضل الذي لم يتراجع في كل الظروف عن أفكاره وعن مواقفه، وقاده التزامه بأفكاره التي دافع عنها بشجاعة إلى السجن أكثر من مرة»،«٢٨». فقد انضم إلى صفوف جبهة التحرير الوطني البحرينية في ستينات القرن العشرين ونشط في صفوفها مما عرضه للاعتقال في العام ١٩٧٥، وفصل من عمله الذي مارس فيه مهنة التعليم والتدريس وليخرج من السجن في العام ١٩٨١،«٢٩». يعود إليه في أوقات متفرقة أخرى، وهذا ما منحه فرصة للتعبير عن عالم السجن كما شاهده وعاشه هو بتفاصيله اليومية والمعتادة، ولا سيما أن بعض كتاباته قد انطلقت من عالم السجن، ومن حيثياته؛ بل أن بعضها قد دونها وهو في داخل المعتقل وعلى أوراق السجائر ومن ثم وصلت إلينا بعد معاناة قاسية كما فعل ذلك الكاتب العربي صنع الله إبراهيم عندما سجل يومياته في السجن بين عامي ١٩٦٢-١٩٦٤،على ورق البفرة بخط منمنم أثناء اعتقاله ونجح في تهريبها معه عندما أفرج عنه«٣٠». تماماً كما فعل كاتبنا عبدالله خليفة الذي وفَّرت تجربة السجن له كرصة لانعكاس حقيقة المجتمع من حيث أوجه الحياة الاجتماعية المختلفة»«٣١»، كما يقول الدكتور سمير أمين وهو ينقل عن الذين كتبوا عن تجربة السجن من الكتاب العرب التي وجدها أكثر صدقاً من التجارب التي كُتبت عن عالم السجن من أناس لم يلجوا هذه التجرية ولم يفهموها حق فهمها. وقد تغلغلت تجربة السجن بين طيَّات كتابات الأديب والقاص عبدالله خليفة وتداخلت بطريقة يصعب فصلها عن أفكار قصصه ورواياته في كثير من الأحيان، ولكن المتمعن الذي ينعم النظر بين طيات هذه القصص والروايات يظفر بشذرات من تلك التجربة متغلغلة في تلك القصص، التي دفع من أجلها الكثير ولا سيما عمله وراحته، ولهذا فلا نجد غير قصة واحدة بعينها مخصصة لتجربة السجن في مجموعته «سهرة»، ولكن تجربة السجن تطل علينا في كثير من القصص بهذه المجموعة وفي غيرها من القصص والمجاميع القصصية الأخرى للقاص وهي تشير إلى واقع اجتماعي ربما عاشه القاص وربما سمع عنه من آخرين. ولعل قصته الأولى «السفر» في مجموعة سهرة من أكثر القصص وأهمها عناية بهذا الموضوع، فالراوي يؤكد في أكثر من مناسبة أن البطل يتعرض لعقوبة السجن ولمدة طويلة جداً تصل إلى خمسة عشر عاماً «خمسة عشر عاما في السجن، لم يبق شيئاً على حاله، تاهت دروب الحارات من قدميه، وسألته العصافير عن جنسيته، بين الجدران، في برميل الزيت المغلي، كان يحلم بالتوغل هنا… أيضاً كان حلمه أن يطير، كالنوارس، بعيداً بعيداً، يخترق جدران البلدان»،«٣٢». فالبطل يتعرض إلى عقوبة السجن مدة طويلة وهي تجربة مريرة كاد أن ينسى قريته التي تركها بحاراتها وأزقتها الضيقة وكان يأمل في السفر والعيش في أماكن خارج بلده وبخاصة في مدريد أو في غابات أفريقيا أو استراليا بل وحتى في ثلوج سيبيريا وباريس.. إلخ من مناطق العالم، بيد إنه ظل ملاصقاً لجدران السجن هذه المدة الطويلة وهو يعيش مع المساجين ويتعرض لمشاجراتهم ويتعرض خلالها إلى ممارسات رجال الأمن القاسية بقول «خسة عشر ألف مليون شجار وغناء نازف للحنجرة وليل صامت طويل تئن فيه الوسائد، وبصقات وصفعات شرطي صخري يفخر طوال الليل بغزواته للنساء، واليدان ذابتا من الفؤوس والصخور والقيود والأبواب الحديد، وتصير الأحلام مسامير، وتسأل النار: هل من مزيد»،«٣٣». وكما يبدو فإن البطل وشخصيات القصة جميعا من النوع الكافكاوي الذي يبقى بلا مسميات، إذ يحل الرمز محل الاسم كما فعل كافكا في بعض رواياته. فضلا عن الحدث الذي لامس حدود الرمز ونهل منه، لأن هناك ما يمكن أن نصفه بالرمز العميق الذي أفاد من تجربة السجن التي حلت على البطل وهو يحلم بحلم بعيد المنال بالخروج من المعتقل والعيش في الحي القديم الذي تبدلت معالمه والسفر إلى خارج البلد حيث تحقيق الأحلام الوردية التي كانت تراوده وهناك الواقع الذي يجهض هذه الأحلام ويحد منها. بيد أنه واجه عالما آخر عندما خرج من السجن؛ يقول: «منذ أن خرج كان الجوع الضاري نزيل جسده كل أهله ماتوا أو اغتربوا، جاء هنا وسكن غرفة رخيصة شاركته فيها فئران سمينة ومومس عجوز»،«٣٤». فرحلة العذاب مستمرة سواء أكان في السجن أم في خارجه، إذ إنه لم يستطع تحقيق ما كان يصبو إليه؛ وهو بين جدران السجن وعندما خرج ظل يدور في الحلقة ذاتها بلا هدف مع أن لديه كنزاً مدفونا بجدران بيته القديم، ولا يستطيع إخراجه، ولكننا نفاجأ بأن زوج المرأة استطاع الاستحواذ على الكنز والهرب به خارج البلد. وفي هذا دلالة عميقة على كون الزوج الغريب ممثلا للاستعمار الغربي الذي يحقق طموحاته بالإستحواذ على خيرات الآخرين ونهبها بطريقة لا تخدم أبناء البلد۔ وفي ضوء ذلك فإننا يمكن أن نطلق على هذا النمط من القصص بقصص الواقعية الرمزية الذي تضمر فيه القصة أشياء وتبوح بأخرى، وقد حاول الراوي أن يرسم معالم القضية المطروحة أمامنا من خلال امرأة استطاع هذا السجين أن يتزوجها وهي أم لطفلين، وهما ــ فيما نرى ــ شقا المجتمع البحريني السني والشيعي، وأن زوجها السابق قد ظفر بالكنز المدفون في جنبات حيطان البنت القديم وهرب إلى الخارج وحين سألها عن ذلك الأب الغائب المسافر الذي لا يرجع: «ضمته إليها وقالت (لا أعرف ماذا حدث له؟ ذات يوم رأيته يعثر على شيء في الجدار المتساقط صمت يوما كاملا، ثم زعم أنه سوف يسافر لزيارة قريب له، بعد أن أغلق الباب وراءه لم أره بعد ذلك أبداً. سمعت .مراراً عنه. قيل إنه مرة في الشرق ومرة في الغرب. لا أدري ماذا جرى له… لماذا تسأل؟)»،«٣٥». وعند ذلك نكون إزاء تجربة جديدة لم نستطع أن نكتشفها منذ الوهلة الأولى؛ إذ غدت الأحداث تنجر وراء هم سياسي حاول القاص أن يخفيه عن الأنظار، لأن هناك معادلة يشترك فيها السجين الحالم والمرأة المتزوجة التي يهرب نزوجها والتي نتزوج من السجين وولديها والمرأة المومس وكلها تقضي إلى هم سياسي يحيط بالبلد. وعندها نستطيع أن نلم شعث القضية من خلالها بكون البلد يتعرض إلى دسائس المتسلطين والمستعمرين الذين يسرقون قوت الإنسان وكنوزه المخفية والظاهرة ومن ثم يتركون الإنسان العادي يعاني الويلات. وإذا كانت القصة الأولى في هذه المجموعة تقوم بكاملها على تجربة السجن فإن هناك من قصص هذه المجموعة من أشارت إلى تعرض بعض الأشخاص إلى تجربة السجن أيضاً، وذلك ما ألفناه في القصة الثانية وهي قصة «سهرة» التي أخذت المجموعة القصصية تسميتها منها، وفي ذلك دلالة على أهميتها بين قصص المجموعة. إذ نجد أن البطل يدخل السجن أيضا لسبب بسيط، وهو أنه لا يمتلك ثمن ما احتساه في البار ولكنه ينقل تفاصيل دقيقة عن عالم السجن يقول: «أفضل مكان يقضيه العاطل زنزانة صغيرة محترمة تتحقق فيها الشروط التالية: الأكل المنتظم، الأصدقاء المرحون، الشاي، السجائر، قطعة صغيرة جداً من الشمس»،«٣٦». فهو يضع أمامنا التفاصيل الدقيقة للعش في دهاليز السجن وهي لا تفتح إلا لمن عاش التجربة وعانى منها معاناة حقيقية. إن توجه هذه القصة لا يختلف عن توجه القصة السابقة لولا أنه يقوم على أربعة مفاصل ــ كما يلوح لنا ــ هي البطل وصديقه الشاعر الممثل لتوجهات المناضلين والمرأة العجوز الممثلة للبلد وزوج العجوز المثل للاستعمار الأمريكي، والبطل يصل إلى نتيجة مهمة وهي الموت منتحراً بعد أن بلغه العجز التام عن المواجهة، وبهذا تغدو هذه التجرية التي لمسنا بعض تجلياتها المحلية واليومية ممثلة للهم السياسي الذي يعبر عنه الأديب بشتى الصور والأساليب. كما يغدو السرد في هذه القصة ممثلا لمحور مركزي من محاور الجدل الثقافي وأداة للكشف عن ما هو مغيب ومسكوت عنه في حياتنا وثقافتنا«٣٧». كما يقول الناقد فاضل ثامر وهو بصدد كشفه عن الأساليب والصور المسكوت عنها في السرد العربي وقد وجد منذ البداية أن «الكتابة القصصية هي مثل جبل الثلج لا يظهر منه إلا جزة بسيط، أما الجزء الأعظم فيظل غير ظاهر، مغموراً في الماء، فإن الجزء الغاطس أو المغيب في الخطاب الروائي يمثل نصاً غائباً أو موازياً للنص الظاهر لا يقل أهمية وتأثيراً عن النص المكتوب »،«٣٨». وذلك ما كشف عنه تودوروف منذ وقت مبكر عندما أشار إلى «أن ثمة عناصر غائبة عن النص وهي على قدر كبير من الحضور في الذاكرة الجماعية لقراء عصر معين لدرجة أننا نجد أنفسنا عملياً بإزاء علاقات حضورية»،«٣٩». وهذا ما يمكن إثباته في سرد عبدالله خليفة ولا سيما في قصة «سهرة» على نحو خاص؛ التي يغدو المغيب فيها أكثر تأثيراً من الظاهر ولذلك فكلام الناقدين تودوروف وفاضل ثامر ينطبق عليها تماماً. ومن هنا فإن هذه القصة تمثل عينة من عينات السرد البحريني المعاصر المرتبط بالقضية السياسية، بصفة خاصة والمميز من بين السرود الخليجية التي تهتم بالجانب السياسي وتتوقف عليه، على اعتبار أن السرد البحريني أكثر السرود الخليجية اهتماما بالنزعة السياسية بمحاولته تجسيد هذه النزعة بقالب فني بعيد كل البعد عن العرض الفج، ولذلك فهذا السرد لا يكشف عن نفسه إلا بعد تمحص وتفكر غائصين في تلابيب العمل الفني. الخاتمة ونتائج البحث : يمكن إجمال أهم النتائج التي توصلنا إليها في أثناء البحث بالنقاط الآتية: ١ ــ ارتبطت الأمكنة المذكورة بقصص مجموعة «سهرة» بمكان ولادة القاص ومرتع صباه، وقد انطلق تعبير القاص عن الأمكنة المتعددة في قصصه من مكان واقعي عاشه الأديب ومن ثم عبر عنه في قصصه. ٢ ــ رسم القاص ﻋﺒدالله خليفة لوحة لقريته، لتي عاش فيها، طفولته في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. ٣ ــ عبر القاص عن توجهات الطبقة العاملة والكادحة في البحرين، ولا سيما طبقة العمال والكسبة وطبقة الكادحين العاملين في البحر. ٤ ــ تمكن القاص من التعبير عن البحر بوصفه مرتبطاً النفط بعد أن كان مرتبطاً بالغواصين ومنقذاً لهم من الجوع فحسب. وتلك نظرة جديدة اختلفت عن نظرة الكتاب البحرينيين الذين كانوا ينطلقون في وصفهم للبحر من شدة بأسه ووطأته على الغواصين الذين كانوا يتعرضون للويلات والمصائب من جراء عملهم فيه لكسب قوت يومهم، في حين جاء التعبير عند القاص عبدالله خليفة ليكشف عن عالم النفط والبترول. ٥ ــ انطلق الكاتب من نظرة كافكاوية في وصفه لكثير من شخصياته التي تعرضت لنكبة السجن؛ فلم يذكر أسماءها وتحدد بصفاتها فحسب. ٦ ــ عبر الكاتب عن التجربة التي عاشها وخاضها في السجن بالفن القصصي فنقل لنا تفاصيل دقيقة عن هذا العالم الذي يفقد فيه الإنسان صفاته وسماته ويتحول لكائن يجالد لأن يعيش. ٧ ــ استغل لكاتب ما دار في واقعه المعاش أداة للتعبير عن الهم السياسي برمزية واضحة، وقد عرض عن طريق ذلك لأهم ما عانت منه بلاده في العصر الحديث الممثل بتسلط المستعمر من جانب وانشقاق أهل البلد بين طائفتين متناحرتين من جانب آخر.
ـــــــــــــــــــــــــ الهوامش: ١ـ تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي: ٢٥۲. ٢- كلمات من جزر اللؤلؤ ـ دراسة في أدب البحرين الحديث – أحمد محمد خليفة: ٦٣. ٣ – ينظر القصة القصير في الخليج العربي الكويت والبحرين، د إبراهيم غلوم :٦١٠. ٤ – رحيل عراب الرواية البحرينية عبدالله خليفة: جعفر الجمري ، جريدة الوسط العدد ٤٤٢٨ الثلاثاء ٢١ أكتوبر ٢٠١٤. ٥ – رحيل عراب الرواية البحرينية عبدالله خليفة: جعفر الجمري ، جريدة الوسط العدد ٤٤٢٨ الثلاثاء ٢١ أكتوبر ٢٠١٤. ٦ – رحيل عراب الرواية البحرينية عبدالله خليفة: جعفر الجمري ، جريدة الوسط العدد ٤٤٢٨ الثلاثاء ٢١ أكتوبر ٢٠١٤. ٧- ينظر كلمات من جزر اللؤلؤ ح دراسة في أدب البحرين الحديث أحمد محمد خليفة؛ ١١. -٨ عبدالله خليفة؛الكتابة سجل للاعتراف: فيصل عبدالحسن، مجلة نزوى على الموقع الالكتروني؛ com nizwa. ۹ – سهرة عبدالله خليفة: ٥. ١٠ – كلمات من جزر اللؤلؤ دراسة في أدب البحرين الحديث أحمد محمد خليفة؛ ٦. ١١ – تمظهر التجديد في بنية السرد في القصة القصيرة ١٧ – ١٨. ١٢ – سهرة عبدالله خليفة: ٢١. ١٣- سهرة عبدالله خليفة:٢١. ١٤- سهرة عبدالله خليفة: ٢٣ -٢٤. ١٥ – الأيديولوجية في الرواية؛ عبد الجليل الأزدي ، م؛ علامات ع(٧) ١٩٧٧: ١٠٣ -١٠٤. ١٦ – ينظر المرجع السابق؛ ١.٤-١.٥. ١٧ – ينظر ما قالته النخلة للبحر . ٨ا – ينظر ما قالته النخلة للبحر . ١٩- سهرة عبدالله خليفة: ٣٣. ٢٠- كلمات من جزر اللؤلؤ دراسة في أدب البحرين الحديث أحمد محمد خليفة؛ ١١٥. ٢١- سهرة عبدالله خليفة: ٤١. ٢٢- سهرة عبدالله خليفة:٤٤. ٢٣ – سهرة عبدالله خليفة:٤٤. ٢٤ – سهرة عبدالله خليفة:٤٤. ٢٥- سهرة عبدالله خليفة:٤٣. ٢٦ – سهرة عبدالله خليفة:٤٥. ٢٧- سهرة عبدالله خليفة:٤٥. ٢٨- القائد والمناضل عداش خليفة مفكراً وأديباً وروائياً بحرائيا isalbunasablog.wordpress.com
يشترك كثير من أدباء البحرين ومثتقفيها بهذا الفكر في الشعر والنثر، ولا نبتعد في هذا الصدد عندما نشير إلى الأدباء في البحرين. ٢٩- القائد والمناضل عداش خليفة مفكراً وأديباً وروائياً بحرائيا . ٣٠- أدب السجون، تحرير شعبان يوسف: ١٥. ٣١- أدب السجون، تحرير شعبان يوسف: ١٥. ٣٢- سهرة عبدالله خليفة:٥. ٣٣- سهرة عبدالله خليفة:٦. ٣٤- سهرة عبدالله خليفة:٧. ٣٥- سهرة عبدالله خليفة:٩-١٠. ٣٦- سهرة عبدالله خليفة:١١. ٣٧ -ينظر المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي:٥. ٣٨ -ينظر المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي:٩. ٣٩-الشعرية:٣٠ـ٣١. مصادر البحث ومراجعه: ١- الإيديولوجية في الرواية؛ عبد الجليل الأزدي ، مجلة علامات،ع (٧) ١٩٧٧، مكناس، المغرب، ٢- أدب السجون: تحرير، شعبان يوسف، وزارة الثقافة، الهيئة المصرية العامة للكتاب٢٠١٤. ٣- سهرة مجموعة قصص؛ عبدالله خليفة، توزيع المركز الثقافي العربي، بيروت – الدار البيضاء. ٤- رحيل عراب الرواية البحرينية عبدالله خليفة؛ جعفر الجمري ، جريدة الوسط العدد ٤٤٢٨ الثلاثاء ٢١ أكتوبر ٢٠١٤. ٥ – تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي؛ د، يمنى العيد، دار الفارابي، ط (١) بيروت لبنان ١٩٩٩. ٦ – تمظهر التجديد في بنية السرد في القصة القصيرة؛ نجاة صادق الجشعمي، نشر مركز الوطن العربي (رؤيا) والعنوان للنشر والتوزيع – الشارقة، توزيع مركز الحضارة العربية ، القاهرة ٢٠١٨. ٧ – الشعرية: تزفيطات تودوروف، ت: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، المغرب ١٩٨٧. ٨ – عبدالله خليفة؛ الكتابة سجل للاعتراف؛ فيصل عبدالحسن، مجلة نزوى على الموقع الالكتروني : ٩ القائد والمناضل عبداش خليفة مفكرأ وأديأ وروائيأ بحرئيا ess.com .wordpr isaalbufasablog ١٠ – القصة القصيرة في الخليج العربي الكويت والبحرين؛ د، إبراهيم غلوم، دار الحرية للطباعة، بغداد ،١٩٨٨. ١١ – كلمات من جزر اللؤلؤ دراسة في أدب البحرين الحديث أحمد محمد خايف، الهيئة المصرية ١٩٨٨. ١٢- ما قالته النخلة للبحر، دراسة في لظواهر القية لشعر البحرين المعاصر علوي الهاشمي، دار الحرية للطباعة والنشر، بغداد ١٩٨٦. ١٣ – المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي؛ فاضل ثامر، دار المدى للنشر للثقافة والنشر – بغداد، ٢٠٠٤.
لم تفقد الحكاية بريقها الطموح المشع في أكثر من اتجاه ولاسيما قدرتها على الترميز ومرونة تشكيلها الفني وإمكانية إعادة صياغتها من أجل أن تستوعب هموم عصر آخر وأن تتكيف لسياق مختلف تماماً عن السياق الذي وردت فيه أول وهلة مما يمنحها فرص الديمومة والامتداد إلى ما لا نهاية. فالحكاية كما عبر إ. م. فورستر – دودة الزمن العارية التي يصعب علينا أن نضع لها بداية أو نهاية (1)، ومن البديهي أن يرتكز إليها القاص المعاصر بوصفها ركيزة ومهاداً ونبعاً سواء أكان هذا في مضامينها ذات الطابع الترميزي أم تشكيلها الفني وأدواتها وتقنيتها المتمثلة بالحدث الذي يبدو من أقرب الأدوات الفنية للحكاية نظراً لارتباطه بغريزة حب الاستطلاع لدينا جميعاً، فنحن لسنا أقل شوقا من شهريار كي تكمل شهرزاد أحداث حكاياتها ولكي نعرف ماذا جرى بعد ذلك(2). وقد تمتد الصلة إلى عناصر فنية أخرى كالشخصية والزمان والمكان أو تشذير الجملة السردية بـ (موتيفات) مستقاة من بنية الحكاية ولوازمها. وفي مجموعة سيد الضريح للقاص البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة نلمس نسقاً حكائياً في أكثر من قصة من قصص المجموعة، ومن ذلك قصة (محاكمة علي بابا) وإن سعت هذه القصة إلى استثمار نقيضين هما الحكاية العريقة الضاربة في أعماق الفن القصصي عامة من جانب ومن الجانب الآخر التقنية السينمائية القائمة على (دايولوج) يطغى على القصة ويقرب صياغتها من الصياغة القصصية، يرد على لسان المذيع الذي يسترسل في حديثه فلا ننكر عليه ذلك (هل تصدقون ذلك أيها السادة؟ إنني أصور لكم المشاهد لحظة بلحظة، ولكن الكاميرا لا تستطيع أن تندس وتلاحق (الجيب) المغطى بالقضبان، المندفع، والرجل الكهل يخفي ملامحه بغترته التي غدت صفراء ذابلة، أين كان منها ذلك التاج المتلألئ وحشود الحرس شاكية السلاح والسيارات السوداء الطويلة التي تمرق مروق البرق صارخة بأبواقه ودرجات مرورها النارية، قافزة ضلوع المشاة والإشارات والهدوء؟ إننا نتقدم الآن نحو المحكمة، ثمة زحام هائل…) (3) ونفاجأ بأن الرجل الكهل هو علي بابا بطل إحدى حكايات ألف ليلة وليلة وقد منحه النص بعض سمات البيئة المحلية ومن خلال غترته التي أخفى بها ملامحه، ونلمح وعي النص وحرصه على أن يوجه شخصية علي بابا وجهة أخرى مختلفة إذ يضفي عليها طابعاً سياسياً، فعلي بابا في سياق النص هو حاكم المدينة السابق، وكان قد حكمها أربعين عاماً ولا يخفى ما يعنيه العدد فهو صدى لعدد شركاء علي بابا اللصوص(علي بابا غير قادر على اختراق كتل المصورين والميكروفونات والأيدي والرؤوس… علي بابا يختلط بأرباب السوابق الذين قذفتهم شاحنة… ها نحن الآن ندخل قاعة المحكمة الكبرى ولاتزال كتل البشر تموج بنا) (4) وهنا لا يحتاج النص إلى أن يصرح بطبيعة شخصية الحاكم السابق لأن الدلالة دانية ومستقاة من طبيعة الشخصية الأصل (علي بابا) بيد أن ثمة من ينسب للحاكم السابق انه (هو الذي فتح الكنز.. هو الذي شيد ناطحات السحاب.. هو الذي أجرى الماء من الأرض اليباب، هو الذي شق النهر الأزرق ووضع الحدائق المعلقة وملأ البحر بالسمك والبراري بالغزلان… والتلفزيون بالأخبار)(5) فيبدو علي بابا بوجهين متضادين وبإهابين متباينين، أحدهما تراثي والآخر معاصر يبرر انتقاء الشخصية وعلى هذا النحو الجديد. وتأتي شهادة أحدهم – وهو من نزلاء مستشفى المجانين – مثقلة بالإدانة (هذا الرجل القابع في القفص كان بدويا وقاطع طريق ومطلوبا للعدالة… كان يقود ثلة من المجرمين احتلوا بيت المال وأخذوا الذهب وسندات التنمية ومدخرات العمال والأجيال وحلي النساء. هل يمكن أن يفتح جبل بكلمة سمسم؟ أتعرفون ماذا تعني هذه الكلمة؟ إنها صيحات المعذبين وهم يصبون الحمم في آذان رفاقي)(6) وإذا كان النص ينحاز إلى إدانة الحاكم السابق من خلال انتقاء شخصية علي بابا بوصفه معادلاً موحياً بسجيتها فإنه لم يختم القصة بقرار إدانته بل أعلنت المحكمة براءته لعدم كفاية الأدلة وعودة الشاهد الذي أدانه إلى علاجه بمستشفى الأمراض العقلية، ترميزاً لاختلاط الأوراق في هذا العصر وغياب الحقيقة تحت ركام وسائط الإعلام وأضوائها وأساليبها في الإيهام والتضليل بحيث قد تغيب الحقيقة إلى الأبد. ويمضي النص في استثمار التقنية السينمائية كي يشكل منها خاتمة غير تقليدية للنص (صخب وضجة عارمة، المذيع: بسرور ودهشة ها أنتم أيها المشاهدون الكرام ترون وتسمعون الكلمة الفصل التي… اهتزازات حادة وانقطاع البث) (7)، ويهب هذا التآلف بين النقيضين (الحكاية في مقابل التقنية السينمائية) وفي غضون النص طرافة فضلا عن أنه يضفي عليه بعدا مكانيا وزمانيا مطلقين ومن خلال حاكم ما ومدينة ما كانت أرض الحدث ومكان وقوعه. وتنفتح قصة وراء الجبال على آفاق مختلفة مرتكزة إلى أرض مكانية أخرى مختلفة ترد عبر استهلال القصة (القرية بيوت صغيرة كالحة تحت الجبال الشاهقة… معبر وحيد أخير للحياة في قبر الأحجار)(8)، ولكن لا مناص من البحث عن وسيلة للنجاة يسعى إليها يحيى بطل القصة (ليلاً ونهاراً يعمل في هذه الآلة الغريبة وسط عريشه المفتوح للعيون الشكاكة والأيدي العابثة)(9). ولكي يضفي النص مصداقية على هذه الآلة التي يبدو أنها طائرة يتطلع يحيى أن ينفذ من خلالها إلى أجواء جديدة وآفاق مختلفة عبر جبال الحصار الشاهقة، إذاً كيف جمع يحيى مادة صنعها؟ لقد (تشكلت من بقايا المحاريث والصفائح، تضج في الليل والنهار، تقذف الهواء الساخن، وتدير المراوح القوية)(10). ولأن هذا الشأن الجديد غريب في تلك القرية النائية المنعزلة المنطوية على جهلها فإن أهل القرية (يثرثرون في مجالسهم، يغضبون، يأتون إليه بفؤوسهم: ماذا تريد أن تفعل.. لماذا تكلم الجن؟ – إنني أصنع شيئاً لعبور هذه الجبال.. أتعجبكم هذه العيشة الرهيبة كالضفادع والهوام؟ هناك وراء الجبال الأرض الخضراء والمدن والسعادة)(11) حيث يكمن خلف منعطفات القرية ودروبها أعداء الجديد والخائفون من أي تغيير. وحين يصرخ يحيى بطل القصة (ثمة طوفان قادم، ثمة جليد عارم جبار سيتدفق ستكتسح الصخور المنازل والزرع، هلموا إلي)(12) فإن شخصية نوح عليه السلام وعناد قومه الجاهلين يردان إلى الأذهان، ويتوضح هذا التوظيف الواعي لحدث الطوفان عبر هذه الدمدمة الرهيبة التي(تكتسح كل شيء… تنغلق الكهوف على السحرة في الجبال ويركض الناس للشرائط المعلقة على القبور)(13) وتتسلل الإضافة العصرية إلى بنية الحكاية الأصل حين تنجح آلة يحيى وهي قسيم لفلك نوح عليه السلام في أن تنقذ الحياة متمثلة بشابين اثنين فقط هما نورة وسامي (لم يكن سوى هذين الزوجين معه ولكنهما كافيان لبدء حياة جديدة)(14). وهنا يومض أكثر من إيحاء، فلعل آلة يحيى هذه هي التقنية الحديثة التي لا مناص من إتقانها كي تعبر بنا إلى آفاق جديدة، لأن الاقتصار على ما لدينا قد يعرضنا للانقراض تماما كما انقرض سكان تلك القرية الرامزة التي غمر أهلها الطوفان وإلى الأبد، ولاسيما ان هذا الطوفان كان جليدا عارما جبارا على حد وصف النص مما يعطيه هوية شمالية وملامح أوروبية. وربما يئس النص من إمكانية صلاح القرية الرامزة وأهلها ورأى أن يعيد صياغة الحياة بحيث تكون أقل بؤسا وأكثر إشراقا. وتتخذ قصة الرؤيا هيئة حكاية متخيلة تصوغها مخيلة النص وهي تستوحي الحكاية على لسان الحيوان مع أن الكلب عنتر – وهو بطل القصة وراويها بضمير المتكلم – كان بصدد إلقاء محاضرة في إحدى الجامعات العتيدة – كما عبر النص – ولذلك فإنه يبدأ بأن يعرف نفسه منذ استهلال القصة (أنا الكلب عنتر كما أسماني صاحبي ومكتشفي الأول عطية المجنون، أتقدم بمحاضرة في هذه الجامعة العتيدة متشرفا بالتحدث أمام نخبة من المفكرين والباحثين متمنيا أن تكون مداخلتي المتواضعة فرصة لإثراء الفكر في هذا البلد المعطاء)(15) إذاً تعتمد القصة على هذا الكائن المتخيل عنتر الذي يجمع وبقدرة غرائبية بين الملامح البشرية وسمات الكلب المعهودة، فهو يحاضر ويكتب مما يشي بأنه يمتلك ثقافة واسعة ولكنه في الوقت نفسه يستعيد أجواء النباح حين يشده عطية المجنون صاحبه ومنقذه من المزابل كما عبر عنتر ذاته (ويشدني الحبل بقوة من عنقي فتختفي كلماتي ويتفجر نباحي)(16)، ولا نستغرب حين يرى عنتر قرص القمر المتألق ليلا (يشبه عظمة كبيرة في السماء تسيح منها خيوط الدهن واللحم)(17)، ومن الطبيعي أن يعبر عنتر عن معاناته بقوله (كنت أنبح طوال الليل أرسل صرخاتي إلى المارة وإلى أصوات المذيعين… أنا هيكل عظمي مرهق يترنح وراء شبح رجل)(18) مما يفضح جانبا من مقاصد النص فعنتر المثقف الذي يصوغ نشرات الأخبار ويزود الصحف والمجلات والكتب والميكروفونات بالمادة المطلوبة يسعى النص إلى تأصيل شخصيته عبر منطقه وعالمه وأجوائه وأسلوب تفكيره المفترض (هيا هيا يجب أن أغير نفسي، كنت أقول لذاتي هذا، بل كنت أعضها كما لو كانت عظمة، ولا أطعم إلا خلها)(19). وأما الرؤيا التي ترد من خلال وعي عنتر فإنها قريبة من أجواء النسق الحكائي لأنها تقع بعيدا عن أحكام المنطق وقيوده، وهي تنتقل بلا عوائق من مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر أو كما عبر إريش فروم (الحق أننا في الحلم صانعو عالم ليس للمكان وللزمان اللذين يضعان حدودا لكل فعاليات جسدنا سلطان فيه)(20). تنعكس الرؤيا على وعي عنتر وعبر (دايولوجه) المتواصل الذي يشكل قوام التقنية السردية في القصة (كنت أرى ذلك النور البرتقالي الواسع المدهش ذا الأصوات المنفجرة والدوي المخيف… راحت كرة النار تكبر في رؤياي كل ليلة…)(21). وتتكرر هذه الرؤيا في غضون النص بحيث تنتظم كيان القصة (يستدعونني إلى غرفهم المعتمة الباردة، أتلقى رفسات كثيرة، يقذفون بي إلى الجدران – من أنت لتفسر هذه الرؤيا؟ مجرد كلب يعيش على المزابل، فلتحترق هذه الأرض ثانية وثالثة وعاشرة…)(22). وتلمح القصة في خاتمتها محورا مهما من محاور النص الذي يتخذ من الرؤيا وسيلة تعبيرية إذ يرد على لسان عنتر (مازلت أحلم بالنار، هناك محطات كثيرة مفتوحة وتضج الحمم هناك) بمعنى ان الرؤيا المرعبة لم تنته ولن تنتهي إذ إن آفاق تحقيقها قائمة وستتكرر الحرائق مما يفتح الباب أمام أكثر من قراءة لهذا النص، فمادام عنتر (الكلب) يخضع لعطية المجنون عرابه وأبيه الروحي الذي أنقذه من عفونة المزابل فإن الذهن يتجه للمثقف عامة (الكاتب الصحفي والأستاذ الجامعي وسواهما من رموز الثقافة) حين يكون ذيلا للسلطان ووسيلة لتبرير حماقاته وأخطائه. وأما إمكانية أن تأتي الحروب على ثمار الحضارة الإنسانية بحيث تتحول المدن العظيمة إلى خرائب كما هو شأن قصة الرؤيا التي بدأت بالإشارة إلى مكان القصة (لقد تغيرت مدينتنا كثيرا… كانت ناطحات السحاب على مدى البصر… لماذا عدنا إلى الخرائب؟) فإن احتمال تحقق مثل هذه الرؤيا ممكن وقائم بل إنه هم راهن ينمو في ظلال الأخيلة المريضة والأفكار التسلطية لبعض قادة هذا العالم وتحت وطأة الأورام الخبيثة التي يطلق عليها أسلحة الدمار الشامل التي يمكن أن تطيح بمستقبل الإنسان في هذا العصر. وثمة تساؤل يرد على لسان عنتر وهو مما يتبادر إلى ذهن القارئ (لماذا أسماني عنترا؟ هل كان يدرك هذا الاسم؟ هل وصلت شظاياه إلى قعر عقله البعيد؟)(25) حيث يمنح النص قارئه بعض مفاتيح قراءته لأن عنترة رمز عربي مستقر في الذهن ولكن عنترة هذا العصر ما هو إلا دون كيخوته جديد يثير السخرية بل الاشمئزاز، ومعنى كهذا يحيل إلى أسلوب الروائي الايرلندي جيمس جويس حين وظف شخصية (يوليسيس) في روايته الشهيرة حيث بدا مستر بلوم بطل الرواية شخصية متضادة تماما مع يوليسيس الأصل(26) إذ يخلو بلوم من البطولة ويبدو صورة للإنسان الأوروبي المحبط بعد الحرب العالمية الأولى في القرن الماضي وهو ما قصده جويس على وجه الدقة. وتنطلق قصة (سيد الضريح) من صميم المعتقد الشعبي الذي ينسجم مع منطق الحكاية وآلياتها, فهذا السيد الذي تنطوي عليه تلك القبة الذهبية الكبيرة يقرر أن يغادر ضريحه (بغتة تنشق القبة، المعدن الصلب انصهر أولا، وأخذت الأحجار التي تكلست منذ قرون تتصدع …) وتنطلق مخيلة النص كي تجوس أعماق السيد المغترب عما يراه من مظاهر الاحتفاء بضريحه وبالهيئة التي لم يتخيلها حتى انه يتساءل وبمرارة (هل تحسبونني إلها؟ أنا رجل فقير جئت من الصحراء بقبيلتي، ضاقت علينا رمالها، فانحدرنا بين الطعوس واللصوص والذئاب … ولا أعرف كيف سجنتموني بين هذه الجدران ورحتم تتضرعون إلي وكأنني ساحر أحك خرزة فتحدث الأعاجيب)(28) وتزداد حيرته حين يرى كتابا يحكي سيرته (قرأ عن شخص كأنه لا يعرفه… دهش من حشود الأكاذيب… صاح برعب – ماذا فعلوا بي)(29) ويكاد النص يفصح عن مكنونه على لسان الخطيب المتحدث عن اختفاء سيد الضريح (لماذا يتمسك بعض الناس بالحصى التي لا تنفع ولا تضر ويتبركون بأشخاص من البشر، وهاكم سيد الضريح هذا الذي زعموا أنه حي، فحدث زلزال وانكشف، فلا هو حي ولا موجود، ولا هارب مطلوب، وإنما هو وهم معدوم)(30). ويمضي النص في تقصي هذه الرغبة البعيدة في أعماق الإنسان الشعبي حين يدعي أكثر من شخص انه سيد الضريح مما يخلق فوضى بين الناس تتطلب تدخل الضابط الذي يقول (الحل المقترح الآن بعد الفوضى العارمة التي حدثت هو أن نقوم بإدخال هذا الرجل الضريح ونعيد بناءه كما كان)(31) ويختم القصة شاب عالم – كما وصفه النص – (وفي هذه الحالة علينا أن نبحث عن سيد الضريح طويلا الذي ربما ذاب بين الناس)(32) حيث يتعزز المعنى الذي دار في خلد النص وهو ان هذه الرغبة الدفينة في أعماق الإنسان الشعبي تنبع من سجية المعتقد الشعبي بعيدا عن منطق هذا العصر بل ومنطق الدين الحنيف ذاته الذي يرفض مثل هذا التقديس حتى ان سيد الضريح الذي هو بشر، وما من شك في أنه استحال إلى هيكل عظمي بال لو أتيح له في إطار النسق الحكائي الذي انتظم القصة أن يخترق ضريحه وأن يتحرر من سطوة الموت إذن لأنكر أسلوب التعامل معه والتضرع إليه ومنحه من الصفات والقدرات ما ليست فيه وليست في متناول يده حيا ناهيك أنه ميت. وتستعير قصة البركان أجواء أسطورية وأخيلة خرافية لصيقة بالنسق الحكائي الذي لا يستند إلى نص حكائي بعينه بل يصوغ حكايته الخاصة به بدءا بالمكان المتخيل المتمثل بتلك المدينة التي ينتشر فيها مسحوق بركاني ذو لون رمادي, وكان بطل القصة وساردها (بضمير الغائب) تمتلئ يده بالبثور المؤلمة وهو (لا يكاد يتنفس, يسحب الهواء من الفراغ والعدم)(33). وحين يخرج بطل القصة الذي يعمل في المؤسسة العامة للشيخ نصار فإنه يجد الشارع قد (امتلأ بحشد من المجذومين والبرص, يهتزون رقصا وغناء وبكاء، يلتقطون المسحوق البركاني ويمسحونه على وجوههم وأذرعهم وأرجلهم وملامحهم الباقية)(34) مما يكرس أجواء حكائية غرائبية تمهد لمضمون القصة الذي يقترب من موضوع قصة سيد الضريح في بعض محاوره وإن اختلف أسلوب التناول. يرد على لسان الشاب بطل القصة وفي مجلس للشرب: بركاتك يا شيخ نصار وهو مشهد ينطوي على طرافة وتضاد, فمثل جلسات الشراب نائية عن أجواء شيوخ المعتقد, ومع ذلك فإن بطل القصة (لم يرفع كأسه ويشربه, حدقوا فيه غاضبين, نهض بهدوء, قال : أود أن أعرف من هو هذا الشيخ نصار؟ ماذا فعل لكم؟ أنتم تعيشون أسوأ من الحمير, انظروا إلى المدن التي حولكم حدائق غناء وأنهار صناعية وأنتم تعيشون في زرائب.. لم يستطع أن يكمل خطبته…. جاءته لكمات رهيبة ونعال صلدة قاسية ثم حضرت المليشيا الشعبية واقتادته إلى إحدى قلاعها)(35) مما يعيد إلى الأذهان أساليب الاضطهاد والتعذيب والإقصاء بسبب المعتقد. ويصر بطل القصة على إبطال خرافة الشيخ نصار (يصرخ: الشيخ نصار كذبة كبرى في حياة هذه المدينة, يكسر أسطوانة على رأسه, اسكت/ اسكت, الرجل ضحّى بنفسه، ماذا فعلت أنت غير أن ثرت قليلا، إنه رجل مغمور طلع من قمح الأرض وأسكت الوحش في الأعماق، والآن كل الحصالات تتغذى من تمائمه)(36) فيتعرض النص لجدلية الثائر ورجل الدين من خلال انعكاس صورتيهما على الوعي الشعبي . ولكن السياسي الثائر يسعى إلى أن يبرهن على تفاهة خرافة الشيخ نصار الذي يقف عاجزا مثل سواه أمام سطوة البركان – عنوان القصة -، ويختم النص بهذا المعنى (يصعد نحو البركان، الأرض تعوي متشققة والحمم تبقبق وتغلي صاعدة نحو الفوهة الهائلة, ولم يفعل الشيخ نصار شيئا)(37)، مما يفضح هدف قصة البركان والبؤرة الأساسية التي انطوى عليها بناؤها السردي وفي سياق المعتقد الشعبي في بعض مظاهره التي مازالت نائية عن العصر وطبيعته وسياقاته. وبعد، فإن ثمة اتجاهين سادا مجموعة سيد الضريح القصصية, أحدهما واقعي مستمد من نبض الحياة الراهنة, ومن ذلك قصة (طائران على عرش النار) و(ثنائية القتل المتخفي) و(وتر في الليل المقطوع) و(أطياف ) و(الحارس), وإن تخللت نسيج هذه القصص شذرات المخيلة الخصبة للقاص عبـــــــدالله خلــــــــيفة وعبر تجربته العريضة في مجال السرد القصصي والروائي. وأما الاتجاه الآخر فهو الذي اتخذ من نسق الحكاية مهادا للصياغة القصصية وهو أيضا يتشكل في هيئتين إحداهما هيئة الحكاية المعروفة التي يستمد منها النص بعض عناصرها، وكما وضح هذا في قصة (محاكمة علي بابا) وقصة (وراء الجبال)،أو إن النص يشكل حكايته الخاصة به, وينطبق هذا على القصص, (الرؤيا) و(سيد الضريح) و(البركان) مما يفصح عن سعة عالم القاص وامكانية أن يستوحي من ذلك المعين الحكائي الضخم الذي ورثناه بحيث يعيد تشكيله بما ينسجم مع الراهن والنابض في هذا العصر, وعلى أن يتواءم مع تقنية القصة القصيرة ذات الطابع المكثف. ولا سيما ان النسق الحكائي الذي له القدرة على اجتياز زمنه والنفاذ إلى عصرنا الراهن يتسق مع طموح النص القصصي لــ عبـــــــدالله خلــــــــيفة في أن يتخطى حواجز الزمان والمكان كي ينسجم مع الهم الانساني ذي الطابع الشمولي. وقد اتسمت تقنيات قصص سيد الضريح وخطوطها السردية ذات الأثر القوي في الذاكرة بتنوع أجوائها القصصية بحيث لا نجد صدى لإحدى قصصه في الأخرى فيما عدا الهمّ السياسي الممتزج بالهم الاجتماعي والنفسي إذ يشع صدى ذلك في معظم قصصه سافرا حينا ومغلفا بتقنية النسق الحكائي حينا آخر. بقلم: الدكتور صبري مسلم تاريخ النشر : ٨ يناير ٢٠١١ اخبار الخليج 7 – سيد الضريح«قصص»، 2003.
❖ «القصص: طائران فوق عرش النار – وراء الجبال – ثنائية القتل المتخفي – البركان – سيد الضريح – وتر في الليل المقطوع – أطياف– رؤيا – محاكمة على بابا – الحارس». ــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش: ** عبدالله خليفة،سيد الضريح, وكالة الصحافة العربية, القاهرة 2003. وكان القاص قد أصدر عدة مجاميع قصصية منها: الرمل والياسمين, يوم قائظ, سهرة, دهشة الساحر, كما أصدر أكثر من سبع روايات, وهو ما يزال يواصل تجاربه القصصية والروائية. (1): إ . م . فورستر, أركان القصة, ترجمة: كمال عياد جاد, دار الكرنك, القاهرة 1960, ص 34 .(2): نفسه, ص 36 (3) : سيد الضريح, ص 85 – .(4) : نفسه, ص 86 (5) : نفسه, ص 88.(6) : نفسه, ص 89 (7) : نفسه, ص 90.(8) : نفسه, ص 19 (9) : نفسه ‘ ص 19.(10) : نفسه, ص 20 (11) : نفسه, ص 21.(12) : نفسه, ص 22 –23 (13) : نفسه, ص 23.(14) : نفسه, ص 23 (15) : نفسه, ص 77.(16) : نفسه, ص 78 (17) : نفسه, ص 79.(18) : نفسه, ص 80 (19) : نفسه, ص 83.(20) : إريش فروم, الحكايات والأساطير والأحلام, ترجمة : صلاح حاتم دار الحوار, اللاذقية, ص 12 (21) : سيد الضريح, ص 79. (22) : نفسه, ص 83 (23) : نفسه, ص 84. (24) : نفسه, ص 77 (25) : نفسه, ص ..2 .(26) : جيمس جويس, عوليس, ترجمة : د . طه محمود طه, المركز العربي للبحث والنشر, القاهرة 1982 (27) : سيد الضريح, ص 41 – 42 (28) : نفسه ‘ ص 43 (29) : نفسه, ص 44 – 45 (30) : نفسه, ص 48 (31) : نفسه, ص 49 (32) : نفسه, ص 49 (33) : نفسه, ص 37 (34) : نفسه, ص 37 (35) : نفسه, ص 38 – 39 (36) : نفسه, ص 40 (37) : نفسه, ص 40
مجموعة «لحن الشتاء» للكاتب البحريني عبدالله خليفة محاولة قصصية تندرج في سياق الحركة الادبية المتصاعدة التي تعرفها البحرين في فترة السنوات الأخيرة حتى يومنا هذا. ولعل حركة المضمون التى ينطوى عليها، هذا الكاتب تشكل الحدث الأكثر بروزا وطغياناً فيه. فالقضية هي قضية معاناة إنسانية عميقة الجذور متشعبة ترسم صيغ الأوضاع الاجتماعية والسياسية والإنسانية والحضارية التى يعانى منها الإنسان كإنسان فى البحرين. وان هذا الامر لا يعبر عنه الأديب تعبيراً مسطحاً أو سريعاً وعابراً. إنما يشكل هاجساً أكبر يتنفس من كل كلمة وحرف وفاصلة. . انه حلم أو هذيان أو جنون ينقله الكاتب إلى اللغة التى تصرخ حيناً وتناجي حيناً آخر وترصد الحركة الوجدانية في كل الأحيان. لكن اللغة التي تحمل هذه الهواجس لا تقف على رجلين متساويتين، بمعنى أنها لغة تتراوح بين السردية المباشرة والحوارية الدائلة، الواقعية حيناً والخيالية حيناً آخر، حتى لتصل احياناً، إلى الشعر وخصوصاً في أقصوصة «لحن الشتاء» حين يتحدث عن اللحن مشيراً إلى أنه «ينبعث من جهة ما، ينطلق الى البيوت والاشجار، يهزها، يجرحها، يسيل دماءها فينطلق الحزن والأسى والعذاب في الطرقات».. أو حين يقول في الاقصوصة ذاتها «اللحن رجل مجنون.. يكلم الجدران والنوافذ».. «اللحن خناجر تنغرز في عظامك» أو حين يقول في أقصوصة السندباد «أمطرت السماء حزناً وغياباً».. حيث تتبين في هذه المعطيات الرقة والانسياب اللذين تتميز بهما في بعض الأحيان. من هنا يمكننا أن نفهم أهمية الأقصوصة في الأدب البحريني حيث تبشر الحركة الادبية هناك بنوع من المستقبل الزاهر الذي ستعرفه هذه الحركة الادبية في الفترات القريبة المقبلة. جريدة «العصر» اللبنانية 11/7/1980
المناقشات حول تطور الرواية ومدى تعبيرها عن قضايا المجتمع، تُبرز دور الأدب في تشكيل الوعي الثقافي.
يجمع الدارسون على أن الرواية هي تتويج لفن القص، هذا الفن الذي عرفه الإنسان مذ عرف النطق والكلام، فالرجل يحدث امرأته وقد عاد من الصيد عما رأى وشاهد، ما حدث لـه في رحلته وما واجهه من أهوال ومصاعب، والمرأة تحدث الرجل عما جرى لها في غيابه قاصة عليه قصصها وأخبارها… هذا الفن العتيق الأصيل عتق الشعر في الغناء وأصالتهما تطور ككل جنس أدبي آخر واتخذ أشكالاً وتلونات كثيرة نعرفها جميعاً إلى أن جاء العصر الحديث بطباعته وصحفه وانتشار التعليم فيه ونهوض بورجوازية المدينة… إلخ لتظهر معه الرواية بشكلها الحديث الذي يضرب جذوره عميقاً في القصص الطويلة والحكايات وسير الأبطال والملاحم… كروايات الفرسان، والمغامرات في الأدب الأوروبي، وقصة حي بن يقظان، وسيرة عنترة، وحكايات ألف ليلة وليلة، وحمزة البهلوان… إلخ.. في أدبنا العربي. وهكذا ظهر هذا الشكل الجديد من فن القص لأنه الأقدر على استيعاب قضايا الإنسان وهمومه، مشاكل المجتمع وقضاياه، فالرواية هي فن بناء الحياة من جديد وإعادة تشكيل الواقع مرة ثانية لكي يتاح لمن جاء في مكان آخر وزمان آخر أن يعرف كيف كانت تلك الحياة وهذا الواقع.. وهو ما جعل الرواية اليوم الفن الأدبي الأكثر رواجاً ومبيعاً يبن الأجناس الأدبية كلها… ذلك أن الإنسان يسعى وراء ما يعنيه، ويهتم بالأدب الذي يلامس جرحه ويعالج قضاياه الإنسانية والاجتماعية وهي كثيرة، حتى ولو لم يقدم لها حلولاً.. بل حسبه أحياناً أن يطرح القضية على بساط البحث أملاً في أن يجد لها الحل فيما بعد… وإذا كانت الرواية العربية قد تأخرت قرنين من الزمان عن نظيرتها في الغرب ـ أي ما بين بداية القرن الثامن عشر حين ظهرت رواية دانيال ديفو، روبنسون كروزو، وبين بداية القرن العشرين حين ظهرت رواية محمد حسين هيكل، زينب ـ فإنما ذلك نتيجة الفارق الحضاري بين أوروبا التي بدأت نهضتها منذ القرن السادس عشر والوطن العربي الذي تأخرت نهضته حتى أواخر القرن التاسع عشر. .
فالحضارة كل لا يتجزأ، كما أن النهضة كل لا يتجزأ… يتقدم الكل معاً أو يتخلف الكل معاً، لهذا ما إن بدأت رياح النهضة تهب على وطننا العربي حتى رأيناها تهب أولاً على أدبنا بشعره ونثره.. وهو ما جعل الرواية تظهر… ثم تنمو وتترعرع بطيئة حذرة في البداية، ثم سريعة قوية فيما بعد. . في مصر، بدأت الرواية العربية الحديثة وذلك لأسباب لا مجال لذكرها الآن، ثم في بلاد الشام والعراق التي عرفت الرواية جيداً في النصف الأول من القرن العشرين… لكن في البلدان العربية الأخرى تأخر ظهور الرواية إلى النصف الثاني من القرن العشرين، حيث بدأت تظهر الرواية في المغرب العربي الكبير، السودان، وجنوب الجزيرة العربية ووسطها وفي الخليج… وهو ما يعنينا في هذا البحث: الرواية الخليجية. .
لقد تناولت الرواية الخليجية منذ ظهورها هموم الإنسان وقضايا المجتمع، شأنها شأن الرواية العربية بخاصة والرواية العالمية بعامة.. فمجال الرواية هو المجتمع وفضاؤها قضاياه . . ولعل من أهم هذه القضايا: قضية المرأة. هنا، نحن لا نعني بالمرأة ذلك الكائن!! الذي يشكل نصف المجتمع أو الأم المدرسة أو الحبيبة التي تكتب فيها قصائد الغزل، وللعرب باع طويل في هذا المضمار، بل نعني بها المرأة المشكلة التي وصل وضعها إلى درجة من التعقيد والعسر والصعوبة صار معها عقبة كأداء في وجه التغير الاجتماعي والحراك والتقدم الاجتماعي ككل، نعني بها المرأة القضية التي تثير الخلافات والإشكالات إلى درجة يتنازع حولها الناس وتقتضي الحل السريع. لقد أصبحت المرأة قضية مذ أنزلها الرجل عن عرشها في المجتمع الأمومي الذي كانت فيه السيدة المسيطرة المهيمنة، ليحل محلها ويصبح هو السيد المسيطر المهيمن . . لقد حدث تبادل أدوار وحل المجتمع البطريركي الأبوي محل المجتمع الأمومي، ليسنّ الرجل الشرائع التي تناسبه والقوانين والأعراف التي تؤكد هيمنته كرجل من جهة وخضوع الطرف الآخر الذي هو المرأة من جهة أخرى… فجاءت شرائع حمورابي تسن صراحة على أن من حق الزوج التصرف بامرأته كيفما شاء، إذ لـه الحق بضربها وحبسها بل وبيعها وقتلها إن اقتضى الأمر… منذئذ صارت المرأة قضية أساسية من قضايا المجتمع، فهي الضعيفة العزلاء التي لا تملك سلاحاً تدافع فيه عن نفسها عرضة دائماً لكل أنواع المخاطر وأشكال المذلة والهوان . . ففي الحروب هي تسبى وتساق مع الغنائم الأخرى ليمتلكها السابي أو يبيعها في سوق النخاسة . . وهي المقيدة بالأعراف والتقاليد لا تستطيع المشاركة في إدارة دفة المجتمع ومعالجة شؤونه، إلا ما ندر. وهو الاستثناء الذي يثبت القاعدة ولا يلغيها. وهي الغارقة في الجهل والأمية المحرومة من العلم والتعلم لا تستطيع التعبير عن ذاتها ولا معرفة حقوقها فكيف بالمطالبة بها؟. . قضية المرأة والتخلف: ترتبط المرأة بوصفها قضية ارتباطاً عضوياً بالتخلف . . إذ على الرغم من أن الرواية ظهرت في مجتمعنا العربي وهو يعاني من التخلف وإشكالاته إلا أن المرأة كانت هي الأكثر معاناة من ذلك التخلف، فالرجل قد يروغ يزوغ، يفلت هنا، يهرب هناك لكن المرأة ليس أمامها مفر.. إنها تواجه التخلف بكل سطوته وكل قسوته.. الجهل هي التي تتحمل وطأته كاملة.. إذ ظل الرجل بهذا العذر أو ذاك يتعلم، يذهب إلى الكتّاب، يصبح رجل دين . . إلخ.. لكن كيف يتاح هذا للمرأة؟ إنها تترك لقدرها لا يحق لها الذهاب إلى كتاب ولا الاختلاط بالذكر في أماكن التعليم ولا تصبح امرأة دين . . لهذا كانت الأمية ولا تزال هي الأكثر تفشياً بين النساء.. وإذا كانت نسبة الأمية في المجتمع العربي أيام زمان هي 98 بالمائة تقريباً فإن مائة بالمائة من هذه النسبة هي من النساء وإذا كانت اليوم خمسين بالمائة فإن ثمانين بالمائة من هذه الخمسين من النساء. الفقر، وهو الأقنوم الثاني للتخلف، يقع بمعظم أعبائه على كاهل المرأة، هي التي يتعين عليها أن تربي أطفالها وترعى بيتها وتدبر شؤونه المعيشية، لكن كيف تفعل ذلك والزوج فقير عاطل عن العمل، لا يكاد يأتي إلى البيت بما يسد الرمق، فتقاسي المرأة أيما مقاساة… هي بين المطرقة والسندان: فقر معيلها ومطالب عيالها، والأدهى والأمر إذا ما ذهب المعيل وتحولت هي إلى معيلة، هنا تكون الطامة الكبرى، فالمجتمع لا يرحم وتقاليده صارمة قاسية لكن عليها أن تحول بين أطفالها وبين غائلة الجوع وهو ما يدفعها أحياناً للانزلاق إلى مهاوي الرذيلة… ويقضي عليها قضاء مبرماً في نظر المجتمع . . كذلك الأمر مع المرض، الأقنوم الثالث للتخلف، فالمرأة بجسمها الضعيف مقارنة بالرجل وتكوينها الفيزيولوجي كأنثى تحمل وتلد هي الأكثر عرضة للمرض وهي الأكثر هشاشة إزاء الطبيعة وتقلباتها، متطلبات الحياة ومتغيراتها… فالمرأة كانت وما تزال تدفع ثمناً باهظاً من حياتها لقاء أمومتها وقيامها بالإنجاب، كما تدفع ثمناً باهظاً من حياة أولادها الذين تنجبهم، إذ لم يكن يبقى منهم إلا طويل العمر… لتعاني المرأة بذلك أشد المعاناة وتظل أقانيم التخلف الثلاثة جميعاً تقيدها أكثر إلى راهن بائس تريد التخلص منه لكنها لا تستطيع، لهذا كانت الرواية ولا تزال معنية بمسألة التخلف هذه قدر ما هي معنية بالمرأة كقضية لأنهما مسألتان مترابطتان أشد الترابط. قضية المرأة وحقوق الإنسان: تشكل حقوق الإنسان العمود الفقري لقضية المرأة، فقد جاءت النهضة والمجتمع العربي لا يعرف إلا القليل عن حقوق الإنسان. الرجل نفسه محروم من حقوقه فكيف بالمرأة؟ هو يعاني من انعدام الفرصة في الوصول إلى أبسط حقوقه فكيف تراها حال المرأة وهي رهينة محبسين: محبس المجتمع ومحبس الرجل؟ لقد ظل الرجل رغم الأنظمة السياسية والاجتماعية يجد بعضاً من الحرية تسمح لـه بها القوانين الاجتماعية والأعراف والتقاليد، أما المرأة فلا تجد شيئاً منها البتة. سيما وأنها العورة التي يحاول أن يستر عليها الجميع وأن يحجبها الجميع ويغيبها الجميع، سيما وأن موروثنا الثقافي مليء بالأقوال المضادة للمرأة والتي تعمل على حرمانها من وجودها الاجتماعي وحريتها الفردية، إلى درجة تقول معها إحدى المقولات: «دفن البنات من المكرمات» وإلى حد يقول معه أحد الشعراء عن بنته: تهوى حياتي وأهوى موتها شفقاً والموت أكرم نزال على الحرم لهذا كله لم يكن ثمة مجال للحديث عن حقوق المرأة كإنسان، إذ كان كل ما يريده لها المجتمع ويريده لها أهلها بل حتى أمها وجدتها هو الستر والصون والبقاء فقط على قيد الحياة لكي تقوم بوظيفتها الأساسية في المجتمع: خدمة البيت والإنجاب. أي بعبارة أخرى، لم يكن ثمة مجال للحديث، مجرد الحديث عن حرية المرأة وعن حقها في التعبير والاختيار وكذلك عن حقوقها الإنسانية الأخرى كحقها في المساواة مع الرجل، وحقها في العمل والتعلم، فكيف بحقها في الحب واختيار الشريك؟ هذه مسألة خطيرة يتوقف عليها مصير المرأة: وجرائم العرض والشرف ما تزال متفشية في مجتمعنا العربي حتى اليوم… هذا الحرمان من حقوقها كإنسان هو الذي شكل ولا يزال يشكل جانباً أساسياً وهاماً من قضية المرأة وهو الذي تناولته الرواية العربية باستفاضة ومنها بالطبع الرواية الخليجية . . قضية المرأة وحقوقها الاجتماعية: المكوّن الأساسي الآخر لقضية المرأة هي حرمانها من حقوقها الاجتماعية، وهو حرمان بات قاطع في أكثر الأحوال إلى درجة ترك معه آثاره على تقدم المجتمع نفسه وعلى قدرته على الحركة والتطور كما سبق وذكرنا، وليس على وضع المرأة وحسب، فالمرأة كائن مغيَّب إلى حد كبير في المجتمع، دوره يقتصر على الطبخ والنفخ والتناسل، وبذلك يخسر المجتمع نصف يده العاملة ونصف طاقته الإنتاجية وهي خسارة فادحة يمكننا أن نعرف مدى فداحتها إذا ما قارنا حالة العمالة بين مجتمع متقدم ومجتمع نام كمجتمعنا، ونجد ذلك متوفراً بكثرة في الإحصائيات التي تنشر عن هذه المجتمعات . . ولا يتوقف الأمر عند بطالة المرأة وحرمانها من العمل وتخفيض قدرة المجتمع الإنتاجية وحسب بل يتعدى ذلك إلى تحويلها إلى عالة وعبء على كاهل الرجل وهو ما يفسر إلى حد كبير انخفاض معدلات الدخل الفردي والناتج القومي في المجتمعات المتخلفة… خاصة إذا كان الرجال أنفسهم فيها لا يجدون عملاً. كذلك فإن حرمانها من المشاركة في قيادة المجتمع وسياسته يؤدي إلى خسارة طاقة كبيرة ثبت أنها فعالة وأنها ضرورة أساسية لبناء مجتمع سليم صحي متكامل. إن إبقاء المرأة كائناً مغيباً وراء ستار يعني فيما يعنيه إبقاء المجتمع ذا بعد واحد ومنظور واحد وبالتالي إلى إفقار المجتمع، هو الذي كلما تعددت أبعاده وازدادت منظوراته كان أقرب إلى النضج والاكتمال. وهكذا تحرم المرأة في كثير من مجتمعاتنا العربية من حقها في الانتخاب حتى اليوم. ومن حقها في استلام المسؤوليات وتسنم المناصب العليا، رغم أن التجربة الحضارية قدمت البرهان تلو البرهان على أن المرأة صنو الرجل كفاءة وجدارة وأنها قد تكون أكثر حرصاً على المجتمع من الرجل وأكثر أمانة وإخلاصاً منه. هذا الحرمان من حقوقها الاجتماعية ومن ممارسة فعاليتها كعنصر فاعل فيه ترك هو الآخر آثاره الضارة على المجتمع العربي وترك جرحاً نازفاً دائماً في نفوس الكتاب العرب وخاصة الروائيين منهم الذين سلطوا الأضواء في كثير من أعمالهم عليه وحاولوا أن يعالجوه، وهو أيضاً ما نلمسه في الرواية الخليجية وإن كان يحذر أكثر من أختها العربية. قضية المرأة والرواية العربية: لقد عُنيت الرواية العربية بإلحاح شديد بقضية المرأة انطلاقاً من أنها نصف المجتمع وأنه لا يمكن لمجتمع أن يتقدم بنصفه فيما يظل النصف الثاني محجوراً عليه مغيباً… إنه كأن تطلب من رجل أن يسير على ساق واحدة فيحجل حجلاً ولا يسير ولا يركض.. لقد أدرك الأديب عموماً والروائي خصوصاً منذ البداية أن تقدم المجتمع رهن بتقدم المرأة فجاءت أول رواية عربية بالمعنى الحديث للرواية، بعنوان زينب، بطلتها زينب وتتحدث عن حال المرأة البائس في الريف المصري وغير الريف المصري. كما كتب الشعراء عن المرأة فقال حافظ إبراهيم: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق كما قال الزهاوي: إنما المرأة والمرء سواء بالجدارة علموا المرأة فالمرأة عنوان الحضارة إذن، الأمر واضح كعين الشمس في أذهان المتنورين والأدباء والكتاب.. حال المرأة في مجتمعنا مزرٍ، نريد أن نتقدم.. إذن يجب أن نحسن وضع المرأة، من هنا كانت قضية المرأة إحدى أهم القضايا التي أثيرت ونوقشت وأثارت العواصف والزوابع في عصر النهضة، فقد ظهر هناك من يدافع عن المرأة وحقها في الحياة ومن يقف ضد المرأة وخروجها إلى الحياة، تمسكاً ومحافظة على الوضع الراهن . . في خضم هذا الصراع ظهر رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وقاسم أمين… إلخ مصالحين ودعاة تغيير كما انعكس ذلك كله في الرواية العربية التي تعكس بطبيعتها الواقع بكل مكوناته وعناصره، إشكالاته وهمومه. ولو أن المجال يسمح لذكرنا الكثير من الأمثلة على ذلك في الرواية العربية سواء في مصر أو بلاد الشام أو العراق… لكننا سنقتصر هنا على نماذج من معالجة الرواية هنا لهذه القضية. الرواية الخليجية وقضية المرأة: لا بد لي هنا من أن أذكر، بكل أسف وأسى، مشكلة بتنا نعاني منها جميعاً إلى هذه الدرجة أو تلك ألا وهي: مشكلة الانقطاع الثقافي بين الأقطار العربية نتيجة صعوبة انتقال الكتاب من هذا القطر العربي إلى ذاك. ذلك أن الحدود والحواجز التي أقامها الاستعمار بين أقطارنا العربية لم تقتصر على إيجاد الكيانات السياسية الشائعة وتمزيق الوطن الكبير إلى مزق ورقع، بل طالت كل شيء في حياة الإنسان والمجتمع العربي حتى الكتاب . . ورغم أنه ظل في البداية يتحرك بشيء من الحرية وينتقل ببعض اليسر. . إلا أنها شيئاً فشيئاً بدأت هذه الحدود تضيق وتلك الحواجز تزداد ارتفاعاً إلى أن بات الكتاب يعامل كالسلعة تماماً بل أشد سوءاً من السلعة وباتت حركته أعسر من حركة الأشل. . الأمر الذي راح ينعكس على الكتاب أزمة خانقة وكساداً شديداً وعلى المتعاملين مع الكتاب جفوة وعدم قدرة على التواصل. . إذ من الصعب الآن وأنت في سورية، مثلاً، أن تتابع أعمال الأدباء الخليجيين وتطلع بسهولة على ما يصدر عنهم من روايات وقصص. . قد تقع على شيء من هذا في معرض من معارض الكتب. وهي النافذة الوحيدة المتبقية عملياً لحركة الكتاب الميسرة، أو قد تقرأ عن عمل في مجلة.. لكن هذا لا يكفي لتحقيق تواصل حقيقي. . فالانقطاع، بشكل ما، قائم وهو، وأعترف هنا، ما جعلني أبحث كثيراً وأفتش علني ألم بالطيف الكامل للرواية الخليجية لكن عبثاً، فإن وجدت رواية هذا الكاتب لا أجد أخرى وإن وجدت عملاً لآخر لا أجد لثالث. . وهو ما حال بيني وبين دراسة الرواية الخليجية ككل لأقتصر على اتخاذ نموذج واحد هو: أعمال عبدالله خليفة وقضية المرأة: على الرغم من أن عبدالله خليفة هو نتاج مجتمع بطريركي بامتياز، الرجل فيه كل شيء، إلا أنه يدرك منذ روايته الأولى «اللآلئ» التي صدرت عام 1981، مدى فداحة الظلم والقهر الذي تعيشه المرأة في مجتمع أرادها أن تكون مجرد تابع عليه الطاعة والخضوع فقط، كائن لا يملك من مصيره شيئاً، فالآخرون هم السادة وهم الذين يقررون كل ما يتعلق بشأنه وما عليه هو إلا أن يسمع ويطيع. . أليس الرجال قوامين على النساء؟ أليسوا هم الأدري بمصلحتهن وخيرهن؟ 1ـ المرأة، كائناً تابعاً يقرر مصيره الآخرون: يعلم عبدالله خليفة وضع المرأة جيداً في مجتمعه المغلق الخانق للمرأة كما يعلم جيداً وضعها اليائس فيقول في روايته «الينابيع»: “أحس محمد أن جمعة يتحدث عنه ويرى أمه وهي مضطربة، مستباحة في المخزن في ليلة طاش بها صواب سيدها” ص 56. بينما يقول في مكان آخر: “… حتى اهترأ ومات ولحقته أمي… كانت تقذف حمماً من قطع الدم الكبيرة وتضرب أختي بهستيريا جنون وشعرها منثور وملابسها ممزقةّ ماذا عرفت أنت عن العذاب والألم والقهر؟ أرأيت أحداً من أهلك يهان ويغتصب؟ وأمك تموت بأسياخ المطوع الساحر وماء البرك الملوث المقدس؟”. إن عبدالله خليفة يتماهى مع الراوي هنا في إحساسه بالوجع والظلم الواقع على المرأة التي تقذف حمماً من الدم وتموت بأسياخ المطوع وبماء البرك الملوث غير المقدس كما يقصد على ما أعتقد… إنه يشفق على المرأة، هذا الكائن الذي لا يستطيع اختيار شريك حياته بل لا أحد يأخذ رأيه في ذلك… فيفرض عليه الأمر أمراً واقعاً عليه هو أن يستسلم لـه ويخضع. فها هو يقول في «الينابيع» ذاتها، وقد جاءت ميّ إلى محمد ترمي آخر سهم في كنانتها: “ـ محمد، لم لا تتكلم؟ الآن نزلت صخرة فوق ضلعه، طحنت لحناً وحلماً وأعطته لهب الأرض ـ أنت ترين فقري وحالي، أيمكن أن نكون معاً؟ ـ أفديك بروحي … ولكن ـ الحال صعب ـ أهلي سوف يزوجونني لرجل كبير… ما بك ترتجف؟ ـ كل هذه السكاكين ولا تريدينني أن أتألم؟ ـ الذي يهواه القلب عجز البخت أن يجيبه…” ص 58. إذن هي اختارت من قبل وأحبت لكن أهلها يريدون شيئاً آخر.. اختاروا لها مصيرها وقرروا عنها حياتها، ولسوف يزوجونها شيخاً كبيراً وهي لا تستطيع إلا أن تسمع وتطيع.. ها هي ذي تقول في مكان آخر: “ـ شيخ هو الذي يريدني. أتعرف أنك سقطت من شجرة وارفة ورحت تنمو في الماء المالح. أتعرف كم قصراً لديه وأراض وجزر؟ وليس كريهاً ولا جاهلاً. هو في ذروة المجد والأدب!! هو الكامل على هذه الجزيرة!! أيمكن لفتاة مثلي أن ترفس مثل هذه النعمة؟” ص 59. طبعاً، الجواب لا.. ليس باستطاعة أية فتاة أن ترفض ما اختاره لها الأهل كيف لا وهي لا تملك من مصيرها شيئاً.. ـ هي الضلع القاصر، ناقصة الحظ والعقل والدين، أيحق لها أن تختار؟ أتعطى حرية الرأي وتقرير المصير؟ في روايته «الضباب» نجد ما هو أنكى، إذ يقول على لسان المرأة التي جاءت إلى بيت البطل العجوز: “قالت: ـ أخذتني خالتي إلى ذلك البيت الحجري الكبير… رحت أساعد المرأة المتجهمة الغريبة المسيطرة على ذلك البناء المدهش. كنت أرتجف وأنا أجري وراءها من مكان إلى آخر. كان لديها بضعة أولاد أشقياء وزوج هادئ منعزل وفي الصباح تخرج طويلاً ثم تعود لتجد الأكل جاهزاً فتتذوقه وتلسعني بلسانها الملتهب المليء بالشتائم القذرة..” «الضباب» ص 68 إلى أن يقول: “كان كل أولئك الأولاد يأخذونني إلى غرفهم ويتناوبون على جسدي.. كنت أعي ولا أعي، أتلذذ وأقرف، حسبت ذلك جزءاً من عملي وخفت كثيراً أن أفاتح الأم…” ص 68 وهكذا تتطور الأمور إلى أن تقول: “صرت آتي إلى ذلك الكوخ مع الأم ليدخل علينا الرجال، واشتهرت في الحي كله..” ص 68. وهكذا تتحول الفتاة التي لا تملك إلا أن تستسلم لمشيئة الآخرين وإرادتهم إلى مومس تبيع جسدها لكل من يريده… إنها تعيش المأساة بكل أبعادها، تحترق روحاً وجسداً، مع ذلك لا تستطيع أن تفعل شيئاً، فمصيرها قرره الآخرون، وقدرها ليس ملك يدها… إنها التابع الخانع الخاضع الذي لا إرادة لـه والذي يتحرك أشبه بريشة في مهب ريح. هذه «فيّ» تحب محمداً لكن أباها يقرر زواجها من رجل آخر: “ألا تسمعين يا فيّ؟ التفتت إليه وينبوع من الماء يقترب من صدرها. ستغطس الآن في الماء الساخن. ـ ماذا تريد يا أبي؟ لقد جهزت لك الغداء ـ إنني أتحدث عن عرسك، عن زفافك، يوم أن نلقاك ملفوفة في سجادة في غرفة عريسك ـ أوه.. يا أبي!! ـ وجهك يتضرج من الخجل! لكن اسمعي.. أتعرفين جارنا سعيد المناعي؟ هذا الرجل الشهم، لؤلؤة البحر.. إنه يريدك!!” «الينابيع» ص 62. ولأنه يريدها ويوافق أبوها على إرادته سيتعين عليها أن تدفن أحلامها في الحب الذي لا تجرؤ على البوح به… تتخلى عن كل شيء وتذهب رغماً عن أنفها إلى سعيد المناعي. وها هي فتاة أخرى تدعى زهرة تلقى المصير ذاته، فلا أحد يستشيرها في أمر مصيري يخصها هي وحدها إذ: “قال أهلها: ـ مهدي أولى بك، سيعتني بطفل أخيه دفنت وجها في رمال الوقت وارتعبت من أسنانه وانكفأت بعيداً عن النخيل والحكايات…” «الينابيع» ص 115. إنها مقهورة مرغمة كما كانت عند ما زوجوها أول مرة، راسمين قدرها بالشكل الذي يشاؤون: “عندما دخل عليها كانت ترتجف رعباً. ماذا سيفعل؟ هل سيأكل من جسدها؟ أهو الذي يضع فيه جنيناً وكيف” «الينابيع»، ص 114. إنها لا تملك شيئاً من مصيرها وحسب بل تجهل كل شيء عن ذلك المصير وعن نفسها وجسدها والآخر، إلى درجة ترتعب معها عندما تراه وتساورها ظنون شتى: هل سينهش لحمها؟ هل سيأكل قطعة من جسدها؟ إنه الجهل المطبق بحيث لا تعرف الفتاة شيئاً عن أخص خصوصيات الحياة: العلاقة بالرجل. 2 ـ المرأة، هدفاً للأطماع والنزوات: يتناول عبدالله خليفة في أعماله المرأة كقضية باعتبارها هدفاً للأطماع والنزوات فهي الأضعف جسداً من الرجل والأقل حرية وقدرة على الحركة، تظل نهبة للرجل وأطماعه ونزواته. ها هو أكبر مرتضى في رواية «الينابيع» يتأمل زوجته زينب وهو يخطط لابتزازها ونهب أموالها، هي التي لم يتزوجها إلا طمعاً في ذلك. “تطلع أكبر إلى زوجته وتساءل: من كان يستطيع الزواج بك، وأنت ذات الوجه البشع واللسان السليط… ألا تدخلين القفص يا لبؤة؟ اقترب منها بحذر وأمسكها بود فجفلت وصاحت: ـ ماذا تريد؟ أخذها برفق إلى حافة السطح فذعرت: ـ ماذا تفعل؟ هل تريد أن تقتلني؟ ابتعد! ـ يا حبيبتي، كيف أقتلك وأنت قطعة من قلبي، بل كل روحي.. بل أود أن تنظري إلى الأرض العظيمة التي حدثتك عنها. طالعي هذه المسافات الخالية وبيوت السعف الكثيرة المحتشدة حتى الشاطئ البعيد. أليست ساحرة وجميلة؟ ـ ماذا بك؟ هل خرفت؟ أي جمال في هذه العرشان القبيحة…؟ ـ بل الجمال كله ـ يا حبيبة عمري ـ في امتلاك هذه الأرض، هذه المساحات التي تنطلق فيها الخيل!! ـ وما دخلي أنا بامتلاكك الأرض؟ اذهب واشترها!! ـ ومن أين المال؟ هنا زعقت وصاحت وأزبدت… إلخ” «الينابيع»، ص 158. لكنها مع ذلك ظلت هدفاً لأطماعه ونزواته، إذ إن لديه هدفاً وعليها هي أن تقدم لـه العون لبلوغ ذلك الهدف… على أن المشكلة الأخطر، حين تتحول المرأة إلى فريسة يفترسها الرجل بكل وحشية وقسوة. إنه الاغتصاب الذي تعاني منه الكثيرات والكثيرات، فالرجل يمارس هنا قوته الجسدية وتفوقه العضلي على المرأة، فيقهرها ويذلها ويزرع فيها جروحاً قد لا تشفى منها أبداً. كثير من الروايات عالجت مسألة الاغتصاب وما تخلفه من آثار في نفسية المرأة، لكن عبد الله خليفة يعالج هذه المسألة على نحو معكوس تماماً ليبين آثار حالة اغتصاب على رجل وجد امرأة مغتصبة وملقاة في الطريق فقدم لها العون لكن ليجر عليه ذلك الويلات. الحادثة تحدث في الواقع لكن ما يهمنا ليس ما جرت على الرجل من ويلات بل الوضع الذي وجد فيه هذا الرجل المرأة والذي دفعه لمساعدتها فيقول: “امرأة تتلوى على التراب وتنهش الحجر. تعض يديها وتبحث عن قطع فستانها الممزق وعباءتها المتوحدة بالظلام. اقترب منها، انتفض جسمها الممزق” «الضباب» ص 6. إنها حالة بائسة إلى أقصى حدود البؤس يجد الرجل المرأة المغتصبة فيها إلى حد أنه حين يحاول مساعدتها ورفعها بين يديه: “تضربه، تصرخ، تبكي، تخدش وجهه بأظافرها، اتركني.. اتركني” «الضباب»، ص 7. تصرخ مرتعبة هلعة، هي التي اغتصبها الذكر مستغلاً ضعفها ورقتها. كذلك حين: “تفتح عينيها تستعيد الألم المنتفض والذكرى الحادة. تتكلم، تهذي، تندس في صدره كابنة ضائعة، وفجأة تصرخ كأنها لمست الجلد الذكوري ذاته..” «الضباب»، ص 7. إنه الخوف الذي يتملك الفريسة من المفترس والذي يجعلها تبتعد عنه، لأنها جربت معه نهشه للحمها ولا تريد تكرار التجربة. هنا يفلح عبدالله خليفة في تصوير هذا الشعور لدى الفريسة تصويراً بارعاً، كما يتناول في أعماله أكثر من فريسة من هذا النوع: امرأة كانت مطمعاً للرجل ومحطاً لنزواته فإذا ما انتهى منها تركها لأخرى، ها هو في «الضباب» يتكلم عن امرأة تزوجها رجل فقط لكي يستغلها ويبتزها، فيقول في حوار بين الرجل والمرأة: “ـ ماذا بك؟ لماذا تشمئز مني؟ ـ مللتك، اغربي عن وجهي!! ـ أشم في ملابسك عطر نساء؟ ـ وماذا في ذلك؟ ـ أتعترف بهذه البساطة وأنا التي ضحيت من أجلك… ـ ومن أجبرك؟ ـ أعرف أن لك علاقة بامرأة غنية الآن. تريد أن تستنزفها كما عصرتني ولكني سأقتلك قبل أن تلقيني في الشارع” «الضباب» ص 46 ـ 47. مع ذلك لا ينفعها تهديدها لـه، فهو يلقيها في الشارع وقد استنزفها تماماً ليذهب إلى أخرى يستنزفها وهكذا دواليك… 3 ـ المرأة، ضحية للظلم والعسف: في كثير من المواضع يتناول عبدالله خليفة المرأة في وضعها الاجتماعي الصعب كضحية للظلم والعسف. ولا غرو، فهي الطرف الأضعف في المعادلة دائماً، جسداً ومالاً وعلماً لهذا يمكن لأي رجل أن يمارس عليها عقده ويفرغ فيها حقده ومفرزات دونيته ونقصه، بل لأنه هو نفسه عرضة للظلم والعسف الاجتماعي، إما على يد المستعمر، أو الحاكم أو الملاك أو رب العمل… إلخ، فإن من الطبيعي أن يبحث عن التعويض لكي يحقق التوازن النفسي الذي يمكّنه من الاستمرار والعيش، هذا التعويض يكون على حساب المرأة التي تتلقى في حياتها كل أشكال الظلم والعسف بدءاً من أبيها وأخيها مروراً بزوجها وأهل زوجها وانتهاء حتى بأبنائها. عبد الله خليفة يرى هذا ويسلط الضوء عليه في كل عمل من أعماله. ها هو في الينابيع يتكلم عن «فيّ» الفتاة التي تموت أمها ويتزوج والدها بهدف أن تكون هذه الزوجة أماً لها لكن ماذا يجري؟ “وجاءت امرأة ساكنة هادئة احتلت المكان. وفجأة تمزقت ملابس فيّ وتقطعت ضفائرها وتكسرت نجمات بحرها وراحت تهذي وتجري في الليل تصرخ الزوجة فيه: ـ هذه ابنتك مدللة، لا تريد أن تغسل صحناً ولا أن تنظف أرزاً. وهو يصرخ فيها بدوره: ـ أتريدين وضع هذه الطفلة بين النيران والقدور منذ الآن؟ ـ ليست طفلة، إنها امرأة.. حين التهب جسدها وتناثرت أهرامات صغيرة من الجلد المتغضن المنتفخ وهربت من البيت مراراً وتاهت بين كتل السفن الجاثمة على الشطآن… إلخ” «الينابيع» ص 61 حينذاك فقط يتنبه الأب لضرورة إنقاذها، فعلى يد زوجته حل بالفتاة ظلم لا نظير لـه، فضُرِبت وعذبت وحبست ومزق جلدها ونتف شعرها… لا لشيء إلا لكي تنفس الزوجة عما في داخلها من عقد نتيجة الظلم الذي مورس عليها هي ذاتها من قبل ولتفريغ الشحنة العدوانية التي تحتل أعماق لا شعورها، رغم أن الأب يحاول الدفاع عن ابنته التي يحبها إلا أنه لا يستطيع ذلك إلا بالتخلص من الزوجة وإخراجها من بيته. بل إن المرأة، كما يرى عبدالله خليفة، تقع ضحية للظلم والعسف حتى في علاقة الحب التي يمكن أن تقوم بينها وبين الرجل، ذلك أن أي عواقب وخيمة أو نتائج غير شرعية تنجم عن تلك العلاقة غالباً ما تنعكس على المرأة وحدها، إذ يفر الرجل بجلده لتبقى المرأة وجهاً لوجه أمام مصيرها المحتوم: ذبحاً أو رجماً أو عاراً أبدياً يجثم صخرة على صدرها وصدر أهلها، جاراً عليها سلاسل من العذابات والمآسي التي لا تنتهي. هذه فيّ في الينابيع وقد شعرت ببذرة محمد تنمو في أحشائها تجيء إليه مستنجدة مستغيثة. “قالت فجأة: ـ استرني… يا محمد ارتعب، لم يعد يشتهي شيئاً، سمكة الشعري المقلية بالزيت والمترامية فوق الأرز الأبيض المعذب، مصيدة لسجن العمر الكئيب، لهذا الحجر الذي سينطفئ فيه الأغنيات والكلمات. أتريد أن تصطاده بهذا الثمن البخس؟ صرخ فجأة: ـ هيا، اذهبي من هنا. ـ لا أستطيع. نطفتك تتكون داخلي. ـ أأنت مجنونة؟ هل تتصورين أنني، أنا الرجل الحر، أحبس نفسي في هذه الخرابة لأصنع أطفالاً وأناغي زوجة وأشتري الأدام كل صباح… إلخ ـ وأبي وأحجار الرجال التي ستنهال على جسمي، وعصا سالم الرفاعي التي ستحطم رأسي. ـ اذهبي من هنا، وخذي أرزك وفضائحك ودموعك معك!! اتركيني… كانت تتقطع دموعاً ويداً وثدياً. كل ينابيعها المحبوسة بأقفال الأمل ضخت فجأة كل الوجع والرعب وصارت المدينة والسماء كلها حصا. سمعت عن جارتها التي انتفخ بطنها حراماً وأحضروا عجوزاً شمطاء قتلت الطفل وأذابته في الحمام، ثم هربت العائلة كلها فيما وراء البحر. وأمينة صديقتها التي قتلوها ودفنوها… إلخ” «الينابيع» ص 92. وهكذا ترى الفتاة قدرها بأم عينها، ذاك القدر الذي عليها أن تواجهه وحيدة مفردة، تخلى عنها شريكها في الحب، وتنصّل من الذنب لتلقى هي وحدها العقاب الذي كان عليهما كليهما أن يتشاركا فيه.. ها هو بطل الضباب الذي تتزوج أمه رجلاً آخر بعد أبيه يرى كم يمارس عليها هذا الزوج من ظلم وعسف إلى درجة يصرخ معها ذات مرة: “ذئب!! ذئب”: ويود لو يخنقه بيديه لكنه مجرد طفل وزوج الأم رجل كبير يظل يضطهد أمه ويعذبها إلى أن تقضي نحبها فيقول مخاطباً نفسه: “كل وجهك، حطم الجدران والمزهريات، فلا فائدة وأمك تحمل على نعش بعد أن عذبها اللص حتى الموت وحوّل أولادها إلى خدم…” «الضباب» ص 72. على هذا النحو يصور عبد الله خليفة هذا المخلوق الضعيف الذي هو عرضة دائماً لاضطهاد الرجل واستبداده، ظلمه وعسفه إلى درجة تستسلم معها لكل ممارسة يريد الرجل ممارستها عليها، بانتظار، ربما معجزة سماوية تنقذها لكنها أكثر الأحيان لا تجيئ. 4 ـ المرأة، رهينة للكبت والحرمان: يعلم عبدالله خليفة، هو الذي يعيش ظروف مجتمعة وشروط الحياة فيه بخيرها وشرها، أن الإنسان العربي يعاني أكثر ما يعاني من الكبت والحرمان، فالتقاليد والعادات والأعراف الاجتماعية كلها تفرض عليه إطاراً معيناً للعيش يتعذر عليه الخروج خارجه، ليظل في معظم الحالات رهن الكبت والحرمان الذي يمسك بقبضته عنق الإنسان إلى درجة يكاد يخنقه فيها، ذلك ينطبق على الرجل والمرأة على حد سواء، لكن لما سبق وذكرناه من ظروف مخففة لدى الرجل تكون وطأة الكبت والحرمان أخف عادة مما هي على المرأة، التي تعاني في أغلب الأحيان من حرمان شديد وكبت قاهر يكاد يدمر حياتها، بل هو نفسه ما يدفعها في أحيان كثيرة للانزلاق في منزلقات الخطيئة، وبالتالي للانحراف والضياع، فالمرأة التي يفرض عليها، خاصة في المجتمعات المغلقة شديدة المحافظة، أن تظل حبيسة المنزل، تنتظر العريس إن كانت في بيت أبيها، أو تنتظر دورها، إن كانت في بيت زوج متعدد الزوجات، تجد نفسها تتآكل من الداخل وفي جسدها حاجات لم تشبع وغرائز لم ترو… فلا تملك إلا أن تسعى لإروائها.. لنر عبدالله خليفة كيف يسلط الضوء على هذا الجانب من المرأة، كقضية ومشكلة، فها هي الفتاة التي كان يحبها جابر تركته وتزوجت رجلاً ثرياً متعدد الزوجات لكنها لا تجد معه ما يروي ظمأها القاتل ويعوضها كبتها وحرمانها الطويل فتعود خلسة إلى حبيبها السابق: “سمع خطوات مضطربة عند الباب ثم دقات عصبية سريعة. فتح وإذا هي متدثرة بعباءتها تلتفت إلى الوراء خوفاً، ثم ترنحت بين يديه عصفورة مضطربة القلب مذعورة…” «أغنية الماء والنار» ص 134، وهي لكي تراه تلجأ إلى حيل وأساليب عجيبة وغريبة، إذ عليها أن تكتم وتخفي أو كانت الفضيحة وبالتالي العقاب الشديد الذي قد يكون الموت نفسه، إذ إنها تراه مصادفة في السوق وحينذاك: “تطلعت في وجهه. ارتبكت وشعت بالابتسام. تركت البائع، اندفعت في الزحام. تبعها، تركت الدكاكين والسوق ودخلت الأزقة. كان أحدها خالياً، توقفت أرادت أن تتكلم، لكن الألفاظ تعثرت في شفتيها. ـ كأن الفراق كان سنوات طويلة. تتلفت ثم تطالع وجهه بارتياح. كأنها كانت تبحث عنه طويلاً. تريد أن تلقي برأسها على صدره لكنها تظل بعيدة، متوجسة من المارة والأصوات. ـ لقد تعبت من هذا الرجل الفظ القاسي الذي لا يعرف سوى رغباته. لقد اشتقت إليك كما لم أشتق من قبل. يا ربي!! كيف تسرعت وأخطأت!! ـ هل كان بريق الثروة رائعاً؟ ـ لا تحقد علي الآن. كنت طوال هذه المدة أذكرك وأتعذب…” «أغنية الماء والنار» ص 93. إنه الحرمان الذي يجعلها تذكره وتتعذب وهو الحرمان الذي يدفعها لأن تتبع الأساليب الملتوية لتلبية حاجاتها الجسدية، فتقترح عليه هي نفسها أن يستأجر غرفة كي يلتقيا معاً بل وتعطيه نقوداً. “ـ أريد أن أقول لك كلاماً كثيراً. لماذا لا تستأجر غرفة هنا؟ قبل أن يفتح فمه أعطته رزمة من النقود. ـ غداً سألقاك هنا وفي هذا الوقت لرؤية المكان” «أغنية الماء والنار» ص 94. وإذا كانت حبيبة جابر تهرب بعيداً عن بيت زوجها فإن حبيبة محمد في رواية الينابيع تأتي به إلى بيتها للعناية به وقد مرض وتقيم معه علاقة وهي تحت سقف بيت أبيها وذلك لشدة الدافع والرغبة التي صنعها الكبت والحرمان. “يحتضن فيّ بقوة، وكان المطر الناعم يتغلغل في التراب منتشياً صارخاً ويرى أن جسده كله يشتعل، وهذه ليست رقصة في بحر والتفاف جسدين بين كتل الماء والأعشاب، بل استحمام في برد ونار، والغرفة تركت لـه، والليل، والأب ينام في وحدته، غافلته ابنته واندفعت للهوى والجمر…” «الينابيع» ص 86 . كيف لا، والكبت والحرمان يصنعان ما هو أفظع من هذا وأشد هولاً، خاصة لدى المرأة التي تقاسي أشد أشكال الكبت والحرمان حتى تتشوه نفساً وجسداً كما تتشوه قدم الفتاة الصينية وقد وضعت في قالب يمنعها من كل نمو أو تطور. 5 ـ المرأة، كائناً هشاً سريع التأثر: يتابع عبدالله خليفة في أعماله كلها رصد قضية المرأة باعتبارها كائناً هشاً ضعيفاً سريع التحول والتأثر، تنعكس ظروف الحياة الصعبة عليها مباشرة لتجعل منها الكائن الذي ينكسر ويعطب بسرعة كبيرة، كما يتأثر ويتغير بسرعة كبيرة أيضاً: “الفتاة تطلعت إليه بخجل، بخجل شديد، وتوارت نظراتها وانكسرت وبدا أن دمعة ساخنة تحرق خدها.. ” «الضباب» ص 17. وهل لهذا الكائن الهش حين يخجل أو يخاف أو يقلق سوى الدموع والبكاء؟ ها هي في أغنية الماء والنار تصف نفسها بنفسها وقد تأثرت وتحولت تحولاً كبيراً حتى غدت كائناً آخر: “كانت عيناها قاسيتين، الوجه الجميل استحال إلى شكل مرعب. خاف، تراجع. ـ أين ستذهب؟ ـ هل أحببت أحداً ما؟ ـ عشت في قسوة طويلة. حين اغتصبني الشيخ الثري وأنا صبية كرهت كل شيء كرهت الناس، كرهت أبي الذي كنت أحبه كثيراً. بدا لي عاجزاً ضعيفاً وكنت أتصور أنه عملاق يصل إلى السماء. لم أشعر بأي لذة. لم أفكر بعدها إلا أن أملك وأملك..” «أغنية الماء والنار» ص 125ـ 126. لقد تغيرت إلى درجة تحولت معها إلى وحش حقيقي ليس لديه مانع من أن يلتهم حتى لحم أخيه الإنسان… فتخطط لإيقاع راشد بحبائلها لكي ينفذ لها مأرباً بعيداً يلبي نهمها الشديد للتملك: ألا وهو حرق أعشاش الفقراء وبيوتهم حتى ولو التهمت النيران نصف ساكنيها، وهو ما تفلح فيه مورطة بذلك راشداً الذي يدفع فيما بعد الثمن غالياً. وها هي مي التي كانت تذوب حباً بمحمد وذهبت إلى منزلـه لكي تقنعه بأن يعمل لإنقاذها من براثن الشيخ العجوز الذي سيشتريها بماله، ها هي ليلة عرسها من هذا الشيخ العجوز، وقد تغيرت تماماً واندمجت في جو العرس اندماجاً تاماً.. “تتطلع مي من غرفة العرس إلى المدينة وهي تشتعل بفرحها، تتجمد ذائبة من النشوة ولأنها كائن هش سريع التأثر تبدو على أتم الاستعداد للغرق في ذلك العالم الآخر”. 6 ـ المرأة، فريسة للخوف والقلق: من الطبيعي، والمرأة في مثل هذه الشروط الاجتماعية والإنسانية، أن تكون دائماً نهبة للقلق والخوف، وعبد الله خليفة يعرف هذا ويسجله بكثير من الإشفاق والرثاء. فالمرأة غالباً ما تعيش حياتها سلسلة متصلة من الخوف والقلق. إنه الخوف من مفاجآت الحياة، من المخفيات التي لا تعلم متى تظهر لها فتدمر حياتها أو حياة أطفالها وزوجها.. “كانت زهرة تحدق من وراء الخوص، في السفينة الكبيرة الوحيدة التي جرفت بعيداً عن ساحل قرية العين.. كانت النسوة يرفعن أيديهن ومناديلهن للبحارة المتوغلين في اليم… ولم تصدق أن زوجها سيغرق فجأة وإلى الأبد، كومضة، كفراشة. تبحث عن ملامحه في النهار والليل فلا تجده. إن حشد الأهل يطفئ آهاتها الساخنة ويملأ بماء العين قنواتها النابضة” «الينابيع» ص 113. أما حبيبة جابر التي تزوجت من الرجل الثري فتعيش أشد حالات العذاب والخوف والقلق في بيت زوجها، هي التي تجد نفسها محاصرة بالأعداء من كل جانب والتي يهددها الخطر في كل لحظة: “لا تقل هذا. إنني أموت كل يوم. منذ أن جئت إلى بيته والمعارك لا تهدأ مع زوجته الأولى ومعه. ليس هذا بيتاً بل مستشفى. زوجته تغير مني وترغب ألا أحمل أبداً، تحرق البخور وتغرز المسامير في الخشب المحترق. وهو ينتظر كل يوم أن أكون قد حملت” «أغنية الماء والنار» ص 94. إنه الخوف والقلق الذي يترصد المرأة في كل طور من أطوار حياتها وحالة من حالاتها فهي إن أحبت انقضت عليها وحوش الخوف والقلق، تنشب فيها مخالبها وأنيابها، خشية أن يكتشف أمرها فتفتضح… “ينهض فجأة ويلقي العود. ترتعب الفتاة، يغلق الباب فتذكره بالفانوس الذي تركه مشتعلاً…”«الينابيع» ص 49. كذلك الأمر مع حبيبة جابر التي تجد نفسها مشطورة شطرين: أحدهما يجري وراء الحب الذي ضيعته وثانيهما يعمل كل ما في وسعه للحفاظ على الرجل الذي رضيت به زوجاً وذلك فقط لأنه قادر أن يؤمن لها مستوى حسناً من العيش. “يا لهذا الحب!! كنا نجري في الظلام حين أكلت (الحوتة) القمر. أتذكر؟ كنا نلتقي في القلق والخوف كأن حبنا قد دمغ ولعن بالمطاردة والظلام. وحتى هنا، في فسحة الوقت، أخاف أن يفتح الباب فجأة ويدخل زوجي” «أغنية الماء والنار» ص 136. بل هي تشعر بالمرارة والغصة وهي تعلم علم اليقين ما يهدد حبها لـه وعلاقتها به من مخاطر وأهوال. “لقد تحملت كثيراً وجئت إليك، سرت في الأزقة متغطية عن العيون، ومشيت طويلاً حتى وصلت هنا… فتقابلني بهذا البرود! الكلمات المرتجفة بالبكاء هزته. دهش لأن المرأة تحولت هذا التحول كله. أيكون مخطئاً في كل شيء؟ أيكون أبله بحيث لا يميز بين الجمود والتعب؟” «أغنية الماء والنار» ص 127. هذا التحمل الشديد. هذا السير في الأزقة، هذا المشي الطويل إنما يتم كله على نصال الخوف وأسنة القلق، فأي عابر قد يسبب لها مشكلة، وأي حدث طارئ قد يثير لها فضيحة، مع ذلك هي تغامر، تتحدى القلق والخوف لا لشيء إلا لأن دافع الحب أقوى بكثير من دافع الخوف وغريزة الحياة أقوى بكثير من غريزة الجمود والموت. “في المرة الأخيرة قالت (أخاف من الحضور. أتتذكر ماذا حدث ليلة الخسوف؟ الجميع كانوا يلاحقوننا) ـ لا تخافي سنتزوج قريباً. ـ سنتزوج؟ كيف وأين؟ ـ هنا، ستعيشين معنا في البيت.. ـ بين إخوتك وأمك وأبيك، هذا خان وليس عش حب..” «أغنية الماء والنار» ص 59. إنه القلق والخوف الدائم من مصير أسود ينتظر المرأة، هذا الكائن الرقيق الذي لا يريد سوى حياة كريمة توفر لـه ما يحتاجه دون أن يعرض نفسه للإهانة والذل. إنها تخاف أيضاً أن تخسر حبيبها وهي تراه متعلقاً بفتاة أخرى فلا تملك إلا أن تقلق إلى حد الارتعاش. “كانت فيّ ترتجف عند شجرة الرمان في الحوش. رأت المرأة الفاتنة عند محمد وأبصرته يعبدها فصارت عموداً من ملح يذوب…” «الينابيع» ص 60. بل إن المرأة حتى إن تزوجت يظل الخوف يساورها والقلق يسكن أعماقها، ماذا لو تزوج الزوج من جديد والشرع يسمح لـه باثنين وثلاث ورباع؟ ماذا إن لم تنجب لـه أولاداً وهو يريد العزوة والأولاد؟ “وتذكر أمه وهي تنتظر أباه في الحوش قلقة متسائلة عن تأخره، تهتز كما لو كانت تقرأ القرآن ثم تنظر من الباب إلى الدرب الفارغ فلا ترى صياداً تسأله عنه. سنوات كثيرة عاش بلا أطفال. ذهبت إلى (الخضر) وفلقت عدة بيضات على حجريه الصلدين وأعطت البيض الباقي لخادم المزار. غير أن الأطفال لم يزرعوا في بطنها. كانت ترتعش وتبكي في الليل وتقابل السماء المرصعة بالنجوم وهي تقول (سيتزوج غيري وينجب منها أطفالاً، أترضى بهذا يا رب؟)” «أغنية الماء والنار». هذه هي حال المرأة، قدرها أن تظل دائماً فريسة للقلق والخوف، لم لا وهي الكائن الضعيف الذي لا يملك من أمره شيئاً بل عليه أن يكون تابعاً خاضعاً مصيره مرتبط بإصبع الرجل، السيد المهيمن الذي يملك كل شيء. 7 ـ المرأة، كائناً مغيّباً: عبدالله خليفة يعرف هذا جيداً، وهو يرى المرأة في مجتمعه في إحدى حالتين: إما رهينة جدران أربعة لا تخرج منها إلا بإذن ولا تدخل إلا بإذن وإما غائبة خلف حجب سوداء لا يراها أحد ولا تكاد هي أن ترى أحداً. لقد فرضت عليها العادات والتقاليد الاجتماعية أن تكون هكذا، وهي لا تستطيع اختراق تلك العادات والتقاليد بل ولا حتى مواجهتها، فتستسلم لمصيرها امرأة حرمت من أبسط حقوقها في الحرية والتعبير عن الذات، المساواة مع الرجل والمشاركة في الحياة الاجتماعية. رغم ذلك ترضى المرأة بقدرها، هي التي لا تستطيع تغييره، فقديماً قالت عائشة التيمورية: وما احتجابي عن عيب أتيت به وإنما الصون من شأني وعاداتي إذن هي ترضى بالاحتجاب لأن العادات والتقاليد هي التي تفرضه، وهي ترضخ لتلك العادات والتقاليد، فذلك أسلم وأقل وجع رأس. وعائشة التيمورية هي التي تقول أيضاً: بيد العفاف أصون عز حجابي وبعصمتي أسمو على أترابي… رغم أن هذا الحجاب بكل ما لـه من عز ومنعة هو الذي يغيّبها عن الحياة ويبعدها عن المشاركة الاجتماعية ويحرمها في معظم الأحيان من حقها في العمل والتعلم. إنها الأسيرة التي ترضى بأسرها، فلا تشكو ولا تتذمر، بل كثيراً ما تكون أكثر تشبثاً بأسرتها: الأعراف وبقيودها: التقاليد، من الرجل نفسه، حريصة على أن تبقى المغيبة، راضية بغيابها ذاك. عبدالله خليفة يرصد ذلك الغياب بنظر ثاقب ويحزن، يريد من المرأة أن تشق أكفانها وتخرج إلى الحياة، إذ غالباً ما يتكلم عن العباءة والحجاب، ونادراً ما يغيب صورة المرأة المعزولة المبعدة عن الحياة الاجتماعية الفاعلة عن أعماله. بل هو يرى ذلك الغياب والحجاب ماثلاً حتى في ليلة زفاف مي. “وتسدل الحجاب الحريري على وجهها وتحكم طي العباءة على جسمها، وتسمع هذه الطبول تقترب وأقدام الحشد الرجالي تصعد السلم وتقلقل البيت وتبدأ الأنفاس الذكورية في التسلل إلى مخدعها الناعم وتتذكر وصية أمها المليئة بأقانيم الطاعة والصمت والعمل، وممانعة الزوج في ليلة الدخلة وعدم تركه يأخذها بسهولة، وعليها أن تلتف جيداً في عباءتها حتى ينتزعها انتزاعاً…” «الينابيع» ص 88 . ترى هل هناك تغييب أكثر وضوحاً من هذا التغييب؟ وهل هناك أسر أشد مرارة وشراسة من أسر التقاليد والأعراف هذا؟ فلا تستطيع المرأة معه أن تعيش حياتها كما ينبغي ولا تتمكن من التعبير عن ذاتها وممارسة حريتها كإنسان كامل الحقوق الإنسانية. إنها المأساة التي يسلط الضوء عليها عبدالله خليفة ببراعة وحذق، وكأنما يحث بذلك مجتمعه كله على أن ينهي هذه المأساة وأن يحل قضية المرأة ككل، مخلصاً إياها من كل ما يحول بينها وبين الحياة الحرة الكريمة، ويحررها من كل قيودها لتنطلق في فضاء الحياة صنواً للرجل تعمل معه يداً بيد وتبني الحياة والمستقبل معه جنباً إلى جنب دون تفرقة أو تمييز، بل بكل ما لها، كإنسان، من حق في الحرية والمساواة. ــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصة «سيد الضريح» من المجموعة التي تحمل نفس العنوان لــ عبدالله خليفة: يعالج القاص عبدالله خليفة في هذه القصة مسألة اختفاء سيد الضريح ، والذي خرج من قبره لأنه ما عاد يحتمل ما يجري من مظاهر وطقوس مثيرة للاستغراب والاشمئزاز، فيجد خارج هذا الضريح حياة مغايرة لتلك التي يعرفها والتي عاشها في الضريح، ومن ثم تبدأ مهمة البحث عن هذا الكهل التي تتولاها السلطة في البلد، ولكن هذا الكهل هو مجهول الملامح. والصفات التي وُجدت في اللوحة التي صورها الرسام ، والصفات تنطبق على العديد من الأشخاص، وقد اهتمت السلطة بإلقاء القبض عليه لأنه في نظرهم خارج عن القانون ، ذلك لأنه خرج من مقره دون إشعار … والملفت للغرابة أن نفس الظاهرة تحدث في أضرحة أخرى في البلاد ، وينتشر الخبر المرعب كالصاعقة في جميع الأنحاء ، مما يجعل مهمة الإمام مستحيلة في إقناع الناس بوهمية وجود سيد الضريح . ومما يزيد العرقلة لعملية البحث هو ادعاء كثيرين أنهم سادة الضريح، مما يجعل السلطة تستقر عند حل واحد، هو الإتيان بذلك الكهل الذي زعم أنه خرج من الضريح وإعادته إلى الضريح وإعادة بنائه كما كان ، وأن يشاع خبر إيجاده حتى تسترجع البلاد عافيتها من هذا الجنون، في حين يبقى البحث عن سيد الضريح الحقيقي مستمراً في ظل احتمال استحالة العثور عليه. سيمياء العنوان إن التساؤل الذي يشرع لنا طرحه في هذا المضمار، هو هل كان الكاتب عبدالله خليفة موفقاً في اختيار ( سيد الضريح ) عنواناً للقصة؟ أو بعبارة أخرى، هل قام العنوان بوظيفته البنائية المتمثلة في استفزاز واستدراج القارئ إلى الولوج إلى عمق النص؟ فأول مدخل للنص يكون عن طريق العنوان الذي ألفيته من حيث تركيبته اللغوية يتكون من أسمين، الثاني منهما مسند إلى الأول، وبذلك يكتمل تعريف الأول (سيد) بإضافة الثاني (الضريح)، أي (سيد الضريح). وكلمة (سيد) كما هو شائع تطلق عادةً أو تستعمل تسميةً لأشخاص معينين تخصيصاً لمكانتهم سواء كانت اجتماعية ، سياسية، … كما أن الضريح هو المكان الذي يحتوي الإنسان ، بعد مماته وهو قبرٌ لكن ليس عادياً ، فهو متميزٌ بارتفاعه وشكله وأحياناً تعلوه قبة، وذلك لمكانة صاحبه في النفوس ، ولهذا نجد هذه الإضافة بين سيد والضريح متلائمة ومتناسبة، وهي في عمقها تؤكد لنا إمكانية إضافة الإنسان للمكان بعد أن أضحى المكان في علاقة جدلية مع الإنسان، فهو يحتويه منذ أن يتخذه من رحم أمه مكاناً وفي حياته اليومية إلى قبره الذي هو مكانه الأخير في الدنيا. ومن جهة أخرى فقد أصبحت هذه العلاقة، في القصة، علاقة فاعلية أي أن لضريح أضحى مؤثراً في الشخصية، بحيث يلفظها لتنتقل إلى خارجه وبهذا يتشكل الحدث في القصة وينتهي عنده . فالقصة إذن تنطلق بدايةً من عنوان يحملُ دلالةً مكانية متنوعة وبلغة مكانية، ويمتدُ هذا التركيز المكاني إلى القصة وأحداثها وحركة شخصياتها وبهذا يصبحُ العنوانُ بوابة النص. شعرية القص في قصة «سيد الضريح» إذا كان (تفاعل العناصر المكانية وتضادها يشكلان بعداً جمالياً من أبعاد النص الأدبي) (1)، فالجمالية هي (بحث عن نسق العناصر المكونة للظاهرة لبيان الوظيفة التي تقوم بها داخل العمل الأدبي بشكل عام) (2). والشعرية ببساطة هي رؤيا تعتمد فلسفة متداخلة بالجمال وهي تلك التي ينتجها المتلقي في تعامله الجاد مع عناصر العمل الأدبي ، بحيث تصبح اللغة وسيلة وغاية في حد ذاتها . كما أنه بعد تعمق في بنية، القصة لاحظنا اشتراك عناصرها وتداخلها وتفاعلها وهذا ما أضفى على النص شاعرية ومن أولى هذه العناصر: شعرية المكان الأمكنة عموماً في «سيد الضريح»، عناق بين الواقع والأسطورة والطابع الخرافي ، حيث يتأرجح القاصُ في وصفه للمكان بين الواقعية والعجائبية ثم أمكنة واقعية وهذا امتثالاً لتكسير رتابة الأحداث المكانية كما هو معروف في القصة الكلاسيكية، فنجد القاصَ يضفي على الضريح أبعاداً أسطورية جعلته يسمو إلى مستوى شاعري فني، حيث يبدأ بوصف الضريح كما في الواقع ليشوش أبعاده فيما بعد بأوصاف أسطورية وبلغة مراوغة ستوقف حيرة القارئ . وهذا ماثل في قوله : «أجسادٌ متلاصقة، أطفالٌ وشيوخٌ ونساء ورجال هم شبه عراة والضريح بقبته الكبيرة يحدق بهم ، بأطره الذهبية الواسعة وعيونه الخرزية الكثيفة المثيرة ». وهو وصفٌ ينمُ عن جوٍ محزن يسودهُ صمتٌ رهيب وهو أشبه بمشهد كارثي إنساني، جاء بلغة عادية بسيطة لعلها تمهيد لتخفيف صدمة القارئ بذلك الوصف العجائبي فيما بعد ، حين يغوصُ بنا في اللاواقع الذي يستفزنا: “بغتة تنشقُ القبة، المعدنُ الصلب انصهر أولاً، وأخذت الأحجارُ التي تكلست منذ قرون تتصدع وانهارت كتلةٌ … ومن الغبار والعتمة والنار وظهر رجلٌ كهلٌ تطلع بخوفٍ إلى زواره .. نزل بهدوء وغياب وحزن”. وهي عبارةٌ تحيلنا إلى أسطورة البعث تفنن القاصُ في تشكيلها وتوظيفها، حيث يعيدُ تكوين هذا الكهل من الغبار والعتمة والنار ويبعثه من جديد، وقد تسنى للقاص هذا الوصفَ الغرائبي عن طريق الألفاظ والاستعارات (التي تقوم لدى الأديب مقام الألوان لدى الرسام والنغم لدى الموسيقي) كذلك في وصف القاص لمكان شعري آخر لا يقل عن سابقه في قوله: «صاح طفلٌ قرب قدمه. مضغةٌ صغيرة من لحم متوارٍ وعظم بارز». وأيضاً «يبكي من هذا الخلود في حمم البشر، يسبح في برك الأعضاء والعيون إلى ما لا نهاية له من اللحم والنار»، فهناك أمكنةٌ أسطورية ابتدعها خيالُ القاص جعلتنا أمام مشاهد ميتافيزيقية سريالية، بصيغة درامية تبعث الأسى والذي تعانيه الشخصية ذاتها . ولتعميق الصدمة في نفس القارئ، فالقاص يتجهُ إلى تفاصيل هذا المكان الذي أضحى أسطورياً: «في العتمة الطويلة . . إلى النهر الصاخب من الدموع . . كتل من العظم الأنثوي الذي تــُغرز فيه الحممُ. . قطعٌ من أكباد الأطفال تشوى تحت أنفه . . ولا تستطيع سحبُ البخور أن تدهس رائحة اللحم البشري المحروق . . وأثداء النسوة التي تنغرزُ فيه السجائر والأسنان والإبر . . ». فهذه الأوصاف التي أضفاها القاصُ على المكان أي الضريح مثيرة للغرابة والدهشة لدى القارئ الموهوم بالواقع والتاريخ وذلك بمعناها أولاً، وبالتركيب اللغوي ثانياً، والذي تخلخلت فيه العلاقة بين الألفاظ ومدلولاتها، والأسماء بأفعالها، وهذه هي عدة الشعرية. وفي تكسير لمحدودية المكان، نجد القاصَ ينتقل بالشخصية «سيد الضريح» إلى الشارع: «كان الشارع المعتم البارد ينفجر فيه دوي السيارات المندفعة . . حدق في الأجساد الحديدية الضوئية بذهول». وهذا الانتقال في الأمكنة أدى إلى تكسير نمطية الحدث فيما بعد. وهذا كان ظاهراً حتى من حيث شكل القصة على مستوى ترتيب المقاطع الذي سببه اللاتسلسل في الأحداث وهو سمة القصة الجديدة. ونلاحظ أن القاص يتجنب المباشرة في وصف ملامح المدينة ومقتضيات العصر، هذا العصر الذي طغت فيه الماديات. . وكأن القاصَ من خلال أسلوبه هذا في الوصف مستاء من الوضع هناك. وقد تكرر ذلك في كثير من المقاطع «يتنازعون القطع الصفراء . .»، و«رآه يتحدث في شيء صغير أسود»، و«كانت الباصات المشحونة تقذف بشراً كالنمل في الميدان وتطلق سحابات من دخان موجع . . نزل رجالٌ بملابس متشابهة يصفرون ويحدقون بأضواء طويلة حادة . . ويضربون بعصي طويلة، ووجد نفسه يتسلل إلى أزقة طويلة كجحور الفئران والأرانب . . ». وكأن القاصَ في تعبيراته هذه عن خصوصيات المدينة يتجاهلها بعدم ذكر أسمائها المتداولة في هذا العصر . ومن جهة أخرى فقد كان لهذا الأسلوب أثر على اللغة بحيث اتسعت الدلالة وتركت أثراً جمالياً على النص . وهذا النشوز من المدينة المعاصرة الذي نلتمسه عند عبدالله خليفة يعلق أحد النقاد بأن (عبدالله خليفة يسترسل في تأمل مجتمع ما قبل النفط ويقارنه بالتطورات الحاصلة بعد اكتشافه ويربط ذلك كله بأزمة القيم الأصيلة في هذا المجتمع المتغير)(3). وقد ورد في القصة تسميات الشارع، المكتبة، الباصات، الأزقة، الحواري، الجدران . . استطاع القاصُ توظيفها بطريقة فنية هادفة في صيرورة الأحداث وحركة الشخصيات كما (أن التعبير بأطر المكان عن هندسة المدينة (شوارع، جدران) هو تعبير عن إشكالية حضارية صميميه ووجودية مؤلمة تضربُ بأطنابها في صميم الواقع النفسي والمادي للإنسان المعاصر، فتخلخل علاقته بالمكان ويصبح أكثر مأساوية). وهذا ما يجعل القاص – في محاولة الابتعاد عن السطحي – يتجاهل أشياء المدينة وأطرها بإعطائها أوصافها دون أسمائها. وتعميقاً لمأساوية الواقع بأبعاده المختلفة، قام القاص باستعارة تاريخية تمثلت في توظيف شخصية لا تبت بصلة لهذا العصر بزمانه ومكانه، وتتجلى هذه المأساة اكثر حين تدرك الشخصيةُ المستعارةُ هذه التناقضات من حولها، فالقاصُ يتعمدُ في تحميل هذه الشخصية حالة نفسية صعبة على أثر انتقالها إلى مكان آخر وزمان آخرين. وفي هذا النص تبرز قيمة التقاطبات المكانية – كما اسماها «يوري لوتمان» – بشكل واضح، فهي تقنية يوظفها القاصُ في الكشف عن الدلالات المتعددة في النص الذي يتعامل مع المكان، وهي تساعد القارئ في مهمة البحث عن شاعريته (المكان) وجماليته المستترة وراء اللغة. فالملاحظ أن هذه التقاطبات تــُضفي مسحة جمالية على النص الذي بات لا يستغني عنها لتوضيح أهمية المكان فيه ووظيفته. ومن خلال حركية هذه المتناقضات المكانية نستطيع التعرف إلى كيفية بناء المبدع للنص، وكذلك فهو لا يصوغها اعتباطاً وإنما هي مقصودة لتحيلنا إلى أبعاد دلالية لا حصر لها وبالتالي تدفعنا إلى إعادة تأويل المكان، ونجد في النص أمثلة كثيرة: ثنائية الانغلاق / الانفتاح الانغلاق في الحيز المكاني يبرزُ في: الضريح: وهو مكان منغلق أشبه بالسجن وهو يقيدُ حرية الشخصية «سيد الضريح» ويحدد حركته بجدرانه، وبذلك يصبح مكاناً لا يشجع على البقاء والاستقرار. وهذا ماثل في قوله: «أرجوك هد هذا الضريح عليّ، دعني أموتُ ولو مرة واحدة . .». وأيضاً في: «وهو محبوس بين الجدران والظلمات كان يتعفنُ وينشرهُ الحزن ُ. . ». وبذلك فالضريح مكان منغلق ومن هذا المنحى – تظهر العلاقةُ بين الإنسان والمكان بوصفها علاقة جدلية بين المكان والحرية، لأن الحرية (هي مجموع الأفعال التي يستطيعُ الإنسان أن يقوم بها دون أن يصطدم بحواجز أو عقبات، أي يقوم بقوى ناتجة عن الوسط الخارجي من لا يقدر على قهرها أو تجاوزها)، (4). فهو مكان مثير للقلق والضجر وهذا ما يظهر جلياً في قوله: «لا أعرف كيف سجنتموني بين هذه الجدران . . »، وبالتالي يصبح الضريح سجناً – كما سبق الإشارة إليه – مقيداً لحركة البطل وقمعاً لرغباته . القاعة البلاطية: وهي مكان منغلق يحملُ في طياته الداخل الذي يحيل إلى الخارج وهي ذات السقوف الواسعة اللامعة والأعمدة الهائلة، وهي تضم مجموعةَ البشر على اختلافهم (نساء، أطفال، رجال . .) وهي تدل على الاتساع لاحتوائها ما سبق ذكره . البوابة: وهي تحملُ جدل الداخل / الخارج، أي المكان المغلق الذي يحيل على المكان المنفتح، وقد تجلى دورها في القصة كونها الوسيط الذي ولجت من خلاله الشخصية «سيد الضريح» إلى العالم الخارجي إلى الشارع . الشارع: وهو مكان منفتح، تكثرُ فيه الحركة، وهو رمز للحرية والانفراج «والآن يعود للحرية ويشعر بطاقة عظيمة قادرة على الفعل وانفتاح كبير على الفرح»، فالشارع مضاد تماماً للضريح، بحيث يطلق العنان للشخصية في حرية تحركها وانفراج أزمتها النفسية التي عانتها في ذلك المكان، بحيث يشعرُ بالفرح بعدما كان يغمرها الحزنُ والضجر من سوء المصير. الرصيف: وقد ورد ذكره في النص بطريقة وصف غير مباشر «ثمة طريق مبلط يمشي عليه المارةُ، سار هو عليه أيضاً . .»، لم يكن له دور فعال في القصة، وإن كان من ناحية أخرى يرمزُ إلى ضياع الشخصية في عالم لا تعرف عنه الكثير، وهو بذلك مجال مفتوح تنبعثُ من الحرية . الظلام / النور: هذه الثنائية كانت الطابع السائد في القصة منذ بدايتها إلى نهايتها وقد ورد ذكرها صراحة في كثير من المواقف. فالظلام: يستقطب جميع تلك المناظر والظواهر المثيرة للحزن والاشمئزاز والتي صنعتها الأمكنة المنغلقة كالضريح، الذي تملؤه العتمة والظلام – والكهف الذي يملأه الدم والأسمال والدموع والأرواح المعذبة وجثث البحارة الغرقى والعمال المحروقين . . ودلالات الظلام تتمثل في تلك المظاهر التي تحمل في طياتها معاني الموت (حمم البشر، الجنازات، الأنين، الدمع، الروائح، الحزن . .) ومعاني المرض والغضب والألم والمصير المجهول الذي عرفته الشخصية «سيد الضريح» ومعاناته طوال أحداث القصة، وفي مقابل ذلك نجد: النور: الذي يستقطب كل مظاهر ومعاني الانفراج والحرية والحياة والانبعاث والميلاد والضوء والسعادة وقد تجلى بوضوح في القصة (الذهب المتناثر، النار، اللؤلؤ، النهار، الاستمتاع بضوء الشتاء، القلوب الوردية، المياه، الكنوز، الراحة، الهدوء، الصلوات بين الأضواء والتلال . .) وهذه الثنائيات المكانية المتضادة لم تلغ بعضها وإنما تكاملت فيما بينها لكي تقدم لنا المفاهيم العامة التي تساعدنا على فهم كيفية تنظيم واستغلال المادة المكانية في القصة . وبذلك يظهر دور المكان واضحاً في تجسيد الصراع والتناقضات داخل الشخصية. العلو / التدني: القبة: وهي تمثل الارتفاع، فقد وضعت على الضريح تميزاً له، وهي ترمز للسمو والترفع الأخلاقي والاجتماعي، في مقابل هذا نجد معاني التدني والانحطاط الذي جسده القاصُ في أماكن الانبساط والانخفاض أي في الشارع والذي هو جزء من المدينة، والتي تبدلت فيها القيمُ الإنسانية كما نقلت لنا ذلك شخصية «سيد الضريح». علاقة المكان بالشخصية: نجد من خلال تلك الأوصاف التي خلعها القاصُ على الأمكنة خاصة الرئيسية منها للحدث، فقد كان لا يهدف من ورائها إلى تصوير المكان وتقريبه إلى ذهن القارئ، بل كان يقصدُ إلى تجسيد الحالة النفسية المتأزمة غالباً للشخصية الرئيسية وهذا الاهتمام جعل القاص يصوغُ المكنة وفقاً لهذه الحالة، وذلك بما احتواه هذا المكان من أشياء وظواهر تنمُ عن أحاسيس الشخصية ومشاعرها التي تنوعت بين الحزن والغربة والخوف والفرح والاستغراب أحياناً والدهشة. . فالمكان كان مؤثراً أساسياً في الشخصية حيث نجدهُ يحدد حركته ويطوق حريته في الضريح ويبعثُ على إثارة مشاعر الحزن و الاشمئزاز والضجر مما يجري هناك من طقوس. . إلى الشارع الذي يشعرها بالفرح والحرية والانفتاح. والملاحظ أن تواجد الشخصية في مكان غير مكانها وزمان غير زمانها وذلك بسبب الاستعارة التاريخية التي التجأ إليها القاص حيث بعث هذه الشخصية من جديد بجميع أبعادها وجوانبها، إلى عالم آخر شبيه بعالمنا الحالي. ولهذا نشأت تناقضات نفسية داخل الشخصية أفرزتها تلك التناقضات بين عالمها الماضي والعالم الحاضر. ويظهر أن القاصَ يميلُ إلى التجريب في رؤية المرحلة التاريخية، وحركة الواقع مما يؤثر أحياناً على وحدة التأثير، واتساق الدلالة، غير أنه يعوض عن نزعة التجريب ونهج التبسيط بشاعرية لطيفة ولغة تعبيرية عذبة، لصالح نبض إنساني دافئ لا يخفى على القارئ. الخوف من المكان: لأن الشخصية الرئيسية وخاصة أنها من زمن ومكان آخرين تعاين المكان باستغراب، وشعور خوف حاد، ربما لهذا مبررات منها سذاجة البيئة التي تعرفها وبساطتها، وعجائبية المكان الآخر، وغرابته وطرافته أحياناً، وهذا ما يظهر في القصة: “نظر في الأجساد الحديدية بذهول، سمع كلاماً غريباً وراءه . . التفت فوجد إنساناً ذا ملابس غريبة، ثمة قطع حديدية على كتفه . . الآخر يحدق فيه كذلك باندهاش”. وغيرها من الأمثلة التي تثبت أن المكان كان مؤثراً رئيسياً في الشخصيات وتناقضاته أدت إلى تناقضات داخله فأصبحت واقعة تحت صدمة واقع مدهش وغريب، ولذلك فحس الضياع بقى ملازماً له ما دامت ملازمة لهذا المكان، الذي تجهل معالمه، وما دامت غير مدركة له سواءاً كان ذلك في الضريح أو خارجه (الشوارع والأزقة)، وكل ما يحيط بالبطل غريب عنه، وتجلى حسُ الضياع في ذلك الحوار الداخلي، الذي أجرته الشخصية مع ذاتها: “ماذا فعلت بنفسك؟ لا سكن ولا طعام ولا لباس، عار كذاتك، كروحك المباعة عبر القرون . . كنت في العزلة الحجرية ملكاً والآن عليك أن تبحث عن كسرة خبز”، وفي قوله أيضاً: “فوجد نفسه يتسلل إلى أزقة كجحور الفئران والأرانب وقد امتلأت بمياه المطر، ووجد المسجد مغلقاً”. وهذا دليل على أهمية المكان بالنسبة للإنسان كما أنه هو الذي رسم ملامح الشخصية، وبرر سلوكها، فكونها لا تعرف المكان الجديد عليها أي المدينة أصبحت غريبة وتخلخلت علاقتها به، فأصبحت أكثر مأساوية، وكبرت هذه المأساة عندما تجد الشخصية ذات الأصول القديمة نفسها متورطة في عالم آخر، كل ما فيه مخالف لعالمها الأول، «ووقف تحت عمارة كبيرة، رأى سلعاً غريبة . .». وهكذا نلاحظ أنه يعاني الاغتراب في هذا العالم الجديد، ويحاول القاصُ أن يوسع الهوة بين الشخصية وهذا العالم بذكر تفاصيله: «نزل رجالٌ بملابس متشابهة ويصفرون ويحدقون بأضواء طويلة حادة . . ». مكان الحضور والغياب (الهنا والهناك) يتجسد استحضار شخصية البطل لماضيه وهو في الصحراء، وهو مكان يبدو أكثر تغلغلاً في بواطنه، وهذا الاستدعاء لمكان (الهناك) نتيجة الحالة النفسية المتأزمة بسبب مكان (الهنا) الذي هن الضريح. ولهذا نجد الهناك وهو مكان الذكريات التي استدعاها البطل كمخلص تلتجئ إليه الذات للهروب من أزمتها. والملاحظ أن انتقال الشخصية من مكان إلى آخر، يرافقه تغير في الأحاسيس والمشاعر، كما أن المكان عموماً هو الذي أكسبه أبعاده المختلفة. وقد تجلى مكان الذكريات (الهناك) في كثير من المقاطع «طفولته التي عانى فيها كثيراً من رعي الأغنام وضرب الأولاد . . ومسيرته في الصحراء يقود جماعة مهلهلة . . حضر كل جنازة صعبة، وشارك في الحروب المريرة . . يحتمل كل شيء سوى أجساد الأطفال التي تحشر قرب قدميه مشوهة بالفحم والأسنان». . رغم معاناة الشخصية في زمانها ومكانها السابقين إلا أنه لا يفوق معاناته في المكان الحالي الذي تعيش فيه ومن هنا تجلى الزمن باعتباره تاريخ الشخصية، ثم يظهر مرتبطاً بالتطور الذي عرفته المدينة فيما بعد، «ما هذه الملابس العجيبة هل تمثل ، لكنني لا أرى آلات تصوير؟». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المركز الجامع يبشار ــ معهد اللغة العربية وآدابها الجزائر (1): من مقدمة كتاب جماليات المكان ، ص 03 ) . (2): أحمد طاهر حسنين، جمالية المكان، جماعة من الباحثين، عيون المقالات، الدار البيضاء، ط2، 1988، ص 21 . (3):عبدالله أبوهيف ، مجلة الراوي ، ص 13. (4):سيزا قاسم دراز، المكان ودلالته، ص 59 نقلاًعن حبيب مونسي، فلسفة المكان في الشعر المعاصر ص 94– 95).