د. عدنان عويّد ــ كاتب وباحث من سورية. نشر بتاريخ: 14 تشرين 2/ نوفمبر 2024 نقلا عن صحيفة المثقف العراقية
قراءات نقدية بداية لا بد لنا من التمييز ما بين الرواية والتاريخ: الرواية: هي شكل من أشكال التعبير الأدبي، تستخدم لتوثيق الأحداث وتصوير الواقع والشخصيات وإيصال الأفكار والمشاعر بطريقة فنيّة وجماليّة تجذب انتباه القارئ وتثير تفاعله. هذا ويكون المعيار الأول الذي يُحكم به على الرواية أو لها، هو مدى قدرتها على خلق شخصيات إنسانيّة واقعيّة، تتحرك في إطار اجتماعي بعينه، بحيث تعكس خصوصية هذا الاطار الاجتماعي في الزمان والمكان، بكل ما تطرحه شخصيات الرواية من علاقات وصراعات وما تعيشه من تناقضات وطموحات. أما التاريخ: فهو علم من العلوم الاجتماعيّة التي تهتم بدراسة ماضي المجتمعات البشريّة، يدرسه علماء مؤرخون مختصون وفقاً لما يتوفر لديهم من الوثائق التي يعدّونها عند دراستهم للأحداث الماضية. أو بشكل أكثر دقة نقول: هو دراسة الماضي كما هو موصوفاً في الوثائق المكتوبة. أي دراسة الأحداث التي حدثت إن كانت قبل السجلات المكتوبة وتسمى أحداث ما قبل التاريخ، أو دراسة الأحداث التاريخيّة المدونة أو القائمة على الذاكرة، أو المتعلقة في الأوابد التاريخيّة القائمة والشاهدة على تاريخ أمّة من الأمم أو شعب من الشعوب. ودراسة التاريخ تهدف إلى اكتشاف، وجمع، وتنظيم، وعرض، وتفسير المعلومات المشتغل عليها وضبطها أكاديميّا لتحديد موضوعي السبب والنتيجة لهذه الأحداث المراد دراستها. إذا من خلال تحديد مفهومي الرواية والتاريخ يتبين لنا أن الرواية غير التاريخيّة تقوم على تصوير أحداث متخيلة تمثلها شخصيات يصنعها الروائي، هي أقرب إلى الواقع في دلالاتها وأهداف سردها الرامية إلى التأثير الذي يريد الروي تركه عند المتلقي. ولكون الرواية جنساً أدبيّاً كما يقول بعض النقاد لا قواعد له ولا وازع، ومفتوحا على كل الممكنات. فالرواية التاريخيّة تأتي في هذا السياق، واحدة من هذه الممكنات التي ترتكز على تصوير الأحداث والشخصيات التاريخيّة، وتقدم نظرة عميقة في دراسة أحداث الماضي، لنقل القرّاء إلى فترات زمنيّة مختلفة. وبالتالي فمن خلال الرواية التاريخيّة، يمكن للقرّاء التواصل مع التاريخ وفهمه بشكل أفضل عبر الشخصيات الواقعيّة والأحداث الملحميّة التي تروى بأسلوب روائي مشوق. وعلى هذا الأساس نقول: إن أية رواية تتعامل مع التاريخ يجب على الروائي أن يكون أكثر عقلانيّة ومنطقيّة وواقعيّة وحياديّة مع الأحداث التاريخيّة التي يريد تصويرها حتى لا يفقد الحدث التاريخي مصداقيته، ويتحول مضمون السرد الروائي للحدث التاريخي هنا إلى ما يألفه أو يريده الروائي، وبما يناسب أوتاره النفسيّة والأخلاقيّة والقيميّة والدينيّة والفكريّة والوجدانيّة. إن الرواية التاريخيّة ستقوم بالضرورة على التداخل والمناورة والمجاوزة والاستضلال والتحويل، الأمر الذي يُخرج كل من الواقع والتخييل عن خصوصيتهما، لذلك سيطغى على السرد الروائي وأحداثه إضافة للتداخل، الغموض والأوهام والتخيل والأساطير والخرافة والمواقف الأيديولوجيّة أو الرغبويّة في تحويل المعطيات المتعلقة بالنص التاريخي إلى مواقف فكريّة تخدم أجندات أو مواقف دينيّة أو سياسيّة معاصرة لا تنتمي للحقيقة بصلة بقدر ما تنتمي للوهم. وهذا ما يجعلنا نؤكد حقيقة تتعلق في علاقة الفن الروائي وعلم التاريخ وهي: (إن أيّة محاولة لخلق موازنة بسيطة بين مفاتيح التاريخ والرواية يجعل الجمع بينهما مستحيلاً، فالتاريخ في معطياته العلميّة يظل بالضرورة نفعيّاً يبحث عن الحقيقة ويسعى لها سعيهاً بكل أدوات العلم المتاحة، بينما الرواية هي خطاب جمالي ترتاد الخيال، وتحلق في عوالمه التي لا نهاية لها. فالرواية التاريخيّة إذن يتجاذبها هاجسان، أحدهما الأمانة العلميّة، والآخر مقتضيات الفن الروائي، مما يجعل الجمع بينهما إجرائيّا كالجمع بين الماء والنار،(1). يقول لوكاش: «إن كاتب الرواية التاريخيّة لا يلتفت إلى الماضي إلا من خلال قضايا حاضره، وهذا يقتضي أن يعتمد هذا النوع من الروايات على حقبة تاريخيّة موثقة تكون مادة للحكي، يملأ الأديب تجاويفها بما أوتي من ملكة التخييل، ويضفي عليها لمساته الفنيّة والجماليّة ليعيد تشكيل هذه المادة تشكيلاً فنيّاً جماليّاً، شرط أن يمتلك قدرة كبيرة على الحفر بالمرحلة بكل أبعادها الاجتماعيّة والأنثربولوجيّة.».(2). وانطلاقا من هذا الموقف المنهجي في رؤيتنا لمفهوم الرواية والتاريخ، وإلى أي مدى يستطيع الروائي امتلاك القدرة على الربط بين المتخيل (الرواية) مع العلم (التاريخ)؟، وما الأدوات الفنيّة التي يمكن أن يستعملها في هذه المهمة، والأهم إلى أي مدى يكون حياديّاً، لا تطغى عليه عواطفه وانتماءاته ورغباته الأيديولوجيّة. وهذا ما سنسلط الضوء عليه في رواية (رأس الحسين)، للروائي عبدالله خليفة. وقبل الدخول في عالم الرواية لا بد لنا من وقفة أوليّة للتعريف به: هو، «عبدالله خليفة» خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1975. اعتقل من سنة 1975 إلى 1981. عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعيّة والثـقافيّة في الصحف البحرينيّة والخليجيّة، ونشر في العديد من الدوريات العربيّة. عضو في اتحاد الكتاب العربي في سوريا. وشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب بتونس سنة 2002، ببحث تحت عنوان «التضامن الكفاحي بين المسلمين»، وشارك في مؤتمر بجمهورية مصر العربية سنة 2003، ببحث تحت عنوان «المثقف العربي بين الحرية والرغبة» من خلال اتحاد الكتاب المصريين. كتب منذ نهاية الستينيات في عدة أنواع أدبيّة وفكريّة، خاصة في إنتاج القصة القصيرة والرواية والنقد والدراسة. توفي في أكتوبر 2014 عن عمر يناهز 66 عامًا بعد معاناة مع المرض. وفي روايته (رأس الحسين)، اشتغل في الحقيقة على حدث تاريخي إشكالي في أبعاده الدينيّة والسياسيّة. فعلى المستوى الديني، كان هناك سؤال مشروع يطرح نفسه على المتابعين لقضية الحسين وهو: لماذا كل هذا الزخم الديني والتقديسي الذي حظيت به شخصيّة «الحسين» أمام غيره من آل البيت وخاصة والده «علي بن أبي طالب»، حيث فاق حضورالحسين حضور والده، وهو ابن عم الرسول، وزوج ابنته فاطمة، وهو (بوابة العلم) كما وصفه الرسول، وهو من قال عنه عمر : (لو لا عليّ لهلك عمر)، وهو من شارك الرسول في قتاله كفار قريش في كل حروبه وغزواته نصرة لدين الإسلام، وهو أخيراً وليس آخراً من قال فيه الرسول ما قال في حديث الغدير: (اللهم والي من والاه وعادي من عاداه.). أما على المستوى السياسي، فأين موقعه من موقع والده أيضاً، وهو الذي نام في فراش الرسول عندما قررت قريش قتله، وهو الخليفة الرابع الذي ولاه الجمهور لعدله وتمسكه في الحق ودفاعه عن المظلومين، وهو القائل: (لم يترك لي الحق صاحباً). وهو من نازعه معاوية على الخلافة وآلت إليه بتحكيم فاقد للشرعيّة، وبقتال أدى إلى انقسام المسلمين وظهور الخوارج ومقتله على يد الفرقة الباغية. هذه إشكاليات تاريخيّة، لم تحسم فيها كتب التاريخ الأمر بعد، كون التاريخ أقلام السلطة من جهة، وأنه ظل شفاهيّا سائباً حتى جاء عصر التدوين 145 للهجرة، ولعبت في تدوينه الأهواء والمصالح بعد أن تفرق المسلمون إلى فرق وشيع دينيّة سادها صراع سياسي وعقيدي، كان ولم يزل أهم صراع فيها هو صراع شيعة عليّ مع البيت الأموي والعباسي لا حقاً حيث اعتبروا أن الأمويين بالذات ظلموا عليّاً وسلبوا حقه الشرعي في الخلافة، وامتد الصراع دائراً بين السنة والشيعة حتى تاريخه. أما هذه المعطيات التاريخيّة حول قضية الحسين المبهمة في دلالاتها، يأتي المفكر الإيران الإسلامي الشيعي في انتمائه، وهو «عليّ شريعتي» ليبن لنا حقائق الصراع السني الشيعي، وخاصة في مرحلة الصراع العثماني الصفوي، في كتابه: (التشيع العلوي والتشيع الصفوي)، ليقول: إن هذا الصراع بين العثمانيين والصفوين، ساهم في جعل الصفويين يركزون على شخصيّة (الحسين بن عليّ) ومنحه كل هذا الزخم العقيدي والسياسي والتقديسي، وهو الرجل صاحب العدل والمتمسك بالحق والفضيلة، حتى لو دفع روحه ثمناُ لذلك، متخذين من مسألة زواجه من أبنة يزدجرد (شهربانويه بنت يزدجرد الثالث). موقفاً سياسيّاً وعقيديّا عملوا من خلاله على مصادرة الإسلام وجعل أأمته في ذرية الحسين، وهم الأئمة الاثني عشر، وعلى هذا الأساس لم يزل هذا المذهب بقيادة ايران وهي الحامية له، والعاملة على نشره في العالم الإسلامي. المعمار السردي والفكري للرواية: إن الروائي «عبد الله خليفة» في روايته (رأس الحسين)، يشتغل على مسألة مقتل «الحسين» انطلاقا من الموقف الصفوي الشيعي، وبالتالي منحه في هذه الرواية مكانة لا تعلوها مكانة من الشخصيات الإسلاميّة وفي مقدمتها الرسول نفسه ووالده علي بن أبي طالب. كما بينا قبل قليل، وما سنبينه في عرضنا التالي: تقوم الرواية على مسألتين أساسيتين هما: المسألة الأولى: اغتصاب الأمويين الخلافة من «علي بن أبي طالب» بقوة السلاح، فجاء «الحسين بن علي» ليطالب في الخلافة من «يزيد بن معاوية» معتبرها حقاً مشروعا له، رغم أن «الحسن بن علي» أخاه الأكبر قد تنازل عنها لمعاوية وفقاً لاتفاق بينهما. لقد حاول «يزيد» إرضاء «الحسين»، مقابل تنازله عن موقفه، إلا أنه رفض، وكان هناك من يحرضه على الثورة ضد «يزيد» من أهل المدينة المنورة والعراق وخاصة في الكوفة، وعندما جاء من المدينة المنورة إلى الكوفة لتجهيز جيش لقتال يزيد، لم تجر الأمور كما يشتهي حيث تخلي عنه الكثير ممن شجعه على الثورة من أهل الكوفة خوفاً من واليها «عبيدالله بن يزيد»، ولم يبق معه إلا أهله وأخته زينب وبعض المقاتلين، ومع ذلك قرر قتال جيش يزيد فكانت معركة «كربلاء» التي قتل فيها ومن معه من الرجال، وقطع رأسه الذي شكل العمود الفقري لعمارة هذه الرواية وسردها. أما المسألة الثانية: فهي نمط شخصية الخليفة «يزيد بن معاوية» التي اشتهرت بالفساد، كشرب الخمر واقتناء الجواري وقضاء ليالي الغناء والطرب، من جهة، وإهمال الرعيّة وشؤون البلاد وجمع الأموال والثروات الطائلة على حساب جوع الرعية وقهرها وظلمها وتسليط الفاسدين على رقابها من جهة ثانية. وهنا يأتي موقف «الحسين بن علي» المعارض لسياسة «يزيد» ومطالبته بترك الخلافة لأهلها الشرعيين كي يقوم بإعادة أمور البلاد إلى وضعها الصحيح الذي يرضي شرع الله. إن أهم حدث في الرواية والذي ابتدأت به الرواية هو مقتل «الحسين» وقطع رأسه في معركة غير متكافئة. وأهم شخصيات الرواية بعد «الحسين» الخليفة «يزيد بن معاوية»، ويأتي بعدها شخصيات ثانوية ومنهم (ابنه معاوية وزينب بنت علي، وزوجة الحسين وهند زوجة يزيد)، وهناك شخصيات أخرى من عساكره الذي خاضوا معركة كربلاء وهي من شكل الحيز الأكثر في أحداث البناء المعماري للرواية الدرامي والسردي. وهم («الشمر بن جوشن» الذي قطع رأس الحسين في معركة كربلاء. وحمزة المهرج المسيحي الذي أسلم، وقد عرف بعدّة أسماء أخرى مثل (جعدة وصموئيل). وهناك «عمر بن سعد» قائد حملة كربلاء. و«عامر التميمي وابن عمه عمران». وشخصيات هامشية من العساكر كـ«مجبل وبكار وهشام» وهناك والي الكوفة «عبيد الله بن زياد»). أهم دلالات الرواية كما جاءت في سياقها التاريخي على لسان شخصياتها: ظهور الدلالات النرجسيّة والفوقيّة وامتلاك شهوة السلطة للخليفة «يزيد بن معاوية»، عندما أخبره قائد الحرس بمقتل «الحسين بن علي» قائلاً: (هزم جيش الحسين يا مولاي وقطعت رأسه وسحق وجنده كما يسحق القمح). ص 30. فرد عليه يزيد: (هذه بشارة.. لم يعد الرجل المغرور يهدد ملكي .. انتهى الحسين.. الآن سوف أنام مستريحاً، سوف أهدأ… وزعوا الحلوة على الأطفال.) ص 30. ثم اتجه إلى القائد قائلاً: (قل لي.. كيف تضرع لي لأسامحه؟.. كيف بكلا من أجل أن لا يموت؟.. ألم يكن اسمي آخر ما تفوه به؟.. ألم ينحني ليطلب الرأفة مني؟.. الم يزلزل اسمي الهائل العظيم؟.. فيردّ عليه قائد الحرس: (لا يا مولاي لم يتذلل.. لم يقل ذلك يا سيدي.) ص 30. وفي الرواية أيضاً موقف «معاوية بن يزيد» من الخلافة وانعزاله وزهده بالدنيا والسلطة وخاصة بعد مقتل الحسين.. يقول له والده بعد فشل حواره معه حول عودته إلى عالم الخمر والسهر والجواري والضحك: (دعك من هذا التألم والتحسر على رثاء البشر ومسايرة القوم، وكن قوياً جباراً تسحق الناس العصاة بقبضة يديك العنيفة.. كفى لا تتخاذل ليس نحن الذين نسكب دمعة أو ترتجف أيدينا وقت الذبح.) ص 44. يرد عليه معاوية: (اتركني يا أبي، دعني أقرأ القرآن وأصلي.. إني لم أر المجزة وقلبي مثل طائر مذبوح.) ص 44. وهناك ايضاً بدء تبدل موقف حمزة المهرج من جند الخليفة «يزيد» بعد مقتل الحسين وما تركه هذا الفعل من تأثير نفسي وأخلاقي عليه، وهو الذي اختطف رأس الحسين من الشمر كي يقدمه للخليفة يزيد طمعاً في الجائزة أو المكافأة لعله يحسن وضعه الاجتماعي والمادي، وهذا كان موقف كل من العساكر الشمر وهشام أيضا، حول من سيحتفظ برأس الحسين للفوز بالمكافأة. هنا يبدأ يتخيل أن رأس الحسين يخاطبه فيتحدث معه عن العاصفة الترابية التي نزلت انتقاماً على عساكر الخليفة يزيد، وهم يحملون رأس الحسين على سن الرمح عالياً تباهياً بنصرهم. يقول حمزة مخاطباً نفسه متحسرا على تركه قصر الخليفة والتحاقه بعسكر الخليفة لقتل الحسين: (كيف يا حمار تركت القصر بجواريه وملاهيه لتلتحق بهؤلاء الذئاب البدو القساة الحفاة الذين يبيعون دينهم بدنياهم.). ص 36. وهنا يأخذ شعوره بالذنب يتصاعد حتى يجد نفسه يتحدث مع رأس الحسين. فمع هبوب العاصفة الرمليّة الشديدة يخاطب حمزة رأس الحسين قائلا: (متى تخف هذه العاصفة؟.). فيرد عليه رأس الحسين الذي يحمله ويلفه في خرقة: (سوف تخف هذه الرمال الثائرة بعد ساعة أو ساعتين، فلا تخف، ولكن كيف ستخرجون من متاهة الحساب وعذاب الضمر وأسئلة أخرى). ص47. فيرد حمزة مخاطباً الحسين: (هذه تتكفل بها أنت يا سيد الشهداء.) ص47. ثم يتابع الحور بين حمزة ورأس الحسين منتقدين سلوكيات عساكر المسلمين وقيمهم: (تقتلون وتشربون الخمر، وتمارسون الفساد ثم تذهبون إلى الحج وتبدؤون الصلاة وممارسة الطقوس وكأن كل شيء قد ذهب وعفا الله عنه.) ص47. وهم بهذا الحوار ينتقدون أيضاً يزيد وولده معاوية وفساد الخلافة الأموية ص 49. إن موقف حمزة المستاء يظهر أكثر وضوحاً عند اقتراب القافلة من دمشق بساقه التي طعنها أحد العساكر الطامعين برأس الحسين لأخذ الجائزة، وقد أردفه عامر خلفه على حصانه كي يعالج ساقه في دمشق يقول مخاطباً نفسه: (إنني أتتبع عبر الأخبار موكب رأس الحسين.. هل يمكن أن يحمل رأسه إلى الخليفة؟.. أهذه هي الخلافة التي نريدها؟.. بعد أن انتشرت الجثث في الصحراء وسال خيط من الدم طويلاً إلى الحقول والمدن). ص 98. كما نجد في متن الرواية موقف «زينب بنت عليّ بن أبي طالب» شقيقة الحسين وحوارها مع الخليفة يزيد عند وصوله إلى قصر الخليفة مع من تبقى من آل البيت. تحدث نفسها مقارنة بين هذا الملجأ (القصر) الذي يقطنه يزيد.. كيف كان زمن والدها ملجأً للفقراء والمساكين وكيف تحول الآن إلى وكراً للسرقة ومقر للقتل والبغاء.) ص 52. دخلت زينب قاعة القصر لتجد أمامها «عبد الله بن زياد» والي الكوفة جالساً على كرسيه، فتهمس لنفسها: (يا لله هذا النجس هو من أباد سلالة المصطفى). ص 52. وهنا يدور حديث بينها وبين والي الكوفة الذي بادرها بالقول: (ما حل بكم نتيجة لعصيانكم طاعة الخليفة، وهذه نتيجة العصيان، لقد أذلكم الله.).. فردت زينب عليه: (كيف يذل الله من أطاعه وعمل للناس خيراً ويقف مع من قتل خير البشر. كيف يقف مع من هو اتفه من ذيل بعير أجرب، وسيف مأجور عند قاتل نهم للمال والنساء.. بل قل هي السياسة والقوة، وهي اليوم لكم وغداً عليكم، فلا تستعجلون قطع رقابكم ونهب خزائنكم.). ص 53. وهنا نقف قليلاً عند قولها واصفة الحسين بأنه: (خير البشر). وهي في وصفها هذا تتجاوز والدها عليّ والرسول نفسه في الخيرية!!!!. كما نجد في المتن موقف «الشمر بن جوشن» الانتهازي وندمه أخيراً على قطع رأس الحسين وهو يخاطب حمزة قائلاً: (لستُ خائفاً، ولكنني حزين.. ذلك القطع للرقبة لا يزال مرئيّاً أمامي وكل الكؤوس لا تستطيع أن تزيله.. النوم لا يأتي فمنذ قتلته لم أنم، وجوه كثيرة تظهر لي.. وجوه لم أرها من قبل تتجسد أمام عيني.. ثمة بكاء مرير مثل نشر العظام.) ص 61. أما عن حالة الرعيّة في هذه الرواية فَيُسَلّطُ الضوء على تغير مواقف الرعيّة وسخطهم على خلافة يزيد بعد انتشار مقتل الحسين وقطع رأسه. فهذه إحدى بنات الحسين تقول لرباب: (نحن النسل الذي يريدون أن يجتثوه). ص 66. ثم تتابع واصفة حال الرعية: تأملي هذه الوجوه الشائخة من الحمالين ومقدمي العلف والحرس المساكين المرتعشين خوفاً من أية نأمة سوط.. هؤلاء الأهالي المتجمهرين وراء السيوف.. المدمنون على الصمت والخوف.. وهذه السطوح المرتجفة والمقاهي الثرثارة). ص 68. ها هو رأس الحسين يظهر أمام الرعيّة مرفوعا على رأس رمح وكأنه راية للحريّة.) ص 68. ويهتف صوت: (أيها الناس أن الزور الذي يقولونه لكم لكي لا تستقبلوا الحسين، هو كذب محض.. الحسين هنا.. الحسين لم يتوار.. الشهداء أحياء.) ص 69. وصوت آخر يصرخ: (أيها الناس.. إن الموت ما أخطأ الفتى جاء إليه بإرادته لأنكم دعوتموه للقتال وتخليتم عنه.). ص 70. وهذا الموقف المستاء ذاته ظهر عند المسحيين في موقف الأب «يوحنا» عندما اقتربت القافلة التي حاربت الحسين من الدير في الصحراء قرب دمشق طالبين الماء والطعام ورفضه تقديم مطالبهم. ونجد في متن الرواية موقف «الخليفة يزيد» من «زينب» وما تبقى من آل البيت، حيث بدأ يتغير موقفه مع بدء تغير مواقف الرعيّة وتعاطفها مع آل البيت.. شعور بالندم والذنب راح يجتاح يزيد ليطلب السماح من زينب وانهاء المسألة كلها كي تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي. قال يزيد لزينب وعائلة الحسين مبرراً قتله للحسين: (بأن الحسين شق عصا الطاعة على حكمه رغم أنه حاول إرضائه بما يريد.) ص 120. فترد عليه زينب: (كان لا بد أن يقاتلك يا يزيد وأنت أسوأ من يمكن ان يحكم.. أنظر ماذا فعلت.. سفكت دماءً كأنها بحيرة من الماء.. فمن العار إن لم يتجرأ عليك الحسين وهو زهرة رجال العرب.). ص 120. اما آل مروان بن الحكم الطامحون بالحكم وعدم ضياعه من البيت الأموي وتذمرهم مما جرى من سوء خلافة يزيد، الأمر الذي دفع مروان وبعض أهله يأتون إلى قصر يزيد متذمرين فيقول مرون للخليف يزيد: (يا خليفتنا ورأس دولتنا، لقد تماديت كثيراً في سطوتك، فهذه المدينة التي لم تعرف سوى الهدوء والحلم، تعيش الآن في خوف دائم لا أحد يأمن على نفسه في الليل، وعبيدنا وموالينا راحوا يتذمرون ويهربون.. والغزوات توقفت، والعسكر في الثغور صار نائماً.. وما هذه الرأس التي علقتها وأردت الشكيمة منها فصارت سبباً للفزع والخوف والشكوك.). ص 149. في نهاية الرواية يتخلى الجميع عن يزيد بعد أن سمعوا تخلي الشمر بن الجوشن وحمزة وغيرهم من عساكر يزيد الذين شاركوا في حملة كربلاء عنه.. وهنا يقول يزيد: (صارت مملكتي كلها مخاوف.). ص 171. اما حمزة فيقود ثورة شعبية ضد الخليفة مع بعض الرجال المتذمرين من مواقف يزيد يُقتل فيها الكثير من الناس ويختفي رأس الحسين: ص.147. من خلال كل ما جئنا إليه في هذه المواقف، أجد أن الرواية تقوم في فضائها الأساس على موقف أيديولوجي للكاتب يؤمن إيمانا مطلقا بموقف الحسين وشخصيته وقدسيته، الأمر الذي أشعرنا بعدم الحياديّة في طرحه لقضية الحسين وانحيازه المطلق لمواقف الحسين ومن يمثلها في تاريخنا المعاصر، وهذا ما يفقد الرواية مصداقيتها، وربما ستجد صداها عند من يتمسك اليوم بموقف الحسين من الشيعة الجعفريّة بشكل خاص، على اعتباره يشكل وسيلة لإحياء مشروع سياسي ناضل الشيعة عبر تاريخهم الطويل من أجل تحقيقه، وهو عودة الخلافة لمستحقيها كما أشارت الرواية بأكثر من موقف في متنها. الرواية في الشكل: دلالات اسم الرواية: اسم الرواية هو الاسم أو الرمز الذي يوضّح مضمون الرواية، فهو يمثل الخطوط المميزة والهامة في بنيتها، وعلامة فاعلة في تحديد السمة المعنوية لها. فالاسم هو الدعامة التي يرتكز عليها هذا البناء، في حالة ثباته وتفاعله وتواتره، وعاملا ً أساسيّا من عوامل وضوحه. ويأتي هنا اسم (رأس الحسين) بكل دلالاته ليمثل ظاهرة تاريخيّة لها حضورها في التاريخ الإسلامي ماضيّاً وحاضرا. فالحسين ومأساة كرباء أخذتا تشكلان اليوم وبشكل خاص عند كتلة كبيرة من المسلمين الشيعة (الجعفريّة) موقفاً إنسانيّاً وسياسيّاً وعقيديّاً (مذهبيّاّ)، راحت هذه الكتلة تشتغل عليه بمفردات أيديولوجيّة وأسطوريّة مشبعة بمفاهيم الحريّة والعدالة وثبات الموقف ومناصرة الحق ومواجهة الظلم. وهذا هو مضمون الرواية في الأساس وأهدافها. أما صورة الغلاف فقد حملت دلالات الحدث لواقعة كربلاء التاريخيّة من جهة، مثلما عبرت في ألوانها الحارة المشبعة بالسواد، لتدل على عمق المأساة ودرجة الحزن الكامنة في هذا الحدث التاريخي كما يراها الكاتب، والكثير من محبي الحسين، مع وجود بقعة لون أقرب إلى الصفار أو الضوء في صورة الغلاف، تشير إلى فسحة من الأمل في خلاص هذه الأمّة من قهرها وظلمها واستلابها وتشيئها واغترابها الذي عاشته منذ قرون عديد ولم تزل فيه. الشكل العجائبي للرواية كنمط حداثي: تعتبر رواية (رأس الحسين) من الروايات التي تدخل في فضاء أو عالم الرواية العجائبيّة. والمقصود بالرّواية العجائبيّة، تلك الرواية التي ينقطع التشخيص فيها عمّا يمت للحقيقة أو المشاكلة، وهذا ما يساهم في إضعاف صلتها بالواقع، لتصبح هي مرجع ذاتها، وفق قوانين الفوق – طبيعي أو الواقعي، فيصبح من أهم خصائصها تداخل الواقع مع الخيال، وترك القارئ أو المتلقي على حيرة بين عالمين متناقضين، عالم الحقيقة الحسيّة وعالم الوهم والتخييل، وحضور اللاسببيّة في أحداث الرواية وشخوصها وسردها. ولذلك فإن العجائبيّة تحتضن مختلف البنيات النفسيّة المتعبة والتواصلات الاجتماعية الهشّة الهلاميّة التي تكرس السلبيّة وزيادة هدر قدرات العقل وتعطيل المنطق. إن العجائبي في المحصلة يفسح المجال واسعا أمام حضور وفاعليّة الخيال والقلب والحُلم والرغبة في اليقظة واللامعقول، لتحقيق ما عَجز عنه العقل في الواقع، فالخيال والحلم والوهم يقدمون حلولاّ ملتبسة لواقع حقيقي ملموس، وبالتالي يتحوّل الواقع بفعل آليّة عمل هذا المنطق اللاعقلاني العجائبي، إلى شلالٍ لتحقيق كل الأمنيات، وتبرير استمرار تأثير ما فوق الطبيعي في الطبيعي، وغير العقلي في العقلي، ليزداد الغموض في رؤية الإنسان وتصوّره لنفسه ولرغباته. في الوقت الذي يُنتظر من إنسان اليوم الحصول على المعرفة العقلانيّة القائمة على السببيّة، والتشبع بروح الحداثة والتحلي بالمنطق وسلامة التفكير وقوة الخلق والابتكار وروح التجديد والإبداع، وأن العمل دليل الحياة، مع امتلاك أخلاق التسامح والصبر والاستمرار في هذه الحياة والتمتع بها. ففي مثل هذا التوجه نحو المعرفة العقلانيّة التنويريّة، ستسعفهم هذه المعرفة العقلانيّة وتطاوعهم المادة لفهم قوة «الشيء» مهما كان صغيراً.(3). ففي رواية (رأس الحسين) يركز الروائي «عبد الله خليفة». أساساً على شخصيّة الحسين، بل على رأسه بالذات الذي ينقله من الواقع إلا عالم العجائب لدرجة أسطرته، فالرأس ينظر ويبتسم ويتكلم ويؤثر في واقع الطبيعة والأشخاص وأخلاقهم ونفسياتهم، ومع اختفاء الجثة، يبقى رأسه معلقاً على الرمح في موكب جند الخليفة «يزيد» ليشكل طاقة ثوريّة خلاقة داخل نفوسهم. كل ذلك يأتي منطلقاً من تيمة المقدس والمتعالي في شخصيته، حيث أرد الراوي له – وكما يريد محبيه اليوم – أن يشكل عالم الحلم في مقارعة الظلم والفساد داخل عالم الحقيقة.. عالم خلافة يزيد والبيت الأموي وحكام الحاضر أيضاً. لا شك أن رأس الحسين قد شكل مهماز التحولات الطارئة على المكان والزمن في بنية أحداث الرواية، وهذه الطاقة ما كان لها أن تحدث لولا انتقال الكاتب من عالم الواقع إلى عالم الغرابة المدهش، أو المعروف في ثقافتنا الدينيّة بعالم المعجزات والكرامات، التي تبلغ أقصاها في العجائبي. إن «عبدالله خليفة» لم يحرص على الحقيقة التاريخيّة التي أشرنا إليها عند تفريقنا بين التاريخ كعلم والرواية كمتخيل، لذلك هو انتقل من الحقيقة التاريخيّة التي لها مقومتها الموضوعيّة والذاتيّة إلى عالم تخييلي صارخ، هو العالم العجائبي. لقد استحضر الروائي عبدالله الخليفة معظم عوالم عجائبيّة روايته من خلال رحلة رأس الحسين من كربلاء إلى دمشق، وكأن الحسين أبى إلا أن يمضي في طريقه حتى يهدد عروش الظلمة. فالحسين عدّه الروائي حقاً لا يمكن أن يقهره قتل، ففكره المشبع بالعدل وعدم التنازل عن الحق ورفض الذلّة والهوان، استطاع أن يتمرد على جسده المادي المختفي، وأن روحه ستظل تسري في النفوس عزة وكبرياء. إن عبدالله خليفة بهذا النزوع نحو العجائبيّة لا يقصدها بحد ذاتها ولا يرمي للتسليّة والمتعة، بقدر ما تنبع من إيمان حقيقي يرمي إلى جعل قضية الحسين ورأسه رمزاً كبيراً يستمر في واقع الناس اليوم ليتحدوا به القهر والظلم والهزيمة، وهو الأمر الذي فعله داخل النص ذاته، حين حول حمزة وبعض المسحوقين من صحبه العساكر في واقع الناس إلى ثوار. إن هذا الإصرار على المنحى العجائبي داخل النص الروائي من قبل «عبدالله خليفة» بوظيفته الرمزيّة، هو محاولة يشتغل عليها «الشيعة الجعفريّة» في تاريخنا المعاصر لنقل قضيّة صراع حسين على السلطة ومأساته في الماضي، إلى حاضر الناس وواقعهم، بل وإلى مستقبلهم وتطلعاتهم أيضا، وليس الأمر غريباً على كاتب مثقف في حجم «عبدالله خليفة» الذي ظل في كل ما خط يقف إلى جانب المحرومين والمسحوقين الذين سجن من أجلهم، يبحث لهم عن شعاع من أمل، وعن حلم يتشبثون به بحثاً عن كرامتهم وشرفهم، ولكن بطريقة تحرك العواطف والأرواح والحلم أكثر من تحريكها للعقل والمنطق والفعل الثوري القائم على العلم ومعرفة الواقع والشروط الموضوعيّة والذاتيّة الحاضنة لأية ثورة أو رغبة في التغيير. وعلى هذه المعطيات لا يمكن للحكايات العجائبيّة في أوساط اجتماعيّة كثيرة ومتعددة الانتماءات والمرجعيات الدينيّة بكل تفريعاتها، وفئاتها العريضة التي تشتغل على الخرافة والأسطورة وبما لديها من أدوات السخريّة والمسخ والإهمال والنسيان وإلقاء اللوم على الآخرين، أن تصبح جيشا يحارب من أجل خلق عوالم من التجديد والتطوير والحداثة والدعوة لتطبيق القانون. هكذا، يظهر وجه رواية «رأس الحسين» العجائبيّة التي تقدم نفسها لإنساننا العربي المعاصر حلماً لتحقيق العدالة والمساوة ونفي الظلم والاستبداد في سردها العجائبي، نراها تدفعه للحيرة بفعل ما تخلقه من مفارقات وتناقضات وأوهام وتخيلات عجائبية. فالعجائبي لا يستقر في بؤرة أمنةٍ أبداً، وإنما يزرع الشك والريبة حيثما حلَّ وانتقل، كونه بعيداً عن العقل والمنطق كما بينا في موقع سابق، فالعجائبي عندما يحاول أن يحوز على قدرات العقل، لن ينجح في إيجاد حلول يحقق من خلالها التوازن بين العقل والخيال وبالتالي الحلول المنطقيّة، فالمتخيل والوهم يكفي أن يغمض المرء عينيه، حتى يتخلص من واقعه الحسي وأحلام يقظته في الخلاص، فالحُلمُ هنا مفتوح على مصراعيه، لا يقف أمامه حاجزٌ ولا حتى مراقب، وقد يطول الغياب أو يقصر، تبعاً لمستوى الاستسلام لليأس ومدى الابتعاد عن العقل الذي يصبح في هذه الحالة مصدر توتر وقلق وصداع، ومن ثم ندرك كيف سيتحول عشق العجيب إلى إدمان. شكل السرد في الرواية: صيغة الرواية في سرد امتاز بالتدفق والسلاسة والانسيابيّة والبساطة والتنوع وتسارع إيقاع.. سرد جاء حافلاً بمفردات من الصور والمواقف والحوارات، تتم فيه عملية انتقال السرد البسيط والسهل للشخصيات من الظاهر إلى الباطن في الغالب وعبر منولوج تتحدث فيه الشخصيات مع ذاتها لتعبر عن قلقها وخوفها وحلمها. لقد افتقدت الرواية إلى السرد المتتالي أو التسلسلي فكان هناك في السرد القطع والوصل داخل البنية السردية للرواية، مما جعلها لا تسير باتجاه واحد. حيث وجدنا بَالبنية السردية التي ينقلها الراوي مجموعة من السرديات غلب عليها الشكل التناوبي منه حيث يسرد الراوي قصة أولى ثم يذهب للثانية ثم يعود للأولى ثم يذهب لثالثة فيعود للثانية وهكذا، وما يجعل هذا النوع من السرد متاحًا وجود قواسم مشتركة ما بين شخصيات وأحداث تتوازى على مدار الرواية، مما جعل الرواية مليئة بالزخم. إن السرديات المختلفة تتوزع على الفصول العديدة التي وصلت إلى (41) عتبة أو محطة، وكأن شاشة الرواية منقسمة إلى أقسام كثيرة، فالمتلقي لا ينتهي من السردية الواحدة مرة واحدة، وإنما يدخل معها حكايات متنوعة، وينتقل من حكاية إلى أخرى، بالرغم من أن العمود الفقري لكل هذه العتبات أو المحطات واحداً، هو رأس الحسين وظلم يزيد. الزمان والمكان في الرواية: لقد ارتبط المكان والزمان هنا، وهو زمن ومكان كربلاء في هذه الرواية برؤية عالم النص وتشكيلاته من الصور والأحداث والشخوص، مما جعل الرواية كاشفة عن أعمق المشاعر الإنسانيّة عبر شخوصها. لغة الرواية: لقد جاءت اللغة المتداولة في النص الروائي بسيطة عند شخصيات الرواية بكل انفعالاتها، وبمفردات، وهي تناسب وعي الشخوص وثقافتها، ومن زوايا أخرى تتناسب ومصالحها وهمومها وعواطفها. كما تجلت عبقريّة الروائي في استخدم هذه اللغة بسماتها وخصائصها التي جئنا عليها أعلاه لتشكيل صور إنسانيّة لدوائر تتسع لهموم البشر الصغار وظلم الكبار وفسادهم، داخل فضاء كوني واسع مشبع بالتناقضات والصراعات والمصالح المتناقضة. أي لم ينس العمل الروائي توصيف حكاماً ظلمة قساة الهاهم التكاثر وعم حياتهم الفساد، يقابلها صور أخرى لرعيّة محرومة ومضطهدة ومفقرة تبحث عن الحرية والعدالة ولقمة العيش. طموح الرواية: إن كل ما تطمح إليه الرواية هو الخروج عن السائد والشائع والمألوف في عالم عربي متخلف فقدت علاقاته منطقيتها وساد فيها طغاة امتلكتهم شهوة السلطة، فـ: «عبدالله خليفة» يطمح في روايته بكل عجائبيتها بناء علاقة إنسانية أكثر عقلانيّة وإنسانيّة جديدة تتسم بالحريّة والتوازن والسمو والعلو عن كل ما يسودها من كذب ورياء وأنانيّة وفقر وجوع للمحرومين، وتنطبق فيها الممارسة مع الفكر، وتتربع فيها العدالة على عرش الضمير والقلب والعقل والسلوك… هو يبحث عن فضاء في عالمنا العربي يكون فيه النقد بيّن والحوار مع الآخر المختلف واحترامه بيّن، وخاص على مستويات الذات والآخر في وجهات النظر. دون أن نغفل الموقف الأيديولوجي بأبعاده الدينيّة الذي يتبناه الروائي. هذا ويظل الأدب ومنه الروائي يشكل الفضاء الذي تتنفس فيه أصداء الشخصيات وتتفتح فيه أبعادها ومحاورها. الرواية من منشورات الدار العربية للعلوم – ناشرون – منشورات الاختلاف. الجزائر – العاصمة الجزائر – دون تاريخ نشر – تقع في 174 صفحة. ……………………. الهوامش: 1- (جريدة وطن برس العراقية العربية في أستراليا عربية مستقلة. الدكتور: عزالدين جلاوجي – الجزائر). بتصرف. 2- (في رواية «رأس الحسين» للروائي البحريني عبدالله خليفة – جريدة وطن برس العراقية العربية في أستراليا عربية مستقلة – الدكتور: عزالدين جلاوجي – الجزائر.). 3- ( الرواية العجائبية في الأدب المغربي الحديث: دراسة نفسية اجتماعية كتاب للدكتور خالد التوزاني – موقع إيطاليا تلغراف.). بتصرف.
في روايته ِ(رأس الحسين)/ط 1/ 2006/ الدار العربية للعلوم/ بيروت، حاول الروائي عبدالله خليفة أن يجترح تعادلية بين الوثيقة والمخيلة فجعل الرواية تبدأ مع نهاية فاجعة الطف، وتوجه الجيش الأموي والسبايا إلى دمشق. ومحور الرواية يقدمه لنا الروائي مع الصفحة الأولى من خلال محاورة تجري بين أثنين من جنود الأمويين (انتزعتْ يداه الرأس. احتضنه في صدره. ارتجف قلبه ُ فجأة . حدق في بقية الجثة ورأى نافورة من دم. تدافعت الأيادي إليه. دخلت الأظافر وجهه، اندفع بعيداُ وهو يصرخ فرحا: الرأس لي. صاح الشمر: أنا الذي قتلته ولي هذا الرأس الثمين! قال حمزة من موقعه : صار لي الآن، وغداً أرميه تحت قدميّ الخليفة وأفوز بالعطايا يا أو غاد/ 5) السطور القليلة هي محاورة بين قاتل الحسين وبين شخص اطلق عليه المؤلف اسم حمزة. المحاورة هي الخلية السردية الموقوتة ، وستكون بسعة (176) صفحة من الحجم المتوسط ومن هذه السعة السردية ينهض الفضاء الروائي.. وقراءتي هي قراءة منتخبة اشتغلت على شخصية الإنسان المهمش أعني الجندي الأموي/ مهرج يزيد ويمتلك السرد حيوية التشويق من خلال تحولات يمر بها الجندي حمزة، من الوعي الزائف إلى الوعي الثوري.. وسؤال حمزة الأول ينطلق من الصفحة : (تأمل حمزة بقايا المعركة بدهشة وتساءل : لماذا ساقنا الخليفة يزيد إلى هذه الأرض الترابية والإحاطة بهذه العائلة الصغيرة والجماعة الضئيلة؟! هذه الأسرة التي حاصرناها طويلاً وهي لا تستحق كل هذا الحصار العنيف !) وسؤالي كقارئ: هل طوعاً أم كرها شارك حمزة في الجيش؟ وهو يحتضن رأس الحسين ليلا يسأل نفسه (ما بال هؤلاء النسوة والأطفال لا يكفون عن البكاء؟ ألم يأمر قائد الجيش بعدم البكاء؟/ 9) وإذا سألنا من هو هذا الحمزة؟ يجيبنا السارد (هو جندي فقير يلتحق بجيوش المسلمين لكي يحصل على الغنائم) هنا يقترض الروائي عبدالله خليفة تقنية شبح الأب المغدور، من شكسبير في مسرحية (هاملت) ينعس حمزة ويرى فيما يرى النائم، هناك مَن يحدثهُ (ماذا تريد مِن الجيوش والحروب يا حمزة، ألست شاباً قوياً ومقبول الطلعة وتستطيع أن تعمل منذ الصباح حتى السماء؟ تستطيع أن تكسب كثيراً بالعمل /11). هنا يتخذ الروائي عبدالله خليفة مساراً مغايراً في التعامل مع الوثيقة التاريخية فهو ينتج مخيلة ً تتجاور مع الوثيقة ولا تتماهى فيها، من خلال التحاور بين شخصين شاسع المسافة بينهما. شخصية خالدة لا تأفل شمسها هي شخصية سيد الشهداء الحسين عليه السلام، وشخصية رجلٌ مِن همل الناس اسمه حمزة ومن خلال التحاور بين الحين والآخر يزداد حمزة وعيا بما يجري وينتقل إلى صف الحسين كما انتقل القائد في جيش الأمويين الحرُ الرياحي. مع الاختلاف الكبير بين القائد الرياحي وبين الجندي حمزة، وأكبر الفروق بينهما أن الحر الرياحي أستشهد دفاعاً عن ثورة الحسين أثناء موقعة الطف. لكن حمزة سيفهم الحسين من خلال الحسين أعني من خلال صوت الحسين وهو يناجيه، وقد أصاب الروائي حين جعل ثريا نص روايته (رأس الحسين) فهذا الرأس الثائر كان في حيازة الجندي حمزة، ولأسباب إنسانية محض كان الشهيد الحسين يحنو على الجندي الذي طمسوا وعيه وجعلوه يتصور أن هذا القتال لنصرة الدين الإسلامي. وهنا يأتي دور الحسين شهيدا في توعية الأحياء الميتين في حياتهم.. لنكمل الآن التحاور بين حمزة والحسين (مَن يحدثني؟ مَن يتكلم معي؟ أنا الحسين أتكلم معك مِن هذه الرأس التي تحملها؟) سنلاحظ أن تحاور الحسين له منطق استدلي متمهل فهو يتعامل مع إنسان مِن همل ِ الناس. وحين يرتبك حمزة قائلا (أعوذ بالله، ألا تكف أيها الوسواس الخناس من الحديث معي وأنا رجل مؤمن مسلم؟) يكون جواب الحسين سؤالا: (متى صرت مسلما يا حمزة، بعد أن قالوا لك عن الغنائم والأسلاب والنساء؟) ويكون جواب حمزة تساؤلا (كيف تريدني أن أكون مسلماً وأنا معوز، جيوش المسلمين تقدمت في كل مكان، وأنا شاب ٌ فقير ولا فرصة لي وهذه الجيوش تملأ جيوب جنودها بالمال) يسأله الحسين ( وهل المال هو الذي جذبك إلى الإسلام، أليس هذا مخجلا ً ؟ / 12).. وهناك نوع آخر من التحاور العنيف بين الجندي حمزة وقاتل الحسين ومن خلال المحاورة نكتشف جهل حمزة بهوية الرأس، كما نكتشف شيئا من فطنته حين يخاطبه الشمر: (أترك الرأس يا حمزة وإلاّ قطعت يدك !) (لن أتركه.. لن أتركه!) (قلت لك أتركه، ما أنت سوى فتى تافه وهذه الرأس لي، أنا الذي ضحيتُ وقطعتها عن الجسد، أنا الشمر!) (أرجوك يا شمر أنت رجلٌ ميسور وأنا فقير معوز، دعني أخذ هذه الرأس للخليفة ليعطيني مالا كثيراً) هنا تتضح سذاجة الجندي حمزة، فيرد عليه الشمر: (لم يتقدم أحدٌ إلى الرأس غيري، والجيش كله خاف!) وهنا تتضح فطنة حمزة حين يسأل الشمرَ(لماذا خاف الجيش كله مِن قطع رأس لرجلٍ أحاط به جيشٌ كثيف؟) يجيبه الشمرٌ( لأن الجيش كله ُ جمعٌ مِن الجبناء، ليس فيهم رجلٌ شجاعٌ مثلي) هنا يطلق حمزة صدمة التلقي في وجه الشمر حين يخاطبه( لا أرى فيها شجاعة يا شمر والرجلُ محاط بآلاف العسكر) ولأن الشمر يشعر أن منطق حمزة فضحه فيستعمل السيف ويهوى بسيفه على أصابع حمزة.. يضمد حمزة يده، بيده الثانية .الشمر القاتل السارق يتوارى.. في ظلام يبصر العباءات والنجوم والقوافل والسبايا حشد من قطع شمس ٍ ممزقة حشد من السيوف، غابة ٌ من الرماح، على صدر الحسين وصوت الحسين واضحٌ جلي: ( لا تتركني يا حمزة! يتلفت وهو في كل ألمه، الذي أنغمر بالصوت الشجي الدافئ يبحث.. لا تتركني.. يا حمزة..! من يتكلم هناك؟ أنا الحسين، أتحدث معك، لا تتركني أيها الفتى الطيب أي صوت هذا، ماذا يريد هذا الصوت الغريب؟ لا تتركني يا حمزة أريد أن تحملني، لا أريد أن يلمسني هذا الرجلُ! ما هذه الأصوات، كيف للظلام أن يتكلم!) من هذا التحاور ستحل في حمزة الرؤية الجديدة حين يرى أجساد الجنود ملقاة على الحُصر والسجاد كأنها مرمية ٌ من السماءِ كأحجار صلدة مستكينة خافتة الحس والضوء (لم يرهم من قبل هكذا/ 14) وأصابعه لم تعد تؤلمه ويواصل حمزة صراخه (سرقوا الرأس مني أيها الناس) والصوت الغريب الخفي الذي لا يسمعه سوى حمزة يناديه (أبحث عني يا حمزة، أنا تائه الآن في الصحراء والعالم، أبحث.. عن..) الأصوات تختلف، حمزة وهو يبحث عن الرأس الحسين( صاح بهم مفزوعاً باكياً) (صرخ جعدة) جندي آخر (أضاف بصوت ٍ هامس: أتعرف صاحب هذه الرأس) (نهره آخر: أسكت وإلا قتلونا) (صاح حمزة : لا أعرف شيئا سوى أنه هدية أعطاني إياها القائد..) ( صاحوا به جميعا).. (نهره الحراس) (علام هذه الضجة) نبرة هادئة (تعال يا غلام) في خيمة القائد (لم تكن خيمته فرحة أيضا) (فالنسوة الجميلات والعود والدفوف وأطباق الأكل الباذخة والرجال الندامى، لم تكن تصنع متعة ً في هذا الهدوء الغريب/ 17).. ربما نجد بعضا من الجواب في كلام حمزة كما يصفه السارد (تساءل حمزة في روحه الضاجة : مَن الميت الحقيقي يا رب؟! كان المقتول يتكلم بهدوء وفرح غريب! وهؤلاء الأحياء الممتلئون بالطعام والشراب كأنهم جثثٌ متعفنة !) وحين يسأل القائد حمزة َ : ماذا تريد يا حمزة؟ يخبرنا السارد عن ترجمة حمزة لنبرة صوت القائد (صوتٌ لم ينبثق من جسد كما أحس حمزة، بل من خرابة، بل من ثقب عميق غائر في الأرض وتخرج منه تنهدات الموتى وهي تتلوى مع الدود والعقارب!) تقابل نبرة صوت القائد، نبرة صوت حمزة (لم يخل عن هياجه) ثم تنتقل النبرة إلى هدأة الصوت الجواني (قال حمزة لنفسه ما بال هؤلاء القوم المنتصرون غير قادرين على الضحك؟ لماذا يبدو المنتصرون كأنهم موتى والموتى أحياء؟ لماذا تشتعل القناديل في البرية ولماذا يزهر العشب فجأة في اليباب، ماذا يحدث يا إلهي؟!/ 18). هذه نقلة جديدة في مشاعر حمزة مشحونة باستغراب ما يجري، يكوّر مشاعره ويقذفها بوجه أمير الجيش (يا سيدي إذا كان الفوز في المعارك لا يجلب الضحك فكيف يستطيع معتوه مثلي أن يضحك سادة القوم ويحوز على جواريهم؟) الوجوم الذي كان يطبق على وجه عمر بن سعد يستحيل ُ إلى غضب وحقد ثم يصيح مخاطبا حمزة ( قل لي ماذا حدث؟ أصدقني القول وإلاّ وضعتُ هذا النصل َ في حنجرتك) نلمسُ ونحن نقرأ الرواية أن تنويعات الصوت من خلال نبراته تتحكم بنسيج الرواية. أمير الجيش الأموي يصيح لا يتكلم وبصياحه يهدد حنجرة حمزة (وإلاّ وضعت ُ هذا النصل َ في حنجرتك) النصل/ الحجرة وليس السيف / الرأس. وهنا يتماهى ذلك الصوت في حنجرة حمزة ولسانه ويشعر حمزة ليس هو المتكلم فقد (راح الصوت الغريب في روحه يتصاعد ويكاد يشق صدره) الجثة المقطوعة الرأس المرمية في العراء تشخب دما لا يتوقف، يروي العشب الأصفر الذي انتشر فجأة وبشكل مخيف ثم تخاطبه الجثة من دون الآخرين (أين رأسي يا حمزة؟ أين رأسي يا حمزة..؟) وحين ينتهي حمزة من كلامه يرى صدمة التلقي واخزة ً في وجوههم (أبصر حمزة وجوه الجميع كأنها غير مرئية، لم تعد ثمة رؤوس، هناك أكتاف ضخمة أو ناعمة أو عارية، ولكن لم تكن ثمة عيون، ولا جباه، وحتى القائد بدا في وقوفه كأنه يصل إلى الفراغ، كان رذاذُ لعابه يتطاير لكن لم يكن ثمة لسان ولا وجه 18).. بمرور الوقت والقافلة تقصد دمشق يتقدم حمزة خطوات ٍ جديدة ً في وعيه التراجيدي لثورة الحسين المغدورة( يحس ُ الآن أنه آثم في عمل ما، وشريك في جريمة لا يعرف عنها شيئا 25) وهو صادق في قوله عن نفسه( إنني لم أرسل سهماًـ بل أنا راوية هذا الجيش ومضحكه..) لكن تحولات وعيهُ تجعل منه الرواية الضد (.. لأروي كل هذه القصص وتسمع أشعار الحسين وزينب والعباس 27). ✤ يزيد حين يخبره احد العاملين في بلاطه بمقتل الحسين وعدم تراجعه، سيغضب ويزداد حنقاً حين يعرف(الجثة لم نعثر لها على أثر، كأنها سرقت، أو خطفها أشباح أو جن أو بشر فجأة توارت في الظلام 33) هذا الكلام ضمن حرية مؤلف الرواية في استعمال المخيلة ولا يحق لنا الاعتراض بل المخيلة تعطي للحسين استحقاقه الرمزي ضمن الرواية. ويزيد يهمه جدا وصول رأس الحسين إليه ليعنّف الرأس حتى ينطق الحسين فالطاغية الحاكم الأموي يعلم جيدا ً منزلة آل البيت عليهم السلام (لعل الرأس تتكلم وتطلب الغفران وتعلن الطاعة.. هم أهل معجزات لعلهم هكذا كما يزعمون فأستطيع أن أجبر الرأس على الطاعة.. وإعلان الولاء..) ولدى يزيد مقترح آخر( لعلي أضعها على طاولة كبيرة وعليها ستار وأجعل أحد ينطقُ وراءها).. وفي ص 38 يتقمص حمزة شخصية دونكيشوت (رجل على فرس هزيلة ناتئة العظام، كريهة الشعر، وهو يحرك عصاه ويقطع أشلاء الجنود الوهمية ويقف على الفرس التعبة التي تكاد تسقطه، جعل الأطفال يحدقون فيه مبهورين، فيقوم بطعنهم بسيفه الوهمي، ووضع عمامته على رأسه فأخفى أجزاء كبيرة ً من بصره، وكاد يسقط ولكنه تمالك نفسه وهو يقبض ُ على الهواء، والأشياء عائدا ً إلى موقعه على الفرس، وذهل حين سمع جزءً من ضحكة طفل صغيرة حبسها جبلُ الأشلاء والدموع/ 36). هذه هي خطوة حمزة الأولى في التقرب من السبايا. هنا استعاد حمزة دوره القديم كمهرج في بلاط يزيد حيث كان يربطه ويفتح فمه ويدلق الخدم ُ الخمرة َ، سيل من المياه الحارة تشتعل في أمعائه ثم يدلق الخدم كمية من الخروع فيصير كرش حمزة مثل تنور الخباز والكل يضحك في البلاط وتكون مكافأة حمزة حماراً..!! الآن يقع حمزة تحت سطوة تأنيب الضمير ويخاطب نفسه (كيف تركت يا حمار القصر بجواريه وملاهيه لتلتحق بهؤلاء الذئاب، البدو القساة الجفاة .. يبيعون دينهم بدينار/ 46).. هنا يسطع صوت الحسين لينقذ حمزة مِن جلد ذاته بالتحاور المحجوب عن سوى حمزة، يخاطب الحسين (لو أنك تأخذني يا حمزة، لو أنك ترفعني من هذا النصل، وتجري بعيداً، نحو الحجاز، أو نحو أي بقعة ٍ نظيفة من الدم والحراب..) لكن حمزة من أجل تحقيق مطلب الحسين يشترط عليه الحسين ( لو أنك تغدو جريئا، تصير نظيفاً.. تخطفني.. لكنك لا تزال جباناً تافهاً 48) اعترافات حمزة توجع الحسين وحين يسأله حمزة عما به يجيبه الحسين (أبكي عليك كيف تذل نفسك إلى هذه الدرجة./ 50) .. ✤ رأس الحسين تمرد على الشمر ولم يفز به حمزة وصار في حيازة الجندي الأموي هشام. لكن زوجته ترفضه زوجا حين تعلم أن يحمل رأس حفيد الرسول وحين يعرف الجيران يقتحمون البيت.. فيجدون الجندي هشام ميتاً .. ✤ يكتمل الوعي الثوري عند حمزة الراوية والجندي والمهرج السابق في بلاط يزيد، صار يحرض الناس على الثورة واصبح منشدا ً حزينا يلهج بمدائح آل بيت النبوة وصار رأس حمزة مطلوباً فقد جعل النسوة والصغار والأولاد والرجال تخرج من مكامنها في الظلام ومن أقبية الأزقة، وفتحات الخرائب وحفر الصاغة والحدادين من تصدعات الغرف إلى الخيمة التي فيها رأس الحسين، يتلو ما تيسر مِن الذكر الحكيم، وصار الرأس مزار للناقمين على يزيد وهكذا في دمشق اندلع اللهب من شرارة الجندي حمزة ورأس الحسين يحاوره من كربلاء حتى دخول دمشق، وبالمحاورة تحول المهرج إلى حسيني الهوى ما كان من كلام ٍ بينه والحسين، جعله الآن كلاما من الحسين إلى القوم جميعا (أيها الرجال والنساء جئت إليكم برأسي فقط، وتركت ُ جسدي هناك، يضيء مكانا معذبا آخر.. جئت لنزع الحديد الذي يدمي أقدامكم ونفوسكم 145).
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
✤ رواية رأس الحسين يحق لي تصنفيها (مسراوية) أي مسرحية روائية. فالحوار يشكل نسبة عالية وما يتبقى فهو للسرد. والرواية مكثفة مشوّقة والسيء فيها حروفها الطباعية الناعمة.
تمهيد: دراسة الرواية التاريخية تقتضي حزمة من الأسئلة أهمها: ما التاريخ؟ وما الرواية؟ وما مجال كل منهما، ثم ما الرواية التاريخية بالأساس؟ ويمكن أن نطمئن إلى تعريف التاريخ وتعاريفه كثيرة كالتالي: التاريخ هو علم دراسة الحادثة التاريخية، والحادثة التاريخية هي الحادثة الإنسانية الاجتماعية الماضية المفردة ذات المعنى، ونحن هنا مضطرون أن نضع خطوطا تحت كلمات معينة هي: علم، حادثة إنسانية، حادثة اجتماعية، ماضية، مفردة، ذات معنى. وهي نقاط لا شك تبعدنا عن الرواية التي هي (جنس ينفلت من تعريف جامع مانع يحيط بخصائصه وذلك لانفتاحها الدائم وقابليتها الشديدة للتغير، وهذا ما ذهب إليه باختين Bakhtine على اعتبار أنها الجنس الوحيد الذي مازال مستمرا في التطور، ولم تكتمل كل ملامحه حتى الآن)(1)، وما ذهبت إليه أيضا مارت روبير Robert Marthe معتبرة الرواية جنسا أدبيا لا قواعد له ولا وازع، مفتوحا على كل الممكنات(2). ولعل موازنة بسيطة بين مفاتيح التاريخ والرواية يجعل الجمع بينهما مستحيلا، هو نفعي ينبش عن الحقيقة ويسعى لها سعيها بكل أدوات العلم المتاحة، وهي خطاب جمالي ترتاد الخيال، وتحلق في عوالمه التي لا نهاية لها، فالرواية التاريخية يتجاذبها هاجسان أحدهما الأمانة العلمية والآخر مقتضيات الفن الروائي، مما يجعل الجمع بينهما إجرائيا كالجمع بين الماء والنار، رغم أن بوريس إيخنباوم في حديثه عن نظرية النثر يرى (أن الرواية تنحدر من التاريخ ومن قصص الرحلات)(3) ، فما مفهوم الرواية التاريخية؟ الرواية التاريخية Roman historique / المفهوم والنشأة تبنى الرواية التاريخية حكائيا على التاريخ وتقتات عليه وتتشكل منه وتضيف عليه وتختزل منه وتتصرف فيه، ولكنها ليست تاريخا لانصراف كل لون إلى مهامه المحددة، وهي ليست إعادة كتابة للتاريخ بل إعادة تدوين الماضي على نحو جمالي، إن الماضي هو القاسم المشترك فقد استرعى اهتمام المؤرخ والروائي معا، ولكن كل منهما يذهب إليه بأدواته، ويمكن تشبيه التاريخ بالشجرة العارية الجرداء المعزولة، كون التاريخ يبحث عن الحقيقة واضحة مجردة، ويمكن وصف الرواية التاريخية بالشجرة الملتفة المورقة المثمرة المدثرة بالحشائش والأعشاب والأشجار، كون الأدب يرتاد الغموض ويتزين به، فهو ملحه، وتوابله التي من دونها يفقد رونقه وعبقه، وبالتالي فإن الرواية التاريخية تقوم على (التداخل والمناورة والمجاوزة والاستظلال والتحويل حيث يخرج كل من الواقع والتخييل عن أحديته، ويجتمعان في وهم المرجع)(4). وهو ما يجمعه جورج لوكاش Georg Lukacs حين يذهب إلى أن الرواية التاريخية هي (تلك التي تثير الحاضر، ويعيشها المعاصرون بوصفها تاريخهم السابق بالذات، فالأهم فيها هو إضفاء حياة شعرية على القوى التاريخية والاجتماعية والإنسانية التي جعلت من خلال مسار طويل حياتنا الراهنة على ما هي عليه)(5) ، واعتبر محمد القاضي التاريخ نصا غائبا في الرواية، على اعتبار أن ما بينهما هو تناص، فالرواية التاريخية (استدعاء لخطاب التاريخ الماضي، لإنشاء خطاب الرواية الراهن)(6). الرواية/ التاريخ: هاجسا الماضي والحاضر: إن الرواية التاريخية مهما تعمقت الماضي، وسعت للتوغل في مجاهيله، تبقى دائما مرتبطة بالحاضر لا يمكنها أن تنفلت منه، فهي كالشجرة التي تمد جذورها في أعماق التربة/ التاريخ، لكنها في الآن ذاته تعرش بأفنانها وتمد ظلالها في واقع الناس، مما يجعلنا نعتبر الروائي بحق مؤرخ الحاضر، في مقابل المؤرخ الذي يقوم براوية الماضي، وهو ما أكده لوكاتش بقوله: (إن كاتب الرواية التاريخية لا يلتفت إلى الماضي إلا من خلال قضايا حاضره)(7)، وهذا يقتضي أن يعتمد هذا النوع من الروايات على حقبة تاريخية موثقة تكون مادة للحكي، يملأ الأديب تجاويفها بما أوتي من ملكة التخييل، ويضفي عليها لمساته الفنية والجمالية يعيد الأديب تشكيل هذه المادة تشكيلا فنيا جماليا، شرط أن يمتلك قدرة كبيرة على الحفر بالمرحلة بكل أبعادها الاجتماعية والأنثربولوجية. نشأت الرواية التاريخية من رحم الرواية، ولا يمكننا بأي حال من الأحوال كما يقول نضال محمد الشمالي في كتابه الرواية والتاريخ (تسمية بعض الأعمال السردية التراثية كالسير الشعبية… نقطة انطلاق للرواية التاريخية، الرواية التاريخية جنس تال للرواية… تابع لها)(8)، ويكاد الدارسون يجمعون على أن ولتر سكوت Walter (1771–1832) في روايته ويفرلي 1814 ، يعد أب الرواية التاريخية، وهو ما يؤكده محمد القاضي بقوله: (لم تظهر الرواية التاريخية في الغرب بمعناها الاصطلاحي إلا مطلع القرن التاسع عشر، مع ولتر سكوت (1771-1832) والذي وفق في الجمع بين الشخصيات الواقعية والشخصيات المتخيلة، وأحلها في إطار واقعي، وجعلها تتحرك في ضوء أحداث كبرى)(9) ، ثم ظهرت بعده تجارب مختلفة أهمها، الكاتب الروسي ليو تولستوي Leo Tolstoy (1828–1910) ، والكاتب الأمريكي ستيفن كرين Stephen crane 1900) (1871– ، وغيرهما. ورغم أن العرب قد عرفوا في القديم روايات شعبية كثيرة كسيرة سيف بن ذي يزن، وعنترة، ، وبني هلال والجازية، وأيام العرب في الجاهلية والإسلام، غير أنه ما كانت الأساس في كتابة الرواية التاريخية عندهم، كون الرواية العربية الحديثة جاءت عبر التأثر بالثقافة الغربية. وفي العصر الحديث تعتبر زنوبيا لسليم البستاني وقد صدرت سنة 1871 أول نص روائي تاريخي، تتالت بعدها عشرات النصوص الروائية التي كتبها البستاني ذاته أو ما كتبه جورجي زيدان في سلسلة روايات تاريخ الإسلام بين سنتي 1891-1914، وعلي الجارم، ومحمد فريد أبوحديد، وسعيد العريان، ونجيب محفوظ في عبث الأقدار 1939، رادوبيس 1943، كفاح طيبة 1944، وبعد ارتياد الرواية العربية اتجاهات مختلفة عادت مرة أخرى لتطرق باب التاريخ، على يد رضوى عاشور، جمال الغيطاني، عبد الرحمن منيف، واسيني الأعرج، البشير خريف، عبد الواحد براهم، ربيع جابر، عبدالله خليفة. ويمكن أن نلحظ اتجاهات مختلفة في الرواية العربية التي تعاملت مع التاريخ، تختلف باختلاف الجرعة التاريخية التي تلقتها، والعلاقة التي يقيمها المرجعي والتخييلي تعالقا وتنافرا، إذا أن بعضها قد رجح التاريخ، ولم تكن الراوية إلى مطية لذلك، كما فعل جورجي زيدان مثلا، وبعضها تعادل فيه كما ظهر في روايات نجيب محفوظ، وثالث امتص المرجعي لحساب المتخيل مسقطا التاريخ على الواقع، ومن ذلك ما كتبه جمال الغيطاني في الزيني بركات، ورضوى عاشور في ثلاثية غرناطة. فما حظ كل ذلك في كتابات عبدالله خليفة، وخاصة في روايته التي بين أيدينا، رأس الحسين، كيف تعامل الأديب مع التاريخ؟ وإلى أي وجهة يمم وجهه؟ وما الأدوات الفنية التي استعملها؟ هذه وغيرها من الأسئلة هي ما نسعى للإجابة عنه في هذه المقاربة.
رأس الحسين أسئلة التاريخ أسئلة الدم
قبل جس نبض الرواية أرى لزاما التوقف عند محطات من جهد الأديب عبدالله خليفة، رغبة في إضاءة بعض من جوانب حياته للمتلقين. عبدالله خليفة كاتب وأديب بحريني كبير، ولد عام 1948، كتب في القصة والرواية والمقالة وله إسهامات فكرية كبيرة، توفي رحمه الله سنة 2014، عن عمر ناهز 66 عاما. العتبة الكبرى / الرأس الهاجس: اعتبر رأس الحسين هاجسا كبيرا في كل التاريخ العربي الإسلامي، على اعتبار أنه منارة للنضال والتضحية، وعلى اعتبار أنه الرمز الأكبر لمنهج النبوة، غير محصور في منهج جده عليه السلام فحسب، بل هو منهج النبوة منذ أن اصطفاها الله تعالى، وهو منهج محفوف بالتضحية وتقديم القرابين. والمتلمس اليوم بحثا عن هذا الرأس لا يجد ركازها في مكان بعينه، بل ركزتها الأمة في كل مكان، وأقامت لها مقاما كريما في كل مَصر لتكون علما على علم، نجدها في العراق والشام ومصر. بل إن المتتبع لتبني الأسماء يجد طغيان الحسين والحسن وعلي، في واقعنا الاجتماعي منذ الفتنة الكبرى إلى يوم الناس هذا، ولا نكاد نسمع اسم معاوية ويزيد إلا ما ندر، إنه انتقام بشكل ما، بل بشكل فضيع، كأنما هو سعي لمحوهما من الذاكرة تماما، في حين تحولت الأسماء الأولى إلى أعلام حملها الخلف ويحملها السلف إلى نهاية التاريخ. مثلت لفظة الحسين داخل الرواية هاجسا مركزيا تحولت معها إلى تيمة رئيسية، حيث ترددت مئتي مرة بل وأصرت على الحضور بداية من العنوان، الذي يعد (عنصرا من أهم العناصر المكونة للمؤلف الأدبي، ومكونا داخليا يشكل قيمة دلالية عند الدارس، حيث يمكن اعتباره ممثلا لسلطة النص وواجهته الإعلامية)(10)، إن ظهور الكلمة التيمة في العتبة يعطيها وقعا أشد وتأثيرا أقوى، ويمنحها السيادة والسيطرة والأولوية، ويمكن أن نسميها الكلمة العمدة على قياس العمدة لدى النحاة، إن (الكلمة/ العنوان… لها محمول استثنائي)(11)، وقد وردت في الرواية عمدة مرفوعة في تركيب الجملة، معرفة بإضافتها للحسين، وهي إضافة تمنحها تميزها ومكانتها وقيمتها، كان للروائي أن يعنون نصه بلفظة الرأس، إلا أن التعريف بالــــ هنا يحيطها بهالة من الغموض ويمنحنا فرصة تأويها ونسبتها، غير أن الروائي منذ الوهلة الأولى قطع علينا ذلك الطريق وكفانا جهد التأويل حين ربطها بالحسين، الذي بقدر ما يحيل عليه في ثقافتنا وتاريخنا، فهو يحيل أيضا على الحس والحسن والحي والحَيْن/ المحنة، وما شئت من المعاني في لغة العرب، والتي اكتنز بها هذا الاسم. ولا يكتفي الكاتب بالعنوان، بل نرى حضور كلمة الرأس مباشرة في الجملة الأولى من النص، كأنما هو في عجلة من أمره كي يثبتها في الأذهان «انتزعتْ يداهُ الرأسَ»(12)، جملة تفوه بها الشمر وهو يفصل رأس الحسين عن جسده، وتتدافع إليه الأيدي الآثمة رغبة في الظفر بالرأس للظفر بعرض الدنيا، فيعاود الشمر الصراخ في الجميع «أنا الذي قتلته ولي هذا الرأس الثمين!»(13). غير أن الدم يتحول نافورة، ويجري موجا هادرا يثير الحيرة والأسئلة، هي بالأساس أسئلة التاريخ وأسئلة الدم، في أول سؤال يستيقظ الضمير على لسان حمزة، وهو الشخصية التي خلقها عبدالله خليفة لتمثل صوت الضمير، صوت الأمة التي أراد حكامها أن يقزموا وضيفتها في التهريج، ولكنه سؤال يحمل إدانة كبرى للحكام/ حكام بني أمية بالأساس «لماذا ساقنا الخليفة يزيد إلى هذه الأرض الترابية والإحاطة بهذه العائلة الصغيرة والجماعة الضئيلة؟! هذه الأسرة التي حاصرناها طويلا وهي لا تستحق كل هذا الحصار العنيف!»(14)، عبارة قصيرة تعتلي صهوة النص وتشرق في طليعته لكنها تفصح عن كل شيء، عن الإدانة كما أسلفنا، «لماذا ساقنا الخليفة يزيد إلى هذه الأرض الترابية»(15)، عن الكبرياء في العترة الطاهرة، التي لم يدفعها ضعفها العددي وقلة حيلتها إلى الاستسلام «بهذه العائلة الصغيرة والجماعة الضئيلة؟! هذه الأسرة التي حاصرناها طويلا وهي لا تستحق كل هذا الحصار العنيف»(16)، عن تأنيب الضمير الذي تحيل كلمة «لا تستحق»(17). وفجأة يتحول التأنيب إلى حيرة حين تنتقل الأحداث من الواقع إلى الغرائبي والعجائبي، وحين تختفي الجثث فجأة، ولا يجد حمزة مناصا من أن يقلب طرفه حائرا في كل مكان «أين ذهب الضحايا؟»(18) «أين رحل القتلى؟»(19) سماهم ضحايا في جملته الأولى، وسماهم قتلى في الثانية، لكنه لم يجرؤ أن يصفهم بالموتى، فالشهداء يقتلون ولكن لا يموتون، والصالحون يقدمون أنفسهم قرابين لله تعالى ليخلدوا عنده، وهذا يحيلنا على إبراهيم عليه السلام وهو يقدم ابنه، فهل هي إشارة للتماثل في بيت النبوة بين إسماعيل والحسين عليهما السلام؟ وهو تناص واضح مع قوله تعالى «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون»(20). ويذهب الخيال بحمزة حين يتصور أن الموتى قد مضوا سريعا إلى السماء مستعيرين أجنحة، كأجنحة الطيور، «قد مضوا بسرعة، أو أن أرواحهم استعارت أجنحة الطيور واندفعت في السماء تشكو، وأن سهاما من النور والنار سوف تتدفقُ من العلياء وتثقب جلودهم!»(21)، وهو ما يحيل مباشرة على قصة جعفر الطيار عليه السلام. إذن هي جملة من الأسئلة يستهل النص بها حضوره، قدمت منذ البداية تصورا عاما للمنحى الذي ستأخذه مئات الأسئلة التي ستأخذ برقاب بعضها إلى نهاية نص الرواية يكون محوراها الأساسيان، الحسين مجللا بنور الحق، ويزيد مكبلا بأغلال الباطل. تتناوب الرواية مجموعة من الشخصيات كلها ذات صلة بالتاريخ، إلا شخصية حمزة الذي كان مهرجا بالقصر الأموي، ثم يغامر للحصول على رأس الحسين دون سيف يحمله، طمعا في أن ينال بذلك قسطا من المال يبني به مستقبله، وتنتهي به الرواية ثائرا ضد الظلم الأموي منتصرا لحق آل البيت، وهو بذلك يمثل الضمير الجمعي للأمة التي أراد يزيد أن يجعل منها قاراقوزات في قصره، فشحذها الحسين بطاقة خلاقة لتنتفض ضد الظلم، ليس في تلك الحقبة فحسب، بل في كل ما تلاها وما يليها من حقب. غير أن الرواية كلها تقوم على شخصيتين محوريتين، الشخصية الأولى وهي الحسين ولا يمثلها داخل الرواية كلها إلا رأسه، الذي تتناوبه الحراب والأيدي الآثمة من كربلاء إلى دمشق، والثانية هي شخصية يزيد التي لا تبرح قصر الخلافة، وفيما يلي بسط لحضورهما داخل الرواية. 1ـــ رأس الحسين/ منارة فوق رمح: تنطلق أحداث الرواية مباشرة من قتل الحسين عليه السلام وقطع رأسه، ومعنى ذلك أن الروائي يضرب صفحا عن كل ما سبق هذه الحادثة من أحداث فصلت فيها كتب التاريخ، بل ويضرب صفحا حتى عن جسد الحسين، «يا سيدي الجثة لم نعثر لها على أثر، كأنها سرقت، أو خطفها أشباح أو جن أو بشر، فجأة توارت في الظلام..!»(22). على اعتبار أن الحسين ليس جسدا بقدر ما هو رأس/ فكرة، ولم يفعل الموكب الآثم وهو يتحرك بالرأس مرفوعة على رمح طويل سوى أن يجعل منها راية ستبقى مرفرفة ترسم الدرب للصادقين في تلمس شمس الحق «حدق جعدة بغضب في راية الشمر حيث كانت الرأس مرفوعة على الرمح، والشمر يزهو بقوته ورمحه الذي يحمل الجائزة الكبرى!»(23). وما تكاد العصابة تتحرك حتى ينتقل بنا الكاتب من عالم الواقع/ التاريخ إلى العالم العجائبي، حين يبث الروح في الرأس، فإذا بها تنظر وتبتسم «والتفت فوجد رأس الحسين تنظرُ إليه وتبتسم!»(24)، بل وتتكلم «الجثة التي بلا رأس تتكلم»(25)، ورغم أن الرأس كانت تحاور حمزة بالأساس، «هل تعرف يا شمر بأن الرأس تكلمني، هذه التي تحملها على رمحك القاسية تشير إلي بعينيها وثمة نورٌ غريب يتدفق منها!»(26) مما يجعله خائفا مضطربا طول الطريق بين كربلاء ودمشق، فإن ذلك ينتقل إلى غيره من المقاتلين، حتى الشمر الذي لاحظ اضطراب حمزة فسعى لمعرفة الحقيقة منه، يقول حمزة للشمر: «غريبة هذه الأمور، لأن أفرادا من الجيش صاروا يسمعون هذه الرأس وهي تتكلم، بعد أن حاصرتها يا شمر وقطعت الماء عنها وأطلقت عليها كل هذه السهام وطعنتها بكل السيوف لا تزال تتكلم، وتحدث الجنودَ والناس…»(27). يتعجب الشمر لما يسمع وعجل يتفقد الأمر «أوقف الحصان وأنزل الرمح وقرب الرأس الملفوفة بالقماش، وطالع الوجه المفتوح، وكان الغبار وكانت ظلمة كبيرة مفاجئة، وكانت صرخة من الشمر ، الذي أسقط الرأس وهو فزع، صرخ: كأن شيئا عضني!»(28). لاشك أن ما وقع فيه الشمر كان بفعل إحساسه العميق بما ارتكبه ضد الحسين، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تصير الرأس أفعى، غير أن وهم الشمر وقناعته بجرمه أوقعه في ذلك، وتوهم هذه العضة المؤلمة، وهو مما بقي في ضميرنا الجمعي إلى اليوم، الإحساس بالذنب الذي آلم أولئك الذين ارتكبوا الجريمة أو سكتوا عنها في حينها، انتقل إلى أحفادهم الذين ظلوا بطرق مختلفة يسعون إلى التطهر. كان يمكن للكاتب انطلاقا من مأساة الحسين أن يجعلها باكية شاكية، شاتمة لاعنة، محرضة على العنف والانتقام، عبر تحريض الناس، لكن ذلك كله لم يحدث، إنها رأس شامخة مكابرة هازئة من الجرح، لا تحسن إلا أن تنشر المحبة والسلام، تحاصر الحقد بالحب، والضغينة بالتسامح، والغضب بالابتسام، تمد سنا الحلم حتى يضيق بحلمها السفهاء. وما تكاد الرأس تدخل قصر الخلافة في دمشق حتى تزلزل أركان الخليفة يزيد، «لا أحد معي في هذا القصر الكبير. أريد صديقا وأنتم لستم أصدقاء. أنتم تكرهون هذه العائلة كلها،… والرأسُ التي حملوها إلي هنا تشع دما ، وتأتي إلي في رقودي الصعب، الحسين يتطلعُ فيّ ويسخرُ مني.. إنني لا أستطيع أن أكون في مكان واحد معه. أقول له أصفح عني، ولكنه يتطلع إلي ويضحك! أحاول أن أبعد رأسي دون فائدة، أغطي عيني بالظلمات الكثيفة فأراه يشعُ فيها..»(29). ولا يملك يزيد إلا أن يأمر بنقلها إلى خيمة لتوضع تحت مرأى الجميع، لا شك أن يزيد كان يسعى أن يتخلص من الرأس أولا، ويجعلها عبرة للجميع ثانيا ليبث فيهم الرعب، غير أن الأمر ينفلت عن السيطرة، حين تتمرد الرأس على كل القيود والسجون وتنزرع في عيون الأطفال، وأحلام الكادحين، وحناجر الطيور، ونسمات الربيع، وسلاسل المسجونين، إنها كبرياء تعلمنا جميعا كيف نحيى بشرف «ويجثمُ عند الرأسِّ بضعة حرا س أشداء غلاظ، مسلحين بالحديد. والناس تأتي لتحدق… ويدقُ المطرُ بعنف شديد، وتهتز الخيمة ويرتعشُ قماشها بقوة، وتندفع سيوف البرق فجأة وتشعلُ بعض أجزائها، ويطفئ الحراسُ النارَ بصعوبة، وتبدو الخيمة كبهو كبير مفتوح، ويُضاءُ باتساع، فتتضخمُ الرأسُ وتبدو من مسافات بعيدة، فعبر النوافذ الصغيرة الملقاة في بحر الحجر، وعبر الشرفات الكبيرة المفتوحة على الجبل والهواء والطيور، ومن ثقوبِّ الأكواخ، ومن أبواب المقاهي ومن أفواه الأسواق المفتوحة على اتساعها لالتهام الجيوب، ومن نوافذ القصر وأسرة الجواري ومن خرم إبر السجون الكثيرة المنتشرة عبر المدينة.. »(30)، لا شك أن قصة انتقال رأس الحسين من كربلاء إلى دمشق وما صاحبها من أهوال وعجائبية تنقل قصتها من مجال التاريخ والرواية معا إلى مجال الرحلة أيضا، كون عنصري العجيب والغريب يطغيان على رواية الرحلة وتمتزج فيها الحقيقة والخيال، لدرجة يصعب معها الفصل بين الواقع والخيال.(31). 2 ـــ يزيد/ اللعنة الأبدية: يقدم الكاتب يزيد رجلا ضعيفا مستهترا بكل القيم التي يؤمن بها المجتمع الذي يقوده، حتى قيم الدين ذاته، يغرق في طلب اللذة، تحيط به مئات الجواري وزجاجات الخمر، معتقدا أنها طريقه للهروب من مواجهة حقيقته التي تربى عليها على يد أبيه معاوية «ليس ثمة حل لكآبة ما بعد الشرب سوى الشرب! هيا أضحك ودع هذا التجهم!»(32)، يبحث عن التسلية حتى مع المهرجين والقردة «كان يزيدٌ يلاعبُ قردا. كانت القاعة فسيحة، وبضعة نسوة جالسات على السجاد الملون باللؤلؤ، ويضحكن»(33). يفتقد ذلك حتى في زوجته، وابنه الذي تمرد عليه وغرق في تبتل دائم مزورا عن نهج الانحراف الذي سار عليه أبوه، لقد اختار يزيد لابنه اسم معاوية ليس في تصوري وفاء لأبيه بقدر ما هو دلالة على ضعفه الذي جعله في حاجة ماسة إلى قوة أبيه وحنكته، لكن الفتى يخيب ظن أبيه، يغرق في بداية حياته في اللهو، حتى إذا ما قتل الحسين يفر إلى عالم التبتل، مناقضا تماما أباه الذي ما كان يؤمن بدين أصلا، ولذلك نراه يسعى بكل ما أوتي من قوة لتتفيه العبادات عنده حتى الصلاة «يدخل يزيد جناح أبنه معاوية الثاني، يراه يصلي، هو راكع الآن، ينحني ليسجد، يمسكه من كتفه: ماذا تفعل يا بني؟ تصلي؟ هيا دع عنك هذه الحركات!»(34)، محاولا أن نَيزج به في عالم المجون «صاح يزيد: لن تخرج من هنا أيها الأحمق. انظروا يا ناس فتى غضٌ يتركُ مخاز الخمور واللحم وغرف الجواري ويريد الذهاب إلى كهف»(35). ويسعى الكاتب في أن يعري بني أمية جميعا، حين يعتبر حصارهم لآل البيت انتقاما من الرسالة ذاتها التي كانت في بني هاشم ولم تكن فيهم، إذ لم يكن إسلامهم إلا مناورة، يقول يزيد مخاطبا الحسين «منذ زمن بعيد وهذا العرش مكتوبٌ لنا، بعدت الرسالة عنا، لكن الكرسي لا يعرف غيرنا.. منذ المجد الغابر ونحن فرسان الخيل والسياسة والدهاء، وليس لكم يا بني هاشم سوى القراطيس والأحلام!»(36). غير أن الهاجس الأكبر الذي نكد على يزيد كل حياته، هو رأس الحسين، فهو لم يكن يريد جسدا ولا رأسا، بل كان يريد استسلاما وخضوعا، مقتل الحسن نهاية لعرش يزيد، استشهاد الحسين لعنة صبتها السماء على آل معاوية، “يجلس على المقعد وهو يتنفس بصعوبة، يغمغم: كلُ جهدي ذهب هباءً، كل مطاردتي له، وحصاري العنيد العنيف، وقتل أهله، لم يفد شيئا كنتُ آمر بحصار أهله وقتلهم لكي يتصدع داخليا،… كنتُ أتوقع أن ينهار ويصرخ: ارحمني يا يزيد!… ما باله بهذا العناد والحماقة! لم أكن أريد سوى أن ينحني لي فقط، هل هذا شيء عظيم؟ وفضل الموت.. فضل قطع الرأس بالسيف على أن يقول لي كلمة،… حتى في موته حاول أن يذلني، أن يهينني، أن يبصق في وجهي، يصرخ الآن أنت تافه؟»(37)، والهاجس ذاته يكرره في موقع آخر وهو يلقى قائد جنده عائدا من ساحة المعركة، فيعجل إليه ليعرف شيئا واحدا، الخوف في عيني الحسين «أي مجنون أنت؟ كيف يمكن لرجل لا يخضع لي ولا يؤمن بجبروتي والسيف على رقبته؟ لا يمكن هو جبان، هو جبان وكان يتذلل وينتفض ويرتعد، ويصرخ سوف أخضع ليزيد، قل الحقيقة!»(38). رواية رأس الحسين/ التاريخ بطعم الأسطورة: لاحظنا منذ البداية أن الكاتب وإن حافظ على الأحداث الكبرى للتاريخ إلا أنه ازور عنها ليتعمق نفوس الشخصيات، إذ لم يكن الهدف أساسا هو الحادثة التاريخية بقدر ما كان الهدف هو كيف تفاعلت هذه الشخصيات مع الأحداث، وهي شخصيات مثلت كل طبقات المجتمع، الطبقة الحاكمة ممثلة في يزيد وعائلته وبني أمية، طبقة الجند ومثلها الشمر ومن خاض معه مغامرة قتل الحسين للحصول على المال، طبقة العامة من الناس ومثلتها أسرة الشمر وغيرها من أسر القبائل بأطفالها ونسائها وشبابها، الطبقة الثائرة ومثلها آل البيت وعلى رأسهم الحسين وزينب عليهما السلام، ضمير الأمة في تلك السنوات العجاف إلى يوم الناس هذا ومثله حمزة وكل الثائرين معه، بمن فيهم معاوية بن يزيد. غير أن الكاتب يركز أساسا على شخصية الحسين، بل وعلى الرأس بالذات الذي ينقله من الواقع إلا عالم العجائب لدرجة أسطرته، فالرأس ينظر ويبتسم ويتكلم ويؤثر في واقع الطبيعة، ويختفي تماما كما اختفت الجثة من قبل، ليصير طاقة ثورية خلاقة داخل النفوس، منطلقا من تيمة الموت إن جاز لنا أن نزعم ذلك انطلاقا من تقسيم جان مالينو «Jean Malino» لتيمات العجائبي (الجن والأشباح، الموت ومصاص الدماء، المرأة والحب، الغول، عالم الحلم وعلاقاته مع عالم الحقيقة، والتحولات الطارئة على الفضاء والزمن)(39)، وهذه الطاقة ما كان لها أن تحدث لولا انتقال الكاتب من عالم الواقع إلى عالم الغريب المدهش، أو المعروف في ثقافتنا الدينية بعالم المعجزات والكرامات، أو ما يسميه تودوروف بالكثافة مفرقا بين الواقعي والعجائبي، يقول: (إن ثمة اختلافا في الكثافة التي تبلغ أقصاها في العجائبي)(40). إن عبدالله خليفة لم يحرص على الحقيقة التاريخية، التي أوردها في كثير من الأحيان متخذا موقفا صريحا صراحة فنية، بل انتقل من حقيقة التاريخ/ المرجع إلى عالم تخييلي صارخ، إنه عالم العجائبي، فهل يمكن أن تصنف الرواية في باب الرواية العجائبية أيضا، على اعتبار أن العجائبي ينشأ عندما يتدخل التخييل في تحويل فكرة منطقية إلى أسطورة(41)، كما يذهب إلى ذلك بيار جورج كاستيكس Pierre-Georges Castex، وعلى اعتبار أن معظم عوالمها تستحضر العجائبي من خلال الرحلة، رحلة رأس الحسين من كربلاء إلى دمشق، كأن الحسين أبى إلا أن يمضي في طريقه حتى يهد عروش الظلمة، فالحسين حق لا يمكن أن يقهره قتل، وفكرة تتمرد على الجسد المادي، وروح تظل تسري في النفوس عزة وكبرياء، ولم يقتصر موضوع العجائبي على الرحلة فحسب، بل إن اختفاء الجثة أولا منذ بداية الرواية «يا سيدي الجثة لم نعثر لها على أثر، كأنها سرقت، أو خطفها أشباح أو جن أو بشر، فجأة توارت في الظلام»(42)، واختفاء الرأس في آخرها «لكن رأس الحسين يا سيدي اختفت..»(43)، ينقل العجائبية إلى موضوع الغيبة، الذي ارتبط في الثقافة الإسلامية بالمهدي المنتظر، وقبله بالنبي عيسى الذي رفعه الله إليه، بل ويرتبط ذلك بالشهداء أيضا الذين يخبرنا القرآن الكريم أنهم يقتلون ولا يموتون بل يظلون أحياء بيننا يرزقون دون أن نحس بوجودهم بيننا، مع الإيمان بعودة هؤلاء جميعا جسدا وروحا وإن لم يغيبوا فكرا من واقع الناس، على اعتبار «إن الجسد ليس كيانا منغلقا على ماديته الخالصة، فهو بناء رمزي يخضع للحالة الاجتماعية وللرؤية للعالم، أي أن الجسد ليس مسكنا أو قبرا أو حاويا فقط، بل هو علامة تتكلم وتشير وتنخرط في تواصلية ذات دلالات»(44). إن عبدالله خليفة بهذا النزوع نحو العجائبية لا يقصدها بحد ذاتها ولا يرمي للتسلية والمتعة، بقدر ما يرمي إلى جعل رأس الحسين رمزا كبيرا يستمر في واقع الناس اليوم ليتحدوا به القهر والظلم والهزيمة، وهو الذي فعل داخل النص ذاته حين صير حمزة وبعض المسحوقين في واقع الناس آنذاك إلى ثوار. وهذا الإصرار على المنحى العجائبي داخل النص بوظيفته الرمزية ينقل رأس الحسين من التاريخ/ الماضي، إلى حاضر الناس وواقعهم، بل وإلى مستقبلهم وتطلعاتهم أيضا، وليس الأمر غريبا على كاتب مثقف في حجم عبدالله خليفة الذي ظل في كل ما خط يقف إلى جانب المحرومين والمسحوقين، يبحث لهم عن شعاع من أمل، وعن حلم يتشبثون به بحثا عن كرامتهم وشرفهم. الخاتمة: يتجلى لنا مما تقدم المراس الكبير الذي يمتلكه الأديب عبدالله خليفة، فهو يختار الحادثة التاريخية الأكثر حضورا لدى عامة الناس، دون أن يقف عند حدود المرجع، وإنما يصبغ عليها عوالم متخيلة تصل بها إلى حد العجائبي، ثم يحينها رابطا إياها بواقع الناس ومستقبلهم، إذ أن الرواية التاريخية تكمن أهميتها في تحويل الخطاب التاريخي النفعي، الملتفت إلى الماضي (خطابا روائيا إبداعيا منشغلا بقضايا الراهن جماليا وأيديولوجيا)(45)، بل ويذهب بيار لويس راي إلى حد اعتبار الرواية التاريخية تغدو أكثر صحة من التاريخ(46). وبحكم إيمانه القوي بدور الأدب في صناعة الإنسان، فإن الأديب لا يجعل من نصه مطية للفني والجمالي فحسب، لكنه يتجاوزه إلى جعله حاملا لرسالة أيديولوجية عظيمة أساسها حرية الإنسان وكرامته. وهو لتحقيق ذلك لم يتوان أبدا في استغلال كل الممكنات الإبداعية التي يوفرها السرد، وعلى رأسها هذه الثنائية الضدية التي تجلت على مستوى الشخصيات، وهي بقدر ما فيها من بشارة لانتصار الخير والفضيلة، بقدر ما فيها من تحذير للطبقة المتسلطة التي لا يمكن إلا أن تكون مأساوية وظلامية. حافظ الأديب على الشخصيات التاريخية كما هي وسار بها كما سارت بها الأقدار، خير أنه صنع لنفسه شخصية «حمزة» فحملت كل الرسالة التي أراد الكاتب أن يبلغها لنا، حمزة الذي كان في قصر السلطة مجرد مهرج، يتحول إلى قائد للثائرين ضد هذا القصر، وما كان لحمزة في بعده التاريخي واللغوي من معاني القوة والتحدي. ــــــــــــــــــــــــــــ ✲ استاذ جامعي من الجزائر الهوامش: 1- مجموعة من المؤلفين، معجم السرديات، دار محمد علي، تونس، 2010 ، ص 202 . 2 – المرجع نفسه، ص 202 . 3 – محمد القاضي، الرواية والتاريخ، الرواية والتاريخ دراسات في تخييل المرجعي، دار المعرفة، تونس، 2008 ، ص 220 4- المرجع نفسه، ص 23 . 5 – المرجع نفسه، ص 80 . 6 – المرجع نفسه، ص 23 . 7 – مجموعة من المؤلفين، معجم السرديات، ص 211 . 8 – نضال الشمالي، الرواية التاريخية، بحث في مستويات الخطاب في الرواية التاريخية العربية، ط 1 ، عالم الكتب الحديث، الأردن، 2006 ، ص 111 . 9 – محمد القاضي، الرواية والتاريخ، ص 24 . 10- شعيب حليفي، هوية العلامات في العتبات وبناء التأويل، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 2004 ، ص 9 . 11 – يوسف وغليسي، التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري، كلام المنهج.. فعل الكلام، دار ريحانة للكتاب، الجزائر، 2007 ، ص 52 . 12 – عبدالله خليفة، رأس الحسين، دار الكتب المصرية، القاهرة، مصر، 2012 ، ص 5 . 13 – المصدر ص 5 . 14 – المصدر ص 5 . 15 – المصدر ص 05 . 16 – المصدر ص 5 . 17 – المصدر ص 5 . 18 – المصدر ص 6 . 19 – المصدر ص 5 . 20- سورة آل عمران 169 . 21- المصدر ص 6 . 22 – المصدر ص 33 . 23 – المصدر ص 26 . 24 – المصدر ص 26 25 – المصدر ص 9 . 26- المصدر ص 48 . 27 – المصدر ص 50 . 28 – المصدر ص 51 . 29 – المصدر ص 123 . 30- المصدر ، ص 147 31- العربي إسماعیل، دور المسلمين في تقدم الجغرافیا الوصفیة والفلكیة، دیوان المطبوعات الجامعیة، الجزائر، 1994 ، ص 11 . 32 – المصدر ص 44 . 33 – المصدر ص 29 . 34 – المصدر ص 43 . 35 – المصدر ص 66 . 36- المصدر ص 127 . 37 – المصدر ص 32 38- المصدر ص 30 . 39 – شعيب حليفي: شعرية الرواية الفانتاستيكية، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، ط 1،1997 ، ص 25 . 40 – حسين علام، العجائبي في الأدب من منظور شعرية السرد، ص 200 . 41 – : Anthologie du conte fantastique français , Librairie José corti, Paris, 2004, p.5 Georges Castex-Pierre / نقلا عن الخامسة علاوي، العجائبية في أدب الرحلات، رحلة ابن فضلان نموذجا، دار السويدي للنشر والتوزيع، أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة، 2011 ، ص 46 . 42 – المصدر ص 33 . 43 – المصدر ص 185. 44- حسين علام، العجائبي في الأدب من منظور شعرية السرد، ص 204 . 45 – محمد القاضي، الرواية والتاريخ، ص 178 . 46 – pierre louis ray. le roman hacgette.1992. p 17 نقلا عن محمد القاض ي، الرواية والتاريخ، ص 178 المصادر والمراجع: 1 . حسين علام، العجائبي في الأدب من منظور شعرية السرد، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، 2010 . 2 . الخامسة علاوي، العجائبية في أدب الرحلات، رحلة ابن فضلان نموذجا، دار السويدي للنشر والتوزيع، أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة، 2011 . 3 . عبدالله خليفة، رأس الحسين، دار الكتب المصرية، القاهرة، مصر، 2012 . 4 . العربي إسماعیل، دور المسلمين في تقدم الجغرافیا الوصفیة والفلكیة، دیوان المطبوعات الجامعیة، الجزائر، 1994 . 5 . شعيب حليفي : شعرية الرواية الفانتاستيكية، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، ط 1 ، 1997 . 6 . شعيب حليفي، هوية العلامات في العتبات وبناء التأويل، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 2004 . 7 . مجموعة من المؤلفين، معجم السرديات، دار محمد علي، تونس، 2010 . 8 . محمد القاض ي، الرواية والتاريخ دراسات في تخييل المرجعي، دار المعرفة، تونس، 2008 . 9 . نضال الشمالي، الرواية التاريخية ، بحث في مستويات الخطاب في الرواية التاريخية العربية، ط 1 ، عالم الكتب الحديث،الأردن، 2006. 10 . يوسف وغليسي، التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري، كلام المنهج.. فعل الكلام، منشورات دار ريحانة الجزائر، 2007.
لاشك أن عبـــــــدالله خلــــــــيفة اقتحم مضماراً لم يزل والى الآن محظور الدخول اليه -لأسباب عديدة أغلبها معروف- ومحظور الخوض فيه وفي أدبياته وإشاراته. وربما كان للتركيبة الاجتماعية ودوام واتساع الاستحضار الشعبي لمذبحة كربلاء في البحرين تأثير فعال وطاغ جذب الروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة وحرك فيه كوامن الابداع ليقدم للقارئ العربي والعالمي عرضا سردياً مفعماً بالشعرية والتسامي والتلّون باللغة وأرديتها وبأسلوب لا نتوقع منه نجاحاً لولا القدرات المبدعة لهذا الروائي، والتي مكنته من رسم الابعاد الانسانية المؤلمة لمأساة كربلاء. اعتمد عبـــــــدالله خلــــــــيفة وبشكل رئيس على موضوعة (الرأس= رأس الحسين) وهو يتحرك مرفوعاً على رأس رمح، اعتمد عليها ليوجه مسار الاحداث وفقا لمرجعياتها التاريخية الممتزجة بخيال خلاق اعاد إنتاج الموقعة وتشكيلها بما يشد القارئ اليه ويسير به مع القراءة ومع خط مسار الرأس الشريف، ويبثُ اليه إشاراته ورسائله المشفرة وغير العصية على الوضوح. هذا التمازج بين التاريخي والمتخيّل عمل على ردم فجوات التاريخ ومحظورات الرقباء وما اكثرهم منذ ما يقارب الفا وأربعمائة عام وما أقسى وأخطر وجودهم المقنع والمتنوع في عصرنا الراهن قبل غيره. لقد رسم عبـــــــدالله خلــــــــيفة مشاهد الرواية وشخصياتها بلوحات رائعة جسدت قباحة الطغاة وجمال الثائرين واظهرت الظلام والضياء متجاورين، كل منهما يوضح الآخر للمتلقي، «والضد يظهر حسنه الضد» كما قال الشاعر العربي. وعمل ببراعة تحسب له على سبر أغوار مركبات النقص والعقد المرضية لشخصية الطاغية «يزيد»وتفاعلاتها النفسية وهي ترى بشاعة الجريمة التي اقترفها والمدى الذي انحدر اليه تدنيه الاخلاقي وايغاله في القباحة. وبرع أيضاً -الروائي- في إظهار تكالب للطغاة من خلال ملامحهم التي أجاد في عرضها أمام القارئ، وخاصة اداء وسلوكيات اتباع يزيد المتقاتلين على حيازة الرأس الشريف كلقية ثمينة، لا حباً بالجمال الازلي السرمدي لهذا الرأس، وإنما حبا وطمعا بما هو تافه ودنيء، أي الجائزة / جائزة من قاتل، تقدم الى قاتل! ومن وجه قبيح الى تابع لا يقل قباحة وربما اقبح. وقد يرى القارئ اللماح تمظهرات أخرى لتلك الجائزة في عصره الحاضر ويستحضر جوائز القتلة المزوقة وجوههم بالاصباغ والألوان الى قتلة ذيول لطخت وجوههم بذات المزوقات والماكياج الرديء، وقد يكون من القتلة من هو شاعر أو سارد أو فنان أو مفكر، لا يحملون سيوفا تذبح ورماحا تشك الرؤوس، وانما كلمات لها فعل السيف ودموية الرصاص الحي المتشظي. ومع أن أكثر شخصيات الرواية واحداثها مستمدة من المرجعية التاريخية المعروفة التي تستعرض في المجالس الحسينية كل عام أيام عاشوراء، لكنه لجأ ايضا الى مخيلته الخصبة في اختلاق شخصية حمزة ممثلا للضمير الشعبي المتخاذل عن الوقوف مع قيم الخير والجمال والمحبة والسلام، مع الحسين عليه السلام خوفا من سطوة الاستبداد اليزيدي المتجدد، هذا الضمير الشعبي هو الذي سيرافق الرأس في رحلته ويعيش صراعاً نفسياً يقوده في النهاية الى الانحياز الى نور الرأس الجميل، رأس الحسين، وهكذا تختتم الرواية بحمزة والمتأثرين به وهم يدخلون مقيدين الى مجلس يزيد وعيونهم تتسمر على زينب. لقد قيظ لعبدالملك الليثي أن يشهد -في دار الامارة في الكوفة- رأس مصعب بن الزبير بين يدي طاغية العراق الحجاج بن يوسف.. وقبلها شهد رأس المختار الثقفي يوضع بين يدي مصعب بن الزبير.. وقبلها شهد رأس عبيدالله بن زياد يوضع بين يدي المختار الثقفي (قاتل قتلة الحسين).. وقبل كل تلك كان المشهد الاكبر، مشهد رأس الحسين أمام عبيدالله بن زياد، ومن لحظة تسبق هذه، من ميدان المعركة في كربلاء، اختار عبـــــــدالله خلــــــــيفة أن ينطلق بروايته، فكان لمسار الرأس/الرؤوس، حركة عمودية في الزمان، من عام 61 للهجرة والى الآن، تتضافر مع الحركة الاخرى الافقية في الجغرافيا (كربلاء – الكوفة – دمشق). حركة الرأس الشريف فعلت تعبئة وشحذا في الضمير الشعبي الخانع المتراخي وقتها وكل حين، وفي الضمير أو العقل السلطوي ايضا. رؤوس كثيرة ستتساقط هالكة تحت ضربات رأس الحسين، ورؤوس أكثر سترتفع شهيدة في السعي لتمثّل حركة رأس الحسين عليه السلام. بخلاصة أخيرة لقد رسم الراوي ثلاث مسارات تفاعلت وتواصلت مع بعضها وأثرت ببعضها.. الأول: مسار الرأس الشريف من كربلاء الى الكوفة الى دمشق، الثاني: مسار القتلة المتكالبين والمتنازعين للحصول على الرأس وحمله الى الطاغية طمعا بجوائزه. الثالث: مسار حمزة والضمير المتخاذل حين تتفاعل فيه الاحداث ويعود تدرجاً للحظة الصحو والانتفاض والعودة الى الذات، الذات كإنسان لا ينجذب الا إلى الجمال ولا يتنافر الا مع القباحة. حمزة هنا وتمرده رمز أو أيقونة سردية تمثل كل التمردات التي اثمرتها ضمائر الصحو وإرادات الرفض في كل زمان ومكان انطلاقا من روح ومبادئ الرفض الحسيني العظيم. والمسار الاخير هو من اهم اهداف حركة الحسين عليه السلام ونهضته، وهو فعل ايقاظ الامة/ الشعب/ الناس/ المضطهدين، وجعلهم يتذوقون حلاوة الحرية كأحلى ما يكون، وكي يدركون عبر مذاقها وجمالها المستمد من جمال رأس الحسين الذبيح، انهم اقوى دائما من الطغاة ومن الظلام.. إن مسار حمزة يرسم أيضا – وبمهارة من الروائي – مسار عقل السلطة ممثلا بهلع ومخاوف الطاغية يزيد من تأثيرات رأس الحسين على وضعه كحاكم وعلى كرسيه من أن يطير أو ينكسر، حتى يصل الرعب به أخيراً الى إعلانه: مملكتي كلها مخاوف! وبهذا الاعلان اليزيدي تحقق هدف آخر غالبا ما يعيه الطغاة ويعيشون رعبه ويتوقعون في كل لحظة تحققه، وهو النهاية الحتمية لأمثالهم تحت وهج منبعث من وهج رأس الحسين وربما على يد أمثال المتوهجين به، حمزة واتباعه، وحينها فقط سيدركون ويصرخون، كما ادرك الطاغية يزيد ان مملكته عبارة عن مخاوف، وصرخ: مملكتي كلها مخاوف، هذا ما قاله عبـــــــدالله خلــــــــيفة للطغاة: ممالككم كلها مخاوف، مخاوف فقط لا أكثر. كتب: جابر خليفة جابر – العراق
في روايته ‹‹رأس الحسين››: عبـــــــدالله خلــــــــيفة يستحضر مآسي التاريخ الإسلامي يرحل بنا عبـــــــدالله خلــــــــيفة في روايته رأس الحسين في غياهب التاريخ الإسلامي مستحضرا زمن الفتن و القتل و الصراع من اجل الكرسي و النفوذ السياسي . رأس الحسين رواية تروي بداية عصور الملكية في التاريخ السياسي الإسلامي و تؤرخ لبداية عهود الطائفية بين الشيعة و السنة في الرواية الصادرة مؤخرا على هامش معرض الجزائر الأخير في طبعة مشتركة بين الاختلاف في الجزائر و الدار العربية للعلوم ببيروت يعيد عبـــــــدالله خلــــــــيفة بناء مأساة الحسين من خلال حادثة قتله من قبل الخليفة الأموي يزيد و كيف تنازع الجنود على الرأس للعودة بها إلى قصر الخليفة من اجل الضفر بالجائزة. و تحدث من اجل ذلك أحداث و صراعات تؤدي إلى قتل البعض و جرح البعض الآخر و لكن أخبار الرأس المقطوعة تبدأ في إثارة الرعب في أوساط سكان دمشق و تمتد إلى العسكر و الجند وتصل لقصر الخليفة وتغير حياته إلى جحيم. الخبر المتناقل يقول أن رأس الحسين تكلم كل من ينظر فيها الخبر يهدد قصر الخليفة الأموي الذي يتمرد عليه حتى ابنه و يتخلى عنه اتباعه و لم تحصنه قصوره من أن تطارده أخبار الرأس حتى و هي مقطوعة ربما أراد المؤلف أن يشير إلى أن الصورة أمام الشيعيين ما تزال حية في نفوس أتباعه على امتداد العصور و الأزمنة . الشيء المميز في رواية الكاتب البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة انه كتب روايته مستعينا بالمسرح في بناء شخصياته الروائية و رسم تفاصيل الأمكنة و الأزمنة و من دون أن ينخرط الكاتب في الدعاية الاديولوجية أو الدينية و هذا ما جعل عمل عبـــــــدالله خلــــــــيفة حدثا تاريخيا في قالب روائي بجماليات عالية . كتب : زهيه منصر
كتب : وجدان الصائغ إذا كان الخطاب الشعري المعاصر قد استجلب وبوعي منه التقنيات السردية ليخلق له هيكلية شعرية جديدة يتماهى فيها الشعري بالسردي نائياً بذلك عن الغنائية المباشرة ، فان الخطاب السردي (القصصي والروائي) لم يكن بمنأى عن الترسيمات الجغرافية الجديدة لحدود الأجناس الأدبية وعبر تفكيكه البنية التحتية للنص السردي واعادة صياغتها مستثمراً إمكانات…
كمال الذيب* يلتصق المشروع القصصي للروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة فكرة ولغة، بهموم الواقع العربي، يجترح موضوعات اقاصيصه ورواياته وشخصياتها من الواقع المحلي بامتداداته الخليجية، انتقل من كتابة القصة القصيرة إلى الرواية التي اصدر منها: (⬅ عبدالله خليفة السيرة الذاتية)، تصب في مجموعها في هاجس تغيير الواقع وملامسة معطياته. هاجس منطقة تعيش بين ثروة ضخمة ومحاولات تغيير…
كتب د. صبري مسلم تنتمي رواية «الينابيع» للروائي البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة لنسق سردي يمكن تسميته بالنسق السردي الملحمي وعلى غرار بين القصرين وقصر الشوق والسكرية لنجيب محفوظ والرجع البعيد للروائي العراقي فؤاد التكرلي وسباق المسافات الطويلة للروائي عبدالرحمن منيف والصخب والعنف للروائي الأمريكي وليم فوكنر. وتطول القائمة لو سردنا أسماء تلك الروايات التي أرخت لأحداث…
ثمة شخوص، تحفر عميقاً في الذاكرة والروح والوجدان، وتبقى ماثلة شاخصة، بأبعادها الذاتية والإنسانية وعطائها اللامحدود، تعرفت على الكاتب والروائي والمفكر المرحوم عبـــــــدالله خلــــــــيفة لأول مرة في منتصف الستينيات وهو في بدايات تجاربه القصصية الأولى بنادي جدحفص، وبرغم ذلك اليوم المبكر من عمر الحركة الأدبية في البحرين فإنك لا تكاد تجد مقعدا حيث اكتظت القاعة…
السماءُ ذات مستطيلات صفراء ووهجٌ أحمر يشعُ فجأة ويتوارى.البحر اختفى، أو بقيت بقعٌ أخيرةٌ منه، على هيئة تلالٌ كثيرة من القار.الگبگب سامي يخرجُ بصعوبة من الأرض اللزجة، وينتزعُ عضويه المسودين شبه المهروسين من الطين، ويتطلعُ بأسى إلى الوراء، حيث زوجته تغرق، غير قادرةٍ على إخراج البيض.في هذا المدى الموحشِ من الأشياءِ ومن تلاشي النهار، لم…
أنا الكلب عنتر ، كما أسماني صاحبي ومكتشفي الأول: عطية المجنون، أتقدم بمحاضرة في هذه الجامعة العتيدة ، متشرفاً بالتحدث أمام نخبة من المفكرين والباحثين، متمنياً أن تكون مداخلتي المتواضعة فرصةً لإثراء الفكر في هذا البلد المعطاء. لقد تغيرت مدينتنا كثيراً منذ أن تفتحت عيناي لتراها لأول مرة. لقد كانت مدينة عظيمة وهائلة . كانت…
كتب : عبدالجليل حسن* تمهيد:تجيء هذه الدّراسة لرواية «الأقلف»** لــ «عبدالله خليفة» وللمتسائل أن يستفهم ما الداعي التي حملتنا لدراسة هذه الرواية دون غيرها من الأعمال الأدبية؟إنّ من الضروري هنا تسليط الضوء على الأسباب التي من خلالها نستحضر ماهيّة البحث، للوقف على النتائج المرتقبة.وتأتي في طليعة تلك الأسباب أنّ رواية «الأقلف» لم تحضَ بدراسة تعطيها…
كتب : د. زهير ياسين شليبهالنغل نغل!الشرق الشرققد يبدو لقارىء «الأقلف» أن مؤلفها البحريني عبدالله خليفة أراد ترسيخ هذه الدمغة الإجتماعية المتخلفة على خلق الله اللقطاء باعتبارهم بشرا من الدرجة العاشرة إلا أن الأمر ليس كذلك بالضبط فقد اراد الروائي إثبات العكس. فهذا يحيى الأقلف الذي تحمل الرواية صفته الأجتماعية لا إسمه يغدو في نهايتها…
رواية للكاتب البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة، تثير تساؤلات ذات شجون ، وتطوف به كروح حائرة بين كربلاء ودمشق ، وتتساءل بينك وبين نفسك هل لرأس شخص مثل هذه القدره على دك عرش الظالمين ، ولكنه ليس أي رأس ، انه رأس سيد شباب اهل الجنة الذي لثمه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، ولم يتورع يزيد بن معاوية ان ينكته في مجلسه باستهتار عجيب . رأس علا على الرمح شامخا … ليدك عرش يزيد . أحداث القصه التي دارت حول حمزة لفت بصورة ضبابية بالنسيبة لي حول شخصية يزيد وابنه معاويه وزينب من خلال الشخصيه المحورية حمزه . بالنسبة لي – وانا لست سوى قارئه بسيطه -لم تتقارب مع الشخصيات الاساسيه حيث حافظ الكاتب على ان يرسل اشعة وخيوطا كخيوط العنكبوت ضبابية حول الجميع . رواية جميلة .. أثارت شجونا ولوعة ، وتساؤلات : أنى لحاكم ان يسكر طوال الليل ، وينادم القرود والغواني والغلمان ان يقود امة اسلامية في عهد قريب جدا من عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم . تحية للكاتب المبدع الذي استطاع ان يمضي بنا وسط الشوك وقادنا الى نهاية اللانهاية كتب: نازك العصفور
لقد خاض الكاتب بحراً غائر الأعماق، واسع الضفاف، كثير المخاطر، مملوءاً باللؤلؤ والمرجان، والأحجار الكريمة، والأمواج الخطرة، والأسرار، وبأختياره شخصية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، ليكتب عنها فإنه أختار الطريق الأصعب في كتابة الرواية.
فهي أولاً وأخيراً مجازفة كتابية كبرى، لا يجرؤ على الكتابة في شؤونها إلا قلة من العارفين في تأريخ الدعوة الإسلامية، والمتابعين لحيوات أوائل الدعاة إلى التوحيد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقدم على هذا العمل إلا أديب كثير الجرأة واسع الثقافة تجشم عبور المصاعب والمزالق الخطيرة.
تتناول رواية علي بن أبي طالب شهيداً للروائي البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة فترة من التأريخ الإسلامي وسير رجاله غمضت تفاصيلها على الكثيرين، ولم يقتصرالغموض، وأختلاف الروايات على الناس العاديين فقط بل غمضت حتى على الباحثين في شؤون تلك الفترة. وبالرغم من الكرازيما التأريخية المشعة، لشخصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، التي تناولتها الرواية، وبالرغم من مهارات الروائي الروائية، المشهود له بها، ولغته المؤدية، فقد كتب من قبل رواياته المهمة محمد ثائرا، رأس الحسين، التماثيل، ذهب مع النفط، الأقلف، الينابيع، وغيرها من الروايات والمجموعات القصصية. إلا أنه في هذه الرواية ظل مغلول القلم، لأنه تعامل مع شخصية كبيرة لا تحيط بها الكلمات، وكان الروائي حائراً لا يعرف من أي جهة يتناول هذا الطود الشامخ. بسبب سعة أبعاد شخصية الإمام علي، وقوة تأثير سيرته في صنع التأريخ إلى يومنا الحالي، وهكذا شخصية مؤثرة تدخل على العمل الروائي ستحيله حتماً إلى سيرة، مهما أجتهد الكاتب في جعلها كما يريد رواية، تحتمل أحداثها الخيال، والإبداع الأدبي. مجازفة كبرى لقد خاض الكاتب بحراً غائر الأعماق، واسع الضفاف، كثير المخاطر، مملوءاً باللؤلؤ والمرجان، والأحجار الكريمة، والأمواج الخطرة، والأسرار، وبأختياره شخصية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، ليكتب عنها فإنه أختار الطريق الأصعب في كتابة الرواية. فهي أولاً وأخيراً مجازفة كتابية كبرى، لا يجرؤ على الكتابة في شؤونها إلا قلة من العارفين في تأريخ الدعوة الإسلامية، والمتابعين لحيوات أوائل الدعاة إلى التوحيد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقدم على هذا العمل إلا أديب كثير الجرأة واسع الثقافة تجشم عبور المصاعب والمزالق الخطيرة. ولا تهمه في قول كلمة الحق لومة لائم، وكتابة من هذا النوع، فإنها إمّا ترفع كاتبها إلى ذرى الإبداع أو تطيح به إلى مهاوي اللعن والرجم من قبل كثيرين. لقد وضعنا الروائي منذ الصفحات الأولى للرواية إمام إشكالية حقيقية، هي قرب الإمام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، منذ طفولته، وألتصاقه به، فهو قد كبر في بيت الرسول، وتعلم منه، مما جعل له الكرازيما الدينية والحياتية، المعروفة لنا على مر التأريخ. وربما ما طرحه النص وما هدف إليه، ويمكننا ان نتناوله كثيمة رئيسية للأحداث، هو ما جاء في بداية الرواية التي يقول فيها منذ كان فتى وهو يقاتل، منذ أن ضحك القريشيون عليه، وهو يرد على النبي صلى الله عليه وسلم حين سأل متصفحاً الوجوه بين عصبتهم من معي ؟ فهتف هو أنا معك ص 8. سيف مسموم فالثيمة الرئيسة في الرواية تتناول هذا الجانب العقائدي والحياتي لشخصية الإمام علي عليه السلام من خلال قوله أنا معك يا رسول الله وهذه المعية هي التي رسمت بقية حياة الإمام في الحياة والرواية. وما أسبغته على شخصيته من رضا البعض، وحسد الآخرين، الذي تحول إلى بغض وعداوة، والرواية تتناول في خمسة وستين فصلاً حياة الإمام علي منذ طفولته وحتى أستشهاده، بضربة غادرة من سيف مسموم لأبن ملجم أثناء تأديته لصلاة الفجر في مسجد الكوفة خلال شهر رمضان من عام 40 هجرية، بعد أن أغرته قطام بالزواج منها وطلبت أن يكون دم علي عليه السلام مهرها. وهذه القطام من الخوارج امتلأت بروح العداوة للإمام علي عليه السلام بسبب فقدها لأخيها وأبيها في معركة النهروان، التي خاضها جيش الإمام ضد الخوارج، الذين خرجوا على جيشه بعد التحكيم أثناء معركة صفين ضد جيش معاوية بن أبي سفيان والي دمشق في ذلك الوقت. وتعددت قراءات الروائي عبد الله خليفة لشخصية الإمام في رواية شهادته، وذلك من خلال، نثر بارع وجمل قصيرة مؤثرة، ووصف شييء، ذكرنا بعين الكاميرا، التي تنقل الأحداث، وما يدور في المدن والبوادي والمداشر من خلال فصول نثرية قصيرة كتبت بروح الشعر. الفتنة ومن هذه القراءات، نقرأ الإمام كفدائي يحمي رسول الله بالنوم في فراشه ليلة هجرته المشرفة إلى المدينة المنورة، وأعتماد الرسول عليه صلى الله عليه وسلم برد أمانات أهل مكة، التي كانت مؤمنة لدى الرسول الكريم لهم قبل هجرته. وهي قراءة مستقبلية لحياة الإمام عليه السلام كأمين على عقيدة المسلمين وأموال الناس، لأنه جعل حياته فداء لرسول الله أو بمعنى آخر جعل نفسه فداء للدين الاسلامي من خلال فدائه لحياة الرسول وصار أميناً على أموال الناس، أي على حياتهم الدنيوية، التي تركها الرسول صلى الله عليه وسلم في عهدته. يمر على هذه القراءات من خلال حوار أو سرد أو يرد تضمينا في الرواية، ويقرأ ما عاشه الإمام من ظروف أجتماعية وثقافية وتأريخية مختلفة قبل الهجرة وحتى نهاية العقد الرابع الهجري. ونقرأ في تلك الفترة ظروف الفتنة إلتي أدت إلى أستشهاد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأرسال الإمام علي عليه السلام لولديه الحسن والحسين عليهما السلام للدفاع عن عثمان رضي الله عنه، وأجتماع المسلمين على مبايعة الإمام علي خليفة للمسلمين بعد تمنع منه على قبولها. ورسم الروائي بالكلمات المؤامرات والدسائس التي حيكت في المدينة المنورة لخلق الفتنة بين المسلمين بعد أستشهاد الخليفة الثالث، فيقول قال بن عامر نعم ، نعم ولكن من نحن؟ نريد وجوها كبيرة من الصحابة، يثيرونها معنا، ودون معاوية والزبير بن العوام وطلحة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، فلن تستعر النار ص 31. الحكم والمال وتقع حرب الجمل، وبعد ذلك حرب صفين بين معاوية الطامح بالخلافة وعمر بن العاص من جهة وجيش الامام علي عليه السلام، ويؤكد الكاتب عدم تكفير الإمام لخصومه، وأعتبرهم مجرد عصاة لحق طاعة أمير المؤمنين. ويستخدم الروائي تقنيات المنللوج والدايلوج بمهارة، وينتقل من رسم أجواء المعارك، وما يدور فيها إلى ما يدور في خيام المحاربين ليلا من أحاديث، وينتقل بالقارىء إلى مدن البصرة ودمشق والكوفة، لينقل له من خلال أزقة هذه المدن وحواريها ما يدور على لسان العامة من أحاديث وتعليقات. ولا تهدأ المؤامرات في مختلف أنحاء الجزيرة العربية والشام، والعراق منذ تولي أمر المسلمين الإمام علي عليه السلام، ويحلل الروائي أسباب ذلك على لسان أحد أبطال الرواية الناس لن يكونوا مع علي، الناس تافهون، متكالبون على المال، ينشدون للصلوات، يصومون بصبر، لكنهم عبيد للثروة والحكم ص173 وقد سأل رجل عليا كرم الله وجهه ما بال المسلمين أختلفوا عليك، ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر؟ فقال لأن أبا بكر وعمر كانا واليين على مثلي، وأنا اليوم وال على مثلك. وما قاله الإمام واضح لا يحتاج إلى تفسير كثير، أن الوازع الديني عند الناس ضعف، وتكالبت النفوس على المغانم، وطمحت إلى السلطة، والحكم من أجل جمع المال، والتمتع بمباهج الحياة. الغياب لقد تشابكت المصائر في الرواية جهينة، عمار بن ياسر، الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام، الأشتر والي مصر وأحد أصحاب الإمام علي، الذي سُمم في البادية ومات قبل أن يصل مصر، لتقع مصر غنيمة سهلة بيد عمر بن العاص ويصير واليها. ويذهب والي البصرة عبد الله بن عباس في أوج فتنة الخوارج إلى الحج، تاركا المدينة للمتآمرين، أمثال بن ملجم وجماعته لتعيث في المدينة، وتؤلب الناس على عصيان الخليفة الشرعي. نقلت الرواية بمنللوج طويل ما كان يفكر فيه الإمام علي عليه السلام عقب إصابته يفكر كيف أنه قاوم كل هذه السنين وسار مسافات شاسعة في فجاج الأرض، والعمل والعلم، ولم يزالوا بعد لا يقرأونه ؟ ثم غاب 268 ص، وهو الفعل الأخير الذي أختتم به الكاتب روايته، وهي خاتمة في غاية الرمزية والروعة، تليق بشخصية كبيرة كشخصية الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. ويروى أن الحسن عليه السلام صبيحة تلك الليلة خرج ينعى للناس خليفة المسلمين أيها الناس انه قتل فيكم رجل كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يبعثه، فيكتنفه جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا ينثني حتى يفتح الله له . وما ترك لأهله غب أستشهاده إلا ثلاثمائة درهم . روي أن معاوية سأل ذات مرة ضرار الصدائي أن يصف له علي بن أبي طالب، فقال الصدائي تتفجر الحكمة من جوانبه والعلم من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان والله غزير العبرة، طويل الفكرة. يحاسب نفسه إذا خلا، ويقلب كفيه على ما مضى، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، يعظم أهل الدين ويحب المساكين، وأشهد لقد رآيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته. يتململ تململ الملدوغ، ويبكي بكاء الحزين، ويقول يا دنيا غري غيري، إلي تعرضت أم إليك تشوقت، هيهات هيهات قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك حقير. آه من قلة الزاد وبعد السفر، ووحشة الطريق. فبكى معاوية، وقال رحم الله أبا الحسن، فوالله لقد كان كذلك. – صدرت الرواية عن دار رياض الريس للكتب والنشر» بيروت ــ لبنان ــ 271 صفحة من القطع المتوسط.
كتب فيصل عبد الحسن كاتب وروائي من العراق مقيم في المغرب
توطئة وتمهيد ربما علينا البدء من إشكالية مثارة في حقل السرديات ، والنقد الروائي ، إذ أن هذه الإشكالية تمس بشكل جوهري رواية عبدالله خليفة ( عمر بن الخطاب شهيدا ) وهي تتلخص في مدى القدرة على تجاوز ما تصفه هذه الورقة بالشخص النموذج ، أو الشخصية المرجعيّة كما هي في حقل النقد السردي ، وإعادة تمثلها وتخليقها روائيا وإبداعيا . أين هي المشكلة ؟؟؟ فجأة سيكتشف الناقد لا السارد أن الشخصية المرجعية هي نموذج معدّ سلفا وقالب جاهز ، مرسومة له الحدود ، والفواصل والرسوم ، ما بدوره سيخلق نوعا من الحد الذي لا يمكن تجاوزه ، أي أن يكون النص رهن مرجعيتها لا العكس . حينها فأنت أمام شخص نموذجي لا أمام شخصية ، أي أن الشخصية لا يمكن تخليقها روائيا إذ هي فوق النص وهي التي ستحكم إيقاعه وحركته ضمن المسار السردي العام . سيكون القاريء غالبا أمام هذا النموذج ، حينما تكون الشخصية دينية مقدسة ، نبيٌ كان ، أم إمامٌ أو ولي من أولياء الرب الصالحين . فارق التجاوز بين الشخص النموذج والشخصية الروائية سيبقى شاسعا ما بدوره سيوقع المؤلف في كمين لا يمكنه التملص منه . إلا بكسر النموذج ذاته وتذويبه وتحويله من شخصه إلى شخصيته المخلّقة إبداعيا ، وهو ما يتطلب ربما شيئا من كسر ( تابو ) مجتمعي وعقيدي قد يورد صاحبه المهالك . ليس هذا الاستنتاج مدعاة لوقف تسريد التاريخ أو استعادة إنتاجه روائيا ، بقدر ما هو توصيف لمشكل إبداعي يدور مع أنموذج البطل الديني أو المقدّس حيثما دار . في الشخصية المرجعية أنت أمام تسلّط من نوع خاص ، تمارس فيه الشخصية سلطتها على النص والمؤلف معا بقدر ٍلا يسمح له بالتجاوز ، إذ تغدو هي معيار الرؤية ، أو جهة النظر، أو بما يصطلح عليه نقديّا بالتبئير ، فتحتضن رؤية المؤلف / الكاتب ، وتوجّهه وتهيمن عليه ، بما تحمله من مناقب ومآثر جمّة وتواضع ٍ عال ٍ ، وتسامح ، وبما تقترب فيه من مثاليّة عالية وإنسانية مرهفة . فيلتبس عليك الأمر والحالة هذه ؟؟ هل ما تقرؤه رؤية الكاتب أم رؤية الشخصيّة ذاتها ؟؟؟ التبادر للإجابة على سؤال على هذا المنوال ، يحيل النظر إلى مدارس النقد السردي الحديث التي جعلته من الأسئلة المحورية في نقد النصوص السردية ، إذ أضحى السؤال من هي الشخصية التي توجه الكاتب ، وبالتالي توجه المنظور السردي عامة ، عوضا عن السؤال التقليدي الذي كان يبحث عمن هو السّارد ( الراوي ) ؟؟؟ هنا أنت أمام نموذجين ، نموذج يرى ويُعاين ويشخّص ويتنبّأ، في مقابل نموذج يحكي ويقول ويروي .
عبدالله خليفة رواية عمر بن الخطاب شهيدا لعبداللة خليفة ولعبة النص : لكي لا نغرق كثيرا في التنظير ، فإن مسك أطراف اللعبة النصية في رواية خليفة عمر بن الخطاب شهيدا ، من الأهمية بمكان ، إذ سرعان ما ستكتشف كيف أن الشخصية المرجعية ( شخصية الخليفة عمر ) أملت على الكاتب شروطها ، فما عاد بمقدوره إلا أن يتعاطف معها وينحاز إليها ، وهو بالطبع أمر مشروع لرؤيته ككاتب ، إلا أن سلبيته الفنية لا الواقعية أو التاريخية ، انعكست في تحريكه لباقي الشخوص ، الذين سيأتي الحديث عليهم تباعا . فكان من السهل تحطيم (النموذج الشخصي ) للشخوص الموازية والفاعلة في النص ، وجعلها ضمن رغباتها الإنسانية العامة ، التي تنتاب أي إنسان في موقف عابر ، أو ضمن نسق العلاقات الاجتماعية السائدة . فكان يسهل عليك أن ترى تورط تلك الشخوص في الإعلان عن رغباتها الخاصة ، كالرغبة في التملك والاستحواذ ، أو الأثرة والأنانية وحب الذات ، أو الحسد ، أو التآمر لإزاحة الآخرين من الطريق في سبيل البقاء ، أو عشق المرأة وفتنتها ولو على حساب النظام الأخلاقي السائد ، كل ذلك يدفعك للتساؤل عما هو السبب الذي دفع بالكاتب إلى أن يخلي العنان لتلك الشخوص الموازية من أن تفصح عن رغباتها الكامنة ، فيما آثر أن يقيدها في الشخصية المرجعية النموذجية ، شخصية عمر بن الخطاب ؟؟؟ مسارات الشخصية وانكساراتها : تحركت الرواية أربع مسارات رئيسية ، ظلت تحكم إيقاع الأحداث ، وتحريك الشخوص ، ويمكن إجمال هذه المسارات الأربع في الآتي : ■ المسار الأول هو مسار الشخصية المرجعية ذاتها وهي الخليفة الراشد عمر بن الخطاب . ■ المسار الثاني هو شخصية خالد بن الوليد التي احتلت جزءا كبيرا من مساحة النص ، وكانت إحدى الفواعل السردية التي نظمت أحداث الرواية ■ المسار الثالث هو مسار الفرس ويمثلهم يزدجرد ملك الفرس ، ورستم قائد الجيوش والهرمزان نائب رستم . ■ المسار الرابع وهو بمثابة الطابور الخامس ، وخط له الكاتب مسارا مقلقا وغامضا نوعا ما وهو يضم لفيفا من الأمويين والقرشيين ويمثلهم أبو سفيان بن حرب ، ومعاوية بن أبي سفيان ، ومروان بن الحكم ، والمغيرة بن شعبة والي الكوفة في عهد عمر ، ثم انضم إليهم في تحالف خفي لاحقا الهرمزان نفسه ، وأبو لؤلؤة المجوسي ، والخادم جفينة . استعارة من منجزات النقد الفرنسي المحدث وتحديدا من مدرسة ( جيرار جينيت ) فإن رواية عمر بن الخطاب شهيدا تقع في في نطاق ما وصفه بالمحكي ذي التبئير المتنوع ، أو الراوي المصاحب ، وخلاصته أن السرد يبدأ على لسان شخصية أولى ثم ينتقل بعدها لشخصية أخرى قبل أن يعود من جديد ليركز على الشخصية الأولى . لم يمكن الراوي تلك المسارات الأربع لشخصياته من أن تتنامى تدرجيا عبر مسارتها حتى تصل إلى مرحلة الكشف الكامل ، إما على يد الراوي نفسه أو على يد القاريء . إذ أنه سلم مفاتيح شخصياته للقاريء منذ أول بروز الشخصية على سطح الحدث . مما قد يخل بعنصر المفاجأة والمباغتة ، أو يحد من قدرة القاريء على التنبؤ والوقوف عند أمثلة يسيرة من الرواية تصلح لأن تكون شاهدا : « … دُفن الخليفة ، الحاكم الصديق الحبيب ، وبقيتَ أنتَ تــُمسك الجمر .هذه بلادٌ مثخنةٌ بالجراح ، فقيرةٌ ، معوزةٌ ، تتدثرُ بالشمس المحرقة ، وترقدُ على التراب ، تقلبْ ! فلن تجدَ عيناك طريقاً نحو النوم ، وهي ترقدُ على جمرٍ ، وتسخنُ الرمضاءُ جفونها . . أي فخٍ هائل هذا الذي يطبقُ على ضلوعك الآن … تقلبْ وأنت تفكرُ في كيف تحول هذه الحشودَ إلى حرابٍ ، قد تتغلغلُ في لحمِ بشرٍ مساكين ، أو توزع الثمرَ على الجياع » . النص كما هو واضح ، يفتح الشخصية من أول الباب على مناقبية عالية ، ويرفع سقفها إلى درجة لا تمكنك من النزول إلى ما هو أدنى ، كما أنه يكشف عن ( جهة النظر ) التي اختارها الكاتب لشخصيته منذ البداية ، فالقلق ، والتقلب ، وعدم النوم ، والرقود على الجمر ، والاحساس بثخن الجروح ، وتوزيع الثمر على الجياع ، كلها تخط مسار الشخصية المرجعية باتجاه محدد تكون فيه الشخصية ذائبة في المجموع ، مستشعرة لآلام الآخرين ما لعله يمنع من الزج بها في صراع أو مزاحمة لغيرها من الشخصيات ما سوف يحدث إنقلابا في مسارها وفي صفاتها . في مقابل ذلك فإن الشخصية المحورية ، شخصية خالد بن الوليد ، ستظهر منذ أول ولادة لها في منولوج داخلي على لسان الخليفة عمر نفسه ، فكشفت خارطة خالد الشخصية منذ البداية ، على لسان عمر ذاته ، وبما أن الكاتب كما أوضحت الورقة قد اختار الرؤية المصاحبة ، فالنص سيكشف عن رؤيتين متناغمتين ، الأولى هي رؤية الكاتب نفسه لخالد ، والثانية هي رؤية الخليفة عمر بن الخطاب لخالد . النص الشاهد هو الآتي : «هيا كفْ يا عمر عن هذا الحسدِ لابن عمك ، أصعدْ عن هذه المشاحنات . . لا والله ! لم أحسدهُ أبداً على عملٍ نبيل يقومُ به ، بل لهذه الخيلاء التي فيه ، وهذا الغياب للأخلاق المثلى ولهذا الحب للصغائر والعلو الشخصي . . يا ليته ألغى هذه التفاهات من نفسه الكبيرة ! . . ». … رؤية الشخصية المرجعية ، ورؤية الكاتب تتوازيان في النظر لشخصية خالد بن الوليد وتمعن في تشخيصه على أنه قد استبدت به الأنا ، فهو كما جاء في الرواية « فهو ذكي وماهر ولكنه أناني . . لا يملك مسحةً من أخلاق رفيعة ، والجمهورُ لا يرى ما هو واضح جليّ ، كل انتصار يرفعه أكثر فأكثر فوق الرؤوس والقيم !». كشف الكاتب عن رؤيته لخالد منذ البداية مثلما صنع بشخصية الخليفة عمر ، مما سيعيطك مسارا لشخصية خالد ، ستبقى تدور في هذه الدائرة حتى لحظة الانتكاس أو الانكسار والتي بدأت تاريخيا في قرار الخليفة عمر بعزل خالد وتولية أبي عبيدة بن الجراح عام 17 للهجرة . المسار المقلق والغامض والغريب ، والذي ربما كان أحد اسباب التحفظ على النص هو مسار الأمويين والذي مثله في الرواية كل من مروان بن الحكم ، وأبوسفيان بن حرب ، ومعاوية بن أبي سفيان ، فغالبا ما تظهر تلكم الشخصيات مجتمعة وتتجنب الإنفراد ، وهي لا تتكلم إلا بروح واحدة وبصوت واحد ، وهي تفكر بعقل جمعي بدا واضحا أن الكاتب يبرره تبريرا طبقيا ، فانتماء الأمويين القبلي وعلو مكانتهم الاجتماعية على غيرهم كونهم من السادة والأشراف جعلتهم ينظرون إلى التغيرات التي طالتها يد الخليفة عمربن الخطاب وسحب الامتيازات من بعضهم ومحاسبة الولاة الشديدة على أعمالهم وجهها منظور الكاتب باتجاه مصلحة البقاء لللأقوى شوكة وعدة . هنا يتدخل المؤلف ليوجه مسار شخصياته ، وينشيء علاقاتها ببعضها البعض ، ويوغل قليلا في اجتهاد سردي خاص ليقيم علاقة سرية تجمع بين الفرس وبين الأمويين لا سيما مع الهرمزان في وقت لاحق ، واجتماعات بليل ، ما لعله بحاجة إلى سند تاريخي واضح يعضّد هذا الفهم أو هذا التركيب ، الذي اختاره المؤلف . بقي أن مسار الرواية في تخليق الشخصيات سرديا ، وتركيبها كان أكثر إبداعا وتفردا في مسار ( الفرس ) وبالأخص في شخصيتين اثنتين هما ( رستم ) قائد الفرس العسكري ، و ( الهرمزان ) . كانت الشخصيتين بالفعل مركبتين غاية التركيب ، تحب وتبغض في نفس الآن . تحمل الشيء وضده . تارة تراها إنسان وتارة شيطان . وبقيت مخلصتين لعرقهما وحضارتها الفارسية حتى آخر رمق . وبقي الإحساس بمرارة الإنكسار والهزيمة ، وشرخ الذات بعد انهيار المدائن وفرار كسرى عاملا محفزا على استعادة المعوض النفسي والرجوع لملك فارس الذي صارت حلي قادته ألعوبة في يد صبيان العرب . كان هذا المسار الفارسي أقرب منه إلى الطابع الملحمي لمن يقرأ النص . واعتمد الراوي فيه على لغة وصفية عالية شديدة التشخيص ، والتخييل فتقرأ وكأنك ترى ، وتخال وكأنن تعاين ولنختم بهذا النص الذي يصور فيه الكاتب ملحمة القادسية وقت احتدام الجيشين : « … نظر الهرمزان بارتياحٍ إلى عبور حشد فرسانه نهرَ دجلة وهي تتقدم وراء كتلةٍ هائلة من الجنود المشاة والأفيال الضخمة ، فكأن درعاً هائلاً من اللحم يحميه . الرجالُ والخيول يتأرجحون فوق الجسور ولكن الغابة البشرية تتمدد فوق الماء وتتنفس هواءً وكلاماً وحمحمةً ، وسحابة الحديد اللامعة المصقولة تتوغلُ في اللحمِ والثياب والهواء والأعناق ، والأفيالُ جبالٌ تمشي فوق الجثث والصراخ وتدوسُ الخيلَ وتمشي بين كتلِ الأجساد ، تقذفُ بها في أعماقِ النهر ، وتكوّنُ ثغرةً هائلةً في جسد الجيش العربي المذعور ، وتنزلُ السيوفُ كالصواعقِ الناريةِ على العظام ، تكسرُها فيسمعُ لها دويٌ عظيم ، وتنفرجُ صفوفُ المقاتلين العرب ويتراجعون للوراء (… ) والكتلُ المتراصةُ والسيوف تتضارب منذ الصباح حتى هذه الظهيرة الكالحة ، وأسنان الحديد تتوغلُ في الرؤوس والأعناق ، والأجساد تتطوح هنا وهناك ، ولم تزل الصفوف في مواقعها ، وكلما سقط جسدٌ ظهر جسدٌ آخر مكانه ، وكلما نفقتْ خيلٌ جاءت أختها ، وبحرُ العرب البشري لا يتوقف عن التدفق ، أمواجهُ من الرمال والرؤوس والكوابيس ، أجسادُ المقاتلين الرهيفة النحيفة تهرب من حدود السيوف ، تراوغ بمهارة ، وتندفع بقوة ، وكلُ الحشود التي تتدفقُ عليها لا تخيفها ولا تزحزحها عن مواقعها ، وقد بدأت الشمسُ تميلُ للغروب ، والجوع أكل الرجال ، وهدهم التعب ، والعدو لا يتوقف عن التدفق ، كأن الرمالَ من ورائهم ، وثمة صيحاتٌ من ورائهم ، وثللهم القليلة تنبع ثللاً أخرى منها ، كأن التلال انحازت لهم ، وهم يصرخون تأبى أن تفارق مواقعها ، والأنصالُ تغوصُ في الأجساد ، وبحرُ البشر متلاطم ، يذبح بعضه البعض ، والأفيالُ تتحسسُ طرقَها الملأى بالعظام ، وصائحٌ يصيحُ من الفرس : – هل نتوقف للراحة والنوم ؟ !». شكرا لإصغائكم 🌴 أعدها : زكريا رضي ورقة نقدية مقدمة ضمن برنامج ( خير جليس ) لأسرة الأدباء والكتاب بالبحرين (يونية – 2007 )
تعقيب من الروائي عبدالله خليفة
قضايا الرواية التاريخية أُقيمت في مقر أسرة الأدباء والكتاب ندوة حول روايتي (رأس الحسين) و(عمر بن الخطاب شهيداً)، وقد تحدث فيها كلٌ من الأخوين الشاعر والناقد كريم رضي والباحث زكريا رضي. والواقع أن يظهر ناقدان نشطان في الكتابة الأدبية لجنس الرواية خاصة، هو أمرٌ عادي ولكن للأخوين وخاصة كريم مساهمات عديدة في الكتابة، وهو شاعر وصحفي ونقابي كذلك، فجمع الحب والتعب من أطرافهما. وقد تعجبتُ من زكريا رضي الشاب الصغير السن، الكبير العقل، فرأيتُ فيه مشروع ناقد جيد، يمتلكُ حس الموضوعية والغوص في المادة الفنية وبجذورها التاريخية الصعبة، فقلتُ إن البحرين ولادة! في كتابة كريم هواجسٌ معقدة مركبة، لم يفكك كلَ خيوطها بعد، فالروايتان (رأس الحسين) و(عمر بن الخطاب) تجمعان الكلَ الإسلامي المتضاد، الشيعة والسنة، في عالميهما المتباينين، فهذا شيءٌ وذاك شيءٌ آخر، في تاريخ الانفصال والشكوك، لا في تاريخ النضال المشترك. فحين نجمعُ بينهما كأننا نمثل سيرورة جديدة، ولكن الحذر يتزايدُ حين يكون الكاتبُ من أفقٍ يتراءى في الوعي السائد السطحي، أن يكون مختلفاً، وأن يكون في الخارج، فكيف يكونُ في الداخل المتعدد والمتباين؟! ولهذا بدت كلمات كريم رضي في قراءته لرواية(رأس الحسين) محملة بأعباء السابق، وبمنظورات تكبسُ على قلمه، لكنه لا يبوحُ بها، فتتراءى في هذه الحيرة التي تجسدتْ في الأكثار من المقدمات، فتكلم عن الرواية التاريخية عند جورجي زيدان، وهي رواية لا تـُعد أساساً من الرواية التاريخية المتماسكة، بسبب أنها رواية تعليمية فهم جورجي زيدان أن ينشر معلومات عن التاريخ عبر قصة حب مخترعة، والبناءُ كله مهلهل. ثم حين يأتي كريم للرواية نفسها، وهي بيت القصيد، فإنه يدخل كذلك في هذا التردد، فهو يقول بأن الرواية كــُثر فيها الشعر، فأعاق الشعرُ السردَ الروائي. ولكن هناك فرق بين أن يُكتبَ السردَ بلغةٍ ذات بيان تصويري خاص، وبين الشعر، فالبيان التصويري من هدفهِ عدم تحول الرواية الاجتماعية السياسية إلى منشورات ولغة خطابية تقتل الفن، وبالتالي فلا بد أن يكونَ لسرد الرواية طبيعية خاصة، تضعها في ميدان الجمال لا في ميدان الصحافة! وهو بعد ذلك يشير إلى جوانب إيجابية هي تعددية الشخوص والمحاور، وهذا في الواقع كان القسم الذي يمثل صميم النقد، لا في عرضه الإيجابي، بل في روحهِ التحليلية، بمعنى أن التركيز على هذا الجانب ومتابعة كشفه وتبيان مدى نموذجية ومعقولية الشخوص وعلاقاتها وتماسك أو تفكك الحبكة ومستوياتها هي الأمور التي تجعل من الكتابة نقداً روائياً. ولكن الشاعر كريم تدفعه عوامل الاحتفاء والاهتمام بهذا الكتاب، ولا يريد كذلك أن ينساق في المجاملات، فيعرض ما يراه ويتلمسه، ويكفيه ذلك دوراً جميلاً فهو ليس روائياً أو ناقداً متخصصاً في الرواية، لكنه لا يريد كذلك أن يسكت عن القمع الثقافي. ولكن أخاه زكريا رضي كان أقرب للناقد المتخصص في الرواية، وقد قرأ لا كتاب الرواية بل الديسكات، فعانى في ذلك، ولكن لأنه دخل للرواية من باب النقد الروائي، فقد ركز على الشخوص ومن هو البؤرة فيها، الذي كان هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكشف العلاقات بين بؤرة الرواية، وبين السارد المؤلف، وبين الشخصيات الرئيسية الأخرى كالشخوص الفارسية مثل الملك يزدجرد والقائد رستم والهرمزان، وخالد بن الوليد الخ.. وقد بين لغة السرد والعلاقات بين الشخوص، ومدى مرجعية هذه الشخوص التاريخية والإشكاليات المترتبة على تصويرها، كتصوير خالد بن الوليد، واعتبار أن النص انساق لمرجعية عمر بن الخطاب وتماهى معه. وهكذا فإن زكريا توجه لصلب مسائل الرواية، معتبراً أن تبعية السارد لمرجعية الشخصية الرئيسية(عمر) لا يؤدي إلى جديد، ومن جهة أخرى احتفى الراصد بتصوير الرواية لمناخات الحرب في الجبهة الفارسية عبر سرد مقاطع من معركة القادسية. إن ندوة أسرة الأدباء والكتاب التي تحدث فيها الكاتبان كريم رضي وزكريا رضي عن روايتي (رأس الحسين) و(عمر بن الخطاب شهيداً)، هي من الندوات النادرة التي توجهت للرواية التاريخية في البلد. وربما سيطر التاريخ أكثر من غيره على الرواية في البحرين، فأغلب الروايات تتحدث عن التاريخ البحريني الحديث، وبضع روايات تجسد وتصور التاريخ العربي القديم. في حين توجهت روايات قليلة إلى الزمن الراهن، ربما تجنباً للأحراج، وهذا يعكس سيطرة الماضي على الحياة، مما يستدعي تحليله، أو يغدو التاريخ عباءة لنقد الحاضر من خلال الماضي! لكن الرواية التاريخية رواية ذات مقاييس خاصة صعبة، فالرواية المعاصرة، وهي النمط الثاني من الرواية، أكثر سهولة، ثم تأتي الرواية العلمية وهي النمط الثالث والأخير. وتغدو الرواية التاريخية صعبة لأنها لا تفترضُ فقط السيطرة على أدوات الفن من شخوص وحبكة وزمان ومكان روائيين، بل تفترضُ كذلك درسَ التاريخ، ومعرفة الوسط والملابس والمأكولات والنباتات فيه، إضافة لدراسة الزمن الخاص وظروفه وشخوصه، فتعرف متى أكل الناس الأرز في المنطقة، وكيف كانت تصوراتهم عن الإله والحكم الخ… وتزداد الصعوبة حين تعرض الشخصيات المبجلة في التاريخ الخاص بكل دين ومذهب، ولكن الأهم من هذا العرض التنزيهي أن تــُكتب الرواية بموضوعية، لكن الموضوعية صعبة في ميدان التاريخ والعلوم الإنسانية عموماً، فما يُقيم بإيجابية في دين يقيم بسلبية في دين آخر! وإضافة لهذه الشروط القاسية فيُفترض في الرواية عموماً أن تكون ممتعة، وأن تجعل القارئ، أي قارئ، يتمسك بدفتي الكتاب لا أن ينام منذ الصحفات الأولى. ومن هنا فإن الدخول في بؤر التاريخ الإسلامي، كان نادراً من الناحية الروائية، إلا من أعمال نادرة لم تحدث تراكماً في مثل هذا الحقل، لأن الرؤى المذهبية السياسية كانت مسيطرة، ولا تزال، وهي لا ترى ما يجمع المسلمين، في تلك العملية التاريخية التأسيسية، التي كانت بشكل ثورة، فغدت الثورة في زمن عمر هي الدولة الشعبية القوية، وغدت أيام عثمان بن عفان في مرحة اهتزاز وتغلغل من قبل الارستقراطية التي أُزيحت عن الحكم، ثم غدت الثورة في زمن علي بن أبي طالب في مرحلة دفاع عن نفسها والتصدي للهجوم عليها من قبل العامة الفوضويين والارستقراطية الأنانية معاً. وهذا الفهم حين يُصَّور روائياً فلا بد أن يكون موضوعياً وأميناً للفترة، وأن يعدم تزييف الحقائق، وهذه كلها أمورٌ تخترق التصورات الذاتية والمؤدلجة للتاريخ، ويغدو الوصول إلى هذا المستوى وتجسيده روائياً من الجوانب الأكثرصعوبة، فكأنك تضع التاريخ المختلف عليه كثيراً في بلورة صافية. لا بد هنا من العودة للمراجع التاريخية ومصادر درس الرواية التاريخية معاً، فرواية التاريخ ليست تابعة له بل تنقله إلى مرحلة كشفية وتتغلغل إلى جذوره في عرض فني مشوق، وهذا ما جسده والتر سكوت البريطاني في أعماله، وتولستوي في ملاحمه ولهذا فإن قراءة الدارسين البحرينيين للرواية التاريخية خاصة لا بد أن تقف على أرض نظرية صلبة في فهم الرواية وفهم التاريخ الإسلامي معاً. 🌴 كتب: عبدالله خليفة
لقد أحب الروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة شخصياته الروائية حبا جما، وتابع شؤونهم الصغيرة والكبيرة في المتن الروائي مما خلق ألفة حقيقية بين القارىء، وما تعيشه الشخصيات من أحداث، فشخصيات مثل ميسرة، خادم خديجة الكبرى وبلال وعمار بن ياسر، وأبي طالب، وورقة بن نوفل، شخصيات تشعرها تتنفس على الورق، وتعيش الأحداث كأنما تؤدي دورها، الذي قامت به قبل قرون، ولكنها تؤديه هذه المرة على الورق، مخلوقات تتألم وتحلم، وتعيش حلمها، وتصنع نصر الثورة على ماتعيشه قريش من وثنية، وتردي حياة معظم الناس الأجتماعية في ظل بطشهم وظلمهم، للفقراء والعبيد…
تقنيات الرواية يقسم الروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة سرده في هذه الرواية إلى خمس وخمسين فصلا قصيرا، وهو التكنيك الذي دأب على استخدامه في معظم رواياته السابقة، أبتداء من الأقلف ، التماثيل، ذهب مع النفط، وروايات أخرى غيرها من التي تناولت سيرة الخلفاء الراشدين، وقد أعطت هذه التقنية الروائية للكاتب حرية التنقل السريع بين شخصيات روايته، كما يفعل عادة كتاب السيناريو السينمائي، مما يعطي القارىء صورة شاملة عن الحدث في أماكن عدة في زمن متقارب، كما يتيح معرفة واسعة لدخيلة كل شخصية، ولم يبتعد الروائي عن السيرة الحقيقية لأبطاله بالرغم من أن الرواية غير محكومة بالتوثيق، وغير مسؤولة عن صدق ما ترويه من أحدث، فهي تنقل رؤيا الكاتب، حول موضوع مهم أثره على غيره، ليقول لنا عبر ما يمتلكه من فن روائي، ماعجزت عن قوله باقي الفنون البلاغية. والرواية العربية التي بدأت تميل في عقدها الأخير إلى تسجيل السيرة، وروايتها، إن كانت سيرة الكاتب ذاته، او سيرة لشخصية مهمة تماهى معها الكاتب، وجعلها تعيش حلمه في الأنعتاق من واقع ما، والحلم بواقع آخر أكثر حرية فيه لشخوصه، وهذا بالضبط مافعله الروائي في هذه الرواية، فنقرأ في الرواية شخصية الرسول الكريم الثورية، التي جاءت في زمن راكد، تتقاسمه أمبراطوريتان قويتان هما، الأمبراطورية الفارسية والرومانية، وبينهما مكة البلد الفقيرة النائية، قليلة الموارد، في صحراء جزيرة العرب القاحلة، وقد زهد في أحتلالها الفرس والرومان لأنها شحيحة الموارد، قاسية الطبيعة، لقد أستطاع الكاتب عبر مونولوجات مركزة في داخل الشخصيات، وحوارات بين شخصيات الرواية، وتقنيات روائية سردية، أن يوضح لنا هذا الجانب الثوري في شخصية الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.
الغرانيق العلى يتفاعل السارد والمحكي عنه والمتلقي في صنع أحداث الرواية، فمرة يتحدث السارد فيروي حتى نشعر أن السارد شخصية من ضمن العمل الروائي ثم يلوح في لحظة ما خلال القراءة أن السارد هو الروائي ذاته، وفي الحقيقة هذه الطريقة من السرد تجعلك في يقظة دائمة، لمتابعة الشخصيات في لحظات تأزمها الذي تعيشه، وتنبهر بشخصيات كالسيدة خديجة الكبرى رضي الله عنها، التي كانت أميرة بحق من أميرات مكة، وكانت قد وضعت جميع أملاكها وأموالها تحت قدمي الرسول الكريم صلى الله عليها وسلم لخدمة الدين الجديد، حتى أنها في مرة من المرات طرحت ما تملك من مصوغات ذهبية، وحلي ثمينة حتى غطت المسافة بينها وبين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكانت لكي تنظر إليه تميل برأسها إلى جانب التل الذي صنعته تلك المجوهرات، لكي لا تحرم من رؤية وجه الرسول الكريم صلى الله عليهما وسلم، بسبب تل الجواهر ودنانير الذهب والفضة ذاك، وكانت تقول له، اموالي تحت قدميك فتصرف بها ما شئت وفي مقطع مؤثر من الرواية يروي الرسول لزوجته خديجة الكبرى عن الرسالة التي كلف بها من الله تعالى، فتقول له، مصدقة ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم والله إنك لرجل خير، تصل أهلك وتعطف على الناس، فأنت الجدير بالنبوة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ص143 وتنقل لنا الرواية مانقلته قريش عن الرسول من إشاعات كاذبة لتبرير غرورهم، وصلفهم وتمسكهم بشركهم، فأدعوا أن الرسول الكريم عاد إلى شركهم ومجد ألهتهم وأخترعوا له قولا قاله، ووصفا مجد به أصنامهم، بقوله بإنها الغرانيق العلى ص 175 ولكن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، الذي لا يقول إلا مايوحى إليه من واحد أحد، هيهات أن يقول هذا القول، الذي يدحض رسالته التوحيدية، فأنبرى لهم مكذبا ومعه الصحابة، الذين أمنوا بمحمد ورسالته السامية.
مقابلة كسرى لقد أحب الروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة شخصياته الروائية حبا جما، وتابع شؤونهم الصغيرة والكبيرة في المتن الروائي مما خلق ألفة حقيقية بين القارىء، وما تعيشه الشخصيات من أحداث، فشخصيات مثل ميسرة، خادم خديجة الكبرى وبلال وعمار بن ياسر، وأبي طالب، وورقة بن نوفل، شخصيات تشعرها تتنفس على الورق، وتعيش الأحداث كأنما تؤدي دورها، الذي قامت به قبل قرون، ولكنها تؤديه هذه المرة على الورق، مخلوقات تتألم وتحلم، وتعيش حلمها، وتصنع نصر الثورة على ماتعيشه قريش من وثنية، وتردي حياة معظم الناس الأجتماعية في ظل بطشهم وظلمهم، للفقراء والعبيد، وأنعدام الكرامة الإنسانية للإماء والنساء عامة في ظل جاهليتهم، وفي الجانب الآخر نرى شخصيات كهشام بن الحكم، أبو سفيان، المغيرة، وهم يتنافسون لكي يصير أحدهم ملكا على مكة، ويسافر ابو سفيان ومعه المغيرة إلى بلاد فارس، ويقابلان كسرى على أمل أن يعترف باحدهما ملكا على مكة من دون ان يكلف نفسه احتلال مكة، وقد حملا اليه هدية، هي التمر واليقط وسط ضحكات حاشية كسرى ص 65 لبؤس الهدية، وقلة قيمتها لدى الامبراطور الفارسي، الذي اخبرهما بزهده في بلادهما، وهي الصحراء التي لا ضرع فيها ولا ماء ولا كلأ ولا وجه حسن، واهدى كلا منهما ثوبا، وسط سخرية الحاشية بالتاجرين العربيين.
السهل والصعب تبدا الرواية بولادة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وتتناول حياته في مكة قبل البعثة النبوية المشرفة وبعدها وصراعه مع المشركين في مكة وبعد ذلك هجرته إلى المدينة المنورة، وصراعه واصحابه في المدينة المنورة مع اليهود والمنافقين، وتتوقف أحداث الرواية بعد معركة بدر الكبرى، وأنتصار المسلمين فيها، وتنتهي بجملة معبرة عما حدث بعد ذلك، ومؤشرة لأنتصار كبير حققه المسلمون فيما بعد فتح مكة، ومشى في الملك العريض فقيرا بسيطا عادلا ص223 رواية محمد ثائرا إحدى اهم الروايات التي كتبها عبـــــــدالله خلــــــــيفة، فقد أعادت الحياة لعادات وميثلوجيا مندثرة، كما أن موضوعها السهل والصعب في الوقت نفسه، يصعب على الكثيرين ممن كتبوا الفن الروائي في الوطن العربي، فإعادة الحياة كما فعل عبـــــــدالله خلــــــــيفة في هذه الرواية، لمجتمعات مضى على أندثار عاداتها، ومثلوجياتها، وما كان يعيشه أهل مكة في الجاهلية من أحوال وأفكار وقيم، لهي مهمة عسيرة حقا، وتتطلب من الروائي بحثا دؤوبا لما كتب عن تلك المرحلة، وما كان يعيشه الناس في تلك العهود البعيدة، ومن مزايا الرواية الأخرى أن عبـــــــدالله خلــــــــيفة جعلنا نتلمس شخصية الثائر على القيم القديمة، والظلم الأجتماعي في شخصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، كما انه أستطاع أن يجسد الروح الإنسانية، والأخلاق النبيلة التي اتصف بها الرسول الكريم خلال صراعه مع إعدائه من مشركي قريش. جريدة الزمان الدولية العدد 4178 التاريخ 19-4-2012 كتب فيصل عبد الحسن كاتب عراقي مقيم في المغرب
أيها المجد المائي، يا سليل ملوك التحول، أيها الأزل، والأمل، خذني إلى ذاكرتك، ودهشتك، اصهرني، لأكن سمكة في لونك، وعشقاً أبدياً في خمرك، لا أريد أن أكون وتداً في الأرض، أو لافتة صدئة تشير إلى طريق، لأكن ذراتك، نداءك، صوتك الهادر في سكون الأشياء..
صدر أول أعمال الكاتب البحريني عبدالله خليفة في عام 1975 تحت عنوان «لحن الشتاء»، وهكذا، فهو يدخل الآن عقده الثالث على ذمة الكتابة، رواية وقصة قصيرة.. ثلاثون عاماً من المكابدة والصبر والاسترسال في تأليف الحياة دائماً من جديد، يتميز بجلد (فتح الجيم واللام) مكين على مواصلة مشروعه الابداعي الغني بالصفاء والأمين لروح المكان. يخبىء عبدالله خليفة تحت ثيابه شاعراً هو بالنسبة إليه «قرين»، ولكنه لا يستسلم لإملاءات هذا القرين، فالقص والاستطراد في الحكي والسرد والوصف وربما «الغناء» هو مبتدأ عبدالله خليفة وخبره.. فلا جمل اعتراضية ولا تيه ولا «غياب لغوي» يمكنه أن يكسر قاعدته الفنية ليشكل بذلك صورة مكتملة لكاتب مستقل بكل معنى الكلمة، والاستقلالية هنا، تأتي بمعنى إلحاح خليفة على تكوينات روائية وقصصية نابعة أولاً وأخيراً من ذاته ومن أدواته الخصوصية جداً، وكأنه بذلك، يستغني عن أية مؤثرات أو أية مرجعيات تحيله إلى سوى سخصيته الروائية أو القصصية. زوج عبدالله خليفة القصة القصيرة للرواية، وزوج الرواية للقصة، وحافظ على هذين الخطين على نحو متواز، فلم تغب الرواية في مشروعه الأدبي كما لم تغب القصة، وأقول ذلك، لأن الكثير من الروائيين العرب بدأوا قاصين، وعندما تمكنوا من الرواية أو تمكنت منهم الرواية تخلوا شيئاً فشيئاً عن البذرة الأولى.. القصة القصيرة وهجروها هجرة بلا رجعة. ولا أخفي أمراً هنا، إذ أقرأ عبدالله خليفة بصعوبة في بعض الأحيان، وهو كما انه يكتب بنوع من الصبر المتعب، يحتاج في المقابل إلى قارىء صبور يتحمل صعوبته وشخصيته، وهي ليست صعوبة «جيمس جويس” أو صعوبة “فرانز كافكا” على سبيل المثال، وانما هي صعوبة كاتب شديد الاعتداد بالأشياء والخصوصيات التي هي من شأنه هو، وليست تابعة إلى أرشيف أي أحد من الكتاب، وان كان هو ككاتب يبني دوماً علاقة “ارتباط” بالكاتب الآخر، ولكنها علاقة من بعيد. الاستقلالية عنوانها الدائم. على نحو شخصي كثيراً ما التقيته في الإمارات، وفي مكتبتي غالبية أعماله الروائية والقصصية، وأكثر من ذلك، أحن إليه، فكلما التقيته كأنما ألتقي البحرين كلها، هذا البلد الكثير والكبير بشعرائه وروائييه وقصاصيه الذين يشتغلون في الكتابة من باب المسؤولية قبل وبعد كل شيء. المرأة حاضرة في معظم أعمال عبدالله خليفة بما هي عليه من كائن إنساني، ويمكن أن يكون هذا الكائن ملاكاً أو شيطاناً، نجساً أو طاهراً، جميلاً أو قبيحاً، وهذه سنة من سنن الحياة والوجود، والمرأة لديه هي النسخة الثانية من الحياة في شبابها وشيخوختها، وفي الحالين تظل حالة انسانية ليست قابلة للإلغاء: في روايته «نشيد البحر» تقرأ: «.. وترى مثلما يرى النائم المرأة الشقراء تناديك، غرفة العرس الواسعة والياسمين والمرايا تدجن خوفك واغترابك، وتمتصك المرأة الشقراء، العجوز، التي تنتزع باروكتها الذهبية، وتعطيك جلدها المتغضن، فتحس بالأفاعي..». وفي مجموعته القصصية «سهرة» تعاودنا صورة المرأة العجوز مرة ثانية، فإذا كانت هذه العجوز في رواية «نشيد البحر» ذات باروكة ذهبية فإنها في قصة «سهرة» ذات أسنان ذهبية وجسد هرته الشيخوخة، وبالمناسبة، فإن صورة المرأة العجوز تتكرر كثيراً في قصص عبدالله خليفة، وربما كنت موفقاً، إذا اعتبرت هذه المرأة لدى الكاتب رمزاً للحياة التي تعجزها الأيام. في قصة «سهرة» يقع بطل القصة المفلس والعاطل في براثن هذه العجوز التي تستدرجه إلى ما يشبه «الموت». ذكرت قبل قليل ان عبدالله خليفة له «قرين شاعر» يميل عليه إذا اقتضى الأمر على نحو شعائري هذه المرة في رواية «نشيد البحر».. أحد أبطال هذه الرواية هنا يخاطب البحر: «.. أيها المجد المائي، يا سليل ملوك التحول، أيها الأزل، والأمل، خذني إلى ذاكرتك، ودهشتك، اصهرني، لأكن سمكة في لونك، وعشقاً أبدياً في خمرك، لا أريد أن أكون وتداً في الأرض، أو لافتة صدئة تشير إلى طريق، لأكن ذراتك، نداءك، صوتك الهادر في سكون الأشياء..». مناخ البحر هذا ومناجاته الصافية الشعائرية هذه لا نجدها في رواية «أغنية الماء والنار».. عبدالله خليفة في هذه الرواية يتخلى عن قرينه الشاعر الذي تظهر صورته في قصة «سهرة»، وهو في رواية «أغنية الماء والنار»، التي صدرت عام 1988 عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق كما جاء في التعريف النقدي بالرواية: «.. تصوير معبر للصراع الاجتماعي على أطراف مدينة في بيئة شعبية». «جابر» في هذه الرواية مطارد بالخيبة والحزن، وذلك مثال فقط من مناخ الرواية، إلى جانب شخصيات أخرى «راشد» سقاء الماء، و«غلوم» رجل زجاجات الليل، إضافة إلى نساء الرواية «زهرة» وسواها، من نماذج تدنو إلى حياة كريمة ونبذ التسلط. في رواية «أغنية الماء والنار»، يحضر البحر أيضاً، ولكن هذه المرة من دون «نجوى شعرية»، إذ ان «قوام» الرواية هو قوام أشخاص فقراء إذا غنوا فإن أغنيتهم هي أغنية الماء والنار بكل واقعية الفقر وبساطة الروح الانسانية. يلح عبدالله خليفة في معظم قصصه ورواياته على ما يسمى «المونولوج» أي الصوت الداخلي لأشخاص القصة أو الرواية، الأمر الذي يدفع به إلى اقتراح كتابة «جريانية» إن جازت العبارة.. إخاله في مثل هذه الحالة يكتب سريعاً، الصور متدفقة، والجمل قصيرة ومتلاحقة، التداعيات تستولد تداعيات أخرى، ومع كل ذلك، فإن قارئاً متمرساً لن يلمح أي لهاث في الكتابة، لأن لهاث الكاتب يفضحه القارىء، فإن كانت القراءة لاهثة فإن الكاتب كان يلهث لحظة الكتابة. هذه النقطة لم أجدها عند عبدالله خليفة الذي يحرص دوماً على نصوص متماسكة، قوية البناء مشدودة إلى علاقات سردية يكمل بعضها بعضاً. في روايته «الضباب» نأخذ على ذلك تمثيلاً هذا الأنموذج: «.. يغفو، يرى نفسه في ممر طويل، وثمة منصة بعيدة متوارية وراء دخان بركاني شفاف، يحس بأسواط تلسعه، وهو يجري بسرعة. وأنفاسه تشتعل، ويبحث عن فتحة في الممر، والممر طويل، ومغلق، ويركض، ثمة تماثيل رومانية كثيرة تحدق فيه بأجسادها الفارهة..». على أن أشير إلى أن عبدالله خليفة يمتلك من الذكاء الفني بحيث انه يحرص على أن يكون مختلفاً في حالة النصين.. نص التداعيات والاستطراد والاسترسال، ونص «الشعائرية»، أو «الشعرية» وهو ان جنح إلى الاستعانة بروح الشاعر «قرينه» أو «ايقونته» فهو يستعين بالقليل من ملح الشاعر، ليعود بعد ذلك إلى ذاته الروائية أو القصصية. شخصيات عبدالله خليفة تراوح بين نماذج محبطة متعبة كما في بعض قصص مجموعته «سهرة»، وبعضها نماذج تعاني الفقر بالقرب من بحر فقير أيضاً كما في روايته «أغنية الماء والنار»، وإن لم أكن مخطئاً فإن شخصية الضباب شخصية مثقفة، وفي رواية «نشيد البحر»، يلمح إلى انقراض انموذج «المناضل». ومثالاً على هذا التلميح تقرأ هذا الحوار المقتضب في رواية «نشيد البحر»: « ــ كم ضيعنا من أوقات جميلة، وتركنا تلك الفتيات الجميلات بخدودهن الوردية، يفلتن من أيادينا، تصوفنا ولبسنا الخيش وأدمنا العرق والروائح الكريهة وأطلقنا اللحى.. فيا لها من أوقات عصيبة. ــ إذن لا تلم أخي. ــ لكنه حيوان انقرضت فصيلته». يكتب عبدالله خليفة بالكثير من الاطمئنان إلى نفسه وإلى شخوصه، ويخيل إلي أنه يعرف شخوص أعماله معرفة جيدة قبل الشروع في الكتابة، وان كان لا يعرفهم فهو يصنعهم من تراب الواقع، وحتى لو كانوا مصنوعين أو مولودين من «رحم المخيلة»، فهم أيضاً مبعث اطمئنان بالنسبة إليه.. إن مثل هذه الطمأنينة تؤدي بالضرورة إلى ثقة الكاتب بنفسه، والأهم من ذلك ثقته بهذه «النفوس» الحائرة والمتعبة.. ثقته بالناس فقط الناس.. فهم الماء والنار، وهم الضباب، وهم النشيد وهم اللآليء والرمل والياسمين، وهي ذاتها العناوين التي اقترحها عبدالله خليفة لقصصه ورواياته. عالم عبدالله خليفة عالم متنوع وواسع، ويصعب اختزاله في قراءة انطباعية لا تزعم النقد على الاطلاق، فهو غزير الكتابة، ضد الانقطاع والغياب، أحسه مسكوناً دوماً بشخصية روائية أو بمكان روائي مرشح في أية لحظة لأن يصاغ أو يكتب في كتاب.إ ن هذه الكتابة الاستعادية عن خليفة تريد خلاصة واحدة.. وهي ذلك الأمل الذي يمكن أن يعول عليه من «النظام النقدي الأدبي أو الثقافي» إن كان هناك وجود لمثل هذا النظام، وضرورة استعادته هو.. استعادة نقدية مسؤولة ومتخصصة لأعمال شعرية وروائية وقصصية في منطقة الخليج العربي، وتجربة عبدالله خليفة مثال واضح وممكن لحقل النقد. استعادات إبداعية خليجية كتب يوسف أبولوز شاعر من فلسطين الخليج الاماراتية 2007-01-20