كتب : عبدالكريم ناصيف*

يجمع الدارسون على أن الرواية هي تتويج لفن القص، هذا الفن الذي عرفه الإنسان مذ عرف النطق والكلام، فالرجل يحدث امرأته وقد عاد من الصيد عما رأى وشاهد، ما حدث لـه في رحلته وما واجهه من أهوال ومصاعب، والمرأة تحدث الرجل عما جرى لها في غيابه قاصة عليه قصصها وأخبارها…
هذا الفن العتيق الأصيل عتق الشعر في الغناء وأصالتهما تطور ككل جنس أدبي آخر واتخذ أشكالاً وتلونات كثيرة نعرفها جميعاً إلى أن جاء العصر الحديث بطباعته وصحفه وانتشار التعليم فيه ونهوض بورجوازية المدينة… إلخ لتظهر معه الرواية بشكلها الحديث الذي يضرب جذوره عميقاً في القصص الطويلة والحكايات وسير الأبطال والملاحم… كروايات الفرسان، والمغامرات في الأدب الأوروبي، وقصة حي بن يقظان، وسيرة عنترة، وحكايات ألف ليلة وليلة، وحمزة البهلوان… إلخ.. في أدبنا العربي.
وهكذا ظهر هذا الشكل الجديد من فن القص لأنه الأقدر على استيعاب قضايا الإنسان وهمومه، مشاكل المجتمع وقضاياه، فالرواية هي فن بناء الحياة من جديد وإعادة تشكيل الواقع مرة ثانية لكي يتاح لمن جاء في مكان آخر وزمان آخر أن يعرف كيف كانت تلك الحياة وهذا الواقع.. وهو ما جعل الرواية اليوم الفن الأدبي الأكثر رواجاً ومبيعاً يبن الأجناس الأدبية كلها… ذلك أن الإنسان يسعى وراء ما يعنيه، ويهتم بالأدب الذي يلامس جرحه ويعالج قضاياه الإنسانية والاجتماعية وهي كثيرة، حتى ولو لم يقدم لها حلولاً.. بل حسبه أحياناً أن يطرح القضية على بساط البحث أملاً في أن يجد لها الحل فيما بعد…
وإذا كانت الرواية العربية قد تأخرت قرنين من الزمان عن نظيرتها في الغرب ـ أي ما بين بداية القرن الثامن عشر حين ظهرت رواية دانيال ديفو، روبنسون كروزو، وبين بداية القرن العشرين حين ظهرت رواية محمد حسين هيكل، زينب ـ فإنما ذلك نتيجة الفارق الحضاري بين أوروبا التي بدأت نهضتها منذ القرن السادس عشر والوطن العربي الذي تأخرت نهضته حتى أواخر القرن التاسع عشر. .

فالحضارة كل لا يتجزأ، كما أن النهضة كل لا يتجزأ… يتقدم الكل معاً أو يتخلف الكل معاً، لهذا ما إن بدأت رياح النهضة تهب على وطننا العربي حتى رأيناها تهب أولاً على أدبنا بشعره ونثره.. وهو ما جعل الرواية تظهر… ثم تنمو وتترعرع بطيئة حذرة في البداية، ثم سريعة قوية فيما بعد. .
في مصر، بدأت الرواية العربية الحديثة وذلك لأسباب لا مجال لذكرها الآن، ثم في بلاد الشام والعراق التي عرفت الرواية جيداً في النصف الأول من القرن العشرين… لكن في البلدان العربية الأخرى تأخر ظهور الرواية إلى النصف الثاني من القرن العشرين، حيث بدأت تظهر الرواية في المغرب العربي الكبير، السودان، وجنوب الجزيرة العربية ووسطها وفي الخليج… وهو ما يعنينا في هذا البحث: الرواية الخليجية. .


لقد تناولت الرواية الخليجية منذ ظهورها هموم الإنسان وقضايا المجتمع، شأنها شأن الرواية العربية بخاصة والرواية العالمية بعامة.. فمجال الرواية هو المجتمع وفضاؤها قضاياه . . ولعل من أهم هذه القضايا: قضية المرأة.
هنا، نحن لا نعني بالمرأة ذلك الكائن!! الذي يشكل نصف المجتمع أو الأم المدرسة أو الحبيبة التي تكتب فيها قصائد الغزل، وللعرب باع طويل في هذا المضمار، بل نعني بها المرأة المشكلة التي وصل وضعها إلى درجة من التعقيد والعسر والصعوبة صار معها عقبة كأداء في وجه التغير الاجتماعي والحراك والتقدم الاجتماعي ككل، نعني بها المرأة القضية التي تثير الخلافات والإشكالات إلى درجة يتنازع حولها الناس وتقتضي الحل السريع.
لقد أصبحت المرأة قضية مذ أنزلها الرجل عن عرشها في المجتمع الأمومي الذي كانت فيه السيدة المسيطرة المهيمنة، ليحل محلها ويصبح هو السيد المسيطر المهيمن . .
لقد حدث تبادل أدوار وحل المجتمع البطريركي الأبوي محل المجتمع الأمومي، ليسنّ الرجل الشرائع التي تناسبه والقوانين والأعراف التي تؤكد هيمنته كرجل من جهة وخضوع الطرف الآخر الذي هو المرأة من جهة أخرى… فجاءت شرائع حمورابي تسن صراحة على أن من حق الزوج التصرف بامرأته كيفما شاء، إذ لـه الحق بضربها وحبسها بل وبيعها وقتلها إن اقتضى الأمر…
منذئذ صارت المرأة قضية أساسية من قضايا المجتمع، فهي الضعيفة العزلاء التي لا تملك سلاحاً تدافع فيه عن نفسها عرضة دائماً لكل أنواع المخاطر وأشكال المذلة والهوان . . ففي الحروب هي تسبى وتساق مع الغنائم الأخرى ليمتلكها السابي أو يبيعها في سوق النخاسة . . وهي المقيدة بالأعراف والتقاليد لا تستطيع المشاركة في إدارة دفة المجتمع ومعالجة شؤونه، إلا ما ندر. وهو الاستثناء الذي يثبت القاعدة ولا يلغيها. وهي الغارقة في الجهل والأمية المحرومة من العلم والتعلم لا تستطيع التعبير عن ذاتها ولا معرفة حقوقها فكيف بالمطالبة بها؟. .
قضية المرأة والتخلف:
ترتبط المرأة بوصفها قضية ارتباطاً عضوياً بالتخلف . . إذ على الرغم من أن الرواية ظهرت في مجتمعنا العربي وهو يعاني من التخلف وإشكالاته إلا أن المرأة كانت هي الأكثر معاناة من ذلك التخلف، فالرجل قد يروغ يزوغ، يفلت هنا، يهرب هناك لكن المرأة ليس أمامها مفر.. إنها تواجه التخلف بكل سطوته وكل قسوته.. الجهل هي التي تتحمل وطأته كاملة.. إذ ظل الرجل بهذا العذر أو ذاك يتعلم، يذهب إلى الكتّاب، يصبح رجل دين . . إلخ.. لكن كيف يتاح هذا للمرأة؟ إنها تترك لقدرها لا يحق لها الذهاب إلى كتاب ولا الاختلاط بالذكر في أماكن التعليم ولا تصبح امرأة دين . . لهذا كانت الأمية ولا تزال هي الأكثر تفشياً بين النساء.. وإذا كانت نسبة الأمية في المجتمع العربي أيام زمان هي 98 بالمائة تقريباً فإن مائة بالمائة من هذه النسبة هي من النساء وإذا كانت اليوم خمسين بالمائة فإن ثمانين بالمائة من هذه الخمسين من النساء.
الفقر، وهو الأقنوم الثاني للتخلف، يقع بمعظم أعبائه على كاهل المرأة، هي التي يتعين عليها أن تربي أطفالها وترعى بيتها وتدبر شؤونه المعيشية، لكن كيف تفعل ذلك والزوج فقير عاطل عن العمل، لا يكاد يأتي إلى البيت بما يسد الرمق، فتقاسي المرأة أيما مقاساة… هي بين المطرقة والسندان: فقر معيلها ومطالب عيالها، والأدهى والأمر إذا ما ذهب المعيل وتحولت هي إلى معيلة، هنا تكون الطامة الكبرى، فالمجتمع لا يرحم وتقاليده صارمة قاسية لكن عليها أن تحول بين أطفالها وبين غائلة الجوع وهو ما يدفعها أحياناً للانزلاق إلى مهاوي الرذيلة… ويقضي عليها قضاء مبرماً في نظر المجتمع . .
كذلك الأمر مع المرض، الأقنوم الثالث للتخلف، فالمرأة بجسمها الضعيف مقارنة بالرجل وتكوينها الفيزيولوجي كأنثى تحمل وتلد هي الأكثر عرضة للمرض وهي الأكثر هشاشة إزاء الطبيعة وتقلباتها، متطلبات الحياة ومتغيراتها… فالمرأة كانت وما تزال تدفع ثمناً باهظاً من حياتها لقاء أمومتها وقيامها بالإنجاب، كما تدفع ثمناً باهظاً من حياة أولادها الذين تنجبهم، إذ لم يكن يبقى منهم إلا طويل العمر… لتعاني المرأة بذلك أشد المعاناة وتظل أقانيم التخلف الثلاثة جميعاً تقيدها أكثر إلى راهن بائس تريد التخلص منه لكنها لا تستطيع، لهذا كانت الرواية ولا تزال معنية بمسألة التخلف هذه قدر ما هي معنية بالمرأة كقضية لأنهما مسألتان مترابطتان أشد الترابط.
قضية المرأة وحقوق الإنسان:
تشكل حقوق الإنسان العمود الفقري لقضية المرأة، فقد جاءت النهضة والمجتمع العربي لا يعرف إلا القليل عن حقوق الإنسان. الرجل نفسه محروم من حقوقه فكيف بالمرأة؟ هو يعاني من انعدام الفرصة في الوصول إلى أبسط حقوقه فكيف تراها حال المرأة وهي رهينة محبسين: محبس المجتمع ومحبس الرجل؟ لقد ظل الرجل رغم الأنظمة السياسية والاجتماعية يجد بعضاً من الحرية تسمح لـه بها القوانين الاجتماعية والأعراف والتقاليد، أما المرأة فلا تجد شيئاً منها البتة. سيما وأنها العورة التي يحاول أن يستر عليها الجميع وأن يحجبها الجميع ويغيبها الجميع، سيما وأن موروثنا الثقافي مليء بالأقوال المضادة للمرأة والتي تعمل على حرمانها من وجودها الاجتماعي وحريتها الفردية، إلى درجة تقول معها إحدى المقولات: «دفن البنات من المكرمات» وإلى حد يقول معه أحد الشعراء عن بنته:
تهوى حياتي وأهوى موتها شفقاً
والموت أكرم نزال على الحرم
لهذا كله لم يكن ثمة مجال للحديث عن حقوق المرأة كإنسان، إذ كان كل ما يريده لها المجتمع ويريده لها أهلها بل حتى أمها وجدتها هو الستر والصون والبقاء فقط على قيد الحياة لكي تقوم بوظيفتها الأساسية في المجتمع: خدمة البيت والإنجاب.
أي بعبارة أخرى، لم يكن ثمة مجال للحديث، مجرد الحديث عن حرية المرأة وعن حقها في التعبير والاختيار وكذلك عن حقوقها الإنسانية الأخرى كحقها في المساواة مع الرجل، وحقها في العمل والتعلم، فكيف بحقها في الحب واختيار الشريك؟
هذه مسألة خطيرة يتوقف عليها مصير المرأة: وجرائم العرض والشرف ما تزال متفشية في مجتمعنا العربي حتى اليوم… هذا الحرمان من حقوقها كإنسان هو الذي شكل ولا يزال يشكل جانباً أساسياً وهاماً من قضية المرأة وهو الذي تناولته الرواية العربية باستفاضة ومنها بالطبع الرواية الخليجية . .
قضية المرأة وحقوقها الاجتماعية:
المكوّن الأساسي الآخر لقضية المرأة هي حرمانها من حقوقها الاجتماعية، وهو حرمان بات قاطع في أكثر الأحوال إلى درجة ترك معه آثاره على تقدم المجتمع نفسه وعلى قدرته على الحركة والتطور كما سبق وذكرنا، وليس على وضع المرأة وحسب، فالمرأة كائن مغيَّب إلى حد كبير في المجتمع، دوره يقتصر على الطبخ والنفخ والتناسل، وبذلك يخسر المجتمع نصف يده العاملة ونصف طاقته الإنتاجية وهي خسارة فادحة يمكننا أن نعرف مدى فداحتها إذا ما قارنا حالة العمالة بين مجتمع متقدم ومجتمع نام كمجتمعنا، ونجد ذلك متوفراً بكثرة في الإحصائيات التي تنشر عن هذه المجتمعات . .
ولا يتوقف الأمر عند بطالة المرأة وحرمانها من العمل وتخفيض قدرة المجتمع الإنتاجية وحسب بل يتعدى ذلك إلى تحويلها إلى عالة وعبء على كاهل الرجل وهو ما يفسر إلى حد كبير انخفاض معدلات الدخل الفردي والناتج القومي في المجتمعات المتخلفة… خاصة إذا كان الرجال أنفسهم فيها لا يجدون عملاً.
كذلك فإن حرمانها من المشاركة في قيادة المجتمع وسياسته يؤدي إلى خسارة طاقة كبيرة ثبت أنها فعالة وأنها ضرورة أساسية لبناء مجتمع سليم صحي متكامل. إن إبقاء المرأة كائناً مغيباً وراء ستار يعني فيما يعنيه إبقاء المجتمع ذا بعد واحد ومنظور واحد وبالتالي إلى إفقار المجتمع، هو الذي كلما تعددت أبعاده وازدادت منظوراته كان أقرب إلى النضج والاكتمال.
وهكذا تحرم المرأة في كثير من مجتمعاتنا العربية من حقها في الانتخاب حتى اليوم. ومن حقها في استلام المسؤوليات وتسنم المناصب العليا، رغم أن التجربة الحضارية قدمت البرهان تلو البرهان على أن المرأة صنو الرجل كفاءة وجدارة وأنها قد تكون أكثر حرصاً على المجتمع من الرجل وأكثر أمانة وإخلاصاً منه.
هذا الحرمان من حقوقها الاجتماعية ومن ممارسة فعاليتها كعنصر فاعل فيه ترك هو الآخر آثاره الضارة على المجتمع العربي وترك جرحاً نازفاً دائماً في نفوس الكتاب العرب وخاصة الروائيين منهم الذين سلطوا الأضواء في كثير من أعمالهم عليه وحاولوا أن يعالجوه، وهو أيضاً ما نلمسه في الرواية الخليجية وإن كان يحذر أكثر من أختها العربية.
قضية المرأة والرواية العربية:
لقد عُنيت الرواية العربية بإلحاح شديد بقضية المرأة انطلاقاً من أنها نصف المجتمع وأنه لا يمكن لمجتمع أن يتقدم بنصفه فيما يظل النصف الثاني محجوراً عليه مغيباً… إنه كأن تطلب من رجل أن يسير على ساق واحدة فيحجل حجلاً ولا يسير ولا يركض.. لقد أدرك الأديب عموماً والروائي خصوصاً منذ البداية أن تقدم المجتمع رهن بتقدم المرأة فجاءت أول رواية عربية بالمعنى الحديث للرواية، بعنوان زينب، بطلتها زينب وتتحدث عن حال المرأة البائس في الريف المصري وغير الريف المصري. كما كتب الشعراء عن المرأة فقال حافظ إبراهيم:
الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعباً طيب الأعراق
كما قال الزهاوي:
إنما المرأة والمرء سواء بالجدارة
علموا المرأة فالمرأة عنوان الحضارة
إذن، الأمر واضح كعين الشمس في أذهان المتنورين والأدباء والكتاب.. حال المرأة في مجتمعنا مزرٍ، نريد أن نتقدم.. إذن يجب أن نحسن وضع المرأة، من هنا كانت قضية المرأة إحدى أهم القضايا التي أثيرت ونوقشت وأثارت العواصف والزوابع في عصر النهضة، فقد ظهر هناك من يدافع عن المرأة وحقها في الحياة ومن يقف ضد المرأة وخروجها إلى الحياة، تمسكاً ومحافظة على الوضع الراهن . . في خضم هذا الصراع ظهر رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وقاسم أمين… إلخ مصالحين ودعاة تغيير كما انعكس ذلك كله في الرواية العربية التي تعكس بطبيعتها الواقع بكل مكوناته وعناصره، إشكالاته وهمومه. ولو أن المجال يسمح لذكرنا الكثير من الأمثلة على ذلك في الرواية العربية سواء في مصر أو بلاد الشام أو العراق… لكننا سنقتصر هنا على نماذج من معالجة الرواية هنا لهذه القضية.
الرواية الخليجية وقضية المرأة:
لا بد لي هنا من أن أذكر، بكل أسف وأسى، مشكلة بتنا نعاني منها جميعاً إلى هذه الدرجة أو تلك ألا وهي: مشكلة الانقطاع الثقافي بين الأقطار العربية نتيجة صعوبة انتقال الكتاب من هذا القطر العربي إلى ذاك. ذلك أن الحدود والحواجز التي أقامها الاستعمار بين أقطارنا العربية لم تقتصر على إيجاد الكيانات السياسية الشائعة وتمزيق الوطن الكبير إلى مزق ورقع، بل طالت كل شيء في حياة الإنسان والمجتمع العربي حتى الكتاب . . ورغم أنه ظل في البداية يتحرك بشيء من الحرية وينتقل ببعض اليسر. . إلا أنها شيئاً فشيئاً بدأت هذه الحدود تضيق وتلك الحواجز تزداد ارتفاعاً إلى أن بات الكتاب يعامل كالسلعة تماماً بل أشد سوءاً من السلعة وباتت حركته أعسر من حركة الأشل. . الأمر الذي راح ينعكس على الكتاب أزمة خانقة وكساداً شديداً وعلى المتعاملين مع الكتاب جفوة وعدم قدرة على التواصل. . إذ من الصعب الآن وأنت في سورية، مثلاً، أن تتابع أعمال الأدباء الخليجيين وتطلع بسهولة على ما يصدر عنهم من روايات وقصص. . قد تقع على شيء من هذا في معرض من معارض الكتب. وهي النافذة الوحيدة المتبقية عملياً لحركة الكتاب الميسرة، أو قد تقرأ عن عمل في مجلة.. لكن هذا لا يكفي لتحقيق تواصل حقيقي. . فالانقطاع، بشكل ما، قائم وهو، وأعترف هنا، ما جعلني أبحث كثيراً وأفتش علني ألم بالطيف الكامل للرواية الخليجية لكن عبثاً، فإن وجدت رواية هذا الكاتب لا أجد أخرى وإن وجدت عملاً لآخر لا أجد لثالث. . وهو ما حال بيني وبين دراسة الرواية الخليجية ككل لأقتصر على اتخاذ نموذج واحد هو:
أعمال عبدالله خليفة وقضية المرأة:
على الرغم من أن عبدالله خليفة هو نتاج مجتمع بطريركي بامتياز، الرجل فيه كل شيء، إلا أنه يدرك منذ روايته الأولى «اللآلئ» التي صدرت عام 1981، مدى فداحة الظلم والقهر الذي تعيشه المرأة في مجتمع أرادها أن تكون مجرد تابع عليه الطاعة والخضوع فقط، كائن لا يملك من مصيره شيئاً، فالآخرون هم السادة وهم الذين يقررون كل ما يتعلق بشأنه وما عليه هو إلا أن يسمع ويطيع. . أليس الرجال قوامين على النساء؟ أليسوا هم الأدري بمصلحتهن وخيرهن؟
1ـ المرأة، كائناً تابعاً يقرر مصيره الآخرون:
يعلم عبدالله خليفة وضع المرأة جيداً في مجتمعه المغلق الخانق للمرأة كما يعلم جيداً وضعها اليائس فيقول في روايته «الينابيع»: “أحس محمد أن جمعة يتحدث عنه ويرى أمه وهي مضطربة، مستباحة في المخزن في ليلة طاش بها صواب سيدها” ص 56. بينما يقول في مكان آخر: “… حتى اهترأ ومات ولحقته أمي… كانت تقذف حمماً من قطع الدم الكبيرة وتضرب أختي بهستيريا جنون وشعرها منثور وملابسها ممزقةّ ماذا عرفت أنت عن العذاب والألم والقهر؟ أرأيت أحداً من أهلك يهان ويغتصب؟ وأمك تموت بأسياخ المطوع الساحر وماء البرك الملوث المقدس؟”.
إن عبدالله خليفة يتماهى مع الراوي هنا في إحساسه بالوجع والظلم الواقع على المرأة التي تقذف حمماً من الدم وتموت بأسياخ المطوع وبماء البرك الملوث غير المقدس كما يقصد على ما أعتقد… إنه يشفق على المرأة، هذا الكائن الذي لا يستطيع اختيار شريك حياته بل لا أحد يأخذ رأيه في ذلك… فيفرض عليه الأمر أمراً واقعاً عليه هو أن يستسلم لـه ويخضع.
فها هو يقول في «الينابيع» ذاتها، وقد جاءت ميّ إلى محمد ترمي آخر سهم في كنانتها:
“ـ محمد، لم لا تتكلم؟
الآن نزلت صخرة فوق ضلعه، طحنت لحناً وحلماً وأعطته لهب الأرض
ـ أنت ترين فقري وحالي، أيمكن أن نكون معاً؟
ـ أفديك بروحي … ولكن
ـ الحال صعب
ـ أهلي سوف يزوجونني لرجل كبير… ما بك ترتجف؟
ـ كل هذه السكاكين ولا تريدينني أن أتألم؟
ـ الذي يهواه القلب عجز البخت أن يجيبه…” ص 58.
إذن هي اختارت من قبل وأحبت لكن أهلها يريدون شيئاً آخر.. اختاروا لها مصيرها وقرروا عنها حياتها، ولسوف يزوجونها شيخاً كبيراً وهي لا تستطيع إلا أن تسمع وتطيع..
ها هي ذي تقول في مكان آخر:
“ـ شيخ هو الذي يريدني. أتعرف أنك سقطت من شجرة وارفة ورحت تنمو في الماء المالح. أتعرف كم قصراً لديه وأراض وجزر؟ وليس كريهاً ولا جاهلاً. هو في ذروة المجد والأدب!! هو الكامل على هذه الجزيرة!! أيمكن لفتاة مثلي أن ترفس مثل هذه النعمة؟” ص 59.
طبعاً، الجواب لا.. ليس باستطاعة أية فتاة أن ترفض ما اختاره لها الأهل كيف لا وهي لا تملك من مصيرها شيئاً.. ـ هي الضلع القاصر، ناقصة الحظ والعقل والدين، أيحق لها أن تختار؟ أتعطى حرية الرأي وتقرير المصير؟ في روايته «الضباب» نجد ما هو أنكى، إذ يقول على لسان المرأة التي جاءت إلى بيت البطل العجوز:
“قالت:
ـ أخذتني خالتي إلى ذلك البيت الحجري الكبير… رحت أساعد المرأة المتجهمة الغريبة المسيطرة على ذلك البناء المدهش. كنت أرتجف وأنا أجري وراءها من مكان إلى آخر. كان لديها بضعة أولاد أشقياء وزوج هادئ منعزل وفي الصباح تخرج طويلاً ثم تعود لتجد الأكل جاهزاً فتتذوقه وتلسعني بلسانها الملتهب المليء بالشتائم القذرة..” «الضباب» ص 68 إلى أن يقول:
“كان كل أولئك الأولاد يأخذونني إلى غرفهم ويتناوبون على جسدي.. كنت أعي ولا أعي، أتلذذ وأقرف، حسبت ذلك جزءاً من عملي وخفت كثيراً أن أفاتح الأم…” ص 68 وهكذا تتطور الأمور إلى أن تقول:
“صرت آتي إلى ذلك الكوخ مع الأم ليدخل علينا الرجال، واشتهرت في الحي كله..” ص 68. وهكذا تتحول الفتاة التي لا تملك إلا أن تستسلم لمشيئة الآخرين وإرادتهم إلى مومس تبيع جسدها لكل من يريده…
إنها تعيش المأساة بكل أبعادها، تحترق روحاً وجسداً، مع ذلك لا تستطيع أن تفعل شيئاً، فمصيرها قرره الآخرون، وقدرها ليس ملك يدها… إنها التابع الخانع الخاضع الذي لا إرادة لـه والذي يتحرك أشبه بريشة في مهب ريح.
هذه «فيّ» تحب محمداً لكن أباها يقرر زواجها من رجل آخر:
“ألا تسمعين يا فيّ؟
التفتت إليه وينبوع من الماء يقترب من صدرها. ستغطس الآن في الماء الساخن.
ـ ماذا تريد يا أبي؟ لقد جهزت لك الغداء
ـ إنني أتحدث عن عرسك، عن زفافك، يوم أن نلقاك ملفوفة في سجادة في غرفة عريسك
ـ أوه.. يا أبي!!
ـ وجهك يتضرج من الخجل! لكن اسمعي.. أتعرفين جارنا سعيد المناعي؟ هذا الرجل الشهم، لؤلؤة البحر.. إنه يريدك!!” «الينابيع» ص 62.
ولأنه يريدها ويوافق أبوها على إرادته سيتعين عليها أن تدفن أحلامها في الحب الذي لا تجرؤ على البوح به… تتخلى عن كل شيء وتذهب رغماً عن أنفها إلى سعيد المناعي.
وها هي فتاة أخرى تدعى زهرة تلقى المصير ذاته، فلا أحد يستشيرها في أمر مصيري يخصها هي وحدها إذ:
“قال أهلها:
ـ مهدي أولى بك، سيعتني بطفل أخيه
دفنت وجها في رمال الوقت وارتعبت من أسنانه وانكفأت بعيداً عن النخيل والحكايات…” «الينابيع» ص 115. إنها مقهورة مرغمة كما كانت عند ما زوجوها أول مرة، راسمين قدرها بالشكل الذي يشاؤون:
“عندما دخل عليها كانت ترتجف رعباً. ماذا سيفعل؟ هل سيأكل من جسدها؟ أهو الذي يضع فيه جنيناً وكيف” «الينابيع»، ص 114. إنها لا تملك شيئاً من مصيرها وحسب بل تجهل كل شيء عن ذلك المصير وعن نفسها وجسدها والآخر، إلى درجة ترتعب معها عندما تراه وتساورها ظنون شتى: هل سينهش لحمها؟ هل سيأكل قطعة من جسدها؟ إنه الجهل المطبق بحيث لا تعرف الفتاة شيئاً عن أخص خصوصيات الحياة: العلاقة بالرجل.
2 ـ المرأة، هدفاً للأطماع والنزوات:
يتناول عبدالله خليفة في أعماله المرأة كقضية باعتبارها هدفاً للأطماع والنزوات فهي الأضعف جسداً من الرجل والأقل حرية وقدرة على الحركة، تظل نهبة للرجل وأطماعه ونزواته. ها هو أكبر مرتضى في رواية «الينابيع» يتأمل زوجته زينب وهو يخطط لابتزازها ونهب أموالها، هي التي لم يتزوجها إلا طمعاً في ذلك.
“تطلع أكبر إلى زوجته وتساءل: من كان يستطيع الزواج بك، وأنت ذات الوجه البشع واللسان السليط… ألا تدخلين القفص يا لبؤة؟
اقترب منها بحذر وأمسكها بود فجفلت وصاحت:
ـ ماذا تريد؟
أخذها برفق إلى حافة السطح فذعرت:
ـ ماذا تفعل؟ هل تريد أن تقتلني؟ ابتعد!
ـ يا حبيبتي، كيف أقتلك وأنت قطعة من قلبي، بل كل روحي.. بل أود أن تنظري إلى الأرض العظيمة التي حدثتك عنها. طالعي هذه المسافات الخالية وبيوت السعف الكثيرة المحتشدة حتى الشاطئ البعيد. أليست ساحرة وجميلة؟
ـ ماذا بك؟ هل خرفت؟ أي جمال في هذه العرشان القبيحة…؟
ـ بل الجمال كله ـ يا حبيبة عمري ـ في امتلاك هذه الأرض، هذه المساحات التي تنطلق فيها الخيل!!
ـ وما دخلي أنا بامتلاكك الأرض؟ اذهب واشترها!!
ـ ومن أين المال؟
هنا زعقت وصاحت وأزبدت… إلخ” «الينابيع»، ص 158.
لكنها مع ذلك ظلت هدفاً لأطماعه ونزواته، إذ إن لديه هدفاً وعليها هي أن تقدم لـه العون لبلوغ ذلك الهدف…
على أن المشكلة الأخطر، حين تتحول المرأة إلى فريسة يفترسها الرجل بكل وحشية وقسوة. إنه الاغتصاب الذي تعاني منه الكثيرات والكثيرات، فالرجل يمارس هنا قوته الجسدية وتفوقه العضلي على المرأة، فيقهرها ويذلها ويزرع فيها جروحاً قد لا تشفى منها أبداً. كثير من الروايات عالجت مسألة الاغتصاب وما تخلفه من آثار في نفسية المرأة، لكن عبد الله خليفة يعالج هذه المسألة على نحو معكوس تماماً ليبين آثار حالة اغتصاب على رجل وجد امرأة مغتصبة وملقاة في الطريق فقدم لها العون لكن ليجر عليه ذلك الويلات. الحادثة تحدث في الواقع لكن ما يهمنا ليس ما جرت على الرجل من ويلات بل الوضع الذي وجد فيه هذا الرجل المرأة والذي دفعه لمساعدتها فيقول:
“امرأة تتلوى على التراب وتنهش الحجر. تعض يديها وتبحث عن قطع فستانها الممزق وعباءتها المتوحدة بالظلام. اقترب منها، انتفض جسمها الممزق” «الضباب» ص 6.
إنها حالة بائسة إلى أقصى حدود البؤس يجد الرجل المرأة المغتصبة فيها إلى حد أنه حين يحاول مساعدتها ورفعها بين يديه:
“تضربه، تصرخ، تبكي، تخدش وجهه بأظافرها، اتركني.. اتركني” «الضباب»، ص 7. تصرخ مرتعبة هلعة، هي التي اغتصبها الذكر مستغلاً ضعفها ورقتها. كذلك حين: “تفتح عينيها تستعيد الألم المنتفض والذكرى الحادة. تتكلم، تهذي، تندس في صدره كابنة ضائعة، وفجأة تصرخ كأنها لمست الجلد الذكوري ذاته..” «الضباب»، ص 7. إنه الخوف الذي يتملك الفريسة من المفترس والذي يجعلها تبتعد عنه، لأنها جربت معه نهشه للحمها ولا تريد تكرار التجربة. هنا يفلح عبدالله خليفة في تصوير هذا الشعور لدى الفريسة تصويراً بارعاً، كما يتناول في أعماله أكثر من فريسة من هذا النوع: امرأة كانت مطمعاً للرجل ومحطاً لنزواته فإذا ما انتهى منها تركها لأخرى، ها هو في «الضباب» يتكلم عن امرأة تزوجها رجل فقط لكي يستغلها ويبتزها، فيقول في حوار بين الرجل والمرأة:
“ـ ماذا بك؟ لماذا تشمئز مني؟
ـ مللتك، اغربي عن وجهي!!
ـ أشم في ملابسك عطر نساء؟
ـ وماذا في ذلك؟
ـ أتعترف بهذه البساطة وأنا التي ضحيت من أجلك…
ـ ومن أجبرك؟
ـ أعرف أن لك علاقة بامرأة غنية الآن. تريد أن تستنزفها كما عصرتني ولكني سأقتلك قبل أن تلقيني في الشارع” «الضباب» ص 46 ـ 47.
مع ذلك لا ينفعها تهديدها لـه، فهو يلقيها في الشارع وقد استنزفها تماماً ليذهب إلى أخرى يستنزفها وهكذا دواليك…
3 ـ المرأة، ضحية للظلم والعسف:
في كثير من المواضع يتناول عبدالله خليفة المرأة في وضعها الاجتماعي الصعب كضحية للظلم والعسف. ولا غرو، فهي الطرف الأضعف في المعادلة دائماً، جسداً ومالاً وعلماً لهذا يمكن لأي رجل أن يمارس عليها عقده ويفرغ فيها حقده ومفرزات دونيته ونقصه، بل لأنه هو نفسه عرضة للظلم والعسف الاجتماعي، إما على يد المستعمر، أو الحاكم أو الملاك أو رب العمل… إلخ، فإن من الطبيعي أن يبحث عن التعويض لكي يحقق التوازن النفسي الذي يمكّنه من الاستمرار والعيش، هذا التعويض يكون على حساب المرأة التي تتلقى في حياتها كل أشكال الظلم والعسف بدءاً من أبيها وأخيها مروراً بزوجها وأهل زوجها وانتهاء حتى بأبنائها. عبد الله خليفة يرى هذا ويسلط الضوء عليه في كل عمل من أعماله. ها هو في الينابيع يتكلم عن «فيّ» الفتاة التي تموت أمها ويتزوج والدها بهدف أن تكون هذه الزوجة أماً لها لكن ماذا يجري؟
“وجاءت امرأة ساكنة هادئة احتلت المكان. وفجأة تمزقت ملابس فيّ وتقطعت ضفائرها وتكسرت نجمات بحرها وراحت تهذي وتجري في الليل تصرخ الزوجة فيه:
ـ هذه ابنتك مدللة، لا تريد أن تغسل صحناً ولا أن تنظف أرزاً.
وهو يصرخ فيها بدوره:
ـ أتريدين وضع هذه الطفلة بين النيران والقدور منذ الآن؟
ـ ليست طفلة، إنها امرأة..
حين التهب جسدها وتناثرت أهرامات صغيرة من الجلد المتغضن المنتفخ وهربت من البيت مراراً وتاهت بين كتل السفن الجاثمة على الشطآن… إلخ” «الينابيع» ص 61 حينذاك فقط يتنبه الأب لضرورة إنقاذها، فعلى يد زوجته حل بالفتاة ظلم لا نظير لـه، فضُرِبت وعذبت وحبست ومزق جلدها ونتف شعرها… لا لشيء إلا لكي تنفس الزوجة عما في داخلها من عقد نتيجة الظلم الذي مورس عليها هي ذاتها من قبل ولتفريغ الشحنة العدوانية التي تحتل أعماق لا شعورها، رغم أن الأب يحاول الدفاع عن ابنته التي يحبها إلا أنه لا يستطيع ذلك إلا بالتخلص من الزوجة وإخراجها من بيته.
بل إن المرأة، كما يرى عبدالله خليفة، تقع ضحية للظلم والعسف حتى في علاقة الحب التي يمكن أن تقوم بينها وبين الرجل، ذلك أن أي عواقب وخيمة أو نتائج غير شرعية تنجم عن تلك العلاقة غالباً ما تنعكس على المرأة وحدها، إذ يفر الرجل بجلده لتبقى المرأة وجهاً لوجه أمام مصيرها المحتوم: ذبحاً أو رجماً أو عاراً أبدياً يجثم صخرة على صدرها وصدر أهلها، جاراً عليها سلاسل من العذابات والمآسي التي لا تنتهي.
هذه فيّ في الينابيع وقد شعرت ببذرة محمد تنمو في أحشائها تجيء إليه مستنجدة مستغيثة.
“قالت فجأة:
ـ استرني… يا محمد
ارتعب، لم يعد يشتهي شيئاً، سمكة الشعري المقلية بالزيت والمترامية فوق الأرز الأبيض المعذب، مصيدة لسجن العمر الكئيب، لهذا الحجر الذي سينطفئ فيه الأغنيات والكلمات. أتريد أن تصطاده بهذا الثمن البخس؟
صرخ فجأة:
ـ هيا، اذهبي من هنا.
ـ لا أستطيع. نطفتك تتكون داخلي.
ـ أأنت مجنونة؟ هل تتصورين أنني، أنا الرجل الحر، أحبس نفسي في هذه الخرابة لأصنع أطفالاً وأناغي زوجة وأشتري الأدام كل صباح… إلخ
ـ وأبي وأحجار الرجال التي ستنهال على جسمي، وعصا سالم الرفاعي التي ستحطم رأسي.
ـ اذهبي من هنا، وخذي أرزك وفضائحك ودموعك معك!! اتركيني…
كانت تتقطع دموعاً ويداً وثدياً. كل ينابيعها المحبوسة بأقفال الأمل ضخت فجأة كل الوجع والرعب وصارت المدينة والسماء كلها حصا. سمعت عن جارتها التي انتفخ بطنها حراماً وأحضروا عجوزاً شمطاء قتلت الطفل وأذابته في الحمام، ثم هربت العائلة كلها فيما وراء البحر. وأمينة صديقتها التي قتلوها ودفنوها… إلخ” «الينابيع» ص 92.
وهكذا ترى الفتاة قدرها بأم عينها، ذاك القدر الذي عليها أن تواجهه وحيدة مفردة، تخلى عنها شريكها في الحب، وتنصّل من الذنب لتلقى هي وحدها العقاب الذي كان عليهما كليهما أن يتشاركا فيه..
ها هو بطل الضباب الذي تتزوج أمه رجلاً آخر بعد أبيه يرى كم يمارس عليها هذا الزوج من ظلم وعسف إلى درجة يصرخ معها ذات مرة: “ذئب!! ذئب”: ويود لو يخنقه بيديه لكنه مجرد طفل وزوج الأم رجل كبير يظل يضطهد أمه ويعذبها إلى أن تقضي نحبها فيقول مخاطباً نفسه:
“كل وجهك، حطم الجدران والمزهريات، فلا فائدة وأمك تحمل على نعش بعد أن عذبها اللص حتى الموت وحوّل أولادها إلى خدم…” «الضباب» ص 72. على هذا النحو يصور عبد الله خليفة هذا المخلوق الضعيف الذي هو عرضة دائماً لاضطهاد الرجل واستبداده، ظلمه وعسفه إلى درجة تستسلم معها لكل ممارسة يريد الرجل ممارستها عليها، بانتظار، ربما معجزة سماوية تنقذها لكنها أكثر الأحيان لا تجيئ.
4 ـ المرأة، رهينة للكبت والحرمان:
يعلم عبدالله خليفة، هو الذي يعيش ظروف مجتمعة وشروط الحياة فيه بخيرها وشرها، أن الإنسان العربي يعاني أكثر ما يعاني من الكبت والحرمان، فالتقاليد والعادات والأعراف الاجتماعية كلها تفرض عليه إطاراً معيناً للعيش يتعذر عليه الخروج خارجه، ليظل في معظم الحالات رهن الكبت والحرمان الذي يمسك بقبضته عنق الإنسان إلى درجة يكاد يخنقه فيها، ذلك ينطبق على الرجل والمرأة على حد سواء، لكن لما سبق وذكرناه من ظروف مخففة لدى الرجل تكون وطأة الكبت والحرمان أخف عادة مما هي على المرأة، التي تعاني في أغلب الأحيان من حرمان شديد وكبت قاهر يكاد يدمر حياتها، بل هو نفسه ما يدفعها في أحيان كثيرة للانزلاق في منزلقات الخطيئة، وبالتالي للانحراف والضياع، فالمرأة التي يفرض عليها، خاصة في المجتمعات المغلقة شديدة المحافظة، أن تظل حبيسة المنزل، تنتظر العريس إن كانت في بيت أبيها، أو تنتظر دورها، إن كانت في بيت زوج متعدد الزوجات، تجد نفسها تتآكل من الداخل وفي جسدها حاجات لم تشبع وغرائز لم ترو… فلا تملك إلا أن تسعى لإروائها.. لنر عبدالله خليفة كيف يسلط الضوء على هذا الجانب من المرأة، كقضية ومشكلة، فها هي الفتاة التي كان يحبها جابر تركته وتزوجت رجلاً ثرياً متعدد الزوجات لكنها لا تجد معه ما يروي ظمأها القاتل ويعوضها كبتها وحرمانها الطويل فتعود خلسة إلى حبيبها السابق:
“سمع خطوات مضطربة عند الباب ثم دقات عصبية سريعة. فتح وإذا هي متدثرة بعباءتها تلتفت إلى الوراء خوفاً، ثم ترنحت بين يديه عصفورة مضطربة القلب مذعورة…” «أغنية الماء والنار» ص 134، وهي لكي تراه تلجأ إلى حيل وأساليب عجيبة وغريبة، إذ عليها أن تكتم وتخفي أو كانت الفضيحة وبالتالي العقاب الشديد الذي قد يكون الموت نفسه، إذ إنها تراه مصادفة في السوق وحينذاك:
“تطلعت في وجهه. ارتبكت وشعت بالابتسام. تركت البائع، اندفعت في الزحام. تبعها، تركت الدكاكين والسوق ودخلت الأزقة. كان أحدها خالياً، توقفت أرادت أن تتكلم، لكن الألفاظ تعثرت في شفتيها.
ـ كأن الفراق كان سنوات طويلة.
تتلفت ثم تطالع وجهه بارتياح. كأنها كانت تبحث عنه طويلاً. تريد أن تلقي برأسها على صدره لكنها تظل بعيدة، متوجسة من المارة والأصوات.
ـ لقد تعبت من هذا الرجل الفظ القاسي الذي لا يعرف سوى رغباته. لقد اشتقت إليك كما لم أشتق من قبل. يا ربي!! كيف تسرعت وأخطأت!!
ـ هل كان بريق الثروة رائعاً؟
ـ لا تحقد علي الآن. كنت طوال هذه المدة أذكرك وأتعذب…” «أغنية الماء والنار» ص 93.
إنه الحرمان الذي يجعلها تذكره وتتعذب وهو الحرمان الذي يدفعها لأن تتبع الأساليب الملتوية لتلبية حاجاتها الجسدية، فتقترح عليه هي نفسها أن يستأجر غرفة كي يلتقيا معاً بل وتعطيه نقوداً.
“ـ أريد أن أقول لك كلاماً كثيراً. لماذا لا تستأجر غرفة هنا؟
قبل أن يفتح فمه أعطته رزمة من النقود.
ـ غداً سألقاك هنا وفي هذا الوقت لرؤية المكان” «أغنية الماء والنار» ص 94.
وإذا كانت حبيبة جابر تهرب بعيداً عن بيت زوجها فإن حبيبة محمد في رواية الينابيع تأتي به إلى بيتها للعناية به وقد مرض وتقيم معه علاقة وهي تحت سقف بيت أبيها وذلك لشدة الدافع والرغبة التي صنعها الكبت والحرمان.
“يحتضن فيّ بقوة، وكان المطر الناعم يتغلغل في التراب منتشياً صارخاً ويرى أن جسده كله يشتعل، وهذه ليست رقصة في بحر والتفاف جسدين بين كتل الماء والأعشاب، بل استحمام في برد ونار، والغرفة تركت لـه، والليل، والأب ينام في وحدته، غافلته ابنته واندفعت للهوى والجمر…” «الينابيع» ص 86 .
كيف لا، والكبت والحرمان يصنعان ما هو أفظع من هذا وأشد هولاً، خاصة لدى المرأة التي تقاسي أشد أشكال الكبت والحرمان حتى تتشوه نفساً وجسداً كما تتشوه قدم الفتاة الصينية وقد وضعت في قالب يمنعها من كل نمو أو تطور.
5 ـ المرأة، كائناً هشاً سريع التأثر:
يتابع عبدالله خليفة في أعماله كلها رصد قضية المرأة باعتبارها كائناً هشاً ضعيفاً سريع التحول والتأثر، تنعكس ظروف الحياة الصعبة عليها مباشرة لتجعل منها الكائن الذي ينكسر ويعطب بسرعة كبيرة، كما يتأثر ويتغير بسرعة كبيرة أيضاً:
“الفتاة تطلعت إليه بخجل، بخجل شديد، وتوارت نظراتها وانكسرت وبدا أن دمعة ساخنة تحرق خدها.. ” «الضباب» ص 17. وهل لهذا الكائن الهش حين يخجل أو يخاف أو يقلق سوى الدموع والبكاء؟
ها هي في أغنية الماء والنار تصف نفسها بنفسها وقد تأثرت وتحولت تحولاً كبيراً حتى غدت كائناً آخر:
“كانت عيناها قاسيتين، الوجه الجميل استحال إلى شكل مرعب. خاف، تراجع.
ـ أين ستذهب؟
ـ هل أحببت أحداً ما؟
ـ عشت في قسوة طويلة. حين اغتصبني الشيخ الثري وأنا صبية كرهت كل شيء كرهت الناس، كرهت أبي الذي كنت أحبه كثيراً. بدا لي عاجزاً ضعيفاً وكنت أتصور أنه عملاق يصل إلى السماء. لم أشعر بأي لذة. لم أفكر بعدها إلا أن أملك وأملك..” «أغنية الماء والنار» ص 125ـ 126. لقد تغيرت إلى درجة تحولت معها إلى وحش حقيقي ليس لديه مانع من أن يلتهم حتى لحم أخيه الإنسان… فتخطط لإيقاع راشد بحبائلها لكي ينفذ لها مأرباً بعيداً يلبي نهمها الشديد للتملك: ألا وهو حرق أعشاش الفقراء وبيوتهم حتى ولو التهمت النيران نصف ساكنيها، وهو ما تفلح فيه مورطة بذلك راشداً الذي يدفع فيما بعد الثمن غالياً.
وها هي مي التي كانت تذوب حباً بمحمد وذهبت إلى منزلـه لكي تقنعه بأن يعمل لإنقاذها من براثن الشيخ العجوز الذي سيشتريها بماله، ها هي ليلة عرسها من هذا الشيخ العجوز، وقد تغيرت تماماً واندمجت في جو العرس اندماجاً تاماً..
“تتطلع مي من غرفة العرس إلى المدينة وهي تشتعل بفرحها، تتجمد ذائبة من النشوة ولأنها كائن هش سريع التأثر تبدو على أتم الاستعداد للغرق في ذلك العالم الآخر”.
6 ـ المرأة، فريسة للخوف والقلق:
من الطبيعي، والمرأة في مثل هذه الشروط الاجتماعية والإنسانية، أن تكون دائماً نهبة للقلق والخوف، وعبد الله خليفة يعرف هذا ويسجله بكثير من الإشفاق والرثاء. فالمرأة غالباً ما تعيش حياتها سلسلة متصلة من الخوف والقلق. إنه الخوف من مفاجآت الحياة، من المخفيات التي لا تعلم متى تظهر لها فتدمر حياتها أو حياة أطفالها وزوجها..
“كانت زهرة تحدق من وراء الخوص، في السفينة الكبيرة الوحيدة التي جرفت بعيداً عن ساحل قرية العين.. كانت النسوة يرفعن أيديهن ومناديلهن للبحارة المتوغلين في اليم… ولم تصدق أن زوجها سيغرق فجأة وإلى الأبد، كومضة، كفراشة. تبحث عن ملامحه في النهار والليل فلا تجده. إن حشد الأهل يطفئ آهاتها الساخنة ويملأ بماء العين قنواتها النابضة” «الينابيع» ص 113.
أما حبيبة جابر التي تزوجت من الرجل الثري فتعيش أشد حالات العذاب والخوف والقلق في بيت زوجها، هي التي تجد نفسها محاصرة بالأعداء من كل جانب والتي يهددها الخطر في كل لحظة:
“لا تقل هذا. إنني أموت كل يوم. منذ أن جئت إلى بيته والمعارك لا تهدأ مع زوجته الأولى ومعه. ليس هذا بيتاً بل مستشفى. زوجته تغير مني وترغب ألا أحمل أبداً، تحرق البخور وتغرز المسامير في الخشب المحترق. وهو ينتظر كل يوم أن أكون قد حملت” «أغنية الماء والنار» ص 94.
إنه الخوف والقلق الذي يترصد المرأة في كل طور من أطوار حياتها وحالة من حالاتها فهي إن أحبت انقضت عليها وحوش الخوف والقلق، تنشب فيها مخالبها وأنيابها، خشية أن يكتشف أمرها فتفتضح…
“ينهض فجأة ويلقي العود. ترتعب الفتاة، يغلق الباب فتذكره بالفانوس الذي تركه مشتعلاً…”«الينابيع» ص 49.
كذلك الأمر مع حبيبة جابر التي تجد نفسها مشطورة شطرين: أحدهما يجري وراء الحب الذي ضيعته وثانيهما يعمل كل ما في وسعه للحفاظ على الرجل الذي رضيت به زوجاً وذلك فقط لأنه قادر أن يؤمن لها مستوى حسناً من العيش.
“يا لهذا الحب!! كنا نجري في الظلام حين أكلت (الحوتة) القمر.
أتذكر؟ كنا نلتقي في القلق والخوف كأن حبنا قد دمغ ولعن بالمطاردة والظلام. وحتى هنا، في فسحة الوقت، أخاف أن يفتح الباب فجأة ويدخل زوجي” «أغنية الماء والنار» ص 136.
بل هي تشعر بالمرارة والغصة وهي تعلم علم اليقين ما يهدد حبها لـه وعلاقتها به من مخاطر وأهوال.
“لقد تحملت كثيراً وجئت إليك، سرت في الأزقة متغطية عن العيون، ومشيت طويلاً حتى وصلت هنا… فتقابلني بهذا البرود!
الكلمات المرتجفة بالبكاء هزته. دهش لأن المرأة تحولت هذا التحول كله. أيكون مخطئاً في كل شيء؟ أيكون أبله بحيث لا يميز بين الجمود والتعب؟” «أغنية الماء والنار» ص 127.
هذا التحمل الشديد. هذا السير في الأزقة، هذا المشي الطويل إنما يتم كله على نصال الخوف وأسنة القلق، فأي عابر قد يسبب لها مشكلة، وأي حدث طارئ قد يثير لها فضيحة، مع ذلك هي تغامر، تتحدى القلق والخوف لا لشيء إلا لأن دافع الحب أقوى بكثير من دافع الخوف وغريزة الحياة أقوى بكثير من غريزة الجمود والموت.
“في المرة الأخيرة قالت (أخاف من الحضور. أتتذكر ماذا حدث ليلة الخسوف؟ الجميع كانوا يلاحقوننا)
ـ لا تخافي سنتزوج قريباً.
ـ سنتزوج؟ كيف وأين؟
ـ هنا، ستعيشين معنا في البيت..
ـ بين إخوتك وأمك وأبيك، هذا خان وليس عش حب..” «أغنية الماء والنار» ص 59.
إنه القلق والخوف الدائم من مصير أسود ينتظر المرأة، هذا الكائن الرقيق الذي لا يريد سوى حياة كريمة توفر لـه ما يحتاجه دون أن يعرض نفسه للإهانة والذل. إنها تخاف أيضاً أن تخسر حبيبها وهي تراه متعلقاً بفتاة أخرى فلا تملك إلا أن تقلق إلى حد الارتعاش.
“كانت فيّ ترتجف عند شجرة الرمان في الحوش. رأت المرأة الفاتنة عند محمد وأبصرته يعبدها فصارت عموداً من ملح يذوب…” «الينابيع» ص 60.
بل إن المرأة حتى إن تزوجت يظل الخوف يساورها والقلق يسكن أعماقها، ماذا لو تزوج الزوج من جديد والشرع يسمح لـه باثنين وثلاث ورباع؟ ماذا إن لم تنجب لـه أولاداً وهو يريد العزوة والأولاد؟
“وتذكر أمه وهي تنتظر أباه في الحوش قلقة متسائلة عن تأخره، تهتز كما لو كانت تقرأ القرآن ثم تنظر من الباب إلى الدرب الفارغ فلا ترى صياداً تسأله عنه. سنوات كثيرة عاش بلا أطفال. ذهبت إلى (الخضر) وفلقت عدة بيضات على حجريه الصلدين وأعطت البيض الباقي لخادم المزار. غير أن الأطفال لم يزرعوا في بطنها. كانت ترتعش وتبكي في الليل وتقابل السماء المرصعة بالنجوم وهي تقول (سيتزوج غيري وينجب منها أطفالاً، أترضى بهذا يا رب؟)” «أغنية الماء والنار».
هذه هي حال المرأة، قدرها أن تظل دائماً فريسة للقلق والخوف، لم لا وهي الكائن الضعيف الذي لا يملك من أمره شيئاً بل عليه أن يكون تابعاً خاضعاً مصيره مرتبط بإصبع الرجل، السيد المهيمن الذي يملك كل شيء.
7 ـ المرأة، كائناً مغيّباً:
عبدالله خليفة يعرف هذا جيداً، وهو يرى المرأة في مجتمعه في إحدى حالتين: إما رهينة جدران أربعة لا تخرج منها إلا بإذن ولا تدخل إلا بإذن وإما غائبة خلف حجب سوداء لا يراها أحد ولا تكاد هي أن ترى أحداً. لقد فرضت عليها العادات والتقاليد الاجتماعية أن تكون هكذا، وهي لا تستطيع اختراق تلك العادات والتقاليد بل ولا حتى مواجهتها، فتستسلم لمصيرها امرأة حرمت من أبسط حقوقها في الحرية والتعبير عن الذات، المساواة مع الرجل والمشاركة في الحياة الاجتماعية. رغم ذلك ترضى المرأة بقدرها، هي التي لا تستطيع تغييره، فقديماً قالت عائشة التيمورية:
وما احتجابي عن عيب أتيت به
وإنما الصون من شأني وعاداتي
إذن هي ترضى بالاحتجاب لأن العادات والتقاليد هي التي تفرضه، وهي ترضخ لتلك العادات والتقاليد، فذلك أسلم وأقل وجع رأس. وعائشة التيمورية هي التي تقول أيضاً:
بيد العفاف أصون عز حجابي
وبعصمتي أسمو على أترابي…
رغم أن هذا الحجاب بكل ما لـه من عز ومنعة هو الذي يغيّبها عن الحياة ويبعدها عن المشاركة الاجتماعية ويحرمها في معظم الأحيان من حقها في العمل والتعلم. إنها الأسيرة التي ترضى بأسرها، فلا تشكو ولا تتذمر، بل كثيراً ما تكون أكثر تشبثاً بأسرتها: الأعراف وبقيودها: التقاليد، من الرجل نفسه، حريصة على أن تبقى المغيبة، راضية بغيابها ذاك.
عبدالله خليفة يرصد ذلك الغياب بنظر ثاقب ويحزن، يريد من المرأة أن تشق أكفانها وتخرج إلى الحياة، إذ غالباً ما يتكلم عن العباءة والحجاب، ونادراً ما يغيب صورة المرأة المعزولة المبعدة عن الحياة الاجتماعية الفاعلة عن أعماله. بل هو يرى ذلك الغياب والحجاب ماثلاً حتى في ليلة زفاف مي.
“وتسدل الحجاب الحريري على وجهها وتحكم طي العباءة على جسمها، وتسمع هذه الطبول تقترب وأقدام الحشد الرجالي تصعد السلم وتقلقل البيت وتبدأ الأنفاس الذكورية في التسلل إلى مخدعها الناعم وتتذكر وصية أمها المليئة بأقانيم الطاعة والصمت والعمل، وممانعة الزوج في ليلة الدخلة وعدم تركه يأخذها بسهولة، وعليها أن تلتف جيداً في عباءتها حتى ينتزعها انتزاعاً…” «الينابيع» ص 88 .
ترى هل هناك تغييب أكثر وضوحاً من هذا التغييب؟ وهل هناك أسر أشد مرارة وشراسة من أسر التقاليد والأعراف هذا؟ فلا تستطيع المرأة معه أن تعيش حياتها كما ينبغي ولا تتمكن من التعبير عن ذاتها وممارسة حريتها كإنسان كامل الحقوق الإنسانية. إنها المأساة التي يسلط الضوء عليها عبدالله خليفة ببراعة وحذق، وكأنما يحث بذلك مجتمعه كله على أن ينهي هذه المأساة وأن يحل قضية المرأة ككل، مخلصاً إياها من كل ما يحول بينها وبين الحياة الحرة الكريمة، ويحررها من كل قيودها لتنطلق في فضاء الحياة صنواً للرجل تعمل معه يداً بيد وتبني الحياة والمستقبل معه جنباً إلى جنب دون تفرقة أو تمييز، بل بكل ما لها، كإنسان، من حق في الحرية والمساواة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
- كاتب وأديب سوري
جماليات المكان في مجموعة «سيد الضريح»
زينب جلولي *

قصة «سيد الضريح» من المجموعة التي تحمل نفس العنوان لــ عبدالله خليفة:
يعالج القاص عبدالله خليفة في هذه القصة مسألة اختفاء سيد الضريح ، والذي خرج من قبره لأنه ما عاد يحتمل ما يجري من مظاهر وطقوس مثيرة للاستغراب والاشمئزاز، فيجد خارج هذا الضريح حياة مغايرة لتلك التي يعرفها والتي عاشها في الضريح، ومن ثم تبدأ مهمة البحث عن هذا الكهل التي تتولاها السلطة في البلد، ولكن هذا الكهل هو مجهول الملامح. والصفات التي وُجدت في اللوحة التي صورها الرسام ، والصفات تنطبق على العديد من الأشخاص، وقد اهتمت السلطة بإلقاء القبض عليه لأنه في نظرهم خارج عن القانون ، ذلك لأنه خرج من مقره دون إشعار … والملفت للغرابة أن نفس الظاهرة تحدث في أضرحة أخرى في البلاد ، وينتشر الخبر المرعب كالصاعقة في جميع الأنحاء ، مما يجعل مهمة الإمام مستحيلة في إقناع الناس بوهمية وجود سيد الضريح .
ومما يزيد العرقلة لعملية البحث هو ادعاء كثيرين أنهم سادة الضريح، مما يجعل السلطة تستقر عند حل واحد، هو الإتيان بذلك الكهل الذي زعم أنه خرج من الضريح وإعادته إلى الضريح وإعادة بنائه كما كان ، وأن يشاع خبر إيجاده حتى تسترجع البلاد عافيتها من هذا الجنون، في حين يبقى البحث عن سيد الضريح الحقيقي مستمراً في ظل احتمال استحالة العثور عليه.
سيمياء العنوان
إن التساؤل الذي يشرع لنا طرحه في هذا المضمار، هو هل كان الكاتب عبدالله خليفة موفقاً في اختيار ( سيد الضريح ) عنواناً للقصة؟ أو بعبارة أخرى، هل قام العنوان بوظيفته البنائية المتمثلة في استفزاز واستدراج القارئ إلى الولوج إلى عمق النص؟
فأول مدخل للنص يكون عن طريق العنوان الذي ألفيته من حيث تركيبته اللغوية يتكون من أسمين، الثاني منهما مسند إلى الأول، وبذلك يكتمل تعريف الأول (سيد) بإضافة الثاني (الضريح)، أي (سيد الضريح). وكلمة (سيد) كما هو شائع تطلق عادةً أو تستعمل تسميةً لأشخاص معينين تخصيصاً لمكانتهم سواء كانت اجتماعية ، سياسية، … كما أن الضريح هو المكان الذي يحتوي الإنسان ، بعد مماته وهو قبرٌ لكن ليس عادياً ، فهو متميزٌ بارتفاعه وشكله وأحياناً تعلوه قبة، وذلك لمكانة صاحبه في النفوس ، ولهذا نجد هذه الإضافة بين سيد والضريح متلائمة ومتناسبة، وهي في عمقها تؤكد لنا إمكانية إضافة الإنسان للمكان بعد أن أضحى المكان في علاقة جدلية مع الإنسان، فهو يحتويه منذ أن يتخذه من رحم أمه مكاناً وفي حياته اليومية إلى قبره الذي هو مكانه الأخير في الدنيا.
ومن جهة أخرى فقد أصبحت هذه العلاقة، في القصة، علاقة فاعلية أي أن لضريح أضحى مؤثراً في الشخصية، بحيث يلفظها لتنتقل إلى خارجه وبهذا يتشكل الحدث في القصة وينتهي عنده .
فالقصة إذن تنطلق بدايةً من عنوان يحملُ دلالةً مكانية متنوعة وبلغة مكانية، ويمتدُ هذا التركيز المكاني إلى القصة وأحداثها وحركة شخصياتها وبهذا يصبحُ العنوانُ بوابة النص.
شعرية القص في قصة «سيد الضريح»
إذا كان (تفاعل العناصر المكانية وتضادها يشكلان بعداً جمالياً من أبعاد النص الأدبي) (1)، فالجمالية هي (بحث عن نسق العناصر المكونة للظاهرة لبيان الوظيفة التي تقوم بها داخل العمل الأدبي بشكل عام) (2).
والشعرية ببساطة هي رؤيا تعتمد فلسفة متداخلة بالجمال وهي تلك التي ينتجها المتلقي في تعامله الجاد مع عناصر العمل الأدبي ، بحيث تصبح اللغة وسيلة وغاية في حد ذاتها .
كما أنه بعد تعمق في بنية، القصة لاحظنا اشتراك عناصرها وتداخلها وتفاعلها وهذا ما أضفى على النص شاعرية ومن أولى هذه العناصر:
شعرية المكان
الأمكنة عموماً في «سيد الضريح»، عناق بين الواقع والأسطورة والطابع الخرافي ، حيث يتأرجح القاصُ في وصفه للمكان بين الواقعية والعجائبية ثم أمكنة واقعية وهذا امتثالاً لتكسير رتابة الأحداث المكانية كما هو معروف في القصة الكلاسيكية، فنجد القاصَ يضفي على الضريح أبعاداً أسطورية جعلته يسمو إلى مستوى شاعري فني، حيث يبدأ بوصف الضريح كما في الواقع ليشوش أبعاده فيما بعد بأوصاف أسطورية وبلغة مراوغة ستوقف حيرة القارئ .
وهذا ماثل في قوله :
«أجسادٌ متلاصقة، أطفالٌ وشيوخٌ ونساء ورجال هم شبه عراة والضريح بقبته الكبيرة يحدق بهم ، بأطره الذهبية الواسعة وعيونه الخرزية الكثيفة المثيرة ».
وهو وصفٌ ينمُ عن جوٍ محزن يسودهُ صمتٌ رهيب وهو أشبه بمشهد كارثي إنساني، جاء بلغة عادية بسيطة لعلها تمهيد لتخفيف صدمة القارئ بذلك الوصف العجائبي فيما بعد ، حين يغوصُ بنا في اللاواقع الذي يستفزنا:
“بغتة تنشقُ القبة، المعدنُ الصلب انصهر أولاً، وأخذت الأحجارُ التي تكلست منذ قرون تتصدع وانهارت كتلةٌ … ومن الغبار والعتمة والنار وظهر رجلٌ كهلٌ تطلع بخوفٍ إلى زواره .. نزل بهدوء وغياب وحزن”. وهي عبارةٌ تحيلنا إلى أسطورة البعث تفنن القاصُ في تشكيلها وتوظيفها، حيث يعيدُ تكوين هذا الكهل من الغبار والعتمة والنار ويبعثه من جديد، وقد تسنى للقاص هذا الوصفَ الغرائبي عن طريق الألفاظ والاستعارات (التي تقوم لدى الأديب مقام الألوان لدى الرسام والنغم لدى الموسيقي)
كذلك في وصف القاص لمكان شعري آخر لا يقل عن سابقه في قوله:
«صاح طفلٌ قرب قدمه. مضغةٌ صغيرة من لحم متوارٍ وعظم بارز». وأيضاً «يبكي من هذا الخلود في حمم البشر، يسبح في برك الأعضاء والعيون إلى ما لا نهاية له من اللحم والنار»، فهناك أمكنةٌ أسطورية ابتدعها خيالُ القاص جعلتنا أمام مشاهد ميتافيزيقية سريالية، بصيغة درامية تبعث الأسى والذي تعانيه الشخصية ذاتها .
ولتعميق الصدمة في نفس القارئ، فالقاص يتجهُ إلى تفاصيل هذا المكان الذي أضحى أسطورياً:
«في العتمة الطويلة . . إلى النهر الصاخب من الدموع . . كتل من العظم الأنثوي الذي تــُغرز فيه الحممُ. . قطعٌ من أكباد الأطفال تشوى تحت أنفه . . ولا تستطيع سحبُ البخور أن تدهس رائحة اللحم البشري المحروق . . وأثداء النسوة التي تنغرزُ فيه السجائر والأسنان والإبر . . ».
فهذه الأوصاف التي أضفاها القاصُ على المكان أي الضريح مثيرة للغرابة والدهشة لدى القارئ الموهوم بالواقع والتاريخ وذلك بمعناها أولاً، وبالتركيب اللغوي ثانياً، والذي تخلخلت فيه العلاقة بين الألفاظ ومدلولاتها، والأسماء بأفعالها، وهذه هي عدة الشعرية.
وفي تكسير لمحدودية المكان، نجد القاصَ ينتقل بالشخصية «سيد الضريح» إلى الشارع:
«كان الشارع المعتم البارد ينفجر فيه دوي السيارات المندفعة . . حدق في الأجساد الحديدية الضوئية بذهول». وهذا الانتقال في الأمكنة أدى إلى تكسير نمطية الحدث فيما بعد. وهذا كان ظاهراً حتى من حيث شكل القصة على مستوى ترتيب المقاطع الذي سببه اللاتسلسل في الأحداث وهو سمة القصة الجديدة.
ونلاحظ أن القاص يتجنب المباشرة في وصف ملامح المدينة ومقتضيات العصر، هذا العصر الذي طغت فيه الماديات. . وكأن القاصَ من خلال أسلوبه هذا في الوصف مستاء من الوضع هناك. وقد تكرر ذلك في كثير من المقاطع «يتنازعون القطع الصفراء . .»، و«رآه يتحدث في شيء صغير أسود»، و«كانت الباصات المشحونة تقذف بشراً كالنمل في الميدان وتطلق سحابات من دخان موجع . . نزل رجالٌ بملابس متشابهة يصفرون ويحدقون بأضواء طويلة حادة . . ويضربون بعصي طويلة، ووجد نفسه يتسلل إلى أزقة طويلة كجحور الفئران والأرانب . . ». وكأن القاصَ في تعبيراته هذه عن خصوصيات المدينة يتجاهلها بعدم ذكر أسمائها المتداولة في هذا العصر . ومن جهة أخرى فقد كان لهذا الأسلوب أثر على اللغة بحيث اتسعت الدلالة وتركت أثراً جمالياً على النص . وهذا النشوز من المدينة المعاصرة الذي نلتمسه عند عبدالله خليفة يعلق أحد النقاد بأن (عبدالله خليفة يسترسل في تأمل مجتمع ما قبل النفط ويقارنه بالتطورات الحاصلة بعد اكتشافه ويربط ذلك كله بأزمة القيم الأصيلة في هذا المجتمع المتغير)(3).
وقد ورد في القصة تسميات الشارع، المكتبة، الباصات، الأزقة، الحواري، الجدران . . استطاع القاصُ توظيفها بطريقة فنية هادفة في صيرورة الأحداث وحركة الشخصيات كما (أن التعبير بأطر المكان عن هندسة المدينة (شوارع، جدران) هو تعبير عن إشكالية حضارية صميميه ووجودية مؤلمة تضربُ بأطنابها في صميم الواقع النفسي والمادي للإنسان المعاصر، فتخلخل علاقته بالمكان ويصبح أكثر مأساوية).
وهذا ما يجعل القاص – في محاولة الابتعاد عن السطحي – يتجاهل أشياء المدينة وأطرها بإعطائها أوصافها دون أسمائها. وتعميقاً لمأساوية الواقع بأبعاده المختلفة، قام القاص باستعارة تاريخية تمثلت في توظيف شخصية لا تبت بصلة لهذا العصر بزمانه ومكانه، وتتجلى هذه المأساة اكثر حين تدرك الشخصيةُ المستعارةُ هذه التناقضات من حولها، فالقاصُ يتعمدُ في تحميل هذه الشخصية حالة نفسية صعبة على أثر انتقالها إلى مكان آخر وزمان آخرين.
وفي هذا النص تبرز قيمة التقاطبات المكانية – كما اسماها «يوري لوتمان» – بشكل واضح، فهي تقنية يوظفها القاصُ في الكشف عن الدلالات المتعددة في النص الذي يتعامل مع المكان، وهي تساعد القارئ في مهمة البحث عن شاعريته (المكان) وجماليته المستترة وراء اللغة.
فالملاحظ أن هذه التقاطبات تــُضفي مسحة جمالية على النص الذي بات لا يستغني عنها لتوضيح أهمية المكان فيه ووظيفته.
ومن خلال حركية هذه المتناقضات المكانية نستطيع التعرف إلى كيفية بناء المبدع للنص، وكذلك فهو لا يصوغها اعتباطاً وإنما هي مقصودة لتحيلنا إلى أبعاد دلالية لا حصر لها وبالتالي تدفعنا إلى إعادة تأويل المكان، ونجد في النص أمثلة كثيرة:
ثنائية الانغلاق / الانفتاح
الانغلاق في الحيز المكاني يبرزُ في:
الضريح: وهو مكان منغلق أشبه بالسجن وهو يقيدُ حرية الشخصية «سيد الضريح» ويحدد حركته بجدرانه، وبذلك يصبح مكاناً لا يشجع على البقاء والاستقرار. وهذا ماثل في قوله: «أرجوك هد هذا الضريح عليّ، دعني أموتُ ولو مرة واحدة . .».
وأيضاً في: «وهو محبوس بين الجدران والظلمات كان يتعفنُ وينشرهُ الحزن ُ. . ». وبذلك فالضريح مكان منغلق ومن هذا المنحى – تظهر العلاقةُ بين الإنسان والمكان بوصفها علاقة جدلية بين المكان والحرية، لأن الحرية (هي مجموع الأفعال التي يستطيعُ الإنسان أن يقوم بها دون أن يصطدم بحواجز أو عقبات، أي يقوم بقوى ناتجة عن الوسط الخارجي من لا يقدر على قهرها أو تجاوزها)، (4).
فهو مكان مثير للقلق والضجر وهذا ما يظهر جلياً في قوله: «لا أعرف كيف سجنتموني بين هذه الجدران . . »، وبالتالي يصبح الضريح سجناً – كما سبق الإشارة إليه – مقيداً لحركة البطل وقمعاً لرغباته .
القاعة البلاطية: وهي مكان منغلق يحملُ في طياته الداخل الذي يحيل إلى الخارج وهي ذات السقوف الواسعة اللامعة والأعمدة الهائلة، وهي تضم مجموعةَ البشر على اختلافهم (نساء، أطفال، رجال . .) وهي تدل على الاتساع لاحتوائها ما سبق ذكره .
البوابة: وهي تحملُ جدل الداخل / الخارج، أي المكان المغلق الذي يحيل على المكان المنفتح، وقد تجلى دورها في القصة كونها الوسيط الذي ولجت من خلاله الشخصية «سيد الضريح» إلى العالم الخارجي إلى الشارع .
الشارع: وهو مكان منفتح، تكثرُ فيه الحركة، وهو رمز للحرية والانفراج «والآن يعود للحرية ويشعر بطاقة عظيمة قادرة على الفعل وانفتاح كبير على الفرح»، فالشارع مضاد تماماً للضريح، بحيث يطلق العنان للشخصية في حرية تحركها وانفراج أزمتها النفسية التي عانتها في ذلك المكان، بحيث يشعرُ بالفرح بعدما كان يغمرها الحزنُ والضجر من سوء المصير.
الرصيف: وقد ورد ذكره في النص بطريقة وصف غير مباشر «ثمة طريق مبلط يمشي عليه المارةُ، سار هو عليه أيضاً . .»، لم يكن له دور فعال في القصة، وإن كان من ناحية أخرى يرمزُ إلى ضياع الشخصية في عالم لا تعرف عنه الكثير، وهو بذلك مجال مفتوح تنبعثُ من الحرية .
الظلام / النور: هذه الثنائية كانت الطابع السائد في القصة منذ بدايتها إلى نهايتها وقد ورد ذكرها صراحة في كثير من المواقف.
فالظلام: يستقطب جميع تلك المناظر والظواهر المثيرة للحزن والاشمئزاز والتي صنعتها الأمكنة المنغلقة كالضريح، الذي تملؤه العتمة والظلام – والكهف الذي يملأه الدم والأسمال والدموع والأرواح المعذبة وجثث البحارة الغرقى والعمال المحروقين . .
ودلالات الظلام تتمثل في تلك المظاهر التي تحمل في طياتها معاني الموت (حمم البشر، الجنازات، الأنين، الدمع، الروائح، الحزن . .) ومعاني المرض والغضب والألم والمصير المجهول الذي عرفته الشخصية «سيد الضريح» ومعاناته طوال أحداث القصة، وفي مقابل ذلك نجد:
النور: الذي يستقطب كل مظاهر ومعاني الانفراج والحرية والحياة والانبعاث والميلاد والضوء والسعادة وقد تجلى بوضوح في القصة (الذهب المتناثر، النار، اللؤلؤ، النهار، الاستمتاع بضوء الشتاء، القلوب الوردية، المياه، الكنوز، الراحة، الهدوء، الصلوات بين الأضواء والتلال . .) وهذه الثنائيات المكانية المتضادة لم تلغ بعضها وإنما تكاملت فيما بينها لكي تقدم لنا المفاهيم العامة التي تساعدنا على فهم كيفية تنظيم واستغلال المادة المكانية في القصة . وبذلك يظهر دور المكان واضحاً في تجسيد الصراع والتناقضات داخل الشخصية.
العلو / التدني:
القبة: وهي تمثل الارتفاع، فقد وضعت على الضريح تميزاً له، وهي ترمز للسمو والترفع الأخلاقي والاجتماعي، في مقابل هذا نجد معاني التدني والانحطاط الذي جسده القاصُ في أماكن الانبساط والانخفاض أي في الشارع والذي هو جزء من المدينة، والتي تبدلت فيها القيمُ الإنسانية كما نقلت لنا ذلك شخصية «سيد الضريح».
علاقة المكان بالشخصية:
نجد من خلال تلك الأوصاف التي خلعها القاصُ على الأمكنة خاصة الرئيسية منها للحدث، فقد كان لا يهدف من ورائها إلى تصوير المكان وتقريبه إلى ذهن القارئ، بل كان يقصدُ إلى تجسيد الحالة النفسية المتأزمة غالباً للشخصية الرئيسية وهذا الاهتمام جعل القاص يصوغُ المكنة وفقاً لهذه الحالة، وذلك بما احتواه هذا المكان من أشياء وظواهر تنمُ عن أحاسيس الشخصية ومشاعرها التي تنوعت بين الحزن والغربة والخوف والفرح والاستغراب أحياناً والدهشة. .
فالمكان كان مؤثراً أساسياً في الشخصية حيث نجدهُ يحدد حركته ويطوق حريته في الضريح ويبعثُ على إثارة مشاعر الحزن و الاشمئزاز والضجر مما يجري هناك من طقوس. . إلى الشارع الذي يشعرها بالفرح والحرية والانفتاح.
والملاحظ أن تواجد الشخصية في مكان غير مكانها وزمان غير زمانها وذلك بسبب الاستعارة التاريخية التي التجأ إليها القاص حيث بعث هذه الشخصية من جديد بجميع أبعادها وجوانبها، إلى عالم آخر شبيه بعالمنا الحالي.
ولهذا نشأت تناقضات نفسية داخل الشخصية أفرزتها تلك التناقضات بين عالمها الماضي والعالم الحاضر.
ويظهر أن القاصَ يميلُ إلى التجريب في رؤية المرحلة التاريخية، وحركة الواقع مما يؤثر أحياناً على وحدة التأثير، واتساق الدلالة، غير أنه يعوض عن نزعة التجريب ونهج التبسيط بشاعرية لطيفة ولغة تعبيرية عذبة، لصالح نبض إنساني دافئ لا يخفى على القارئ.
الخوف من المكان: لأن الشخصية الرئيسية وخاصة أنها من زمن ومكان آخرين تعاين المكان باستغراب، وشعور خوف حاد، ربما لهذا مبررات منها سذاجة البيئة التي تعرفها وبساطتها، وعجائبية المكان الآخر، وغرابته وطرافته أحياناً، وهذا ما يظهر في القصة: “نظر في الأجساد الحديدية بذهول، سمع كلاماً غريباً وراءه . . التفت فوجد إنساناً ذا ملابس غريبة، ثمة قطع حديدية على كتفه . . الآخر يحدق فيه كذلك باندهاش”. وغيرها من الأمثلة التي تثبت أن المكان كان مؤثراً رئيسياً في الشخصيات وتناقضاته أدت إلى تناقضات داخله فأصبحت واقعة تحت صدمة واقع مدهش وغريب، ولذلك فحس الضياع بقى ملازماً له ما دامت ملازمة لهذا المكان، الذي تجهل معالمه، وما دامت غير مدركة له سواءاً كان ذلك في الضريح أو خارجه (الشوارع والأزقة)، وكل ما يحيط بالبطل غريب عنه، وتجلى حسُ الضياع في ذلك الحوار الداخلي، الذي أجرته الشخصية مع ذاتها: “ماذا فعلت بنفسك؟ لا سكن ولا طعام ولا لباس، عار كذاتك، كروحك المباعة عبر القرون . . كنت في العزلة الحجرية ملكاً والآن عليك أن تبحث عن كسرة خبز”، وفي قوله أيضاً: “فوجد نفسه يتسلل إلى أزقة كجحور الفئران والأرانب وقد امتلأت بمياه المطر، ووجد المسجد مغلقاً”. وهذا دليل على أهمية المكان بالنسبة للإنسان كما أنه هو الذي رسم ملامح الشخصية، وبرر سلوكها، فكونها لا تعرف المكان الجديد عليها أي المدينة أصبحت غريبة وتخلخلت علاقتها به، فأصبحت أكثر مأساوية، وكبرت هذه المأساة عندما تجد الشخصية ذات الأصول القديمة نفسها متورطة في عالم آخر، كل ما فيه مخالف لعالمها الأول، «ووقف تحت عمارة كبيرة، رأى سلعاً غريبة . .». وهكذا نلاحظ أنه يعاني الاغتراب في هذا العالم الجديد، ويحاول القاصُ أن يوسع الهوة بين الشخصية وهذا العالم بذكر تفاصيله: «نزل رجالٌ بملابس متشابهة ويصفرون ويحدقون بأضواء طويلة حادة . . ».
مكان الحضور والغياب (الهنا والهناك)
يتجسد استحضار شخصية البطل لماضيه وهو في الصحراء، وهو مكان يبدو أكثر تغلغلاً في بواطنه، وهذا الاستدعاء لمكان (الهناك) نتيجة الحالة النفسية المتأزمة بسبب مكان (الهنا) الذي هن الضريح. ولهذا نجد الهناك وهو مكان الذكريات التي استدعاها البطل كمخلص تلتجئ إليه الذات للهروب من أزمتها.
والملاحظ أن انتقال الشخصية من مكان إلى آخر، يرافقه تغير في الأحاسيس والمشاعر، كما أن المكان عموماً هو الذي أكسبه أبعاده المختلفة. وقد تجلى مكان الذكريات (الهناك) في كثير من المقاطع «طفولته التي عانى فيها كثيراً من رعي الأغنام وضرب الأولاد . . ومسيرته في الصحراء يقود جماعة مهلهلة . . حضر كل جنازة صعبة، وشارك في الحروب المريرة . . يحتمل كل شيء سوى أجساد الأطفال التي تحشر قرب قدميه مشوهة بالفحم والأسنان». . رغم معاناة الشخصية في زمانها ومكانها السابقين إلا أنه لا يفوق معاناته في المكان الحالي الذي تعيش فيه ومن هنا تجلى الزمن باعتباره تاريخ الشخصية، ثم يظهر مرتبطاً بالتطور الذي عرفته المدينة فيما بعد، «ما هذه الملابس العجيبة هل تمثل ، لكنني لا أرى آلات تصوير؟».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- المركز الجامع يبشار ــ معهد اللغة العربية وآدابها
الجزائر
(1): من مقدمة كتاب جماليات المكان ، ص 03 ) .
(2): أحمد طاهر حسنين، جمالية المكان، جماعة من الباحثين، عيون المقالات، الدار البيضاء، ط2، 1988، ص 21 .
(3):عبدالله أبوهيف ، مجلة الراوي ، ص 13.
(4):سيزا قاسم دراز، المكان ودلالته، ص 59 نقلاًعن حبيب مونسي، فلسفة المكان في الشعر المعاصر ص 94– 95).
الماء والنار وما بينهما ..
كتب : هدية حسين

من معاناة الفقراء اليومية، من احلامهم المستحيلة وخوفهم المستديم، من قهرهم وانسحاقهم يقدم لنا الروائي البحريني عبدالله خليفة اغنية الماء والنار ويعرض علينا موضوعته ببساطة تناسب بساطة شخصياته، وهي بساطة الروائي المحترف الذي يذكرنا دوماً بما نسيناه او ما تناسيناه في خضم الركض وراء سراب الحياة، يذكرنا باولئك الناس الذين ما يزالون يشكلون النسبة الاكبر على هذا الكوكب، تلك النسبة التي تعيش بصدام لا ينتهي وهي تقف على حافة مسننة من هامش ضيق من الحياة، تأتي الى الدنيا وتشقى ثم تمضي منها دون ان تحقق ما تصبو اليه .. انها فوضى الحياة التي تأخذ منهم ولا تعطيهم ما يستحقون، ويأخذ آخرون اكثر بكثير دون ان يعطوا شيئاً .. هذه هي المعادلة المختلة التي تقوم عليها حياتنا والتي لم تستقم ابداً منذ بدء الخليقة .. ومنها انبثقت رواية اغنية الماء والنار الصراع الدائم بين الاغنياء والفقراء.
تنطلق الرواية من حي فقير جداً يعيش سكانه في اكواخ وبيوت وعشش من التنك والصفيح، تمتلك ارضه سيدة تسكن بعيداً عن الاكواخ في بيت حجري، سيدة لها سطوة وجاه تصل الى المتنفذين من سلك الشرطة، وبيتها هو الوحيد الذي تصله الكهرباء في ذلك المكان، بينما الحي بأكمله يعيش في ظلام دامس في الليل، ويقال عن هذه المرأة بأنها اميرة الاميرات ولها حرس وخادمات.
يتغلغل عبدالله خليفة في مفاصل هذا الحي ليكشف لنا نمط العلاقات السائدة والمعاناة التي يعيشها الناس والتي تكاد تكون زادهم اليومي.

الشخصية الرئيسية في العمل منحها الروائي لشاب يعمل في السقاية يدعى راشد .. فهو المسؤول عن ايصال المياه الى البيوت .. حياة هذا الشاب اكثر من بسيطة، يعيش في كوخ هو كل ما يملكه . هو شخصية مرحة معظم الوقت، يحكي الحكايات لاطفال الحي ويشاكس النساء احياناً .. في الليل حيث يأوي سنعرف ان لراشد وجهاً آخر، فهو يحلم بالزواج من زهرة احدى بنات الحي، يتمنى ان يعيش معها في بيت حجري وينجب الكثير من الاولاد، وزهرة هذه لا تشبه الاخريات اللواتي يداوينه اذا جرحت قدماه، ويضحكن له اذا قص عليهن طرفة، ويسألن عنه اذا تأخر .. انها تغلق الباب دونه، وتحتقره وتشيح عنه اذا مر بالقرب منها، بينما تضحك لصديقه جابر وتقف معه طويلاً عند الباب .. وسنعرف انهما – زهرة وجابر – على علاقة سرية ستكشفها الايام.
لكن احلام راشد لا تقف عند زهرة .. فلطالما ود ان يرى اميرة الاميرات، وتحقق له ذلك ذات صباح حين رأى سيارتها تنتظر قرب بوابة قصرها، ومنذ تلك اللحظة كره الحياة التي وجد نفسه عليها، كره حياة الفقر والعمل المضني في حمل الماء، وكره الكوخ البائس الذي يحتوي جسده المتعب في الليل .. لكنه كان يهرب من هذا الواقع الى الاحلام، وكان من شأن الذين كان يقص عليهم القصص، وعن النساء اللواتي لا يجد فيهن ما يأخذه الى مغامرة كتلك التي تحققها له اميرة الاميرات في احلامه والتي تاخذه الى بيت تلك السيدة فيرى نفسه وقد اضاء مصابيح بيتها واطل من نوافذها العالية على الاكواخ البائسة .. بل اخذته احلامه اكثر من ذلك فوجد نفسه على فراشها الوثير المضمخ بماء الورد .. لقد خرجت احلامه عن نطاق احلام الفقراء، وصار عليه ان يسعى الى ذلك البيت الحجري بأية طريقة.
كان اهل الحي يسمونه ملك الماء ذلك ان مهنته لا تبور طالما بقيت الاكواخ غير مشمولة بمد انابيب الماء الصافي .. ومع ذلك فان هذه المهنة لا توفر له اكثر من قوت يومه .. يأكل القليل ويهرب الى احدى الخمارات لعله ينسى بؤس يومه.
وعبر رحلة راشد على ارض الواقع وفي طيات الاحلام يلقي عبدالله خليفة الضوء شيئاً فشيئاً على شخصياته، زاد رحلته في هذه الرواية التي صدرت ضمن اربع روايات عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2004. فهناك جابر صديق راشد، وهو شاب يعيل اسرة كبيرة متكونة من ام واب واخوة مما يعيق علاقته بزهرة ويحجم عن الزواج منها بسبب ضيق ذات اليد .. وسنقف على اكثر من محطة في حياة هذين العاشقين بالتوازي والتقاطع ايضاً مع احلام راشد ومعاناته.
ذات ليلة كان القمر فيها يمر بحالة خسوف، خرج الناس حاملين الاواني للطرق عليها لعل الحوتة التي ابتلعت القمر ترأف به وتخرجه من فمها المرعب، وكان راشد يمشي في تلك الليلة على غير هدى حين سمع همساً ولمح ظلال امرأة ورجل ظن للوهلة الاولى انهما زهرة وجابر .. وقد حالت ضجة الناس وطغت على المشهد حتى صرخ بهم ليخبرهم ان ما يحدث للقمر ما هو الا بسبب هذا الفعل الشائن.. واسرع والناس من ورائه باحثاً عنهما .. الا انه لم يجد شيئاً وانما ابتلعته احدى الحفر في ظلام الليل، ولم يسمع الا الضحك منه وعليه، واصيب بجروح ورضوض .. ولكن ما آلمه اكثر هو تأنيب الضمير لأنه لم يكن متأكداً مما رآه، فهل يا ترى كان اشكالاً بصرياً تساوق مع افكاره المريضة؟ مهما يكن فقد شعر بالالم لعجزه ولتفاهة حياته وخلوها من الدفء والحب.
ثمة انتقالات انسيابية بين البيت الحجري وما يجري فيه، وحياة الفقراء في الاكواخ والصرائف .. في ذلك البيت تقرر السيدة طرد سائقها العجوز، وكانت المصادفة قد وضعت راشد امامها حين جلب لها الماء، فاقترحت عليه ان يعمل لديها وسوف يتدرب على السياقة .. ها هو الحلم يحلق به عالياً، لطالما تمنى رؤيتها والآن يصبح قريباً منها.
وخلال ايام قليلة قاد السيارة، والمرآة الحلم تجلس في المقعد الخلفي، انه يثرثر معها فتصده بسرعة، ليس هذا مهماً، انه يطمع بامتلاكها وففي اسرارها التي جعلتها غامضة ومهابة الى هذا الحد.
لقد تغير كل شيء فيه، صار نظيفاً وصارت الفتيات قرب يديه، يفتحن له الابواب ويبدين اعجابهن به، بل حتى زهرة اصبحت تنظر اليه بفضول واعجاب .. لكنه لم يصل بعد الى ما يصبو اليه، صارت احلامه تسبقه ويعجز عن اللحاق بها، فهو لم يستطع في الواقع ان يعرف السيدة او يقترب من زوايا البيت واسراره، في وقت فقد فيه الاصدقاء وجلسات الشاطىء وحكايات الاطفال .. وعلى طرف آخر يمضي صديقه جابر في علاقته السرية بزهرة .. لقاءات مسروقة بعيداً عن الانظار .. هي تحبه ولكنه مكبّل بأسرته، وحين تخبره ان رجلاً غنياً تقدم لخطبتها تداهمه فرحة خفية ليزاح العبء عنه .. وقد حدث الامر فعلاً ذات يوم عندما تعالت الزغاريد في بيت زهرة، لكن ما ان آلت الامور الى ذلك حتى شعر بالندم واكتشف ان علاقته بها ليست عابرة وانه يحبها فعلاً.
كل يمضي الى حلمه بطريقة مغايرة، وقد تأتي الاحلام باكثر مما يتمنى المرء وها هي السيدة تطلب من راشد دخول غرفة نومها .. اعطته دفتراً كان بحوزة السائق السابق وامرته ان يجمع لها ايجارات البيوت .. لقد ارتفعت منزلته وخيّل اليه بأنه اصبح قاب قوسين من الشمس .. ولكنه حين راح يدور على الابواب واجهه الكثر بضيق الحال وقلة المورد .. ماذا يفعل؟ انه لم يعد ذلك الشاب البائس الذي يحمل الصفائح وينقل الماء مثيراً ضحك الاطفال، انه الآن بوجه رجولي صلب وينام على سرير فخم ولا بد لشخصيته ان تتغير .. وتغير فعلاً، صار يعامل الناس بفظاظة، ولا يترك الابواب الا بعد استحصال الايجارات، فالمهم لديه هو رضا السيدة التي قلبت حياته رأساً على عقب، والوصول الى حلمه الى اقصى المديات .. وها هي تناديه للصعود الى الطابق العلوي الذي لم يكن مسموحاً له ان يتخطى عتباته، ليس مهماً ماذا تريد منه، قد تستخدمه جمراً للمباخر او فحماً للمواقد .. صعد السلم بهواجس كثيرة لا تستقر على شيء، وحين وصل احس بأن الاضواء التي تحيط المكان قد انطفأت فهوى الى الارض لا يدري بالتأكيد هل رأى السيدة في حضن رجل ام تراءى ذلك، كل ما يدريه ان السيدة صرفته حين احست بتعبه .. ومضى الى البيت مستغرقاً في نوم عميق لم يصح منه الا بعد ايام كانت فيها السيدة قد تزوجت من رجل ثري يدعى خليفة، وفي هذا الوقت بالذات كان صديقه جابر ينتظر في مكان ما زهرة التي شكلت له في آخر مرة رآها فيها ما تعانيه من زوجها التاجر .. كان ذلك اللقاء قد وضع حداً لعلاقتهما اذ لم تعد زهرة تلك المرأة التي احبها .. لقد تخلت عن براءتها ودون خجل تعرت امامه فبدت امرأة مبتذلة على نحو مريع ..
.. وانهارت ايضاً بعد ايام علاقة الزواج بين السيدة وزوجها خليفة، فاستغلت غيابه في رحلة صيد لتبعث بخادمتها الى راشد وتخبره بأنها تحبه وتريده فوراً.
لقد اصبحت المرأة المضيئة بين يديه، وسيأخذه الفرح الى حدود لا نهاية لها.
ولكنه افاق من حلمه وهو بين يديه، تطلب منه ان يحرق الاكواخ ليجبر الناس على الرحيل، وتستثمر الارض بطريقة افضل، وهنا يقع راشد في صراع مرير مع نفسه اذ كيف يتحول الى رجل شرير ويحرق بيوت الناس؟ واخيراً تغلب عنصر الشر وقاده الى صفيحة غاز وعلبة كبريت لتذهب الاكواخ الى النار ويذهب الفقراء الى مكان آخر، وتذهب ذكريات طفولته الى هباء منثور، الحياة الجديدة بانتظاره والمرأة الاميرة طوع اصابعه.
لقد برع الكاتب في لحظات الصراع التي عاشها راشد بين اقدام واحجام وهواجس واحلام ثم البحث عن مكان مناسب لاشعال الشرارة الاولى واستحالة الليل الى نهار وصرخات وعويل، كل يريد النجاة بنفسه من هذا الجحيم الذي اتى على الاكواخ والصرائف .. وهرب راشد باحثاً عن مكان يختبىء فيه فسقط في حفرة عميقة يتناهبه الخوف والحلم في وقت واحد .. الخوف من ان يفتضح امره .. والحلم بامتلاك السيدة التي سلمها كل شيء حتى جثث اهله وتحول من شاب طيب يحمل صفائح الماء ويغني ويحكي الحكايات للاطفال الى رجل شرير هارب لا يقوى على الخروج من الحفرة العميقة التي يسقط فيها .. لقد تذكر الآن وهو على هذه الحالة بأنه مر بثلاثة رجال عائدين من سهرتهم، كان احدهم صديقه جابر وقد رأوه وهو يحمل الصفيحة .. لا بد انهم الآن يبحثون عنه بعد ان تحول الحي كله الى رماد وبقايا اثاث متفحم وروائح غريبة ونساء مفجوعات ..
الشرطة التي وصلت اخيراً لم تفعل شيئاً حتى بعد ان اتهم راشد والسيدة بافتعال الحريق .. ولم يجد الفقراء من يساعدهم فساعدوا انفسهم .. بعد ايام قليلة جلبوا الواح الخشب والصفائح والتنك والسعف لتبدأ من جديد حركة بنيان الاكواخ .. لكن ضابط الشرطة المتواطىء مع السيدة جاءهم بأمر ازالة الاكواخ بقوة القانون .. ولأن الفقراء ليس لديهم ما يخسرونه فقد هاجوا ولعنوا وهجموا على الضابط ولم يستطع الا بصعوبة الخروج من تلك الزوبعة لتأتي بعد ذلك سيارات عسكرية وينهمر الرصاص من كل حدب وصوب على الغاضبين .. لكن ماذا يفعل الغضب والحجارة امام الآلات التي راحت تدك الاكواخ دكاً؟ تلك هي اغنية الماء والنار الاغنية الحزينة والنار التي لم يطفئها الماء .. وكأن عبدالله خليفة اذ وصل بنا الى هذه النهاية اراد ان يقول ان الفقير فقير والغني غني، واذا ما اختلت الامور فانها ابداً لن تكون في صالح الفقراء، برغم انه قادنا الى اعتقاد آخر وسحبنا الى احلام لن تتحقق على ارض الواقع.
- كاتبة عراقية مقيمة في عمان
لحن الشتاء وآفاق ربيع مفعم بالشجن
فريدة النقاش*

حالة كابوسيه للعالم تتكرر في اعمال القصاصين العرب من المحيط الى الخليج وتكتسب في كل بلد سمة خصوصية. تدخل في حالات تحول غير بشرية. وحيث تتشوه صورة العالم وتنقلب راسا على عقب في اعمال الجيل الجديد من القصاصين ويتأسس الكابوس في الواقع لا في الحلم ويتخذ صورة الاحتجاج البارد على التحول الوحشي في شكل الحياة.
اما الكابوس في قصص عبدالله خليفة فهو بوليسي الملامح مختزل الى مفردات شاسعة تدخل في سياق القصة ببراعة، وتصبح جزءا من نسيجها الحي، تضيء جنبات الحياة الصاخبة وتتبدى جزءا اصيلا من الصراع الضاري في كل تفصيلاتها.. الصراع الذي لا يهدأ ابدا.
من مجموعته «لحن الشتاء» سوف نلاحظ ان اختياره لعناوين قصصه التي تحمل هذه الاسماء «الغرباء» «الكلاب» «اغتيال»، «الملاذ»، «الصدى»، «الوحل»، «لحن الشتاء»، «القبر الكبير».. هو اخيار واع للغاية يحمل في ذاته رأيا وخلاصة.. في مواجهته مجموعة اخرى من الاسماء تحمل بدورها رأيا وخلاصة «حامل البرق»، «نجمة الخليج»، «السندباد»، «الطائر».. ولم تكن عناوين هذه القصص لتستوقفنا طويلا لولا ان صميم بنائها يقوم على ذلك التركيز التلغرافي الذي يكاد يحملها الى ساحة التجريد، ويفتح الباب واسعا للمقاربة بينها وبين قصص محمد المخزنجي ومصطفى حجاب ومحسن يونس في مصر حيث التشابه بين القصر والتكثيف البالغ للقصة من جهة، والغنى الداخلي الذي ينبثق من تركيب الجملة واختيار الكلمات ومركزية الواقعة من جهة اخرى.

قصة «الغرباء» تقع في ثلاث صفحات وتسقط من معمارها الاف التفاصيل ليحتشد موضوعها كله في تلك الواقعة المركزية وهي اغتصاب الغرباء لبيت الرجل وتواطؤ بعض اهله في تثبيت هذا الاغتصاب ومن قهر صاحب البيت وجره الى السجن، ويتم ذلك كله في مشهد كابوس يحيلنا مباشرة الى الواقع (الاغتصاب) في اوطاننا والى تواطؤ بعض ابناء جلدتنا في تمهيد الارض له دون ان يسوق الكاتب هذا المعنى من موعظة او اشارة مباشرة للواقع او تعليق منه.. ولكنه يسوق تعبيرا يبدو بريئا وعرضيا للغاية حين يقول: «بعد لحظات كان عدة اطفال صغار يتدافعون الى منزلي، اقصد المنزل». يحمل هذا التصميم والتعريف للمنزل المعنى الابعد والاعمق من الاغتصاب الاني ومن الحدوته، ويستكمل هذا المعنى بعده وعقبه حين يتواصل المقطع قائلا:«وقفوا امامي بدت الدهشة على وجوههم. كأنهم يشاهدون هنديا احمر».
يستدعي مشهد الهندي الاحمر في صلته الوثيقة (بتعميم)، (المنزل) وتعريفه كل اشكال الاستئصال التي عرفها التاريخ وعمليات الابادة التي تعرض لها البشر من قبل وما زالوا يتعرضون لها. وذلك دون ان يستخدم الكاتب مفردات محددة تحمل هذه المعاني او تدل عليها ويستكمل هذا المشهد المعنى الاكثر شمولا لفكرة الاغتصاب التي تدل عليها الواقعة.. اذ يتجاوز حدود الوطن ليحظى بعالميته دون ان يقدم خطبة سياسية.. حيث يقف صاحب الدار رمزا بريئا لكل المضطهدين والمهانين والذين اغتصبت ارضهم.
يتسع عالم عبدالله خليفة لمحنة الطليعة التي تنطح رأسها في صخر الوعي الزائف وغيبة الجماهير وبؤسها والحصار المضروب حولها.
كانت باريس رائعة، عرض عليه العمل فيها، لكنه رفض وشرح لهم عن ارضه الصغيرة. ضحكوا عليه لانهم لم يروها عندما بحثوا عنها طويلا، وعندما حدثهم عن قراها واطفالها ونسائها تحولت الضحكات الى وجوم حزن عميقين.
هكذا يقول الفتى العائد الذي اختار بؤس شعبه بديلا لألق العاصمة العالمية وافاقها التي لا تحد.. ليقف رغم كل شيء مع هؤلاء الذين «يغطون في سبات عميق» في هذه القصة «هكذا تكلم عبدالمولى» نتبين طبيعة القوى الرجعية التي تسوق الناس الى الوراء ورنة الاسى العميق والشجن الخالص وفقدان الصبر الرومانتيكي لدى هؤلاء الذين يسعون لكي يفتحوا للناس باب التقدم الطويل..
يقول الصديق لصديقه القادم من باريس بعد ان اصطدم المرة تلو المرة بجدار الزيف والصمت «انهم لا يرفضوننا ولكن هناك اصحاب مصلحة يدفعونهم لرفضنا. خلفان وعبدالمولى يدفعان لذلك. هل تحسب تغيير الواقع نزهة خلوية..؟».
ورغم ان مهنة المثقف الطليعي الذي عرف الحضارة الاوربية وتملك جوهرها وعاد مع ذلك الى وطنه المتخلف تأتي هنا في سياق جديد. يتسق مع الحساسية المعاصرة عامة التي تحمل طابع الحدة والتمايز الشديد في الخطوط والمواقف فأنها تعيد الى الاذهان على التوحيدة طبيب «قنديل ام هاشم» ليحيى حقي الذي عاد بدوره من اوربا واسئلة بطل «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، وومضات خاطفة من تجربة بطل «الحي اللاتيني» لسهيل ادريس، رغم ان عودة حسين بطل هذه القصة الى وطنه هي عودة حاسمة لا رجعة فيها فأننا نشعر كأنه قدم مختصرا لإجابة واحدة حاسمة مركزة..
«كان امامهما منعطف، قال الآخر:
ــ الى اللقاء.
ــ لا تيأس يا صديقي.
ثم يدور حوار داخلي بين الصديق ونفسه على النحو التالي:
“ها هم الاصدقاء في بداية الطريق ييأسون. سوف يستمر عملنا عشرات السنين. سنسير في درب الآلام غارقين في برك الدم والوحل. كيف سيظلون معنا؟».
فجأة غاصت الدنيا في عينيه وسقط على الارض. تبين بعض الرجال. انطلقوا ينهشونه. احس بلحية عبدالمولى الخشنة. ثم بأسنانه الحادة تقطع لحمه في لذة ونشوة.
قال في حزن واسى:
« ـ كونوا مع الفقراء أيها الفقراء».
ويا لها من مهمة.
ورغم القضايا الجوهرية التي تثيرها هذه القصة فان بعض مقاطعها تسقط في الانشائية والمباشرة وان كنا سوف نجد لها تبريرا قويا في طبيعة المكان الذي تدور فيه الواقعة المركزية في القرية وهو النادي الذي يريد «حسين» العائد من باريس ان يحوله الى منارة للوعي.. ويستغله الرجعيون لحماية المصالح القائمة.
لا يقدم خليفة في قصص المقاومة التي يشبعها انسانية وعذوبة ـــ لا يقدم سوى انتصارات معنوية ينسج عناصرها بدأب. في قصة «الصدى» يقوم النائب العام بإصدار حكم بالسجن لعشر سنوات على طالب صغير ضبط البوليس لديه الة كتابة واسم البطل الصغير «مهدي» وحين يسأله هل تريد ان تقول شيئا.
يقول:
« ــ حضرة القاضي . انا اعترف بملكية هذه الالة، وقد كتبت هذه الاوراق حتى يعرف الناس كيف يعيشون ويعملوا لتغيير حياتهم نحو الاحسن، الشعب ينبغي ان يعيش بارتياح، يأكل اللقمة الهنيئة، ويربي الاطفال الممتلئين صحة وعافية، وينام والاحلام الحلوة تداعب اجفانه.
انا لا اخشى هذه السنوات العشر فأمامي الحياة طويلة، واستطيع ان اتعلم في السجن واغدوا رجلا كالصخرة».
واينما اتجه النائب العام يجد ان كلمات الفتى الذي ساقه الى السجن قد شاعت كالريح رغم ان الجلسة كانت سرية.. ووجد تعاطفا شاملا مع الفتى الصغير واعجابا بجرأته.
«حلم بالفتى الصغير يكسر الاحجار على شاطئ جزيرة صغيرة بعيدة. عندما اقترب منه شاهد الصخور تتفتت بين يديه. وقف الفتى فجأة وراح يصرخ بشدة وعنف، ومضى يقذف الاحجار عليه فأصابه واحد في رأسه.
صحى مذعورا وجد الدماء تبلل قميصه وسريره وزوجته وجدران الغرفة..».
انه انتصار الفتى السجين.. الذي سيظل سجينا لعشر سنوات من شبابه.
تقدم مجموعة «لحن الشتاء» كاتبها ليشغل مكانا مرموقا ومتميزا بين كتاب القصة القصيرة في الوطن العربي واجدني مدينة له باعتذار انني لم اعرفه الا حين زرت الخليج. وحين يتأمل المرء هذه المسألة سوف يجد ان مهمة اضافية تقع على عاتق المثقف العربي اذ عليه ان يسعى بنفسه الى بلدان وطنه حتى يعرفها على نحو صحيح ما دامت القيود على تبادل المطبوعات صارمة كصرامة البوليس والقوانين المقيدة للحريات التي تمتد على الساحة من المحيط الى الخليج.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
- رئيس التحرير لمجلة أدب ونقد المصرية
نجمة الصباح ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
المقالات
اثنتان وثلاثون سنة وأنا أعمل في جريدة «نجمة الصباح». كان مكانها، في البدء، شقة صغيرة وسط السوق. كانت نوافذ الغرف القليلة الضيقة، التي نعمل فيها تسربُ ضجة المارة والباعة، فترتجفُ صيحات المشترين وأبواق الدراجات والسيارات على أوراقنا، يمتلئ المكان بدخان السجائر والعربات وروائح المأكولات الشعبية الساخنة، ويندفعُ إلينا الصغار لحمل الأعداد، أو القراء يفيضون من ينابيع كلامهم.
طاولاتنا المتزاحمة تمتلئ بالأوراق، والصحف، والعرق يتصببُ منا، ونحن ثلة من الكتاب تركنا الوظائف وتمترسنا خلف ذلك الخشب المهتز، ندعُ لأقلامنا وحلوقنا فرصَ الصراخ والسخرية والمرارة.
وفي كل لحظة، ينزلُ إلينا رئيس التحرير، راشد العلي ، يتقدمه غليونه المشتعل كقطار، ويحدقُ في وجوهنا وأوراقنا وتتناثر جمله اللطيفة المشجعة الساخرة، ويبثُ أسئلةً كثيفة كأنها إنفجارات ورد، ويعود إلى غرفته الغزيرة الدخان، حيث المحرقة الأكبر للكلمات، وحيث تتصاعد أبخرة المدهوسين والفضائح والغنائم.
وعندما ينفجر العددُ في الشارع، تتصاعدُ القبضات على النوافذ، وتنهمر سيولٌ من المتحدثين والناقمين، ونتماسكُ خلف الطاولات، متشبثين بالأرض خوفاً من هذه الرياح الهائجة. ونشحذُ الأقلام مرة أخرى، ننزفُ من أصابعنا، ونؤجل نومنا، وحلمنا، كنا نسبحُ في بحار من العرق، نجري إلى سيارات الأجرة والباصات، ونأكل السندويتشات الحارقة، المتساقطة اللحم، وندفنُ عيوننا ضاحكين في صفحات الجريدة وهي تنتشرُ أمام أعيننا، محلقة كنسرٍ، نازفة كشهيدٍ، شاشة للطرق البعيدة والصواري المكسورة والأيدي السابحة بجسارة في البحر.
⊛ ⊛ ⊛
كانت الأحذية تدوسُ فوق الأوراق والبقايا. تحدقُ في وجوهنا، باحثة عن مسامير مضيئة، أو وشماً سحرياً، تقلقلُ الطاولات التي تئنُ بضراوة. وتكاد الأحذية أن تدوسَ أقدامنا، لكنها تتكاثف وتنهمرُ فوق باب راشد العلي. نراهُ مخفوراً بوجوه صلدة، ومسدسات لامعة، يبتسمُ إلينا ويسخرُ «ذاهبٌ إلى وجبةٍ خفيفة، هل يريدُ أحدٌ شيئاً؟».
ويعودُ بعد ساعات أو أسابيع، منتفخ الوجه، كدماته الواضحة لها إضاءات زرقاء، وخطوط خده كالكثبان محَّملة بآثار الجنازير الحديدية، و«القبل الضارية» على حدِ تعبيره.
لكن «السموم» الساخن ينطفئ بزجاجات الشراب الباردة، والضحكات، واشتعالات السجائر ورسائل القراء والمكالمات ذات الأجنحة الملائكية، وسيارة العلي التي تحملنا إلى شاطئ البحر، أو إلى بركة أحد أصدقائه، حيث ننقعُ في المياه الباردة الزجاجات المحلقة، ونسحبُ خيوطَ الفجر، ونضع الشمسَ على مسرح الأفق شاهدة على الفرح والرفقة الحلوة.
أي سعادة خضتنا ونحن نرى راشد العلي يلتهمُ ساعدَ عروسه، ويغوصُ في بحرٍ من الياسمين ورذاذ الفضة ووهج الغناء العارم القادم من الطبالات المتوهجات الصوت الصادحات؟
أي جمهور كثيف، الذي اختلط رجاله ونساؤه، في نهر الزغاريد والحلوى والهدايا، وأوقد النجمات في الأعالي وفرش الأرضَ بالسجاد واحتضن الليل؟
ضاع أهلهُ وسط الحشد الطالع من الزوايا البعيدة، وتداخلت الشكاوى بانفجارات البيرة والعرائضُ بالقبل المسروقة الحارة والعيون الفاحصة بالرقص المجنون..
لكن لم يدعني راشد مستريحاً في إجازة شهر عسله. رشاتُ التليفون تنهمرُ على وجهي كل ساعة. أسئلة مخيفة واهتمامات غريبة وزوايا يفجرها في كلِ يوم. وبدا أنه مصدر الأخبار في نزهته القصية وأنا الأصم في زفة المدينة.
كيف يستطيع أن يوفق بين هذه الاهتمامات النارية وبرودة ملكة الثلج والجمال التي اختارها عروسه؟ تلك الشامخة، المرفهة، المترفعة، التي تأتي إلينا بسيارتها الفخمة وهي في أبهة ملكة؟
كنتُ أنتظ أن تهتز الأسلاك برعشات مختلفة، وأن يتسلل بردهُ إلى قيظنا، لكن راشد أيقظني من نومي مرات عديدة، وأنزلني إلى الشوارع الملتهبة، وجعلني أهذي في نومي مننتظراً كوارثه الجديدة..
⊛ ⊛ ⊛
حين غادرنا شقتنا الصغيرة وسط السوق كدنا نبكي، وحين خلت غرفها من طاولاتنا وكتبنا وأقلامنا، وتناثرت الأوراقُ الصغيرة المقطعة، والمسودات المنهوشة، تجمعنا في كورسِ نحيبٍ داخلي فاجع.
البناية الجديدة كبيرة، مكونة من عدة طوابق. مبنى الجريدة يحتلُ طابقاً كاملاً، والغرفُ الواسعة تصلحُ للمباريات الرياضية. ووجوه الزملاء الكثيرة تناثرت وراء الجدران والسكرتيرات والمواعيد.
البناية تناهت إلى البرية، وحيدة في خلائها الغريب الموحش. ثمة طيور رمادية تضحكُ في السماء ثم تحترقُ في الظهيرة.
كانت قلعة من البرودة والأزرة وسط أرضٍ مشتعلة شوكية. لكن دخول راشد يضفي على المومياءات الطينية بهجة الربيع. لم تحجزه السيارة الفخمة، ولا الفيلا، ولا السمنة الضارية في إخفاء عظامه القديمة.
يهزُ الأبوابَ وينثر الكلمات وغليونهُ لا يزال يطلقُ صفيراً ينبئُ بعدم الوصول إلى المحطة النهائية. يبدأُ عرشُ الصمت يهتزُ، وتتراكضُ السيقان لاهثة وراء الدمار والدخان، وتبدأ أسلاكُ الهاتف في قطعِ مغازلات السكرتيرات، لشحن الفحم المشتعل في الأحياء، وجلب الأيدي المتناثرة على الجبال والوديان، والجثث المقتولة الكثيرة – خطأً – في المستشفيات، وتتحول الثلاجة الثاوية في البرية إلى فرن المنيوم يُــغذى بالعظام.
كان العلي يقودُ ابنه الآن. كان سامر قطعة من القمر، وحلوى متنقلة، لكنه لا يتكلم، لا يضحك، لا يصرخ كالأطفال، يمشي وراء أبيه كالظل المقطوع، ويبكي إذا كلمه أحدٌ، ولذا لم يكن أحد يلمس تلك المزهرية الشفافة.
في غمرة عرقنا وانتفاضات عروقنا كان سامر يكبر. كانت النظارات تتضخم، والذبحات الصدرية وانفجارات الأحلام تغتالُ وجوهاً عزيزة دوماً.
وامتلأ أبو سامر بالشحم، ولم يعد قادراً على صعود السلالم. رُكــّب له مصعدٌ خاصٌ إلى مكتبه. لم نعد نرى الغليون الزاخر بالدخان، والقهقهات الفاقعة بالأسئلة المثيرة الغريبة، كان صوته يأتي هادئاً ناعماً من وراء الأسلاك.
وأرمقه حائراً، خائفاً، منزعجاً. لماذا تنامُ الأوراقُ لديه الآن؟ لماذا تظهر أبوابٌ غريبةٌ تمتلئ بوجوهِ الراقصات؟ لماذا أصبحت العناوين تتكسرُ بمطارق ثقيلة وأبو سامر لم يعد لديه وقت لنا؟! لياليه متناثرة في البساتين والقصور والشقق الغامضة. ماذا حدث؟
أقولُ له كلَ أسئلتي المزعجة. أذكره بالسندويتشات التي كنا نتقاسمها في شقة السوق، والشاي الأحمر الثقيل الذي كان يصنعه لنا بنفسه. فيدعني أصنعُ ما أريد. اندفع مع جوقة حافلة بالغناء البحري العتيق. يحذرنا مرة. يصرخُ فينا مرة أخرى، لكنه يتغاضى، يتسعُ صدره لكل السهام والأسئلة المخيفة، يضحكُ علينا..
كان صوتُ زوجته يلعلعُ أحياناً من وراء خطوط الأسلاك فتتغير الخرائط في المكاتب والكلمات. أما ابنه فقد كبر، يأت يمتأنقاً، يسيرُ كفتاةٍ حلوة. لكنه لا يكلم أحداً، ولا يقترب إلا من أبيه.
آخر مرة أبحثُ عنه في كل مكان. أين العلي أمام هذه الخبر المريع؟ أين التقطه؟ وجدوه لي في بستان ما. سمعتُ رقصاً وطبلاً وتأوهات فظيعة. ثم جاءت صلصلة كؤوس ومضغ لبان. انشق التليفون الأسود عن صوته، مضطرباً، يتعتعه سكرٌ مخيف. لم يعرفني، ثم استدرك متفاوتاً، ثم قطع الخط .
⊛ ⊛ ⊛
كانت جنازته فخمة وغريبة وكئيبة. امتلأت الساحة التي تشرف على المقبرة بالسيارات الكاديلاك السوداء والمرسيدسات الملونة. وجاء علية القوم بعباءاتهم الكحلية والسوداء وثيابهم الناصعة البياض.
وقف جمهورٌ بعيد، تبعدهُ عصي الشرطة وغابة الحديد الملون. لم يستطيعوا أن يلقوا عليه نظرة أخيرة. علية القوم صلوا بسرعة شديدة، واختفت سياراتهم في لمحِ أبيه.
كان سامر غارقاً في عباءته الفضفاضة وعرقه الممطر. لم يكن حزيناً كثيراً، بل مرتبكاً ومتفجراً.
⊛ ⊛ ⊛
عندما جاء إلى الجريدة استخدم مصعدَ أبيه. لم يره أحد، ولم يتكلم مع أحد. جاءتنا أوامره عبر الأسلاك والسعاة والكوابيس. حدثت هزة في المبنى.
عدتُ وحيداً إلى البيت. منذ زمنٍ بعيد لم أتأمل غرفتي وكتبي هكذا. الأيام تمرُ ببطءٍ، والأوراق التي صنعتها صارت ثعابين تلتفُ حولي. أكره أن أرى سطورها. صورها المبتذلة تفسدُ شاي الصباح. كلماتها المقززة خفافيش وقنافذ تتعاركُ في غرفة نومي. أين روحي؟ أضربُ رأسي في الحلم فلا أتألم. أحاولُ أن أنام. سأنام. حتماً سأنام. لكن الفراش مبللٌ بمطرِ جسدي. تليفونات الزملاء والقراء وحدها التي تنعشني. دشٌ ليلي في يومٍ قائظ . لكنني لا أنام. لا بد أن أذهب إلى هناك وأنتزع ذلك المقعد منه! من هو؟ من يعرفه؟ كلُ الحروفِ التي مرتْ على سكة آلامها كانت تمرُ على ضلوعي. كانت طيورها تقتات من دمِ قلبي. وأنا الآن وحيد في بيت كئيب، لم أهتم به يوماً، وعصرتُ جلدي هناك. تنفجرُ روحي من السعادة وأنا أشمُ عرقَ الكلمات وهي تصعد من الورق. أضمُ السواعد والصورَ والضحكات وأطيرُ بها في سماء ملبدةٍ بالنسور الوحشية. كلُ يومٍ أزداد لها حباً وهي ورقٌ ربيعي يتطايرُ فضاء الأرض. أموتُ الآن.. لا أستطيعُ أن أنام. لم تنفعْ الأقراصُ وأدوية الطبيب وثرثرته قربي. سأقتلهُ! سأتعلم استخدام المسدس. لن ينجو مني. قتلني وسوف أقتله.
وأراني أدخلُ في عتمة مشتعلة بفضةٍ، وثمة أصواتٌ مبهمة، متصادمة، كشرائط تلتصقُ ورائي، وأنا أمسكُ بندقية ضخمة، وأسير بسرعةٍ بطيئةٍ طويلةٍ، والحراسُ يتساقطون تحت قدمي، أكسر البوابة الكبيرة، وأراه هناك جاثماً في عرشه البعيد، يقهقه، وأنا أطلقُ بخاراً وأصواتاً، ولكنه بعيد يفتحُ فمه على اتساع شاشة سينما ولا يصدرُ صوتاً، وأطلق وأهوى إلى فراغ من العرق والفراش الرمضاء.
أنهض وأرى المدينة تصحو على صوتِ الديكة وأصوات الجرائد. لو أمسكتها الآن لأصبتُ بنوبةٍ قلبية.
⊛ ⊛ ⊛
لم يبق إلا أن أحملَ مسدسي وأذهب إليه. أوقفتُ السيارة في ممرٍ جانبي. الليلُ مشحونٌ بضجةِ الجنادب. نداءاتها الصارخة تستفزُ أعصابي. كيف سأطلق؟ وعلى من…؟
ها هو البستان الذي طالما ضيفنا فيه مفكرين وقادةً، وصدحت فيه الأشعارُ وأغاني البحارة الصلبة. هنا كنا نوقفُ سياراتنا، وتمتلئ الممراتُ المزهرة المعشوشبة بضحكاتها وحوارنا المحموم.
ثمة أصواتٌ لطبل مائع، وتصفيق غريب، وجاءت ضحكاتُ غنجٍ وكلمات موحلة. استندتُ إلى شجرة. وقفزَ قلبي صائحاً: ما هذا؟ سوف أزيحُ الأغصانَ والأوراقَ لأرى كيف يجلبُ العاهرات إلى هذا المحفل المقدس.
خلال ثغرات الورق رأيت أشباحاً رجالية. لا يبدو أن ثمة امرأة. لكن هذه الأصوات المائعة.. لمن؟
تركتُ الاختباء، دستُ على الورق الأصفر الصارخ، حدقتُ برعبٍ.
كان سامر يلبس بدلة رقص أنثوية، يهتزُ وسط حلقةٍ من مضاغ اللبان المصفقين بتمايل، وهو ينحني ويقتربُ من أفواههم وأيديهم، ويغني..
لا أعرفُ ماذا أصابني. كان المسدسُ يشتعلُ في يدي. وكنتُ أطلقُ بجنونٍ وهذيان وصراخ، وأودُ أن أصحو من النوم والكابوس، لكن المرئيات الصلدة كانت تتفجر أمام عيني مثل الدم.
——————————-
5 – دهشة الساحر «قصص»، 1997.
❖ القصص: «طريق النبع – الأصنام – الليل والنهار – الأميرة والصعلوك – الترانيم – دهشة الساحر – الصحراء –الجبل البعيد– الأحفاد – نجمة الصباح».
أنا وأمي ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
ساعد أمي البض يتلألأ في المقعد الأمامي ، وشعرها الكث الأسود، ووجهها المتوردُ، لوحتي الجميلة الحبيبة .
أتعلقُ بها وأنا في المقعد الخلفي ، أقبلُ زندَها المضيء ، فتدفعني صائحةً ، غاضبة. أحشرُ أختي في زاوية المقعد لتصرخ هي بدورها . فتتطلع إليّ أمي من المرآة الأمامية الصغيرة ، لتبدو عيناها الواسعتان المكحولتان تتأججان بالجمال والغضب: «ألا تكف يا عفريت ؟».
حين تقفُ السيارةُ أمام المتجر ، وتنزلُ أمي جارة عباءتها بيدها ، لتضعها بسرعةٍ على كتفها ، تتدلى رؤوس الرجال من فوق أكتافهم ، وتطلعُ ألسنتهم من حلوقهم ، ويدرك بعضهم حاجته إلى السلع ، ويحدقُ بعضهم إلى الزجاج .
يصيبني الهم والغمُ ، أرفع يدي في وجوههم ، أغمغمُ بشتائم عنيفة تهدرُ داخلي وتتحطم على الزجاج وفي الهواء .
أفتحُ البابَ ، واركضُ إليها ، أتعلقُ بساقها ، أو أحمل كيساً يحني قامتي ، أتطلعُ إلى الرجال حانقاً ، لكنها لا تلتفتُ إلى أحد ، تجمعُ البضائع وقطعَ النقد الصغيرة والصمت .
ღდღ
هذه هي روحي تخرجُ مني وأنا أرى سهراتهم الغريبة . هل يمكن أن يكونَ هذا أبي ؟
صالةٌ واسعةٌ ، وطاولة كبيرة فوقها أطباقٌ مفعمة بالروائح الخلابة المثيرة ، وزجاجات ملونات غريبة ، تتدفقُ منها سوائلٌ مزعجة قاتلة في الكؤوس ، وأبي يقدمها إلى أمي وضيفه ، الذي يضع يده على كتف أمي ويقهقه ، ويقبل خدها ، وأبي يثرثر معه على الكرسي المقابل ، بدلاً من أن يحطم رأسه الكبيرة الصلعاء المشوهة ، بقعر الزجاجة !
ثم يتثاءب أبي ، ويغمغمُ بشيءٍ ما ، وينسحبُ من القاعة متوجهاً إلى غرفة نومه . أتزلزلُ في موقعي خلف باب غرفتي ، أودُ أن أصرخ ، والرجلُ الأصلع دفن رأسه في صدر أمي ، وهي ألقت بنفسها على الكرسي ، دون أن تتفوه بكلمة !
توقظني من الصباح الباكر ، تدغدغُ صدري بأصابعها ، وأشمُ روائحَ غريبة مثيرة ، لكن وجهها لم أعد أراه . تحاولُ أن تجذبَ عيني بدون جدوى . تريدُ أن توصلني إلى المدرسة ، لكن قدمي الرقيقتين ، وساقي العودين ، تحملني إلى المبنى المليء بالأولاد الساخرين مني .
اتجمدُ في ركني ، اصمتُ طوال الوقت ، والسبورة شاشة ليل كئيب تضيءُ فيها زجاجاتٌ وألوانٌ ورؤوسٌ باروكية وهدايا من الخواتم الذهب والمزهريات الرقيقة الشفافة.
ღდღ
امتلئ بالعرق والبخار الساخن ، أمسكُ سريري بأظافري ، ثمة أطيافٌ من النار تتراقصُ حولي . جسدي يدغدغهُ ثعبانٌ كبير ، وأنا أركضُ في العتمة والضباب والعواء ، أعبرُ مستنقعاتٍ من جمرٍ وضفادع وفحيحِ رجال .
اتقلبُ على الفراش ، أودُ أن أعبر تلك الظهيرة المشتعلة ، أن أتخلصَ من جسمي ، وأذوبَ ، أقفز هذا البيت ، وصراخ الرجال في القاعة ، ضحكات أمي التي تفتقُ ضلوعي ، أصيرُ فراشةً في حقلٍ ، أو ناسكاً في كهف ، أموت ، أتحولُ إلى ظلامٍ أبدي ، أرفرفُ نحو السماء ملاكاً .
الحرارةُ تزدادُ ، جسدي يهربُ مني ، الفراشُ كلهُ ماءٌ ، أصرخُ ، أصرخُ بأعلى صوتي، والغرفةُ المظلمة تفتحُ على نور ، وجسد من ياسمين وثلج ، تضمني إلى صدرها ، تلتقطُ تلك الجمرات من كبدي ، تتوغلُ أصابعها الباردة في قلبي . لو أننا نرحلُ بعيداً!
أي غابة من فل وظلمات تغطيني ؟ البيتُ يسترجعُ عروقه من الزجاجات المنتفخة بالصرخات والشهوات، وجسدي يستوقفُ أمي عن الغابة القاعة .
لا تزال الأشباحُ الصفراءُ تطاردني ، والعرقُ الغزيرُ خيوطٌ من اللذة الغريبة ، والحمى صديقة لطيفة في جلدي ، لكن أمي تغادرني إلى نداء أبي ، والبيتُ كله مظلم ، وثمة رجلٌ يضحكُ ويشعلُ الجدران .
ღდღ
غادرنا أبي فجأة ، قبلنا أنا وأختي على عتبة الباب ، وتطلعَ إلينا بعمق وغرابةٍ ، وهمس «وداعاً!». ركضتُ نحو السيارة ، ضربتُ بابه بقبضتي ، ولكنه غاب وذاب.
جاءَ رجالٌ غرباءٌ ، وفتحوا أوراقاً رنحّت أمي على الأرض . كنتُ أرى سريري وألعابي تشحن في سيارة كبيرة . لم يتزحزح الرجال عن فكِ أصابعي عن الأشياء . صراخي عند الثلاجة ، لم يحدث أثراً .
كان البيتُ فارغاً ، ثم سارت بنا أمي خارجةً أيضاً ، لنقبع في غرفةٍ كبيرة موحشة ، كان سقفه يهتزُ من الهواء ، وينتفخُ بالمطر ، لنضع أوانٍ تلاحقُ قطراته العجلى المجنونة .
الجوعُ يقطعُ دواخلَنا ، وارجلنا تضطربُ فوق درجات العمارة الملتفة ، وبين أكوامِ القذارة والأطفال الصارخين وأحذية الأجانب الكثيفة .
تنتزعُ أمي ثياباً جميلة ، تزيح طبقات الصمت والحزن ، تفجرُ وجهها بأقواسٍ من الضياء والربيع ، ويبدو جسدها الملتف بعباءةٍ سوداء زاهية ، كصفعةٍ للعمارة الكئيبة .
الحليبُ الذي تجلبهُ لا أتذوقه ، السيارة الرائعة التي تقفُ تحت الشقق الرثة ، لا أدخلها، جسدي يذوي ، وهي تضعُ اللقمات بقوة في فمي ، ألبس الثياب المرقعة وأهربُ من بدلاتها الملونة ، أتحملُ هزءَ التلاميذ وأغوصُ في الحروف ، أقرأ القرآن وأبكي ، أدخلُ داخلي وأرحل ، لا شيء في روحي ، سوى أوجه مكفهرة وجداول من وحلٍ ، محنط فوق الثياب والقمامة والأحذية الكثيرة .
سأهربُ من هنا ، سأتركها ، بل أنتزعُ أختي ، واجري بها نحو مدينةٍ أخرى ، سأعملُ، سأكنسُ الشوارعَ ، سأغسلُ الملابس والصحون . .
أترنحُ فوق الأرض ، يبللني عرقٌ كثيف ، أتحشرجُ باحثاً عن نفثة هواء ، يحيطني غرباءُ العمارة ويحجزون الضوء والمَلَّاك .
ღდღ
هذا بيتها الجديد الشامخ الآن ، فيلا وأشجار وأثاث ناعم ، وقاعة فسيحة ، وليال مليئة بالعطر والهمسات وقرع الكؤوس . وثمة رجال متأنقون ، هائدون ، يثرثرون بنعومة في أول المساء ، يتداخلون مع النساء ، يتراقصون كالثعابين الملتفة ، يحمحمون ، يطلقون صرخات الزجاجات وزبدها الطائش ، يزيحون المعاطف وأربطة العنق والعقل ، يتداخلون ، يصرخون ، تهتز الأرضُ بقرقعات أحذيتهم ، وتنطلقُ الموسيقى حيات من صناديقها المعتمة ، وتهدأ الأضواءُ ، لنسمع تأوهات في الحديقة، ونرى أقداماً راكضة نحو السيارات أو الأشجار ، وأحياناً تنفجرُ خدودٌ من صفعات حانقةٍ ، ويتعرى المنزلُ من ملابسهِ وأقنعته ، وكأنه دغلٌ يضجُ بالنداءات الوحشية .
أنا وأختي ننعزلُ في شقٍ بعيد من المنزل ، نمعنُ في صلواتنا الهادئة ، أنزلُ رأسها عن النافذة الفاضحة ، وأسدُ أذنيها عن الموسيقى الصاعقة ، لكن الجدران تتزلزلُ ، وكأن الجمعَ الغفير اللاهي يمدُ شوكاته في حلوقنا ، ينتزعُ الأبوابَ ويرقصُ عارياً أمامنا ، أنهضُ حانقاً ، غاضباً ، وأنفجرُ في القاعة الرقيقة الأضواء ، كأنني أحطمُ حاجزاً من الزجاج الشفاف .
يتطلعون إليّ بذعر ينقلب إلى ضحك . يتطلعون إلى ثوبي القصير ، ولحيتي الكثة ، ويزعقون:
ـــ ماذا يفعل هذا الغوريلا هنا ؟
لا أستطيع أن أزحزحَ واحداً من مقعدهِ ، أو أحطم زجاجة ، فعيونها الشرسة تحيطني بزنارٍ من نار ، لكنني في هذه الليلة ، اندفعتُ بقوةٍ نحو الطاولة المثقلة بالزجاجات والكؤوس والشهوات ، وأزحتها عن الأفق .
كانت تصطكُ مع بعضها البعض ، وتتأوهُ ، ثم جاءت فرقعتها المشتركة المدوية كأصنامٍ تتحطمُ معاً .
ღდღ
اختي ورائي وليس لنا سوى كومة صغيرة من الملابس . نداءات أمي المنفجرة لم توقفنا عن التوغل في الليل المبهم البهيمي ، لكن كانت النجومُ تزفنا إلى فجر أبيض وإلى مأذنة يصل صوتها إلى السماء .
غرفة أخرى صغيرة ولا ثلاجة أو هواء ، ظلمة خانقة ، وجدران كالحة ، وقيظٌ يفتت الحصى ويجعلُ المروحة تئن ، ولكن الدرب انفتح لضياء عميق ، كأنه ملائكة يهبطون من الأعالي ، وينثرون أزهاراً من ثلج ومحبة .
كانت أمي تخنقني في أحلامي ، تضعُ وسادة من مسامير وخفافيش على وجهي ، وتسحبُ أختي من يدي ، أصرخُ ، أرفسها ، أطعنها بسكين المطبخ ، لكن النصلَ لا يتغلغل في صدرها ، واسمعها تقهقه . أرى أختي تفرُ إلى ساحتها المضاءة بالمصابيح والرجال البيض الملونين وبالزجاجات التي صارت بالونات ضخمة ، تسبحُ أختي في مائها الواسع ، ليغدو جثثاً طافحة وأيدٍ ، وأنهضُ زاعقاً ، لأجد أختي نائمة قربي .
أبحثُ في متاعها ، أجدُ «روجاً» كانت تخفيه في قعر الحقيبة . أوقظها ، تــُذعر ، أصبغُ وجهها بالروج، وكأني أحفر بالدم ، كأني أكتبُ بالنصل غير المثلوم .
كانت تصيحُ:
ـــ أرحمني يا أخي !
سددت النوافذَ بقطعٍ سميكة من الخشب ، أغلقت عليها الغرفة ، جثمتُ في الخارج خائفاً أن تستطيع التسلل ، بشكلٍ ما ، من المكان.
مشيتُ في الأزقة بحثاً عن رجلٍ ما يتزوجها . لم يرض أحدٌ بها .
انحنيت على يد الشيخ أقبلها وأبكي . كان المسجد خالياً من المصلين . راح الشيخ العجوزُ يربت على رأسي ، ويتساءل:
ـــ لماذا تعذبُ نفسك يا ولدي ؟
ـــ أمي . . أمي . . يا سيدي . . عارها يلاحقني في كلِ مكان . لم أعد أنام . لم أعد آكل ، وأختي قد تصيرُ مثلها . . حينئذٍ سأقتلها وأقتلُ نفسي . . أرحني أيها الشيخ !
ـــ كفْ عن تعذيب نفسك وأمرح في الحياة !
أتطلع إليه مذهولاً . ألم يكن ضيفاً ذات مساء عند أمي ؟ ! لماذا يمتلئ وجهه بزيتٍ مضيء ، وترتجفُ عروقهُ بسعادةٍ مريبة ؟ ألا يعيش في بيتٍ كبير ، ويحب الغناء ، ويثرثر في المقاهي ؟
اركضُ مفزوعاً إلى أختي . قد تكون هربت ، أو ساعدها رجلٌ ما في اقتلاع خشب النافذة واختفت معه في منزله . أجري ، أنفض المارة من دربي المفزوع ، المترب ، وأجدُ الحجرة مغلقة ، ورائحتها عطنه لم تفتح .
وجهُ أختي أصفـر ، مثلثُ العظام ، وخيطها المربوط بالسرير لم يــُقطع . أفكها وأضاحكها ، وأضعُ أمامها الأكلَ . لكنها لا تأكل . تتطلعُ إليّ من كهفين بعيدين . تهمسُ:
ـــ أريدُ أن أرى أمي !
أفاجئ ، أُذعر:
ـــ ماذا ؟ تريدين أن تكوني معها ، تصيرين مثلها ؟ !
أرفسها بقوةٍ فتتدحرجُ إلى الحائط . أصفعها . فأرى خيطاً من الدم يتوهجُ على جبينها. أضمها إلى قلبي . أبكي .
ـــ أصفحي عني ، أرجوك !
ღდღ
لا بد كي أنهي أحلامي المخيفة ، وأنام ، وآكل ، وأضمُ أختي بحنان ، أن أفعل شيئاً ما ، لتلك المرأة .
أدورُ حول فيلتها الكبيرة المضيئة ، ولم تزل قعقعات الزجاجات والأغاني والقبل تدوي في الفضاء الرحب الفارغ الصامت . السياراتُ الفارهة تحيطُ بالمنزل كالذباب يقبعُ حول جثة نتنة .
صفيحة الكيروسين التي أحملها قد تنقذني من كلِ شيء ، تندلعُ النارُ فجأة ، وتبقبق في السيارات ، وتندفعُ إلى الأشجار والجدران والأثاث ، ويندفعُ الجمعُ اللاهي ، أجساده مشوية بنارٍ مخيفة ، والنساء تحترقُ رؤوسهن كتعاويذ السحرة .
لكنني أجبنُ عن اشعال الفتيل . أسمع كأن أمي تناديني وأنا طفل ، تدعوني إلى المائدة ، تركضُ في الظهيرة إليّ ، وعباءتها تشتعلُ بالشمس .
يدي تهتزُ ، وأمشي حانقاً من خوفي ، أنفجرُ ، لا بد أن أزيح هذه المرأة من عالمي !
صفيحة الكيروسين تمتلئ بالحياة والنار في دكان خمور . زجاجاته تقرقعُ وأخشابه تنفجر قاذفة عفاريت وصيحات مجنونة . وأنا أقف سعيداً مذهولاً ، وقبضة شرطي تقتحمُ فرحي فجأة !
ღდღ
خرجتُ من السجن النتن ، كومة من الحشرات وتنكات البول والضربات . كانت أمي هي التي ذهبت لأحد أصدقائها الضباط ليفرج عني . صرختُ ، لا أريد أن أخرج بسببها ! فقذفوني إلى الشارع .
لم تكن أختي في الغرفة . هربت ! رحتُ أدقُ رأسي في الجدار . السلسلة مكسورة ، والكتب ممزقة ، وكلمات بذيئة مكتوبة على الحيطان .
هناك أنا مسجى ، بركة من العرق ، والشعر الغزير ، والأصوات الغريبة التي تناديني، وأمي التي تزورني وتضع أطباقَ الأكل الذي لا أمسه وأسلمه للقطط . تقبلني، فأصيح:
ـــ أخرجي من هنا !
أدخل المسجد . الشيخ العجوز ، كتلة الشحم والشخير ، توفي ، وجاء أبنه مكانه . شابٌ صلدٌ ، متفجرُ الروح ، صارخٌ ، ناريٌ على المنبر .
كانت عيناي تترقرقان بالدموع فرحاً وحباً .
جئتُ إليه:
ـــ أنا تعبٌ يا سيدي . . أمي عاري الذي أحمله في كل مكان . .
أفضيتُ بكل شيء . قال:
ـــ أتريدُ أن أعلمك واجبك ؟ لماذا أنت جبان رعديد هكذا ؟ كتلة من الخرق والذعر والقذارة ؟ الا تجد حجارة وحصى في كل مكان ؟ لعل أختك تواصل رحلة الأم الموحلة!
كلمات الشيخ قتلتني . لم أعد أنام الآن . صرختُ في نفسي: جبان ! اشتريتُ سكيناً حادة . نصلها يتوغلُ في الخشب . ذهبتُ إلى منزلها . سأغرزُ السكينَ بحدةٍ في بطنها . وأذا وجدتُ الأخرى هناك سوف ألاحقها وأطعنها أيضاً . لن أتركهما حيتين أبداً . انتهت حياتي ، سأودعُ كلَ شيء .
الشارعُ الضاجُ بالأضواء والألوان والفساتين لا يغريني . السماءُ الزرقاء العميقة تعبرُ فيها الطائرات كنقاطٍ من اللؤلؤ الزائف .
ها هو البيت أمامي . سافاجئهما وأطعنهما بلا خوف .
لكن البيت لم يعد لها . ثمة رجل آخر خدعها وسرقها وهجرها . أين هي الآن ؟ عليّ أن أفتش عنها في كلِ مكان .
مضت سنوات وأنا أتعثر بالأشياء . أقلقل براميل القمامة والقطط والأبواب . أفتشُ وجوهَ الفنادق والخمارات . سأعثرُ عليها ، أهتفُ: سأطعنها ! ولا أجد سوى أشباح رثة.
ღდღ
التفتُ بذعر . ها هي هناك ! غرفة حقيرة في بيتٍ شائه ، من هذه العجوز ، الحطام، الهيكل الخشبي ، ذات الشعر الثلج ، التي تمسكُ صحناً خائفاً . . ليست أمي ! تلك غزالة جميلة ، نفثة ضوءٍ وعطر ، من هذه ؟ أين السكين ؟ صدأت منذ سنين.
تطالعني أمي من تحت أهدابها المحترقة . أمسكُ يدها العود . أين ذهب الماءُ الرقراقُ والعشبُ الأخضر؟
يتقاربُ رأسانا المهزومان . تختفي في صدري ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ツ 4 – سهرة «قصص»، 1994. ❖ «القصص: السفر – سهرة – قبضة تراب – الطوفان – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».
سهـرة ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
أشربْ هذه الكأس المترعة بالزبد والضياء والألم. أشرب ولا تدفع ولا تجزع. واضحك حتى الصباح واحفر في ذاكرتك هذه الوجوه، وهذه الأجساد الرائعة، أحفرها بتقاطيعها الدقيقة، وبنظراتها السكرى المفعمة بالنشوة والشهوة، فلعلها تنسيك عذابَ الليالي القادمة، لعلها تسليك في الفراشِ المهترئ والظلام. فبعد ساعات سيسألك «البارمان»:
ــ الفاتورة يا سيدي!
ستضحكُ بعمقٍ وتقولُ:
– إنني رجلٌ مفلس وعاطل.. أسأل المدينةَ كلها. أسألْ السماء، البحر والمتشردين. أسألْ أقسام البوليس، أسأل الأحذية المهترئة على الأرصفة، أسأل الأرغفة الهاربة من الفم!
وسيقولُ بأدبٍ جم:
– ولكنني مضطرٌ يا سيدي لإخبار الشرطة..
– تفضل.. أفضل مكانٍ يقضيه العاطلُ زنزانة صغيرة محترمة تتحققُ فيها الشروط التالية: الأكل المنتظم، الأصدقاء المرحون، الشاي، السجائر، قطعة صغيرة من الشمس.
كان البارُ مزدحماً، قطعة من الجنة المؤقتة. الأقدامُ تحكُ الأقدامَ، والصدورُ النافرة تتحكمُ في العيون الشاردة، والمؤخرات لا تتأخر عن الهزات الخفيفة والانحناءات الخاطفة، والثرثرات تطولُ وتطولُ ولا تقول إلا تعال!
وفي كل لحظة تأتي موجة من الحسناوات. هذه الأجسادُ الرقيقة الرهيفة من فصلها؟ هذه الوجوه البيضاءُ والوسيمة الناعمة من قبلها؟
«لا تجعلوني أسكر وأموتُ هنا على هذه الطاولة الصغيرة المتوحدة. تعالوا إليَّ، ستشربون على حسابي أو عذابي. ستضحكون من النكات الكثيرة التي أحفـظها والتي لا تقال إلا همساً. أنتِ أيتها الشقراء، يا من تشبهين فرساً خــُـلقت من الفضة والزهرة، أقتربي مني وأعطيني ضحكةً أو كلمة أو صفعة!».
النادلُ يعيطيه زجاجة بعد زجاجة، مستغرباً من قدرته على الشرب السريع المكثف، يقتربُ منه رجلٌ عجوزٌ ويستأذن في الجلوس قربه.
«هذا هو حظي دائماً . صديقٌ للعجائز. أمي العجوز في البيت لا تكفُ عن إزعاجي. هل أشتغلت؟ هل ذهبت للشركة الورقية؟ جارنا فلان اشتغل براتب كبير، وعلانة صارت سكرتيرة للوزير، وابن حمدان راعي الحمير السابق بنى لنفسه عمارة. أما أبي فمن المسجد إلى الدكان، ولأن الدكان شبه فارغ فهو دائماً نائم. وبين كلِ غفوةٍ وغفوة يسألني: هل اشتغلت؟ هذا هو مصيري منادم للعجائز، خاضعٌ لاستجواباتهم الطويلة والثقيلة».
لحسن الحظ اتضح إن العجوز ذو لغةٍ غريبةٍ خاصة، لا تفهمها سوى قبعته الواسعة، ورغم إنه انحنى واقترب وغمز بعينه فإنه لم يفهم منه شيئاً. ولكن بدت حركة عينيه غريبة مزعجة ولأول مرة يشعر بالانزعاج والغضب في هذا الجو المرح الزاعق الراقص. فلماذا يغمزُ بجلدهِ المتغضن الذي يشبه نسيج العنكبوت؟
«لو أن صديقي الشاعر كان معي لاختلف الأمر. ذاك الشاب الكهلُ الساخرُ من كلِ شيءٍ، أعجوبة هذه المدينة، يقولُ: مدينتنا تفاحة البحر، جدفنا نحوها، وغصنا إليها فأعطتنا سمك القرش. يشربُ وثرثرُ ويناوشُ النساءَ في الحارة، ويغرفُ منهن الشعر، وتلمعُ عيناهُ بالسعادة وهو في غرفته الوحيدة بين أكداس الكتب والورق والثياب المعلقة كالرجال المشنوقين. يظهرُ في النهار ويختفي في الليل، تجدهُ شهوراً طويلة ثم يختفي سنين. غرفته محكمة الإغلاق أحياناً، وأحياناً أخرى فارغة ليس فيها سوى وريقات ممزقة يلعبُ بها الصغارُ. وفي آخر مرة ظهر فيها لم يجد غرفة ووجد عمارةً كبيرة مكانها. أقولُ له: لماذا تهلك نفسك ألا ترى شعرك الأبيض أين أولادك وزوجتك وأسهمك وأحذيتك القوية وسيارتك الفارهة المكيفة وقمصانك النايلون؟ أفي كل مرة تقول لي: قصيدة، قصيدة! أهي امرأتك؟ هل تضاجعها ليلاً؟ هل تتأوه من اللذة؟ هل تقول: لم أشبع، قبلني، قبلني؟ ويضحك باكياً. هنا تتشقق اللغةُ، الحروفُ تغدو أطفالاً وأفراساً، والكلمات جزراً ونخيلاً مقطوعاً ومسامير في اليد وعصافير في القفص!
لو كان هنا لسخرنا معاً من هذا العجوز الذي يتأهب للرحيل وبلا خليل!».
نهضَ العجوزُ وتركهُ للفوضى الجميلة، قمصانٌ بلون الفراشات، فساتين هي حدائقٌ وحرائــقٌ متنقلة. البشرة ديناميتٌ لمن لا يذوق. ضحكاتُ الفتيات صهيلُ أفراسٍ مدربة على الوثب والقتل.
تطلع إلى المليونير الشاب يقودُ زهرتين من البار إلى سيارته يداه على الخصور وعيناه توزعان الابتسامات بالعدل والقسطاس. وأنظر إلى وكيل الوزارة العجوز الأشيب يحصل على فاتنة هي برقٌ ورعدٌ ومياه.
هل سيكفي الليل؟ ألن يتأخر عن الدوام وربما العمر؟
ارفع الكأسَ وأشرب في صحة الأسرة السعيدة! في صحة الحزن الوطني. في صحة العاهرات القادمات من كلِ فجٍ عميق. في صحة القواد والقوادين. في صحة الأخوة العرب القادمين إلى الأخوات العربيات!
«أنظر! يا إلهي ثلاث فتيات مثيرات الفوضى والهلع. حركاتهن رقص ودعوة مستعجلة للحب. تعالين، هنا الوحيد المحزون. ستشربن إلى الصباح. ولكن المشكلة بعدها أين سأذهب بكن؟ ليس لدي يختٌ ولا قصرٌ ولا فلل مفروشة وفارغة ولا مرسيدس بلون فستان الفتاة التي معي. لدي غرفة وحيدة فيها فراشٌ وحيدٌ تعبٌ أضنته أحلامي وآلامي، ولدي كرسيان مهزوزان، حاولت مرة أن أن أنتحر على واحدٍ منهما فسقط بي وأفشل محاولتي، وأحسست به يضحك عليّ ويقول: عشْ كما نعيش نحن في هذا البيت المقفر والحجرة الخربة!
لقد ذهبن إلى غيري. جلسن مع رجلين يلبسان الثياب العربية الرائعة، وليدهما كرشان يصارعان الطاولة الفقيرة بضراوة. وعلى سطح الطاولة هناك مظاهرة حاشدة من زجاجات الغرب والشرق وأنواع المزة. هنيئاً لكما هذا الفوز!».
تطلع يمنة ويسرة لكي يتحدث مع أحد. فرأى الحشد الهائل مشغولاً بالثرثرة مع نفسه، الأيدي الخشنة تتلمسُ الجلود الناعمة، والآذان البيضاء تصغي للأفواه الواسعة السمراء ذات الأسنان الصفراء، وثمة كركرة وكأن ساحراً ما يدغدغُ الجمعَ فيضحك ويتأوه ويشرب ويمضغُ ويشير إلى الساعة وينتشي بالرغوة والموعد المنتظر ويعد النقود ويوقع الشيكات المفتوحة ويهتفُ في سبيل عينك أيها الغزال الأبيض!
«أذكرُ الشاعرَ الذي جاء إليَّ في تلك الظهيرة. دق البابَ بقوة، قلتُ: ربما حدثت كارثة كالعادة. فتحتُ فإذا به يقول: هل لديك ورق أبيض؟ قلت: تعرف إنني لا أحتفظ به حتى لا أُتهم بأي تهمة، صرخ: لا تمزح، أعطني ورقاً، وإذا كان لديك شاي وسيجارة وسندويتش جبن فلا بأس!.. أعطيته ورقاً وسرقتُ من مطبخنا الشاي والخبز.
في ذلك الوقت كان لديه غرفة، والآن لا أحد يعرف. قبل فترةٍ وجيزةٍ كان ينتقلُ في بيوتِ الأصدقاء وعلى قوارب الصيادين النائمة على الشطآن. قلتُ دائماً: سيتحولُ إلى مجنون. ولكن ظني خاب، فها هو يبكي ويضحك، ويقرأُ الأشعارَ ويتجرأ على حبِ امرأة. في الفترة الأخيرة اختفى. كانت أمي تكرهه وتقول: لم يخربك إلا هذا الملعون! أيوجد أحدٌ يقبلُ أن يكون متشرداً؟ وحين اختفى راحت تسألُ الناسَ في الأزقة، بل وذهبت إلى البحر تسأل الصيادين، وحين لم تعثر على شيءٍ بكت في غرفتي وصاحت: إلا تبحثُ عن صديقك؟!».
ها هي امرأة تتقدمُ إليك. ها هو حظك المعتق يتفتقُ ورداً ورقياً ذاوياً. ها هي العجوزُ تسحبُ المقعد بخجلِ العذراوات وتجلسُ وهي تروض فستانها عن إثارة القلاقل. تواضعٌ، وهدوءٌ، وثقة.
تشربُ شيئاً من الويسكي وتدخن سيجارة. إنها ليست عجوزاً تماماً. جلدها كأنه مدبوغ تواً. ثنياته وتعرجاته كتضاريس أرضٍ جبلية. الخواتم الذهبية تملأ يدها، كمصابيح في مقبرة. وثمة عقد ماسي يتلألأ فوق صدرها.
نظراتها رغبة جامحة محمومة لم تروضها السنونُ ولا أشبعتها الأيام. لهفة على ماضٍ وخوف من القادم. رجاءٌ لهدنة بين الموت والحياة، بين المقبرة والزهرة.
تتطلعُ بدعوةٍ محمومة، تهزُ رأسها نحو الخارج، وتتشبث بالقلادة الماسية وتقول، قمْ، قمْ.
جاء حظك أخيراً. جاءك التابوت وأنت فتى تضجُ بالحياة. ولكن عليك أن تستجيب لدعوتها فلماذا تقبل الزنزانة الضيقة وأنفاس أصحاب الإبر والمساحيق والسطو؟ لماذا الخبز الجاف في الصباح والعيش الأبيض اليابس في الظهر والشاي الأسود الحامض في المساء؟ أتريد المرأة قبلة؟ أعطها إياه. رقدة في الهزيع الأخير من الليل؟ لا تبخل بها، فأنت لن تدري أين أصابعك ولن تعرف حديد السرير من جلدها!
تبتسم لها. وأخيراً تنطقُ بكلمةٍ مع أحد. وتقول: «نعم، معك أيتها الطحالب والأسنان الصناعية.. ما دمتِ ستدفعين الفاتورة كلها، معك إلى بوابة الفندق ربما، أو بوابة بيتك ولكن فيما بعد لا سيدتي!».
تكلمتْ هي أيضاً. صوتها كصوت آلة تقطع جيداً، شيءٌ يذكره بالسفن القديمة الخربة والماء يفتقها قليلاً قليلاً، أو بالرحى وهي تطحنُ.
تقتربُ وتهمسُ في أذنها:
– أنا معجبٌ بكل هذه الأناقة والجمال!
تبتسم المرأة بالفخر. تتلطعُ أنت إلى الآخرين فترى غزلاناً جديدة تمرحُ. فتاة طويلة ناعمة ذات وجهٍ بريءٍ كاعتراف زهرة بحب، تلتفتُ إليك وتبتسم. آه، ها قد حصلتَ على الأعجاب أنت أيضاً، ربما كان سخرية أو غزلاً. تغمزُ لها فتصدُ عنك باستياء. شــُنقت الفرحة!
قالت العجوز:
– أتحبُ أن تأكل؟
– إنني لا أريد إلا أن آكلك أنتِ!
وأضفتَ بالعربية «حتى أخلص العالم من شرك!».
دفعت المرأةُ الحساب وهي مندهشة لعدد الزجاجات التي أفرغها في جوفه ثم قادته إلى الخارج، واحتواهما المصعدُ لوحدهما. وكانت تنتظر قبلة حارقة مجنونة لكنه احترق من الرائحة وتمنى الهواءَ الطلق.
كان المطعم على سطح الفندق الضخم. تعريشةٌ من الضوء والخيام والطاولات الكثيرة الأنيقة المزدحمة بالأكل والأواني الغريبة والزجاجات والكؤوس البراقة. وكانت رائحة الشواء تسيلُ لعابَ النجوم الصغيرة المزروعة في مظلة السماء كالفقراء المحتشدين في الظلام، كالأيدي الممدودة في السوق والحارات والزحام!
قدموا لهما قائمة الطعام فلم يفهمْ شيئاً ولكنه وضع أصبعه على خطٍ منها وهو يبتسم. التفت إلى المدينة فرأى لؤلؤاً منثوراً وأضواءَ ملونة. اشتعلت البنايات والشوارعُ وجاءت ضجةُ الليلِ خافتةً مفعمةً بالندى كقطةٍ ناعمة الملمس. المدينة والسماء والبحر تسبحُ في الضوء.
أسكرْ مع هذه الحلوة وتمتع بالطعام اللذيذ. العجوز تسألك: ما هي أعمالك؟
«أسألي يا سيدتي البنطلون المرقع، دكان أبي الفارغ، سنوات التشرد الخمس، بشرتك التي أشعلها النفطُ، حارتنا المهجورة، أمي المجنونة وأبي الذي هدهدته التعاويذ!
لا أعرف لماذا صلبوني في الظهيرة. هل لأنني صديق المغضوب عليه: شاعر الحارة المختفي؟ ذلك الإبليس الذي لا يهدأ، والذي ربما الآن يطفحُ على مياه الخليج مع الزيت والدم؟
هيا انهضي أيتها الحلوة لأمارس عملي الجديد. عاشق للخريف والصقيع. الحاضرون يتطلعون إلينا بدهشة. موتوا بغيظكم أيها السادة. هل رأيتم أجمل من هذا الوجه؟
إنني أقبلها أمام الملأ، أنا فارسها الجديد، اضحكوا!».
يحضنها بيدهِ ويهتزُ قرب المصعد، ويرى المدينةَ تدورُ، المصابيحُ تعانق النجومَ والغيوم تهبطُ فوق المطعم، وكل شيءٍ غدا ناعماً وساماً.
ها أنت تمشي إلى السيارة وتترنح على المقعد وتندفعُ الشوارعُ في وجهك وتسمعُ المرأةَ تفحُ:
– هل أنت هنا يا حبيبي؟
« أنا لستُ هنا، ها أنتِ تقودينني إلى قصرك يا أميرة أحلامي، يا كابوسي، يأجوجٌ ومأجوجٌ أنتِ، خذيني برفق ودعيني أرى قصرك الكبير. إنه يكفي لحارتنا كلها يا سيدتي. أعطونا جناحاً!».
بركةٌ وأشجارٌ وممرٌ مفروشٌ ومغطى بالياسمين، وهي تمسك بذراعك وكأنها خائفة أن تفر في آخر لحظة ثم تدخلك غرفة نومٍ واسعة فتجلسُ على السرير وأنت تمسكُ رأسَك. بك دوارٌ وغثيان.
«المرأةُ تتعرى. ها هو الهيكل العظمي يرقصُ. الأفضل أن تطفئ الأنوارَ، لا، لا أحبُ أن أرى عاري أمامي!». لمسُ الجلدَ المتغضن، والنهدَ الميت ويدخل في نفقٍ مظلم، يرى أشباحاً تتطلعُ في وجهه، ويسمعُ صديقه الشاعرَ يئنُ وكأنه يتلقى ضربة قوية في صدره، يودُ أن يمزقَ جلدَ العجوز، لكن النفق طويل ومتعب، ومرة أخرى يتأوهُ الشاعرُ وهو يتلقى طعنة سكين في خاصرته، الشعرُ والدمُ والتأوهاتُ تذوبُ معاً وتشكلُ ناراً يحسُ بلسعها في عينيه، يودُ أن يصرخ في وجه المرأة لكنه يمضي، يحسُ بنفسه يغوصُ في الوحلِ ويحسُ بمذاقهِ كما لو كان حذاءاً يعبرُ مستنقعاً.
العجوزُ فرحة وسعيدة، عصارة الشرق تنتقلُ إلى جلدها المتيبس، تتوهجُ قليلاً، تعضُ صدره بأسنانها الصناعية، تطلبُ المزيد والمزيد، لكنه تجمد، شعر بفداحةِ الثمن، بصرخاتِ الشاعر وهو يحتضرُ والأحذية فوق وجههِ، بصراخ الحارة وبكائها، ولكنه لا بد أن يعطي عصارته للجسدِ المتجمدِ، لا بد أن يكمل الرحلة التي طالت، وهو يحسُ إنه يقتاتُ بنشارة الخشب ويشربُ دموعه.
فتح عينيه وإذا بالضوءِ الساطعِ يملأ الغرفة، وإذا عصافير قرب النافذة وهو عارٍ ومغطى بالدثار. أحس كأنه فتاة تفقد عذريتها مع كلب، به رغبة شديدة في الهرب.
جلسَ فدهشت العصافيرُ ثم طارت خجلةً. الضوءُ يدلُ على تأخر الوقت. بحث عن ساعة فوجد أنها الثانية بعد الظهر. كم أمتصتهُ العجوزُ!
تــُروى في الحارة قصصٌ غريبةٌ عن الذين ينامون مع العجائز. أحدهم مات بعد أسبوع وآخر جن وثالث غرق في البحر!
يخيلُ إليه أن الشاعر لم يمتْ. موجودٌ في مكانٍ ما. مختفٍ عن الأنظار. يبعثُ قصائدهُ إلى محبيه. ذات مرةٍ اختفى ثلاث سنين كاملة، وكانت تصل منه الرسائلُ والقصائد، فيكتبها بخطٍ أنيق ويرسلها إلى الجرائد التي لا تنشرها. كانت أنفاسهُ تتجولُ في الأزقة. وتظهرُ صورتهُ هنا وهناك. وفي ليلةٍ قرأ لأمه قصيدى فحفظتها وبكت. يودُ أن يبكي. يحسُ بكآبةٍ خانقةٍ. لا فائدة من النور والعصافير والشوارع والزهور.
جاءت العجوزُ مبتسمة، متألقة. سألها:
– ماذا يعملُ زوجك؟
– إنه مهندسٌ. ها قد جاء الآن ويحسن بك أن تذهب وتأتي في الليل.
– هل يوجد بابٌ خلفي؟
– لا، أخرجْ من الباب الذي جئنا منه.
ثم وضعت في يدهِ ثلاثين ديناراً. اندفع بقوة ورأى وجهه ممزقاً في مياه البركة الزرقاء. ثلاثون ديناراً؟ عندما كان الشاعرُ ينشرُ قصيدة كانوا يعطونه خمسة دنانير. لماذا لم يترك الشعرَ ويعمل مثله؟
سمع صوتاً خلفه، فوجد الرجلَ العجوزَ يناديه فأسرع إلى البوابة واندفع في الشارع، كانت الشمس قد استولت على السماء، أبعدت النسمات الصيفية الرقيقة وأوقدت الأرضُ فتصاعد وهجٌ وحشي من أسفلت الشارع، أحاطت بهِ دوائرٌ من اللهب والعرق. سمع صوتاً خلفه أيضاً، أبصر العجوزَ يطارده بسيارته، راح يركضُ على الرصيف المشتعل، يودُ أن ينتهي من هذا الألم، من هذا الزحف على الرمل المحترق، تساءل: هل سيطلقُ عليه الرجلُ رصاصة صامتة في ظهره؟
«أودُ أن أموتَ حقاً ، ولكن على طريقتي الخاصة!».
اقتربت منه السيارة. توقف لـه. رأى العجوزَ يبتسم ويغمز بعينيه أيضاً!
بصق عليه واندفع يجري إلى بيته. تناول حبلاً ودخل غرفته. تحسس الكرسي فوجده قوياً وعابساً. عمل مشنقة وسمعَ أمَهُ تناديه وتسألهُ: أين كان البارحة، وهل بات في أحد مراكز الشرطة؟
أسرع بتعليق حبل المشنقة في المروحة. وجده قوياً وثابتاً ويصلح تماماً خاتمة لحياته. وضع المشنقة في رقبته، وما عليه الآن إلا أن يدفع الكرسي ويتأرجح في الهواء. البارحة كان أقصى حلمه أن يدخل زنزانة..!
أليست الحياة جميلة؟ أليس غداء الوالدة لذيذاً؟ يجب أن ينسى العجوز ودنانيرها. أحكم الحبلَ حول رقبتهِ وسمع خطوات أمه تقترب.
سمعها تقول:
ــ أين أنت؟ ألا يجب أن تذهب لتهنئة صديقك الملعون بسلامة
ــــــــــــــــــــــ ツ 4 – سهرة «قصص»، 1994.
❖ «القصص: السفر – سهرة – قبضة تراب – الطوفان – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».
دهشة الساحـر ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
كانت ضجة عنيفة على الباب.
لملم العجوز أطرافه المبعثرة بين النوم والحلم، وتعكز على ظلال الظهيرة، وفتح، وفوجئ بانهمار مطر بُني من المفتشين ورجال الشرطة.
وُضعت زجاجات الكافور والزعتر والورد، وارتجافات المواليد، وشظايا أماني العمر المديد وحبوب البصر، في الأكياس.
لم يكن هناك في الحي من يرمق المشهد.
الأغراب الذين سكنوا وصاروا رجال المليشيا، والجبليون المغمغمون بلغة رهيبة، لم يكونوا يدرون به.
كانت الشمس وحدها ساطعة مثل مليون قنبلة.
تعثر طويلاً ليركب «الجيب». كانت أبعد مشاويره «الخباز» ودكان الأصحاب، وسطح بيته المهُاجم بدوي المكيفات.
في المكتب واجه وجهاً بارداً مغسولاً بغبار الكولونيا. تراءت وراءه الكتب والمناظر الأجنبية. ثمة نباتات غريبة تغمغم.
تأمل الطبيبُ المسئولُ المشعوذ، وهتف في نفسه: «الآن وقع في قبضتي! يا لثارات تلك الأيام المرتجفة من خطواته المخيفة، ونظراته الميدوزية القاتلة!».
فكر كم مضت من سنوات وهو لم يزر الحي، منذ أن حمل والديه المنهكين من السنين فوق كتفيه وحط بهما في برية قاحلة، بمنزل واسع مريح لا يدنو منه القذرون.
في تلك الليالي البعيدة، حيث تلسعه عصي الأولاد الأشقياء، وألعابهم البذيئة، سمع بانتهاكات هذا الساحر للأجساد والأرواح. إنه المخيف الذي لديه أسرار الحي، وأعشابه تكوّن دورة المواليد، وتهيئ الذكورة، وتُعطي القطط السوداء أرواحاً ثامنة.
قال الطبيبُ:
– يا سيد أنت متهم بالقضاء على حياة إنسان. دمرت جنيناً في بطن أمه. هذا إذا تغاضينا عن ممارستك للشعوذة والتطبيب بدون ترخيص.
لم يسمع صوتاً. كأن العجوز غرق في مقعده. تهدلت كوفيته على جبينه، وبانت يده المعروقة محفورة بأخاديد بيضاء وارتجافات زرقاء. ثمة يد كأنها ثعبان مسالم.
انتبه العجوز إلى دوي المكيف، ورأى النبات مذعوراً، وثمة سحابة من الكيمياء الخبيثة في جو الغرفة. الكتب ضخمة وعناوينها مثيرة. لم يستفد من عمره المديد ورحلاته للدخول فيها؟!
سأل الطبيب:
– أتسمعني أيها الرجل.. أنت في موقف خطير، ولا بد أن تدافع عن نفسك؟
وقع نظر العجوز على أسم الطبيب. دُهش. انطلقت به طائرة نفاثة في محيط من الصور والمشاعر، وبرزت أعمدة النور الأولى في غابة الأكواخ. ورأى خطواته تتبعثر مع قنديل في زقاق ضيق، ورجل مذعور يحاول أن يقوده إلى كوخه. كان أنين الأم يسبق الريح.
أعاد البصر على وجه الطبيب، فرأى قناعاً من البلاستك اللدن الموشى بالعظم. وبدا جمهور كثيف من الصغار يسن الرماح ويذوب في الزمن.
في زمن كان النخل وحده مسئولاً عن التراب، جاءته امرأة حزينة. لم تخطُ أبداً إلى منزله. كانت مذعورة، وعريشه كان مواجهاً للهواء والبحر والسفر. أدخل في جوفه الزجاجات والأعشاب والمخطوطات العتيقة. هناك كان يكلم أبن سينا والعيون المنتفخة وارتعاشات النسوة الغامضة.
وكانت الأكواخ وحدها تمتد متحدةٍ ببرية معادية وسيول جارفة، وتمشي النخلة فوق الثرى مكونةٍ الحياة.
أدنى المرأة، ولم يتحسس مبيضها، وغمرها بأسئلة داخلية عميقة، فاكتشف أنساغ الدم الوافرة، وضجيج الخصب ونداء الأنوثة الشاهق.
قال:
– ليأت زوجك إليّ.
ازداد ذعر المرأة. همست:
– زوجي لا يعرف إني جئت هنا، ولو عرف لذبحني..!
يتذكر الآن كيف شهق. وتذكر رحلاته المريرة فوق «الأبوام»* الخشبية المتقلبة في عباب المحيط الهندي، وتجار الذهب المهّرب والعبيد الذين نجوا بفضل أعشابه وإبره، وكيف ساح في الهند ملتقطاً حبوب وبذور المعرفة من أشداق الحيتان واللصوص والحكماء.
صار شوكة مَرةً، وقمحاً وموقوفاً ومديوناً وهارباً مرات. كان يسأل الله والملائكة والنجوم أن يعود إلى أرضه. أعطته الهجرة جلد تمساح وقلب عصفور. أصبحت خرقه وجيوبه وتلافيف أعصابه مشحونة بمسحوق نوراني يجعله بين الأرض والسماء.
شعوذ واغتصب المال وحوّل النساء إلى شراب نبيذي يومي، وانشرخ بأسئلة مرعبة ليصحو في الظهيرة موزعاً الماء والخبز والمال، وليحضن الصبية والصبايا المجدورين، ويقلع عينيه في الكتب الصفراء ليعرف الأوبئة ومدافع الغزاة ترج المدن.
والآن بعد كل هذا الخضم الدموي، لا تزال الشكوك تطارده، والمرأة الأرض العطشى للخصب، تطالعه بخوف وتخشى أن تحدث زوجها!
كان لا بد أن يصرخ ويتهمها بالجهل والجبن، ويعطيها عشباً سرياً للكلام.
جاء الزوج بعد شهور، مرتبكاً منهاراً مسلماً جسده للغموض.
امتدت أصابعه إلى عروقه، وقرأ سائله الشاحب، المتكسر، وكان جسده متوحداً مع الآيات والصلوات، مُشكّلاً صَدَفة كبيرةً من المحرمات والمخاوف، وكان يكره المشي في الليل وغناء البحر وألعاب الطفولة وبيض الطيور وارتجافات النهود.
سحبه إلى رقص الأخطبوط ذي اللحم الأبيض الفاتن في الأرز، ولاختباء السرطان في الرمل وفي سوائل البهار المشتعلة، وسّرب نسغاً من النبيذ الغائر بالرغوة والشهوة إلى أخاديده الشاحبة، وأعطاه أجنحة الطيور ليضع أعشاش الحب والإنسان.
بعد شهور جاءه صاخباً، ساحباً تيساً يضج باللحم والفحولة، وأعطاه إياه وهو يصرخ:
– حبلت امرأتي!
⊛ ⊛ ⊛
كان الطبيب يتأمل المشعوذ مستغرباً، فلم تبدُ على الرجل علامات الخوف. وبدا واثقاً، شامخاً، يجلس في قمة مضاءة بالهدوء والتعالي. كان يود لو ترنح، وصرخ، وطلب الغفران، مثلما يفعل كل المشعوذين والسحرة.
لقد أُعطي مهمة أن يسحق الدجل في المجتمع، ولم يبق الآن دجالون، صحيح أن بعضهم تحول إلى لصوص وقتلة، لكنهم تركوا الطب إلى الأبد.
كان يود أن يقول:
– أيها الرجل تستطيع أن تعترف وتتوب لنخفف عنك العقوبة!
لكنه توقف. أحس كأن عيني الرجل تتكلمان بقوة، وتلك الأخاديد العميقة المحفورة في الزمان والمكان، ترسل برقيات متلبثة إلى كائنات غير مرئية.
أهو ريش الطيور يتحرك خادعاً الغزاة أم موج البحر يهدي القواقع إلى الأطفال؟
أم هي أرجل الصغار المجلودة في الكتاتيب، والأسياخ المحمرة الداخلة في أجسادهم مانعةٍ الأشباح والعيون؟!
كان زمناً يخنق شبحُ النخلة فيه هرولات الصغار، وتُلقى سبع نوى تمر في عين الشمس بديلاً عن حليب مفقود.
وهذه هي فزاعات ذلك الدهر؛ هياكل عظمية لا تزال تجرجر ذيولاً دامية على موائد الفطور.
الآن يتذكر الطبيب لماذا تملكه كل هذا الحقد على النفاثات في العقد؟ في ذلك العريش امتدت له يد صلبة، قطعت جزءً حساساً زائداً من جسده.. الآن تنمو ألوان الإزار البشع، والوجه القميء ويقع في قبضة شبحها المطل. وراح ذلك الألم يكبر مع جزعه المتطاول، وغرفته البعيدة عن صوت الشارع، وتفاقم تلعثمه الدائم، وخجله الحزين، وكان يقذف حجراً دائماً فوق ذلك الوجه المتواري المراوغ، ألا يشبه هذا العجوز؟!
أدمن النيتروجين والأوكسجين وأنابيب الاختبار ولغة المناطيد المحلقة في السماء العذراء، وسبح مع الدلافين المحملة ديناميت لنسف مغارات الظلام، وجاء بجبال من المعادلات والأجهزة، وراحت قبضته تطارد الخفافيش في كل مكان.
الآن عليه أن يرتاح فقد أنجز مهماته، وكون خريطة من النور والرماد.
كان العجوز غارقاً في النوم والحلم.
كانت غابة من الوجوه والأزهار وراء سماده. سحابات تضحك وهي تحصد جداول الضرب. وهو غارق في مياه، يحاول أن يصعد ويتكلم، إلا أن بالونات الهواء تنفجر بعيداً عنه، ووجه ضخم ذو نظارة بحجم بارجة يحاصره في القاع.
——————–
* الأبوام _ البوم : السفينة الكبيرة
5 – دهشة الساحر «قصص»، 1997.
❖ القصص: «طريق النبع – الأصنام – الليل والنهار – الأميرة والصعلوك – الترانيم – دهشة الساحر – الصحراء –الجبل البعيد– الأحفاد – نجمة الصباح».
الدرب ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
إلى أين يسيرُ هذا الطابورُ الدامي الأقدام ؟
لا أثر للقرية أو القصر أو البحر أو الحدائق أو النسمات الشمالية ، تلالٌ من الرملِ وحقلٌ من النخيل الشيطاني ومرتفعاتٌ صخرية ومنخفضات كأفواهٍ جائعة ، والشمسُ هذا البركان المتنقل المتفجر يرسلُ قذائفهُ في الوجوه وهذا الطابورُ يزحفُ بمعاوله ورفوشهِ وجرارتهِ وخيامه وعرقه وأرقه وصرخاته وسياطهِ مجتاحاً الرمال والأعشاب والصخورَ والتلال والنخيل ، خيوطاً من الدخان تعلو فوقه ، يشقُ طريقَهُ مخلفاً خطاً أسود ودماً وعظاماً وبقايا الطعام . .
واجهنا حقلٌ من النخل ، جذوعٌ منتصبة بانحناءات مكسورة ، مجموعة من الشيوخ الشحاذين على أبواب الصحراء . . تمدُ أيديها للماءِ ولكن البلدوزر الأصفر يمدُ لها لها أسنانـَهُ . . تجتاحُ الأعشاب . . يجتاح الأعشابَ والفسائل الصغيرة يقطعها بحدة وقوة ، ننظر إلى الشمس الصاعدة نحو قلبِ السماء ونخفضُ رؤوسنا بسرعةٍ ، إنها تعصرُ القلبَ وتشربُ الدمَ .
يطعنُ البلدوزر النخلة الشامخة ، تلك التي تنتصبُ في عمق الطريق ، يجأر بالغضب وهي تقاوم بصلابة ، يتناثر ( الكرب ) فوق الأرض وتنتزعُ الأسنانُ تلك القشرة السوداءَ لتصلَ إلى البياض الجميل ، تنحني النخلة قليلاً ، تغوصُ الأسنانُ ، يرهفُ السمعَ إلى الأرض اللامبالية . .
أقطعُ بذوراً ، أجمعُ حجارة ، أصطدم بعامل آخر . .
جوزيف ينحني لي باتسامة جميلة ، كوجههِ الوسيم . . اكتسى سمرة الهند الجنوبية ، نتعاون على قطع نخلة صغيرة ، نضربها بحدةٍ وغضب ، لكنها لا تتأثر . . أرى البلدوزر يتراجعُ عن النخلة العملاقة ، ويفاجئها من الخلف بضربةٍ حادةٍ ، تهتزُ ، ضربة أخرى ، لكنها لا تسقط ، العامل الأنليزي الذي يقودُ البلدوزر يصرخُ بهياج ، نسمعهُ فنحفر لنخلتنا ونقطعها من الأسفل ، يتراجعُ الأنكليزي ويطلبُ من العمال الأنتباه . . يهجمُ بضراوةٍ ، تقطع السكينُ الضخمة النخلة فتتهاوى جثتتها بصخبٍ ، ننطلقُ إليها ، نرفعها بسرعةٍ وخفة ونلقيها حيث تجمعت الجذوعُ في مقبرة هائلة . .
تحتشدُ السواعدُ ، تتقاربُ أجسادٌ كثيرة لمئات الرجال ، العرقُ ينضحُ ويغسلُ الخرقَ الكاكية اللون ، الجذوع تــُقذف بعيداً ، الحصى يــُنزع ، الجذور تــُقلعُ بعنفٍ أو تــُقطع أو تــُحرقُ ، بقايا البركة تــُهدمُ وتــُسوى بالأرضِ . أنصتُ إلى صيحات الأطفالِ الذين كانوا يغوصون ويتسابقون من أجلِ حبة لوز ، يتذكرُ جوزيف مدينتَــهُ الكبيرة التي قدم منها ، إنها باتساع هذا الرمل وذاك البحر ، والبشر أنهارٌ تصبُ في كل مجرى ، والغاباتُ الساكنة قرب الجبال ، الخضرة بامتداد النظر ، الورقة الخضراء صفحة من كتابٍ مقدس ، والمطرُ والأنهارُ والمعابدُ والقلاعُ القديمة ومصنعهُ الذي غادرهُ ، وأصدقاؤه وزوجته وطفلتاه ، يضربُ الأحجارَ بعنفٍ ويرملُـها ، يتوقفُ ، يدخن ، يميلُ قبعة القشِ نحو عينيه ، يقول :
ــ يا للشمس ؟ ! نحن لدينا شمسٌ مؤذية ولكن ليست مثل هذه ؟
ذهبتُ مراراً إلى غرفتهِ الوساعة ، حيث عسكرَ جيشٌ صغيرٌ من زملائهِ ، أصطفتْ الأسرة قرب بعض ، فــُتحت النافذة على مصراعيها ، وأنهالت موسيقى الرقص والغابات والجبال والثلوج . . يحدقُ في السقف طويلاً أو يرمقُ صورة العائلة المشتركة . . ما أجمل وجه زوجته ! تنطقُ العينان والقسماتُ والفمُ الصغير والأنف الجميل : ( تعال ! ) ، يتأوهُ بحدة ، ويسحبُ علبة البيرة وينفثُ الدخان . . قطارٌ صغيرٌ يمضي في البحر أو الرمل وهو يلوحُ من بعيد عبر النافذة ، تضيع حقيبتهُ في المطار ، يقرأ نص العقد فيفاجئ بالغرفة الجماعية ، ينتظر دوره للحمام وهو يئنُ من الألم . . يلوحُ لزوجتهِ وتضيعُ ملامحها في النهر البشري المتدفق ، يتذكرُ إنه نسي أن يقبل أبنته الكبرى لآخر مرة ، يرفعُ يدَهُ ، يصرخُ ، وينطلقُ القطارُ ، تضيعُ صيحاتهُ في الأجواء والزحام والمطارات والتأشيرات والتفتيش والحجر الصحي وعقد العمل الغريب واللغات والوجوه المكفهرة ، ينهارُ على فراشهِ مفرغاً العلب والنقود والشجائر . .
يقتربُ رئيسُ الملاحظين الأنكليزي (ديفيد) ، يخزنا بإحدى عينيه ويهزُ العصا في يدهِ، أكتسي بالعرق :
ــ لا أريدُ أية أحاديث أثناء العمل !
طالما رددَ هذه الملاحظة ، أمس تشاجر مع عامل وضربه بالعصا ، توقفَ العمالُ لحظة وهم يسمعون شجاره مع الرجل ، تصاعدتْ صرخاتهُ ، هجمَ بحدة ، تحاوط الملاحظون العمال ، دفعوهم نحو العمل ، مهدنا الأرضَ بصمتٍ ، سمعنا عويلَ الرجلِ ثم رأيناهُ ينهضُ وينفضُ الترابَ ويندسُ في الجموع . .
استوت الأرضُ تماماً ، اختفتْ البركة والأوراقُ والجذورُ ، فرغتْ الشاحناتُ حملتها من الأسفلت . . اقتربنا من فلسعتنا أنفاسهُ الحارة ، غرفنا برفوشنا ونثرناهُ . . أيدٍ كثيرة ، تلالٌ سوداءُ عديدة ، بخارٌ يتصاعدُ ، أحسُ بوجهي يشوى ببطءٍ وبلا توقف . . كم بحثتُ في المكاتبِ عن عمل !
زاحمتني الاكتافُ والرسائلُ ودخلتُ مكاتبَ باردة كالثلاجات ، رمقتني السكرتيرات بلا مبالاة ، سرتُ على الأرصفة ، قرأتُ إعلانات الصحف ، ثم فتحتْ الشمسُ ذراعيها الطويلتين وضمتني ، تمددَ الأسفلتُ على الطريقِ النامي . .
بدأت الصحراءُ تسقبلنا ، الرملُ الأصفر لا نهاية له ، ثمة تلالٌ وحفرٌ وأتربة ، الطابورُ يغادرُ مكانَهُ ويمضي ، ثمة حفرٌ واسعة علينا أن نردمها . . الآلاتُ والرجالُ تنطلقُ حيث تكومَ الرملُ . . جوزيف أيضاً معي . يبدو أن تعباً عنيفاً قد تسلل إلى هيكلهِ الصغير . . يملأ الشاحنة بالرملِ ببطءٍ . .
أغرفوا ، أغرفوا ، أملأوا هذه الحفر بالرمل ، الطريق لا يعرف أحدٌ إلى أين تقود ، بعضهم يقول إلى قصرٍ فضخم ، البعضُ الآخرُ يؤكد إنه إلى جسرٍ ، أغرفوا ، أضربوا هذه التلال ، يتطايرُ الغبارُ ، أسمعهُ يتألمُ من عينيه . .
روى لي جوزيف إنه كان مدمناً على القراءة ، في المصنع الذي عملَ فيه اكتشف أشياءَ كثيرة ، الحروفَ وأسرارَ الكلمات ، الأصدقاءَ ، السواعدَ التي تقفُ معاً ، الابتسامات الطالعة من القلبِ ، جلساتِ الغناءِ والاكتشافاتِ والرحلاتِ ، كان المطرُ والشمسُ الهادئة ، كان الشتاءُ والمعاطفُ والجمرُ ، الطفلتانِ والأمُ والسمرُ ، هناك غرفتاه الصغيرتان ، أكتملَ كلُ شيء وراءه ! كيف وجدَ نفسه فجأة في صحراء يشتعلُ رملُها وتقذفُ سماؤها الحمم ؟
عيناهُ ، كأنهُ لا يرى ، يقذفُ الرمل بعيداًعن الشاحنة ، يملأ وجهَ أحدَ العمال ن يشتمهُ الآخر ، يقتربُ ديفيد منه ، يهزهُ بعنفٍ :
ـــ ألا ترى جيداً أيها الغبي ؟
ــ امتلأت عيناي بالغبار . .
ــ أهذه خدعة للراحة ؟
من جديد يغرفُ ، الحفر عميقة كالآمال الخائبة ، الشمسُ استوت فوق السماء ، اندفعَ اللهب من الرمل والقار . . الأعماقُ الخائبة لا ترتوي بالرملِ ، لم تعد لديهِ كتبٌ هنا ، في النهار تحت الشمس ، في الليل يقدمُ المشروبات في البار ، الدخانُ والسهرُ والأهاناتُ والتعبُ والرغبة في النوم والرحيل ، ومرة أسقط كأسَ البيرة المليء في حضن رجلٍ فلكمهُ بقوةٍ ، سقط تحت الطالولاة ، كانت الأشياءُ كلها تدور حوله ، الكؤوس والوجوهُ والمصابيحُ الصفراءُ والكوفياتُ البيضُ والطاولاتُ ، أحس بنفسهِ يرتفع ويحلقُ في الأعالي ، كأنهُ يجثمُ على مقعده في الطائرة ، كأنهُ يمدُ يدَهُ من القطار ويتذكرُ إنه لم يقبل أبنيته الكبرى المريضة ، لم يودع أصدقاءه في المصنع ، أخذت الأضواءُ الخافتة تدورُ كالزنابير ، الوجوهُ تدورُ ، كانت اللكمة موجعة وحد الطاولة موجعاً ، الندل يغسلون ثوبَ الرجلِ الذي راح يدور ، أبصر نفسَهُ يغرق في بحرٍ عميق من البشر والأحجار والزجاجات الفارغة . .
اقتربتْ سيارة فخمة منا . . أزيحت ستائرٌ داخلية وأطل وجهُ رجلٍ عجوز . . طالع ما أنجزناهُ بغضبٍ واضح. . ثم اندفعتْ العجلاتُ الأربع وأطلقت سحابة غبار عارمة . .
نصف ساعة الغداء ابتدأت . تجمعنا في الخيام الكبيرة المنصوبة . تزاحمنا في بقعةٍ ضيقةٍ وظهرت أكلاتٌ من الجنوبِ والشرق والغرب . تصاعدت الشكاوى والضحكات والآمال ، قال أحدهم : إن رجلين أصيبا بضربة شمسٍ ونقلا للمستشفى . كم تمنى جوزيف أن يصاب بضربة شمس ويرتاح عدة أيام ! أمس حطم ديفيد وجهَ رجلٍ رفض أن يعمل ، سمعنا صيحاته ، نظرنا إليه ، كانت الأيدي تمسكُ الرفوش والمعاولَ وتقودُ العربات والآلات ، ثمة لحظة خاطفة توقف فيها كلُ صوتٍ ، تلك اللحظة الغريبة التي لم يمسعْ فيها سوى الضرب ، وقفت الأيدي لحظة حدادٍ على شيءٍ مبهم ، أنصتنا غلى الرجل وهو يبكي ، الرجلِ ذي اللحية الكثة واسمال الجبال ، بدا أن النشيج قد انبعثَ من الشمس والأرض والتلال والخيام ، ملأ الصوتُ الفضاءَ. . استحالت اللحظة الخاطفة إلى وقتٍ طويل لا يريدُ أن يفضي إلى نهايةٍ . نظرنا إلى بعضنا البعض ، رجالٌ سود وصفرٌ وبيضٌ ، أنبتتنا جبالٌ وأنهارٌ ومدنٌ وصحار ثم القانا التيارُ الصاخبُ في جدولٍ ضيق . النظراتُ تقتربُ ، تكونُ شيئاً غامضاً ، كأن الأيدي تمتدُ زتتجمعُ . لكن البكاءَ توقف ، واستعادتْ الضجة مكانَها المفقود ..
انتهت نصفُ ساعةِ الغداء الخاطفة ، فترة لذية رغم التكديس في الخيام . غفوة صغيرة منعششة . لم تزل الشمسُ مرابطة فوق العيون ، لا نسماتٍ ، لا طيورَ ، لا نخيلَ . أسربة وأتربة وأفعوانٌ أسودٌ يزحفُ إلى جهةٍ مجهولة . قالوا إن الطريقَ يفضي إلى قصرٍ عالٍ في الصحراء ، وأنه ينتظر قدومَ مالكهِ من رحلة شهر عسل. قالوا إن زفافاً مذهلاً سيبدأ فيه . لم يعد يهمني شيءٌ في هذه الحياة ، سرتُ وسرتُ وركضتُ في الطرق ، بحثتُ عن عملٍ حتى أهترأت أصابعُ قدمي ، أنحنيتُ أمام تاجر سلعٍ مهربة ، انتظرتُ أياماً أمام بابِ مقاول ، حتى خفتَ صوتي . لا يبدو أي قصر في هذه الآفاق ، وعلنيا أن نهرولَ في هذا الرمل المجهول . حثتني زوجتي على أن أصمت دائماً ، أمسكتني بحدةٍ وهي تصرخُ ، خرجتُ من المنزل لاعناً كلَ شيء . .
زحفنا ، جاءتْ الشاحناتُ وألقتْ الأسفلت . الملاحظون انطلقوا يعنفوننا على الكسل والأحاديث ، ارتفعت عصيهم وأصواتهم ، أندفع الطابورُ الهائل إلى تلالِ القارِ المتكومةِ ، راحتْ الرفوشُ تأكلُ الوجبة السوداء بنهم ، تتصاعد الأبخرة وهو ينــُنثر على الأرض . .
اقترب مني جوزيف وقال :
ــ لا أستطيع أن أحتمل أكثر . .
الكلمات التشجيعية تتبخرُ في هذا الجو . سقط عاملٌ على الأسفلت . أندفعنا إليه ، غاصَ في القار وشوى ظهره . يتكلمُ بلغةٍ رنانة كالعصافير . نزعنا قميصه ورأينا آثاراً حمراء وانتفاخات في كلِ جسده ، يرتعشُ . أخذناهُ إلى إحدى الخيام . الملاحظون يدعوننا إلى ترك الرجل فوراً .
يتقدمُ ديفيد بحنق :
ــ عندما يسقط رجلٌ لا أريدُ أن أرى أحداً يقتربُ منه . .
يفضُ الصفوفَ بعصاه ويديه وبصاقهِ وشتائمهِ . نعودُ . أنصتُ إلى طائرٍ متعبٍ يرفرفُ في السماء ، يطلقُ نداءاتٍ من أعماقهِ إلى كائناتٍ بعيدة ، إلى أين تريدُ أن تمضي في هذه البراري الموحشة ؟ يلتفتُ جوزيف ويصغي . يقتربُ طائرٌ آخر ، ظهرَ من لهيبِ النار الذائبِ في الهواء . يمضيان معاً ، ويتغلغلان في الضوء..
أي هدير لهذا الطابور ؟ اهتزتْ الأرضُ ، ترنحتْ التلالُ من المعاول وآلات الحفر ، حاولتْ الصخورُ أن تصدَ التوغل ، أطنانٌ من الحصى تــُقذف بعيداً ، الطريق يبدأ خطوة ثم يستعُ ، العرقُ والكره لكلِ شيءٍ والحقد على الناس والحجارة والشمس والقصر والأكواخ . ذات ليلةٍ تـُضاءُ بقعة كبيرة في الصحراء ، تأتي قوافٌ من السيارات الفخمة ، عبر الطريق ، تنتشرُ المضاربُ حول البيت الفخم المتلألئ بالأنوار والنساء ، تشتعلُ النارُ تحت السفافيد والقدور الكبيرة السوداء ، رائحة السعف المحترق والشمبانيا والكافور تهفهفُ مع الريح ، دقاتُ الطبول والدفوفِ وضجة الجاز تسري في الصحراء الباردة . . هل سيرى المخمورون النائمون على مقاعد سياراتهم أية عظام على الطريق ؟
تتناثرُ الصخورُ بعيداً عن الطريق ، يريني جوزيف كائناً غريباً يزحفُ هارباً . كان ضباً كبيراً مذعوراً . قالت لي أصمتْ فصمتُ . اندفعتُ في الشوارع وأرصفة الميناء ، دخلتُ المكتبَ الأنيق فقال لي الرجلُ إننا نريدُ أن نوظفك ولكن . .سرتُ بين الحديد الخردة ، واسترحتُ في الظل ، قرأتُ في الجريدة ، أبصرتُ ألسنة مقطوعة وأنفاقاً مهدمة . .
سقطتْ قبعة القش التي يلبسها . يمسكها بصعوبة ، وجهه احتقن بالدماء في حمرة النفط المشتعل ، أضواءُ الآبار تسحبهُ من زحمة البشر المتكدسين . يلقي الكتابَ جانباً وينطلقُ ، القطارُ ضجة مدوية في الآفاق الخضراء ، قالتْ زوجتي : أصمتْ ! تضيعُ الحقيبة والحقيقة ويشعرُ بأنه طفلٌ ضاعَ في غابة ، قالت زوجته : تعالْ ! لم يرسلْ بطاقة العيد للأصدقاء ، ترنحَّ على الأرض ، ترنحَّ المعولُ والقبعة ، أمسك حجراً دخلَ في كتفه . . لم يتجمهر العمالُ حوله ، سرتُ نحوه ، الملاحظون تنبهوا ، سمعتُ نداءات خلفي ، خفتتْ الضجة قليلاً ، كان جوزيف بلا حراك ، كأن حربة سحرية ثقبت رأسه ، رفعتهُ ، نداءات وصرخات حولي ، توقفَ البلدوزر ، ورأيتُ النخلة تنحني ، قلتُ : سأحملهُ إلى الخيمة ثم أعود بسرعة ، دفعني أحدهم بقوةٍ ، رأيتُ ديفيد فوق رأسي ، خفتُ . .
ــ قلتُ لا تفعلوا ذلك !
ضربني بحدة على كتفي بعصاه . جاشَ صدري بماءٍ حارقٍ ، أستكنتُ وأنا أمسكُ حجراً ، النخيل المحتضر ، الضبُ الهاربُ ، البار الطاولة التي سقط تحتها جوزيف ، تدورُ ، الشمسُ التنورُ ، طابورُ العمال الصامت يدورُ ، اللافتاتُ ، إعلاناتُ الجرائد .
ــ لا يحقُ لك أن تضربني !
ــ أخرس !
حركَ رأسَ جوزيف بحذائهِ . أمسكهُ من ياقتهِ بعنف :
ــ انهض !
الرجلُ لا يقوى على الوقوف ، يضربهُ ، يصرخُ بهِ أن ينهضَ ، يضربهُ ، توقفت المحركات ، الرجلُ يسقطُ كخرقةٍ . تسكنُ الرفوشُ والمعاول . يتقدم عاملان نحو الخيام . صمتَ كلُ شيء . النظراتُ تلتقي . لغاتٌ عديدة تتكسرُ في النورِ الباهر . ثلاثة عمال يتقدمون أيضاً . الملاحظون ينتشرون . صرخاتٌ غاضبة تترددُ في البرية الشاسعة . لكن الصمتَ عادَ يلفُ كلَ شيءٍ .
ـــــــــــــــــــــــــــ ツ 3 – يوم قائظ «قصص»، 1984.
❖ «القصص: الدرب – أماه… أين أنت –الخروج – الجد – الجزيرة».
التـــرانيم ـ قصةٌ قصـــــــيرةٌ: لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة
اقترب الطبيب من مريضه المتشنج.
ثمة جسد منفلت من الإيقاع. أطرافه تمتد من الأفق إلى الحريق. عيونه تستصرخ كائنات خفية، وأصابعه تلمس الرماد وبقايا الأحذية.
الإبرة المتغلغلةُ في جذوره النائية لا تكفي وحدها لإيقاف نظره، وإطلالة زهرته في الأرض الخراب.
لا يزال جسده ينتفض بين الماء والسماء، وقلبه يريد الإفلات من زنزانة الحمى.
هناك زائر لا مرئي يقترب من هذا الإنسان المبعثر. هناك خطوات لا مادية تعطيه جلده ويده، وتجعل الارتجافات الزلزالية تتوقف، والمتلاشي يستعيد أجزاءه بقوة مدهشة.
إنه يحتضن شيئاً، يتغلغل فيه، وبضع مرايا منه تتألق بوهج، وأجزاء أخرى تنبض أواناً وأطيافاً. يعرق بغزارة، وتمتد منه ينابيع وروافد من مياه فوارة، وتحل سكينة، وتحل طمأنينة، وكأنه طائر قادم من تنور، وكأنه نور اتحد بالتراب.
مشهد جعل المرضى والممرضات والزوار يُؤخذون، وتتوقف أفئدتهم عند عقارب الوجه وهي تتحد في انفجار الروح.
وجوههم الشاحبة والمتقلصة وعيدانهم النحيفة المهتزة وأسمالهم البالية كأنها انتفخت بهزة ريح.
الطبيب أغلق الغرفة. أقترب من الجسد الممدَّد، وفتح الضوء على دوائر التشنج والضجيج الدموي، فوجد جلداً رقيقاً برعم زهرات وأقحوانات، وتلك الكدمات وضربات الكهرباء الساحقة في جسد المريض توارت وراء صدى خافت، وجاءت طيور من خلف الشاطئ وأطلقت ترانيم في الفضاء.
⊛ ⊛ ⊛
أيها الأحبة الضائعون في البراري هلموا إلى نبعي. في زمن الصحراء الناري تعالوا إلى فيضي وغمامي. لا تكونوا مثل رجل حرق الغابة وحُوصر في أتونها، وامتلأت حفره بجثث الطيور والأرانب.
في مشيي الطويل في أسلاك الكهرباء الصاعقة لم أجد الراحة. في حبوب السراب لم أجد واحة. في الإعلانات الملونة وقوائم الطعام المليئة بالغزلان لم أر ذاتي. أدانني أطفالي لصمتي.
أيها المتعبون القادمون من الحمم والحمى والأنفاق، جيران النمل، تعالوا إلى خيمتي الوارفة، هناك بدأ نهر الماء يأخذني إليكم.
⊛ ⊛ ⊛
قال الطبيب:
– هل أنت بخير، هل أراحتك الإبرة؟
سأل المريض:
– هل رحل؟
تلفت الطبيب وانتبه إلى ضجة المرضى المتسربة إلى عمق المستشفى. قال:
– ذهبوا للنوم.
كان المريض يتغنى بالكلمات، يترنم، فيطلق حفيف الفراشات والأجنحة والأشعة، وتغدو أصابعه ثللاً من البشر يتدفقون على خيمة في عمق الألم والرمال والظلال تصير واحات وطرقاً ومناجم، وعيونه تبدو كأشرطة الأفلام الملونة العريضة حيث الغابات والآفاق والمدن اللامتناهية.
ارتجف الطبيب قليلاً، وشفتا المترنم تغنيان بوجد، ثم أسدل الستار على قامته حتى صوته.
وفي الأيام التالية لم يصدق الطبيب إن كل هذه التحولات والفوضى، يمكن أن تحدث.
امتدت أطباق الطعام المليئة من القرى والأزقة إلى غرفة المترنم. انتشرت الأغنام والعجول وأقفاص الدجاج في حوش المستشفى وراء سوره. وضعت أكداس النقود والشيكات وبطاقات الصراف الآلي على مكتبه. حشود من البشر تريد رؤية المريض.
وحين يخرج من غرفته، التي صارت مثل كهف بإضاءتها الشاحبة وبأكداس الكتب، لم يعد بإمكانه أن يمشي، كان المترنم يُحمل ويصير حمامة فوق كتلة النهر البشري، ذي الشلالات العارمة والصخور والقوارب الضائعة.
كان يقف فوق رؤوس الحشد ويترنم. كلماته مثل حلوى الأطفال، تبدو عسلية المذاق، تتدفق بحنو، وتفيض من غدير، وتطبطب على الأكتاف، وتضم الصدور والرؤوس، ليتشكل بكاء جماعي مرير مرهف، فتتساقط الخرق الملوثة وأردان الدم والطيور الجارحة.
ولم يعد بإمكان الطبيب أن يعمل، ورأى بعض الأطباء يستلون من ملابس المترنم خيوطاً يضعوها على أكتافهم، ويغمغمون بكلماته وهم يدسون الحبوب والإبر في أجسام المرضى.
حاول أن يمنع الزوار، ويوقف الأقدام والمأكولات الملوثة والتمائم والمجذومين والمتأيدزين، ويعيد المريض إلى علاجه، لكن السيول حصرته في مكتبه، وشاهد أطباء يحررون شهادة شفاء للمترنم.
خرج المريض إلى الشوارع مصحوباً بكرنفال من الألوان والموسيقى واللافتات، وراحت السماعات تقرأ ترانيمه بصوت أخاذ منغم، وظهر دارويش يتمايلون بمقاطعها ويحلقون بأجنحتها.
ثم استعاد المستشفى سيطرته على عـقله وجنونه.
دخل الطبيب تلافيف الأدمغة باحثاً عن سر هذا الاضطراب فعثر على أجسام ضوئية تتفجر مطلقة أصواتاً غامضة.
حرر طلباً إلى الجهات المختصة لإعادة المريض للعلاج اللازم، وبيَّن خطورة انفصامه المتعدد الجهات والإشعاعات.
لكن رداً لم يأتِ.
رأى صور المريض تغزو الشوارع، تحتل الحوائط بين الممثلين والماركات التجارية والُنُصب التذكارية. الصحف راحت تقتبس كلماته، وترانيمه يغنيها المطربون، وتتألق على المناطيد والبالونات الضخمة التي تخترق سماء المدينة.
غدت روشتة في الصيدليات واجتماعات السحرة واحتفالات المهرجين والمفكرين وعمليات الطهر والتطهير والحروب والنذور ولقاءات الغرام والخصام.
قاد الطبيب سيارته في شوارع مزدحمة، دخان وحشود وغبار وبائعة متآكلون وبنايات عملاقة وطوابق من الزجاج والفضة وقطارات قرب السحاب وقطارات في أعماق الأرض والنار وشاشات من النور تنتفض رقصاً ومشروبات وأغان، ورؤوس بلا أجسام وأجسام بلا رؤوس..
توقف باص سياحي. حدثت صاعقة هائلة تحته، انقلب متفجراً وتدلت رؤوس متدفقة بالدماء، وتعالت الصفارات والنداءات وولولة سيارات الإسعاف والحريق.
في النهارات المختنقة والمذبوحة كان طيفُ الترانيم يداعب روح الطبيب مثل النسمات. كان يتذكر وجه المريض الواثق فوق الحشود، وكأن نهراً من الحمام يستعيد صلته بالغيم.
راح يهز ذاكرته ويشك في عـقله، وخيل إليه مرات إنه هو المريض، وإن نوبات الدوار، التي تتحد بالأشباح والكوابيس، والعرق والأرق، ليست سوى أطياف داء عميق.
كانت كل النداءات والصرخات وأشرطة الترانيم المبثوثة كالهواء، والقنابل المنفجرة الموضوعة في المزهريات وحقائب الأطفال، والطائرات المتصدعة في الفضاء، والزلازل والأوبئة الصارخة والحطام والبشر المتبقين تحت الحطام والسمك المنتحر والمدن المشتعلة..
تضربه بريح عاتية فيتخلخل ويتبعثر في الحبوب والخمرة والكآبة وكره البشر والبحث عن حب.
ذات صباح وجد المريض المترنم يظهر في التلفزيون. كانت دباباته تحتل الأبنية والحشود والفضاء.
مضت الأرض كلها تتنفس ترانيم وتمضغ أعشاباً من الورق والدم.
حاول أن يجد رأسه، فرأى جنوداً يقتحمون مكتبه وينتزعون ملفات المترنم ويختفون.
لم ينتبهوا إلى الأشرطة المسجلة، التي بثها في أجهزة الضوء والصدى والصورة.
كانت أشرطة المترنم المسجلة كلها تصرخ في الهواء. هذيانه وبكاؤه من أجل الحبوب. تعطشه للنساء وخزائن المال. زحفه للسم الأبيض. كلها، كلها كانت مبثوثة بالنيون في المدينة.
في المساء كان الطبيبُ معلقاً في فضاءِ غرفة، يرشحُ دماً ورأسه استقرت على النخيل والعصافير، ووجد الخيوط والخطوط والشواطئ والنساء، تتكلم.
بعد ليال مجهولة العدد، كان الطبيب مهدم الملامح، يوزع أوراقاً فيها ترانيم جديدة.
———————
5 – دهشة الساحر «قصص»، 1997.
❖ القصص: «طريق النبع – الأصنام – الليل والنهار – الأميرة والصعلوك – الترانيم – دهشة الساحر – الصحراء –الجبل البعيد– الأحفاد – نجمة الصباح».

