لـم يبقْ شيءٌ كبيرٌ من الحقل، وأحجارُ الأولادِ الأشقياء تسقط أعشاشاً عديدة. حدقتْ الأمُ في فرخها الصغيرِ المرتجفِ من البرد وصاحتْ به: ـــ ماذا بك؟ لماذا أنت مريض دائماً؟ تحرك في العش برجليه الصغيرتين الضعيفتين محاولاً الاقتراب من جناحها، فأبعدته بلسعةٍ شديدة، ترنحَ على أثرها وكاد يصطدم بالبيضة. ـــ حذار أن تكسرها أيها الغبي! ـــ لن . . لن . . أكسرها . . ثم قالَ بوقاحة: ـــ متى سيخرجُ هذا . . إن العشَ لا يكفي لنا جميعاً يا أمي! ـــ يجب أن تبحثَ الآن عن غذائك . . لم أعدْ قادرة على إعالتكم . . هذا البرد قطع عظامي! كانت السحبُ تملأ السماء، وثمة ظلمةٌ غريبة في الوجود ، ولم يكن الريش الذي على جسمه يكفي لصد هذه اللسعات المنبثة في الجو، وحدقتْ الأمُ في التراب لحظة، وبغتة طارت من العش، ووجد نفسَهُ وحيداً إلا من كتلة البياض القريبة، والتي كان بها كسرٌ صغير راح يتسع. وحدق في أثر أمه فلم يجد أي شيء. لقد اختفت تماماً. قطراتُ المطر راحت تتساقط. كانت الأغصانُ تقيه من بعضها، لكن البعض الآخر وصل إليه وراح يبلله. القشرة تكسرتْ أكثر، وظهرَ كائنٌ هزيل، راح يتخلصُ بصعوبة من سائلٍ لزجٍ يحيط به. رمقه بحذر( سوف يتناول شيئاً مما تأتي به الأمُ، لكن هل ستأتي؟ لا يبدو ذلك وهذا المطر المتعب جعل الطيور تختفي!). أخوه كان يرتجف وهو هزيل أكثر منه. اقترب منه معتقداً إنه أمه وراح يصوصئ طالباً الطعام! وصاح به : ـــ أذهبْ عني! وتأملَ المطرَ والشجرَ وهذا الصمتَ الغريبَ الذي تقطعهُ فجأة قرقعة شيءٍ مخيفٍ في السماء، وتساءل ( ألم يكن الأفضل أن تبني العشَ في مكانٍ آخر ؟ وكيف سيعيش هذا الأخ الهزيل ؟!). اقتربَ منه وراح يمتصُ سوائلَ البيضة لكن أخاه حسب إنه يصارعه فحركَ جناحَهُ باضطرابٍ وخوف. أعطاه شيئاً من السائل فوصوص بسعادة، وغطاه بشيءٍ من جناحهِ فدخلَ إليهِ مرتجفاً منتشياً بحرارته. جاءَ الظلامُ الكبيرُ فشعر بأن البردَ يزدادُ بقوةٍ غريبة، ولم يكن ثمة ذلك الضوءُ المنبعثُ من تلك الكتلة الحمراء في السماء، وصارتْ عظامُ أخيهِ تقرقع، فيحسُ بأن ضربات داخلية فيه تكاد تكسرُ ضلوعَه. التحمَ بهِ وتغطيا بالخوص المبلل. ارتعشا، وعطشا، وتألما، ثم ناما وصحيا ، وتضاربا ، ثم سقط الصغير يتألم جائعاً. وكان الضوءُ الصاعدُ المفاجئ، وكان الدفءُ، فتصاعدتْ أصواتُ الطيور وزغردتْ فوق الأغصان مسرورة، وشربت الأرضُ المياهَ وأغتسلتْ الأشياءُ وصارت نظيفة متألقة. نزل الطائرُ برفقٍ ووجدَ ثلة من الطيور تتنازعُ على حبوبٍ قليلة ساقطة من شوال في مخزنٍ ممتلئ. دارَ على المخزن فوجدَ خرماً صغيراً وبضعَ حباتٍ تكاد أن تخرجَ من العتمة. راحَ منقارَهُ يعملُ في ذلك الخشب الصلد عله يوسعه قليلاً. ضرباتٌ حادة آلمته، فأخذ يضربُ برفقٍ ولكن بثبات وصبر، حتى تمكنَ من استدراج حبةٍ لفمهِ، وحين واصل ذلك الدق المتعب، هجمَ عليه عصفوران كبيران قذران وأزاحاه من قرب الخرم وراحا يشتبكان ويتضاربان على الأكل. ابتعد عنهما متحسراً، ومضى يطير فوق بقايا الحشائش اليابسة التي أرتوت ومدت رؤوسها بجذل للضوء. تراءت المستنقعاتُ المخضرة القيعانِ وقد اتسعتْ وفاضت بحياةٍ كائنات صغيرة دقيقة. التقط حبةً كبيرة وطار نحو العش، فوجدَ أخاه منقلباً على وجهه، وقد فارق الحياة من البرد والجوع. القاه من العش وهو يتألم ويرى جسمه النحيف الذي لم يكن سوى عظام ناتئة شاحبة. ازدهتْ الحقولُ بالضوءِ والأزهار والفراشات، وراح يلتقط الديدان وهي تنتشرُ في الأرض المحروثة، ويأكلُ حبوباً من عند باب المخزن بين سحابة من الطيور المتقاتلة في هدوء المكان، ثم يأخذ أعواداً لعشهِ ذي الثغراتِ الواسعة، ويطيرُ بين الطيور عله يجد أنثى مناسبة له. كانت إحداهن تجلسُ على غصنٍ وهي زاهية بريشها، محدقة بعيداً عن وجهه. قال: ـــ لماذا تجلسين هنا وحيدة على هذه الشجرة الشوكية ، تعالي معي لدي عش جميل. تطلعتْ فيه بدهشة وغضب، قالت: ـــ تكلمني أنا أيها المتشرد الوضيع ؟! ذهل وصعق وهمس بألم: ـــ لستُ متشرداً بل أنا أبحثُ . . قاطعته: ـــ هل غادرتْ منطقتكم الحقيرة؟ أنظرْ إلى ريشك المغبر الأصفر وجسمك الهزيل . . هيا أذهبْ بعيداً عن وجهي! يعودُ إلى عشهِ فيجدُ طيراً يجثمُ فيه. يحاول أن يدخلَ فيصده . يأتي طائرٌ آخر غاضباً، يتشاجر معه على الغصن فيسقط متأوهاً. . استوليا على عشه وصار شريداً. راح يطيرُ من مكان إلى آخر. لسعهُ الحرُ وأيقظه الطلُ في الليل الرطب، وجدَ شجرة تغصُ بالطيور المتشاجرة. في هذا الليلِ الذي أضناهُ كانت الظلمة معه. في هذا الصمتِ الموجعِ الرهيبِ كان وجيبُ قلبه يضجُ في صدره. يتطلعُ إلى الفضاء ويسألُ: ما هذا الخرز المضيء البعيد؟ لماذا أنا مثل نقطة عتمة؟ لماذا لا يعطيني هذا النور الكثير حبة واحدة من الضوء؟ راح يغني ويعزفُ في الدروب، وعلى قمم الأشجار، وعند البركِ التي تحتشدُ فيها الضفادع، فراحت تضحكُ عليه: ـــ أي صوتٍ بشع ؟ ! ـــ أهذا طائرٌ أم مذياعٌ بشري مزعجٌ وصدئ؟ ـــ ما هذا الريشُ المغبرُ الكريه الذي يلبسهُ؟ ثم راحوا يرشقونهُ بعظامِ السمك وحصى القاع المضيء! على قمةِ شجرةٍ وجد طيوراً كهلة فغنى بجذل. تطلعوا إليه بجمودٍ وقالوا: ـــ أي غناء هذا؟ هذا شيء لم نسمع به . . الطيورُ مشغولة بأكلها. تطيرُ وتتقاتلُ وترفرفُ حوله ولا تراه ولا تسمعه. يستعينُ بخرير الماء وهمسِ الريح وبكاء الأطفال وضحك الأزهار ولا أحد يسمعه! كرة الضوءِ تتحولُ إلى تنورٍ في السماء، وثمة نارٌ تندلعُ في الشجر اليابس، والدخانُ يهجمُ عليه، وسحاباتٌ من الطيور تندفعُ بعيداً، وشيءٌ من ريشهِ يلتهب، وعيناه تمتلأن بالمياه. برارٍ جافةٌ تأخذهُ، وجبالٌ جرداءٌ تطردهُ، وهو يطيرُ ويغني، وحين رأى وجهه على صفحة بركة لم يعرفْ نفسه. ـــ لشدَّ ما تغير وأصفر ونحف! سمع لحناً مزعجاً راح يضربُ سمعَهُ مراراً. طار ووجدَ ببغاءَ جميلةً تجلسُ في الشرفة وترددُ ذلك النغم. كانت ترتدي أجمل الثياب. حدقتْ فيه بأسى. كان تعباً وجائعاً وعطشاً. قال في نفسه ( أما كفاني تشرداً وعذاباً؟ أنظرْ إلى هذه الببغاء التي تكررُ كلَ لحظة جملتها! طالعْ أي بيتٍ فخمٍ تسكنهُ وأي بركةٍ وحديقة لديها! وأنتَ طوال عمرك تجري في الصحارى وتتلقى الضربات!). تقدم منحنياً، زائغ البصر، متردداً ثم قالَ بخفوت: ـــ أي لحنٍ جميلٍ هذا الذي تعزفينه يا سيدتي! قدمتْ له صحناً فيه بضعُ حباتٍ من القمح وقطرة من الماء. راح يسألُ نفسَهُ لماذا صار خادماً لدى هذه الببغاء وكل يوم كان لحنها يؤذي سمعه؟ والثيابُ التي أعطتهُ إياها لم تخففْ من مشاعرهِ القلقة المنزعجة، والماءُ الذي تدفقَ على ريشه لم يغيرْ لونه الأصفر؟ وما يزال غبارُ الأرضِ وبقايا الشوك يلوثان ريشه؟ أمسك لها الأوراقَ لتعزف، فتحَ البابَ ليدخل المصورون والصحفيون ويأخذون أحاديث معها، كتب كلاماً كثيراً في مدح نغمها الوحيد المتكرر المزعج. الغرفةُ التي نام فيها لم تنسيه أرضَهُ المحروقة وعشَهُ المسلوب وجاءتْ صورُها في كل حلم، ورأى الطرقَ الطويلةَ التي قطعها مشرداً، والطيورَ الصغيرةَ والجميلةَ التي أحبها وأبتعد عنها، فراح يغني بين الجدران ويعزفُ حنينــَهُ ولوعته. قالت له الببغاءُ غاضبة: ـــ أسمعُ بعضَ الأصوات المزعجة في البيت ، من الذي يصدرها؟ ـــ لا شيء يا سيدتي ولكنها مجرد تأوهات لطيورٍ عابرين . . . ـــ يجب أن تمنع مثل هذه الكائنات المقرفة من دخول الحديقة. لم أوظفكَ من أجل أن تنامَ في غرفتك! أمسك عصا وراح يضربُ الأوراقَ. ويصيح: ـــ أخرجي من الحديقة أيتها الغربان! لكن ريشَهُ راحَ يزول شيئاً فشيئاً. ولم يتغيرْ لونهُ الكريه، فاستخدمَ صبغةً لتلوينه، وأشترى أحدث بدلة، وأكل في أفخم المطاعم المشهورة، لكن جسمه لم يسمن ونحافته لم تزل. ومضى يرددُ ألحانــَهُ في غرفتهِ، بهمسٍ شديد، وهو يضعُ وسائدَ على رأسه، حتى خفت صوته وضاع من حنجرته! قال في نفسه (سوف أعود إلى أرضي ، وأبني أعشي وأغرد حراً هناك)! سمعَ لحناً جميلاً في الحديقة. وقفَ وراءَ شجرةٍ وأبصرَ عصفوراً مغبراً يغني. يبدو إنه جاءَ من مكانٍ بعيدٍ وها هو يبحثُ عن نبعٍ وقطرةِ ماء. تركهُ يشربُ ويأكل ثم صرخَ عليه: ـــ أي صوت مزعج لك؟ لقد أتعبت آذاننا أيها المتشرد! لكن العصفور راح يغني غير آبه به. فصرخ: ـــ ألم تسمعني أيها العصفور القذر . . واقترب منه مهدداً والعصفور استقر في قمة بعيدة بين أغصان متشابكة فلم يستطع الطير أن يصل إليه. قال العصفور: ـــ أذهب أيها الكهل المسكين بعيداً عني . . صرخت الببغاء: ـــ إنني لا أستطيع الغناء من هذه الأصوات المزعجة التي ملأت الحديقة، وأنت أيها الكسول لا تفعل شيئاً لهذه الطيور المشاغبة. ـــ لقد تمكنتُ من طردهِم ما عدا عصفوراً واحداً سوف أتغلب عليه . . قريباً . ـــ ولماذا لم تتغلب عليه؟! ـــ إنه فتى وغض وقوي . . ـــ قلْ له أن يأتي إليّ . . أريد أن أراه ! ـــ ولكنه قذر وليس هو من مقامك يا آنستي. ـــ نفذْ الأوامر . . مضى الطائر بحزن إلى الحديقة. راح يقول في نفسه(لقد أصبحتُ كهلاً ولا أقدر على شيءٍ وصوتي الجميل فقدته، وغنائي الرائع ضاع مني!). قال للعصفور: ـــ أيها المتشرد إن صاحبة البيت تريد أن تراك ! ردَ العصفورُ: ـــ ماذا تريدُ مني ؟ ـــ لا أعرف . . أوصلهُ وهو في ضيقٍ شديدٍ ويقول (سوف يأخذ هذا الفتى الطائر مكاني وسوف أُطرد وقد فقدت كلَ شيء!) . كانت الببغاء تغني فهتف العصفور: ـــ ما هذه الضجة؟ إنك تتكررين جملة واحدة بطريقةٍ مزعجة! ثارت الببغاء: ـــ ماذا تقول أيها التافه . . أنظرْ ما كُتب عني، أنظرْ إلى الميداليات والجوائز التي حصلتُ عليها، فمن أنت حتى تتكلم هكذا؟ خرجَ العصفورُ مطروداً. قالت الببغاء: ـــ أيها الطائر الكهل أنت الذي تقدرُ فني في هذا المكان . . لكنني لم أُعدْ أحتاجُ إليكَ أريدُ حارساً قوياً ينظفُ الحديقةَ من هذه الأصوات التي تعكرُ صفوَ حياتي. يناير 2007 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ مجموعة الكسـيحُ ينهض (قصص) 2017 . 🌴 (القصص: الشاهدُ . . على اليمين ــ الكسـيحُ ينهض ــ جزيـرة الموتـى ــ مكي الجني ــ عـرضٌ في الظـلام ــ حفار القبور ــ شراء روح ــ كابــوس ــ ليلة صوفيـة ــ الخنفساء ــ بائع الموسيقى ــ الجنة ــ الطائـر الأصفـر ــ موت سعــاد ــ زينب والعصافير ــ شريفة والأشباح ــ موزة والزيت ــ حمامات فوق سطح قلبي ــ سقوط اللـون ــ الطريق إلى الحج ــ حادثة تحت المطر ــ قمرٌ ولصوص وشحاذون ــ مقامة التلفزيون ــ موتٌ في سوق مزدحمٍ ــ نهايــاتُ أغسطس ــ المغني والأميرة).
السماءُ ذات مستطيلات صفراء ووهجٌ أحمر يشعُ فجأة ويتوارى. البحر اختفى، أو بقيت بقعٌ أخيرةٌ منه، على هيئة تلالٌ كثيرة من القار. الگبگب سامي يخرجُ بصعوبة من الأرض اللزجة، وينتزعُ عضويه المسودين شبه المهروسين من الطين، ويتطلعُ بأسى إلى الوراء، حيث زوجته تغرق، غير قادرةٍ على إخراج البيض. في هذا المدى الموحشِ من الأشياءِ ومن تلاشي النهار، لم يجدْ سامي في قلبهِ أي مكان للدموع. كانت صرخاتُ سربهِ الموجعة لا زالت تصكُ سمعه. ورسائلهم إلى أحبتهم تمحوها موجاتُ الزيت المتفحم المشوي. ليس في المدى أي كائنٍ بحريٍّ حيٍّ آخر، وثمة فقاقيعٌ هائلة من الأرواحِ تصعدُ إلى السماء، بعضها ينفجرُ ويخلفُ عظاماً هشة، وبعضُها يمضي كدوائرٍ من النورِ المجنح. يزحفُ سامي ويتجاوز رتلاً من البقايا والحشائش المعدنية، يرتفعُ إلى حصى الشارع الصلب، ويحدقُ في طولهِ اللامتناهي، وعرضه المخيف. كانت العرباتُ الصاروخية تنطلقُ وتطلقُ دخاناً وتراباً وتشكلُ قبةً كبيرةً من الهواء المشتعل، ويشعرُ بأن صدفتَهُ القوية ذات القواقع والأحجار والعظام والنقود والخواتم المفقودة من البشر تكاد تطيرُ من فوق لحمهِ، لكنه يتمسكُ بها بقوة شديدة. نوافذ السيارات الطائرة تحدقُ فيه بومضاتٍ سريعة، وتكاد العجلاتُ أن تقتربَ من رصيفه، وكل اقتراب منها يسببُ له عاصفةً فيتمسكُ بالأحجارِ وهو مقتلعٌ من الأرض وطائر في الهواء العاصف. كلُ خطوةٍ صعبة، فلم يعتدْ سوى الانغمار في التراب البحري، والسباحة في المياه العميقة، وفي الحروبِ الأخيرةِ لجأ إلى السفنِ والطائراتِ والغواصات الخربة، وكلما سافرَ، وسربهُ في إحداها جاءتْ الحيتانُ وقلقلتْ ذلك الحديدَ الصدئَ فتحدثُ انفجاراتٌ هائلة ويفقدُ السربُ الكثيرَ من الشهداء الذين تـُقام على أرواحهم الطاهرة صلواتٌ كثيفة ولكن بدون فائدة. وفي المرة الأخيرة تشاجرَ مع منافسهِ الگبگب عواد الذي أصرَّ على اللجؤ للسفنِ الحربيةِ المحطمةِ واستخدامِ أدواتِها في إعادة تصنيع أجساد القباقب وحمايتها، في حين كان رأيه هو السباحة بعيداً إلى المحيط والخروج من دائرة الخليج إلى الأبد، لكن رأيَهُ لم يحصل على الأغلبية وبقي الجمعُ كلهُ حتى انفجرت السفينةُ وتدفق سائلٌ غريبٌ من مخازنها والتهم الماءَ واليابسة. يمضي بصعوبةٍ جمة ويشعرُ بعطشٍ شديد، ويحدقُ في حشودِ الناس التي بدأتْ تظهرُ بعد البرية، متدفقةً في خطوطٍ مستقيمةٍ نحو المتاجر، والمعامل، والبنايات الكبيرة، حتى تختفي داخلها، وتخلو الشوارع إلا من السيارات المندفعة ووراءها خيط من النار والدخان. والآن صارت مشكلته أكبر بالدخول في الأحياء حيث يتجمهرُ الصبيةُ وهم يدخنون ويشربون ويتشاجرون، ولو إنه تمكن من التواري عن أنظارهم بين كتلِ الزبالة وحشائش البلاستك لنجا ووصل إلى هدفه المقدس. وفي اهراماتِ العلبِ وبقايا السجائر والسهرات ثمة أشياء تـُشربُ وتؤكلُ كذلك. وهو كاد أن يترنحَ وهو يرفعُ إحدى هذه العلب ويدفقها في أحشائه العطشى. بل صار مزاجهُ أكثر رخاوة وفكرَ أن يتخلى عن مهمته، وأن يجلسَ قرب هذه المزابل مستمتعاً بسوائِلها الكثيرة، ومتخلياً حتى عن الأكل، وربما يجدُ شريكةً له يواصلُ معها الحفاظَ على جنسهِ العظيم، أو شريكاً ينغمرُ معهُ في الحديث والشراب الوفير. لكن مشاعرَ متدفقةً قويةً في نفسهِ أبتْ عليهِ أن يظلَّ في دائرةِ هذه الروائح الرهيبة، وهو الذي كان يرتعشُ لمرأى الغابات الخضراء في الزرقة المائية، وقدم مشروعاتٍ كثيرةً للحفاظ على الينابيع والفراشات البحرية. ومضى لا يلوي على علبةٍ أو قرطاسِ لحم، وسمعَ صرخاتٍ هائلة وراءه، وبدا سربٌ من الصبيةِ يطاردهُ بلا رحمة، قاذفاً عليه الحصى والعلبَ، وهي ترنُ على الحصى، ويتجنبها بخفةٍ، أو يتصدى لها بعضويهِ اللذين يتعرضان لألمٍ فظيع، واندفعَ إليه الأشقياءُ بقوة، وحاصروهُ وهو قربَ صخرةٍ، وراحوا يمدون أيديهم الكثيرة إلى صَدفتهِ وهو ينحني أو يتراجع ويحفر تحت الصخرة قليلاً ثم ينهضُ بسرعةٍ وهم يكادون يطبقون عليه، وأخذوا ينتزعون بعضَ الأشياء من فوق ظهره، وراحوا يصرخون: – وجدتُ ساعةً ذهبية! – هذه عملةٌ لم تعد تساوي شيئاً من القرن الحادي والعشرين! – هذه قطعة أثرية من البلدان التي كانت هنا! وكان في خطتهِ أن يدحرجَ عليهم الصخرة الهائلة لكنهم فروا مذعورين، فرحين ببعض القذارات التي التصقتْ بظهره طويلاً، ولم يستطعْ انتزاعها، وها هو الآن يشعرُ بنفسهِ خفيفة، تمضي بسهولة على الدرب الطويل. اخترقَ حديقة الفيلا في شهر كامل، ثم سبحَ في البركة ووصلَ بعد سنةٍ إلى المرافق، ورغم ذعر حشود الحسناوات والاغماءات التي أصابتهن، والرصاص الذي أُطلق عليه، لكنه لم يُصب بأي أذى. وكان قد أستوعبَ بحدةٍ نظريات البارود الأخيرة والأصداء المتوازية. ووجدَ أمامَهُ حشداً من البنايات والطوابق، وهو الذي فكرَ بأن المهمة سهلة. لكنهُ عاد مرةً أخرى للدرس، وأدركَ بأن صاحبَهُ المطلوبَ يوجد حيث أجمل الجميلات وكثرة المطابخ والمشاوي واتساع التلوث وكثرة المعوقين. وفعلاً سمعَ صوته، وهو الذي كان يأتيهم على موجاتِ الأثير المائي بشكلٍ شبه يومي واعداً بإنجازات كثيرة، ويدخلُ هذا الصوتُ المعدنيُّ المؤلمُ كلَ محارةٍ جبراً، ويأخذُ من كلِ قوقعةٍ رشفاتِ حياة، ومن كلِ بقعةِ زيتٍ حبةَ ماسٍ، ومن كلِ غابةِ أعشابٍ حوريةً، ومن كلِ تلةِ صَدفٍ سجادةً حريرية. الحرسُ يملأ الأرضَ حوله، لكنه يتقدمُ واضعاً سحابةً من العشبِ الأخضر، ويدخلُ الفيلا وغرفة النوم الشاسعة، ببطءٍ شديد لكن بعزمٍ كبير. وفوجئ الرجلُ القطبُ بالكائن المتحجر يزيحُ لحافَ الخضرة ويتقدمُ نحوه بعضويه الكبيرين المخيفين، وراحت أصابعهُ تمتدُ نحو الأزرار ليملأ الدنيا بالجند، لكن المخلبَ الثنائيَّ يقطعُ الأسلاكَ الملونة، وراحتْ الجواري يهربن ويتساقطن من فوق الشرفات إلى البركة برعبٍ شديد، أو يتعلقن من شعورهن بالميازيب والقرون، وأتت ضجةُ الأحذية العسكرية عنيفة حادة، وبدأ البيت الكبير يتقلقلُ. لكن الگبگبَ أسرع إلى بطن الرجل وغيصَّ عضويه فيه، وراح يخرجُ سربَ السراطانات وبساتينَ الأزهار وحقولَ الفحم والزيت والشواطئ البيضاء المفتوحة للمياه والنوارس ، ومناجم اللؤلؤ والجماجم. وراحت حشودٌ من الرجال المسلسلين والممزقين تخرجُ من البطن الهائلة المشقوقة وهي تركبُ أجزاءها وأعضاءها وخلاياها وتلملمُ أشعارَها وحكاياتها. وخرجت النساءُ من القماقم والأسرَّة والأصداف. فأمتلأ البحر بالموج والزبد والأجنحة وعادت الجزر وغابات المرجان والأطفال.
مايو 2009 ـــــــــــــــــــــــ إنهم يهزون الأرض! «قصص» 2017. →— ❖ «القصص: رسالةٌ من بينِ الأظافر – الأسود – عاليةٌ – جلسةٌ سادسةٌ للألمِ – غيابٌ – عودةٌ للمهاجرِ – دائرةُ السعفِ – الضمير – المحارب الذي لم يحارب – الموتُ حُبَّاً – إنهم يهزون الأرض! – حُلمٌ في الغسق – رحلة الرماد – أعلامٌ على الماء –گبگب الخليج الأخير – المنتمي إلى جبريل – البق – رغيفُ العسلِ والجمر – عوليس أو إدريس – المفازة – قضايا هاشم المختار – أنشودة الصقر – غليانُ المياه».
أنا الكلب عنتر ، كما أسماني صاحبي ومكتشفي الأول: عطية المجنون، أتقدم بمحاضرة في هذه الجامعة العتيدة ، متشرفاً بالتحدث أمام نخبة من المفكرين والباحثين، متمنياً أن تكون مداخلتي المتواضعة فرصةً لإثراء الفكر في هذا البلد المعطاء.
لقد تغيرت مدينتنا كثيراً منذ أن تفتحت عيناي لتراها لأول مرة. لقد كانت مدينة عظيمة وهائلة . كانت ناطحات السحاب على مدى البصر، وكنتَ تشاهد خطوطها الهائلة البراقة ، سائرة مع البحر الأخضر الواسع، الذي لا ينتهي إلا بسماء زرقاء شامخة .
أين نحن الآن من هذا ؟ لماذا عدنا إلى الخرائب ؟ كيف حدث ذلك ؟ سوف أخبركم عن هذا من خلال حياتي ذات التجارب المريعة .
لقد كان عطية يهذي ويتراقص مطرطشاً لعابه حولي، وهو ينتزعني من برميل القمامة، ويضعني في صدره، وينظفني في كوخه..
وبصراحة فظة، لم تكن علاقتي بمحبي الأول، مريحة وممتعة. لقد كان هذا الأب الذي يغذيني بالسمك المتعفن، وببقايا علب اللحم، يربطني بحبل سميك، ويجرني في الدروب، فوق أسنان الطرق .
كان يمشي بسرعة وتقلب غريب، فأهتز وأترنح، ويشدني الحبل بقوة من عنقي، فتختفي كلماتي، ويتفجر نباحي !
لم يكن الصغار يتركون عطيةً سائراً في مشيته المتراقصة الغريبة، ورأسه تتطلع إلى جانب وحيد من السماء، ولعابه يتدلى كخيط لا ينقطع، كأنه في نشوة صوفية دائمة؛ بل ينقضون عليه من كل الجهات، ويمطرونه بنوى اللوز وكرات القراطيس والخيش، فيجثم على الأرض صائحاً، متحاشياً الضربات، جارني معه إلى قاع حفرة، أو نترنح معاً من فوق الرصيف، والصبية يسرعون إلى انتزاعي منه، لكنه يسحب الحبل بقوة، فيكاد يقبض على روحي بيده الصخرية، فنلتحم بقوة بين التراب والغبار وسوائل اللوز واللعاب والدم .
وبدلاً من أن يأخذني بحنو، ونحن نعود إلى ذلك الكوخ المهترىء، المليء بعلب الحديد الفارغة، والتي طالما قرعها قرعاً دائماً مسبباً لي الصداع والألم؛ فأنه يربطني بعمود، ويروح يقذف على جسدي الواهن الجائع، كل الكرات التي أصابته .
وحين ينام يترك جروحي لليل والعتمة والألم، ويدع الحبل الملتف على جسدي يواصل التغلغل بخيوطه وأملاحه ورقصه في عظمي .
كانت تغمرني شرارات وصرخات وتأملات مريرة في هذا الوجود الغريب، وتندلع رغبة عارمة للإفلات من هذه الحبال والضربات والصراخ، ومن الجري الفجري إلى براميل المطاعم، وتلمس بقايا المخمورين .
حتى أسمي لم أتمكن من معرفته بوضوح، فعطية لا يكاد يفتح فمه بكلمة، بل هي حروف متناثرة، وغمغمة مرعبة، وأصوات ناتئة مُضحكة .
كان يرق قلبه أحياناً، فيضمني إلى صدره ، ويجري بي على ذلك الشاطئ الأبيض ذي البنايات الشاهقة ، ومربعات الشجر ، والمقاهي ، والسفن المفتوحة للرواد والموسيقى والدخان ، وحينئذٍ كنتُ ألعب وأقفز بين الزبائن وأتطلع إلى الشاشات المضيئة بالألوان والكلمات، فأقرأ، وأغني وأرقص وأسبح في مياه البحر والناس.
لكن تلك الومضات سرعان ما يعقبها رفسٌ وقذفٌ في الهواء وعلى الجريد، وربط في ذلك العمود، فكنتُ أحتجُ بعنف، دون أن يأبه عطية .
في ذلك الربط المضني، وفي سكرات الحلم والألم والضنى، في لحظات الجوع الحارق والرغبة في الأنثى والرفقة والموت، في الليل المدهش بظلماته وقمره الذي يشبه عظمة كبيرة في السماء، تسيحُ منها خيوطُ الدهن واللحم، في تلك المصيدة من الظلمات والآهات ..
كنتُ أرى ذلك النور البرتقالي الواسع المدهش ذا الأصوات المنفجرة، والدوي المخيف، كانت الأرض تنفلق، وكرات هائلة من النار تتدفق نحو الأبنية والبيوت والشوارع، تجيء بالوناتٌ كبيرة تحرق الليل والرؤوس والشجر . ويطلع رجالٌ من الأقبية، من الغابات، من الفيافي، والكهوف وينتشرون في العيون..
كنتُ أنبح طوال الليل، أرسلُ صرخاتي إلى المارة، والى أصوات المذيعين، وللأقمار الصناعية في السماء، والى الكتب والجرائد، والى ألسنة البغايا ولعلعة الميكروفونات الصاخبة..
كنتُ أنزف من كل خلاياي .
أنا هيكلٌ عظميٌ مرهق يترنح وراء شبح رجلٍ : بقايا كائن، لا يسمع، لا يتكلم، يقرع العلب طوال النهار، يضربها في الحجارة الصماء، يهز طبقات الأرض، ولعله حينئذٍ كان يسمع دبيباً ضئيلاً، لكن رأسي كانت تنفجر، فتندلع حربٌ إذاعية بين مائة محطة، وأذهل كيف أقاوم وأفكر في مسائل الوجود والنار القادمة، وتظل الأصوات الغامضة، والصرخات الوحشية ترن في أعماقي، خافتة، ثابتة، مؤلمة..
وإذ كنتُ أصرخ لكائن ما، لكي ينقذني، فإن رفاقي الكلاب كانوا يتحسسون الخوص قرب جسدي المُعلق على العمود، ويحاولون عض الجريد وقطعه، بلا فائدة .
راحت كرةُ النار تكبر في رؤياي كل ليلة، وتشع بالزجاج المتطاير، وبالجذوع والجذور المُقتلعة من أعماق الأرض، وبالأشباح، والجثث الطافية، والُمعلقة..
لم أجد سوى أن أصرخ وأعض يد عطية. أتقلب وأبكي وأتضرع، فيقذفني إلى ركن الكوخ، ويدوس روحي.
يربطني بقوة وينام .
حينئذٍ حدث الدوي الذي رأيته في قعر نفسي. جاء الظلام الذي أنفجر في نوري . دوت الصواعق، ونزلت النجوم إلى الدكاكين والأزقة والعظام، وراحت الشهب تتساقط محدثة دوياً وهزات عظيمة..
أصغيتُ إلى فحيح رجال وهم يلتهمون الأجساد الغضة .
بدأ الكوخ يحترق . عطية لم يسمع أي شيء. ثم بدأ اللهب والدخان في قلقلته وهزه.
سقط قرب قدمي لوحٌ مشتعل. اللهب عضّ وجه عطية. أنتفض مذعوراً، محدقاً برعب في الكوخ، وكاد أن يخرج.. لكنه عاد وانحنى والدخان واللسع يحيط بوجهه. رأيتُ أنصال النار تتكلم في جلده .
كانت صرخته بأسمي في ذلك المحيط من الضؤ الجارح مدهشة وغريبة ورائعة. كان لأول مرة ينطق أسمي بقوة ووضوح، ويتلقى جذعاً مشتعلاً، فنزف اللغة والجسد معاً.
حين خرجتُ لم يظهر من كومة النار والسعف الأسود .
اختفت بعدئذ النار، وعادت السماء إلى الزرقة، ومشت الأرض بشوارعها وشاحناتها ممتلئة بالتفاح والصبايا.
قالت لي الريح :
أين ستمضي وكل الجهات مسدودة أمام الزهر، والبنادق تبحث عن جسدك، ورفاقك يقتلون عند البراميل وهم يبحثون عن لقمة العيش، والقيود تنغرز في عظامهم، والحفر تستقبل جثثهم ؟!
أين تمضي وجسد عطية في روحك، كلما ألتفت وجدته أمامك، وترى حصاه يدقُ رأسك، وحباله لم تفلتك، ولعابه يندلق في حلمك!؟
كنتُ مذعوراً، أهرب من كل مكان، لا تسعني الحفر، وتصرخ عليّ البراميل، وتشير إليّ اللافتات . في ضؤ السيارات أتحسس عقارب تدب في أذني . ومن بريق النجوم أرى وعيد النار القادم .
لماذا لا يتركني هذا الحلم المخيف، ولا الأصوات، ولا الأضواء، وتتفتت الشمس إلى مليون قطعة بحجم الجزر، ويغدو البشر مثل النمل المشتعل ؟
أشرب بقايا علب السكارى، أشم دخانهم، أغوص في ماء البحر البارد، أتطلع إلى ألعاب مهرجي الشوارع، أهرب من نشرات الأخبار، لكن الحلم يندلع في الليل، يكبس على رأسي، وتتدفق عربات النار من الكهوف..
لستُ إلا من بقايا عطية المجنون .
لماذا أسماني عنتراً ؟ هل كان يدرك هذا الأسم ، هل وصلت شظاياه إلى قعر عقله البعيد، المتواري في باطن الجسد؟ هل كان يريد تحويلي إلى بعض معناه، في مدينة هائلة من الصمت والخوف ؟ ل كانت أحجاره وضرباته استثارة لي لكي أثور؟
لماذا أجري دائماً، وأحس بأصابعه تنغرزُ في عظمي ، ولا أستطيع نوم الليل، ولا قطع الحبال ، وأسمع أصوات تقترب منُذرة بعاصفة النار، فأصحو من الكابوس، وأجد أنني نائم، أجري في فراغ العتمة، أصرخ بلا صوت، أوقظ الأصدقاء فتصحو الجثث بهياكلها المُقهقهة..
هيا، هيا، يجب أن أغير نفسي، كنتُ أقول لذاتي هذا، بل كنت أعضها، كما لو كانت عظمة، ولا أطعم سوى خلها.
بدأت أخربش على الورق، وأعبث بالألوان، وأحول الأصوات إلى ضؤ.. أصرخ :
ــ هذه المدينة كلها نائمة ومسترخية فوق وسادة كبرى من الرماد، وأنت وحدك اليقظ المُعّذب، تلتهمك الرؤيا كل ليلة، كل ليلة!
لا، لا! يجب أن تقول شيئاً. ليس معقولاً أن ترى النار تقترب وأنت تمصمص العظام بلذة . ألم تتنفس الفجر في هذه الأرض، ألم تعبئ عروقك من فرحها وأسماكها؟
أكتبُ، أكتبُ كثيراً، علّ وسادةً مسترخية تنهض .
تخرج أحلامي صارخة. اللهب المدفون في رأسي يتراءى وهماً يلتهم البشر. يظهر المجانين من تحت الأرض وهم يمدون أسلاك الديناميت عند أسّرة الأطفال.
يستدعوني إلى غرفهم المعتمة الباردة . أتلقى رفسات كثيرة . يقذفون بي إلى الجدران.
ــ من أنت لتفسر هذه الرؤيا ؟! مجرد كلب يعيش على المزابل، فتحترق هذه الأرض ثانية وثالثة وعاشرة.. أنت عليك أن تخرس..لا تظن نفسك كلباً مميزاً، لأنك كتبت شيئاً !
بعد أيام كانت طوابيرٌ من المركبات الحديدية تقذفُ النار في كل اتجاه. وطائرات تغير علينا من كل الجهات. لم يبق بيتٌ واقف. وبقيت أيدٍ كثيرة مرفوعة أو مقطوعة!
السادة الذين امتلكوا كل شيء هربوا وتركونا بين الأنقاض!
لكل كلمة عظمتها، ولكل صمت عاره. لكل روح صاعدة نبيلة تواجه الخطر قدسيتها، وللزاحفين والهاربين عارهم الأبدي..
وأنت أضعت السنين جلها في النباح على الأشباح!
هرب الغزاة واستعادت الأرض عافيتها. عدنا للخيام والإبل. رحنا ندرب الأطفال على الضحك. وعاد السادة للخزائن. رحتُ أخلط بين الرؤيا والخبز. لا زلتُ أحلم بالنار. هناك محطات كثيرة مفتوحة وتضج الحمم . هناك…!
أيها السادة دعوني أكمل محاضرتي، غير معقول أن توقفونني وتسحبونني وأنا بعد لم أنه حديثي بين كل هؤلاء الحاضرين الصامتين !
❖ «القصص: طائران فوق عرش النار – وراء الجبال – ثنائية القتل المتخفي – البركان– سيد الضريح – وتر في الليل المقطوع – أطياف – رؤيا – محاكمة على بابا – الحارس».
تمهيد: تجيء هذه الدّراسة لرواية «الأقلف»** لــ «عبدالله خليفة» وللمتسائل أن يستفهم ما الداعي التي حملتنا لدراسة هذه الرواية دون غيرها من الأعمال الأدبية؟ إنّ من الضروري هنا تسليط الضوء على الأسباب التي من خلالها نستحضر ماهيّة البحث، للوقف على النتائج المرتقبة. وتأتي في طليعة تلك الأسباب أنّ رواية «الأقلف» لم تحضَ بدراسة تعطيها حجمها الفنّي المناسب ، تبرز خصائصها، ولستُ أدّعي أنّي سأطلع على المخزون الفنّي المكون لهذه الرّواية ، غير أنّي أؤكّد هاهنا إنّي سأقدّم شيئاً جديداً، قدْ لا يرقى مع طموحات هذه الرّواية.
منهجيّة البحث: لقد ابتغيت المنهج النّفس مسلكاً في دراسة الرّواية، وأداة لاستكناه معالمها المتميّزة. إنّ انطلاقي في هذه الدّراسة متسلّحاً بالمصطلحات النّفسيّة، تعينني سبر أغوار هذه الرّواية فنّياً ، وفتح مغاليقها المتوارية. ولنا أنْ نتساءل، لماذا المنهج النّفسيّ دون غيره؟ وقبل الإجابة عن هذا السّؤال نطرح سؤالاً آخر قد يكون مرتكزاً للإجابة على السؤال الأوّل مفاده: هل لتكوين العمل الفنّي دور في تحديد الجهاز الواصف؟ لاشكّ أنّ التكوين الفنيّ للعمل الأدبيّ يفرض طبيعةً منهجيّة قد تكون الأساس، لكنّه لا يكون نقطة البداية والنّهاية ، كما أنّه المحدّد في درجة التعامل معه إن سطحاً وإنْ عمقاً. ولقد قسّمت بحثي هذا إلى ..، تسبق هذه الفصول مقدّمة أراها قاعدة يتكئُ عليها البحث، استوضح في الزاوية الأولى فيها الملامح الواقعيّة لهذه الرّواية، وفي الزاوية الثّانية أوضح فيها علاقة النّفس بالعمل الأدبيّ انطلاقاً من (التحليل الأوديبي)، وسوف أوظّف بعضاً من العناصر الدّلاليّة (المربّع السيميائيّ) لإنجاز هذه الدّراسة وتطعيم تلك المادة الخام بالمعطيات الفنيّة التي تزخر بها هذه الرّواية . هذا وسأتوّج في نهاية المطاف هذه الدراسة بخاتمة أتوصّل عبرها إلى أبرز الخصائص النّفسية التي ترسم أبعادها الفنيّة.
مقدّمة أوّلاً: الملامح الواقعيّة رواية «الأقلف» رواية واقعيّة ، تنطلق في تكوينها من قطعة مكانيّة مرسومة جغرافيّاً، وفي إطار زمنيّ محدّد . تحكي واقعاً يفرزُ مرارة الإنسان العربيّ، قد تركت كلّ حفنة من تراب وطنه بصمات الحرمان في نفسه فقد (رزح الوطن العربيّ بمختلف أقطاره لاستعمار يستغلّ ثرواته وطاقاته وقدراته، ويحاصره في كلّ مكان بصنوف القهر والكبت والقهر، فقامت الرّواية بمهمّة الضمير العربيّ في مواجهة التحدّيات والأزمات التي عانتها الأمّة العربيّة في طريق تحرّرها وتقدّمها، فعبّرت عن أفكار الأمّة ورصدت حركات الجماهير ونضالها عن طريق رسم شخصيّاتها ، وعلاقاتها ونزواتها ، وتصويرها لمختلف جوانب الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة)(1). (إنّ النّص الأدبيّ إذن يعيننا عل فهم التّاريخ وحركته والإفادة منه ، لما يحتويه في حدّ ذاته من دلائل فنّية ، ويمكن أنْ يضيف إلى وعي الجماهير قوى جوهريّة تتحكّم في المواقف من خلال التّطوّر الفعّال (التّأثير الإيجابي) والانسياق تحت وطأة السلطة السّافرة في أيّ مجتمع بحيث يتحوّل إلى وعي المتلقّي ، بفعل المؤرّخ ، إلى أداة ووسيلة في أيديولوجيّة السلطة السّائدة (التأثير السِّلبي))(2). الرّواية إذن تسجيلية لا تعدو أنْ تكونَ عملاً شفيفاً لمرحلة تاريخيّة، بيد أنّنا عبر هذا التحليل سنستشرف جوانب فنيّة قد انفردت بها هذه الرّواية، ذلك لأنّ الأيديولوجيّة الواقعيّة التي تتحرّك في فضاء الرّواية تتحرّك من بؤرة التّحولات النّفسيّة التي يرسمها الكاتب في شخصيّات عمله الرّوائي. هذا وسوف ينكشف لناً جليّاً عبر الدّراسة أنّ هذا الملمح الفنّي (الواقعيّة) الذي نسج خيوط الرّواية، لم ينغلق على نفسه، بل كان منفتحاً على طبقات فصول الرّواية على معطى فنّي جماليّ مستمدّ من أبعاد الحركة النّفسية المرسومة لشخصيّات الرّواية .
ثانياً : الرّواية والدراسة النّفسية تنطلق دراستنا هذه لرواية «الأقلف» من منطلق التّحليل النّفسيّ، ولقد ابتغيت التّحليل الأوديـبيّ منهجاً للدراسة والتحليل، ومرتكزاً ناجزاً لسبر أغوار هذه الرّواية واستحضار عناصرها الفنّية. (إنّ عقدة أوديب وما ينشأ عنها من مركبات تمدّها بكثير من الحقائق الّتي تفسر لنا سلوك الأشخاص ومواقفهم)(3). (إنّ التّحليل النّفسيّ في النّقد والأدب برز فعليّاً مع ( سيغموند فرويد ) الذي يرى أنّ العمل الأدبيّ موقع أثريّ له طبقات متراكمة من الدلالة ولابد بالتّاليّ من كشف غوامضه وأسراره (4). وقبلَ أنْ نخوضَ في هذا الميدان، أقف سريعاً في هذه الأسطر أبرز خلالها علاقة علم النّفس بالأدب) فليست علاقة الأدب بعلم النّفس مسألة حديثة العهد، بل هي قديمة قدم المادة الأوديبيّة ذاتها، وليس من مغالاة القول أنّ الآداب القديمة هي أوّل المدارس التي عالجت مكوّنات النّفس البشريّة)(5). (إنّ النّفس تصنع الأدب، وكذلك يصنع الأدب النّفس، النّفس تجمع أطراف الحياة لكي تصنع منها الأدب، والأدب يرتاد الحياة لكي يضيء جوانب النّفس . . وحقيقة هذه العلاقة ليست مستكشفاً للإنسان الحديث، لأنّها كانت قائمة منذ أنْ عرف الإنسان وسيلة التّعبير عن نفسه)(6).
تحليل الرّواية: ■ أوّلا: التكوينات الدّلاليّة لحركة الذات. رواية «الأقلف» لــ «عبدالله خليفة» تعالج إشكاليّة الاغتراب الإنسانيّ بوعي جديد، عبر جدليّة الصّراع عبر المتكافئ بين قوتين: قوى مطحونة / قوى طاحنة. تشكّل هذه الجدليّة متّكأً نفسيّاً ، يفتح أمامنا أفاقاً دلاليّة. من هنا لابدّ أنْ يقف القارئ بادئ ذي بدء عند عنوان الرّواية ؛ ذلك لأنّه يمثّل البؤرة السّاخنة التي تكوّن منها الجسد الدّلاليّ لفضاء الرّواية. إنّ العنوان يشي بمعطى نفسي لأنّه يكتنز دلالة تصبّ بشحناتها في فضاء النّص، إذ يستجلب تماهيات دلاليّة عبر فضاء نفسيّ تتدفّق منه معاني القمع والانسحاق النّفسيّ، فتنشرها على حقول الرّواية ليذهب بنا بعيداً إلى أعماق النّص للنّزوح إلى قراءة دلاليّة تستجلب خامات التّحولات النّفسيّة لشخصيّات الرّواية القائم على التّضاد الدّلاليّ، هذا التّضاد النابع من أغوار حركة التّاريخ، والذي أحسبه انعكاساً للحركة الأيديولوجيّة الواقعيّة التي تتحرّك فيها فصول الرّواية ، في إطار التّحولات النّفسيّة التي تسبح في فضاء دلاليّ فسيح . يبدأ المفتاح الفنّي لرواية «الأقلف»، انطلاقاً منْ تشخيص الرّاوي لأزمة «يحيى» بطل الرّواية، البطل الذي يحمل في ذاته حزمةً من الأزمات والعقد النّفسيّة. (إنّها جملة من التّطورات والذكريات ذات القيمة العاطفيّة القويّة، واللاواعية جزئيّاً أو كليّاً)(7)، فلقد وجد نفسه غريباً عن النّاس، إنّ ولادتهُ بلا أمّ ولا أب، وحالة الجهل المهلكة التي عاشها في كتف جدته، والمستشفيات والأكواخ البالية، والجدّة الخرساء، والأطفال المعتوهين، عناصر مثّلت بكليتها حالة الضياع النّفسي، ممّا جعل عقله ينساب نحو عاطفة الحبّ والخلاص المأمول. يتشكّل النص فنيّاً انطلاقاً من هذه الأزمة النّفسية رسمت الحالة المتناهية لنفسيّة البطل المتصّدعة المتوارية خوفاً وحنقاً، وذلك عبر الأفق الروائيّ الذي اعتمدهُ الكاتب كإسقاط أوّلي، يبرز المخزون اللاواعي الذي تغذيه الحقول الوصفيّة التي وظفها الراّوي لإجلاء الحالة التي كانتْ عليها المناخ الرّوائي، فرسمت شفرات الكبت (إنّها عمليّة يرمي الشّخص من خلالها إلى أنْ يدفع بالدّوافع والأفكار والتّصوّرات إلى منطقة اللاوعي)(8)، الذي يضرب جذوره في الـبُنى العاطفيّة والجسديّة للحياة الجنسيّة التي يفترض إشباعها أو كبتها. ولاستجلاب التّحولات النّفسيّة التي ترسم الملامح الفنّية لعناصر الرّواية نقف بين محطّات توصيفيّة نرصد فيها حركة ذات بطل الرّواية «يحيى»، وانعكاسات ذلك على التّكوين الفنّي للنّص. أوّلاً : ترسيمة المربّع الدّلاليّ (السيميائيّ) الدّاخل في تكوين منطقة (اللاّوعي) لبطل الرّواية:
يشكّل التّضاد القائم بي مفردتي الإشباع والقمع ومتضمنيها اللاّإشباع واللاّقمع أساساً للتناقض الحاصل بينَ الرّغبة والهروب، وبينَ الانقلاب والانفتاح، وتتوزّع هذه المضامين الدّلاليّة، وتفضي إلى مجالين دالّين: الأوّل: (سلبيّ)، يجمعُ بين حالتي القمع واللاّإشباع، والهروب والانغلاق. الثاني: (إيجابيّ) يجمع بين حالتي الإشباع واللاّقمع، من جهة، وبين الرّغبة والانفتاح من جهةٍ ثانية. إنّ عقدة البطل تنطلق من عقد ساقها القدر الإلهيّ المحتوم ، قدرٌ قد خلّف فيه هالة هستيريّة ، وقفت كحاجز منيع دون تحقيق اللبيدو (الهو) النواة الجنسيّة (النزّوة الجنسيّة مرتبطة بالنّشاط الجسديّ المرتبطة بتصورات الهوامات)(9). إنّ العناصر التي تقوم عليها الصور القامعة عناصر إبادة للذات الإنسانية الطبيعيّة التي تنشد التلذّذَ، تطالعنا في البداية العقدة الأوديبيّة (إنّها مجموعة من رغبات الحبّ فالعداوة التي يشعرها الطفل تجاه والديه، مستقاة من رغبة الملك (قصة أوديب)(10)، أوديب الذي فقد أبويه، وتربّى في كنف الآخر. “فجأة همس هذا الصّامت التّابع ، باللّغة ، وهو يشير إلى الثّمار: – ما .. هذا ؟ تطلّع فيه الجمع مذهولاً، واشترك في ضحك صاخب، وامتلأت فيه العيون بالدّموع، ومنذ ذلك الوقت راحوا يسخرون منه، وكلّما مرّوا بشيء قالوا “هذه صخرة”، “هذا قارب …”(11). إنّ الدور الوجدانيّ الذي تتقمّصه الجدة ، كعنصر إبدالي، صورة من صور القمع العاطفي في نفس بطل الرّواية، رغم أنّ الجدّة تمثّل قطب العاطفة الجامحة التي تكاد تلامس الأنوثة: “ينتظر خطوات مفرحة حبيبة، وأنفاساً لاهثة أموميّة، هي كوته الحنونة على العالم البشريّ، إنّها خطوات جدته …، إنّها ترمقه بحبّ شديد، وتسند على الخوص، ويغدو وجهها الذي يشبه الفطيرة المتبعجة في غاية إشراقه، فتغفو وتشخر . .”(12). إنّ الأدوار النّفسيّة التي تمارسها الجدّة تنطلق من نقطة صاغتها العاطفة المتخمة بالمحبّة يعني هذا أنها تعاني من تضخّم انفعالي، تؤكّد هذه الخاصيّة وظيفة المعاناة، وتحفر في منطقة اللاوعي. ينتقلُ الرّاويّ بنا إلى محطات وصفيّة تنفتح كلّ محطّة على أفق يبوح كلّ منها بقلق عميق يراود الكاتب، ينكشف لنا ذلك حين نجد أننا بإزاء صدمة جديدة يعاني منها الابن المحروم، وهو ما أصطلح على تسميته بالقلق الآتي (وهو تلك الاستجابة التي يبديها الشّخص كلّ مرّة يجد نفسه فيها، في وضعيّة صدميّة أي خاضعاً لفيضٍ من الإثارات)(13). ثانياً: ترسيمة المربّع الدّلاليّ (السيميائيّ) الدّاخل في تكوين منطقة (الوعي) لبطل الرّواية:
بعدها ينفتحُ النّص على أفق نفسيّ أوسع، تفتحُ به مغاليق لا واعية. إنّ حضور المرأة في النص يمثل عنصراً فنيّاً بارزاً حرّك أغوار البنى العميقة في النّص، عبر تسلسل عاطفي فريد في نوعه، هذه العلاقة الحميميّة التي فرضت الخيوط التي نهضت بأعباء نفسيّة، تماماً كعقرب السّاعة هبوطاً وتصاعداً. إنّ الانفتاح على العالم الآخر يمثل عنصراً متحركاً داخل بنية النص، إنّه ليقضي على التراكمات المكبوتة داخل (اللاشعور) عند البطل، تمثل هذه اللفتة تحولات الغرائز الإنسانيّة المطمورة (تحولات اللبيدو) طاقة متوهجة تخترق أسوار الكبت، وتفجّر فيه طاقة تنثر أشلاء الكبت. إنّ العقدة اللّسانيّة التي لازمت بطل الرّواية ما فتئت أن انفكّت عنه بزوال الرقيب الأعلى، وانفتاحه على القوى الإنسانيّة النّشطة، فأصبح التائق إلى الحبّ، التّائه إلى العلم والحكمة، يمثل تطبيباً نفسانيّاً لإمارات النّفس وعوالجها المتصدّعة، وخصوصاً أنّ تلك النّزعة أخذت في النمو المتصاعد عند موت جدته . “يداه تمسك وجهه المبلّل بالدّموع، ويتطلّع فيها وكأنّها في بركة غائصة في اليمّ العميق، تأخذ ماعزها وأعشابها وأمطارها وصمتها إلى السّكون الأبديّ”(14). إنّ الانتظام البنيويّ الذي يؤسّسه التناقض العمودي القائم بين الباطل والحقّ، والذي يجمع بين المتضاديّن القامع والمقموع من جهة، ومتضاديهما من جهة أخرى اللاّمقموع واللاّقامع من جهة أخرى تعطي داليّن: الأوّل (سلبيّ): المتمثّل في الباطل بين القامع واللاّمقموع من جهة. الثّاني (إيجابيّ): المتمثّل في الحقّ الذي يجمع بين المقموع واللاّقامع من جهة أخرى .
■ ثّانياً.. لقد كان المكان الروائيّ دوره البارز في التشكيل النّفسي لشخصيّات الرّواية، ذلك لأنّ العنصر المكاني قد فرض خيوطه في البارزة في بنية الرّواية الفنّية. “الأرض الخلاء الواسعة التي تلي الأكواخ، تبدو رماديّة كالحة، تنتشر فيه الحفر الكبيرة التي تتّخذ أمكنة لقضاء الحاجة، وهي تتحوّل إلى مستنقعات سبخة عندما ينهمر المطر. وتقع فيها مزابل وأراض رحبة مليئة برمل ناعم”(15). هذا المنطلق الواصف يفضي إلى معطيات جدُّ عصيبة. يشكّل الفضاء المكاني عنصراً مهمّاً من العناصر الفنّية البارزة، إذْ يلعب دوراً بارزاً في صياغة شخصيّات الرّواية، وتكوينها نفسيّاً. لقد غدا الحيّز المكانيّ مصنعاً عامراً يقوم بإنتاج الخامات النّفسيّة، ومن ثَمَ تشكيها فنيّاً ، بعد صياغتها صياغةً محكمة بارعة. فضاء الرّواية المكاني ساهم بلا شكّ في ترسم معاناة البطل، لكونه بطلاً يتماهى في مأساته، فتتماهى فضاءات الرّواية في المساحة المكانيّة الخانقة. غير أنّ هذا الانغلاق المكاني لا يفتأ أن ينفتح على عالم الذّاكرة. إنّه يشفّ بلا شكّ عن دلالات مشحونة بمرموزات نفسيّة، تكشف هذه المرموزات عنْ إشكاليّة حضاريّة وأيديولوجيّة، رسمتها حالة من التماهي النّفسي لبطل الرّواية . ومن هنا يمكننا القول إنّ النّكوص للماضي واستشراف معالمه بكلياتها وجزئياتها يشكّل تقنيّة فنيّة أنبنى عليها النظام الفنّي للرّواية. هذا التّصوير المكاني الذي لا نحتاج إلى مجهر لاستطلاع معالمه، إنّه عالم لا تشوبه الرّمزيّة ، ولا الخياليّة الحالمة، إنّ الفضاء الرّوائي يسبح في عمق مأساة البطل، فيغور في أعماق دلاليّة تحركها مداخيل نفسه. الفضاء الدّلاليّ ضمن معطياته المكانيّة ودوره في تشكيل الحركة النّفسيّة لبطل الرّواية: 1 – معطيات الحقل الأوّل الدّلالية:
إنّ العلاقة المتنافرة التي تجليّها المعطيات البيئيّة التي نشأ عليها «يحيى» وانفتاحه على العالم الآخر ثنائيّة شكّلت السياق النّفس لشخصيّة الرّواية فتولّد رزماً نفسيّة متصارعة: (العجوز الخرساء/ الكـوخ البالي/ الفقر المدقع/ المستنقعات/ المزابل) = صـورة التأزم النّفسي. (الفتاة المستهامـة/ البستاني المبشر/ طـومسون/ المستشفـى) = صورة الخلاص والحلم المنشود . عبر هذه العلاقة المتشابكة التي تجسد نفسيّة البطل، وفي شكل دائرة تنشطر ثلاثيّة، تجلي النفس المتصارعة. (الوعي „الأنا الأعلى‘‘/ ما قبل الوعي „الأنا‘‘/ اللاوعي „الهو‘‘). إنّ الظروف التي نشأ عليها «يحيى» قد أوجدتْ فيه عقداً نفسيّة ظلّت لصيقةً به طوال حياته، فخلّفت فيه عناصر الكبتْ، تلك العناصر عطّلت فيه نزوات (الطفل اللبيدويّة)، وأوجدتْ فيه تداعيات الحرمان والغُربة والخوف من الآخر. “.. وينتظر عارياً محتمياً في الشقوق عن الأنظار والشّمس الحارقة، مدركاً أنّ هذا العري مخيف وعارٍ. . شعر أنّه إنسان مختلف غريب ، لقد نبت خطأ، أو ظهر بصورة خارقة”(16). الفضاء الدّلاليّ ضمن معطياته المكانيّة ودوره في تشكيل الحركة النّفسيّة لبطل الرّواية : 2 – معطيات الحقل الثّاني الدّلالية:
فضاء (الأنا) فضاء (الهــو)
الفضاء المكانيّ:(أزقّة المدينة الممزّقة/ /المشفى الأمريكي/الزنزانات) . الفضاء المكانيّ:(أزقّة المدينة الممزّقة /المشفى الأمريكي). المعادل.الدّلالي.الاضطراب/الخوف/المقاومة). المعادل الدّلاليّ :(الظلم/الاستبداد) . النّاتج النّفسي: (التّصدّي للآخر). النّاتج النّفسيّ : (سحق الآخر).
في معترك الحديث الذي اشتدّ أواره بين الصديقين نلحظ سلسلة من الانتظام الواعي لمخلفات النّفس المشحون بدلالات نفسيّة تصب هذه الصراعات كتلاً نفسيّة مأساوية، إنّ القلق المضاد والذي تسبب في طعن الصديق كانت تحركه تداعيات النرجسيّة السّياسية التي يعيشها الصّديق، واستجابات لتداعيات خلفها وقائع المشفى الذي كان بمرأى من الصديق، إنّه سلوك استبطاني يمثّل محطات قــلق خلخلت أحداث الرّواية وجعلتها تمور بإرهاصات نفسية متوقّدة أحمتها ظــروف القهر السياسيّ. “بغتةً خفقت الأصوات. ظهرت شاحنات إنجليزيّة ممتلئة بالجنود الذين بدأوا هادئين كالصّخور. . الطلقات المتغلغلة في الصّدور، والأجسام المتساقطة، كان غيابـها السّريع مذهلاً ووامضاً. الرّجال الذين حوله تبعثروا وتساقطوا”(17). يتشكّل فضاء الرّواية مكانيّاً – انطلاقاً من المعطى الدّلاليّ السّابق – في مساحات نفسيّة، ترصد حركة ذات البطل التي تحدّد مساحة الرّواية مكانيّاً وتشكّل بالتّالي علاقات نفسيّة مع الآخر، فينفتحُ هذا الفضاء المكانيّ على حقلين يأخذُ كلّ حقل مهمّة بارزة عبر توظيف جزئيّات المكان. إنّ هذه المساحات المكانيّة تخلق مُعادلاً دلاليّاً، يحمل حقلين متضادّين (السّلب/الإيجاب)، وبعد أنْ ينثر الحقل الأول المعطى الدلالي الخاص به، ينغلق على نفسه، لكي يسمع للحقل الثّاني الذي يحمل إشارة (الإيجاب) من تكريس دلالته في فضاء النّص. هذا البعد المكاني يعيننا في رصد حالة، ويتحكّم في إبراز الشّكل التّراكمي لمأساة البطل، الذي يشفّ عن معطى دلالي صاغته التكوينات الوجدانيّة لبطل الرّواية.
■ ثّالثاً : جدليّة الذّات والزّمن. إنّ المعاناة الموقدة في أعماق البطل الكائن الإنساني الحامل اسم «يحيى»، نسج تماهيات الحرمات الذي أخذ يحفر في منطقة متوارية من تاريخه. فتشحن دلالات نفسيّة دافقة انطلاقاً من رؤية فكريّة صاغها مبدأ الواقع . “تشكّل الذّات بعداً فنيّاً ودلاليّاً في صياغة الزّمنيّة للنّص الأدبيّ، وبخاصة النّص الرّوائيّ، وإنّ بناء الشّخصيّة في العمل الأدبيّ يستند إلى ماضي الشّخصيّة وحاضرها ومستقبلها”(18). فقدان الأبوين أورث في نفسه تداعيات ظلّتْ تعبث في عمق ذاته، ومطاردة (الأنا الواعي) حرّكتْ مساحات كبت خامدة أوقدت ضرامها. “وجد نفسه بلا أمّ بلا أب”(19). إنّ فقدان البطل «يحيى» أبويه – كما يراهُ المحللون النّفسانيّون – يمثّل عند الطّفل صدمةً نفسيّة، وتجعلهُ يعاني من الفراغ العاطفيّ، لذا فإنّ الصورة الأوليّة لملء حالة الفراغ ومساحة العاطفة تتمثّل في الجد كعنصر بديل معوّضّ. ومن جهة أخرى تستدعي هذه الأزمة الانفعاليّة صوراً تغيب في وعي البطل مشحونة بدلالات نفسيّة ساقها المحيط الواقعي الذي يعيشه البطل. يرسم الزّمن حركة الواقع المتّصل بإيقاع الحركة المأساوي الذي خلفتها القطعة الزّمنيّة ، ومن هنا فإنّ الماضي المكتنز بخبايا مدمّرة لنفس البطل جعلته ينغلق في مساحة مأساويّة، مجراها الواقع المعيشيّ الذي تنشأ عن طريقة حنايا السّرد الوصفي، الذي يرسم أبعاد حركة الزّمن في الرّواية، ويجسد طبيعة الحراك النّفسي للبطل. (الزّمن يتجلّى تحديداً بالحدث، وتثبيت الأحداث على خطا الزّمن هو الّذي ينتج الرّؤية العامّة للعلاقات النّاشئة بين الزّمن، وطبقاً لواقع الأحداث ينقسم الزّمن)(20). صحيح أنّ زمن السّرد الرّوائي قد حافظ على معطياته الواقعيّة، لكنه أعطاه دفعة إلى الأمام، وفق أبعاد السيكولوجية البطوليّة، ممّا حدا بالسّرد الزّمني في الرّواية يأن يتسلّم وظيفة التّغلغل النّفسي، ولإبراز العمق الخفي لبطل الرّواية، عبر تفجيرات لغة السّرد. الذي ينبثق في الرّواية من الذاكرة الاسترجاعيّة ” ولد‘‘، بمثابة الأداة العضويّة الحويّة لمفاعلة الماضي، بمعنى أنّ نسيج الواقع المصيري للبطل. إنّ الزّمنيّة المغلقة في فصول الرّواية ترصد أطوار الحدث الرّئيس لتحوّلات الذّات، التي تنطلق من مفردة لغويّة تحمل أبعاداً دلاليّة . إنّها لغة الواقع المتشظّي، الذي فرض بمساحاته الزّمانيّة حالة مأساوية، متشرّبة من عمق ذاكرة البطل، ومتشرّبة من صياغة النّفس من جديد. تفتح حالة اللاّوعي عند « إسحاق» على حزمة من القهر وسط الجو الموبوء التي عانـــاها من (الأنا الأعلى) الذي يمثل الأب الأوديبي المتسلّط القاسي “امتلأتُ بالغضب، ورفضت أنْ أعمل. فجاء إلىّ الأب، وأغلق عليّ باب المخزن، وتركني بلا عمل، ولا أمل. كنتُ أصرخ: لماذا يفعلون ذلك بي ؟!، رحت أحدّق في جلدي الغريب، أما الأم فتبدو منصاعةً ومستجيبة لحنق الـــزّوج “كانت الأمّ الحنونة تصرخ بي ولا تدعني أنام، وحالما تصيح الديكةُ أجلب السمك والخضرة من السّوق”(21). هكذا انفتح النّص عبر تقنيّة الزّمن السردي على آفاق الواقعيّة، فعبّرت عن مخزونـها الثّري بمسار زمني متماسك ، فعكست أزمة البط النّفسيّة الطافحة على مساري الحياة. إنّها أزمة نابعة من أعماق جذور الزّمن الماضي بكلّ تماهيته. إنّ الذّات عندما تفقد التّواصل مع ذاتها، ومع الأنا الجماعيّة، تستحضر الماضي الأليف وبخاصة مرحلة الطفولة، وإنّ كان قاسياً ، لتكون تعويضاً عن القيم المفقودة في الواقع المعاصر. تتطورّ أزمة البطل النّفسيّة، وتخنق الأحداث السياسيّة عندما ينسحب من عالمه الواقعيّ، وينكص إلى الماضي، حالة تخلق نوعاً من التراضي المستهلك لمتطلبات الروح والجسد، ويستغرق في الخيال وتبلغ الأزمة ذروتها. فنكوص الطفل المحروم يمثّل أزمة نفسيّة “يحاول أن يتجرّد منْ وينسحب من كل هذا العالم المجلوب، الذي . . ويجري نحو البحر، يجدف في قارب ويحاول أنْ يلقي الشباك ويصطاد السّمك ويختفي في عشش الصّيادين المترامية على طول السّيف..”(22). تتراجع الحالة اللاوعي إلى الماضي (خبرة صدميّة تهزُّ كيانهُ النّفسي من أساسه هزاً، حتّى لتجعله يصد كلّ اهتمام بالحاضر والمستقبل، فيظل أبداً مستغرقاً في ذكرياته وماضيه) وهذا ما أصطلح عليه مصطلح (النكوص للماضي)(-). وتظهر العلاقة الواضحة بين صور الأعصبة النرجسيّة بين القطبين اللذين يشكلان تأزّما نفسيّاً في الحدث الرّوائيّ، وذلك على النّحو التّالي:
(الأعصبة النرجسيّة) = تومسون /كبت ⇦ صراع سياسيّ = عدوانيّة ⇦ حركة سياسيّة (الأعصبة النرجسيّة) = إسحاق /كبت ⇦ صراع سياسيّ = مقاومة عدوانيّة ⇦ حركة سياسيّة
ويمكن تحديد العناصر الرّوائيّة التي تشكّل جهاز بطل الرّواية وذلك على النّحو الآتي: (النكوص إلى الماضي /الشعور بالذنب) ⇦ الوعي (الأنا الأعلى) الرّقابة الصارمة (المجتمع/إسحاق/ترمسون) ⇦ ما قبل الوعي (الأنا) العلاقة الغراميّة مع الفتاة (ميري ) ⇦ اللاّوعي (الهو)
■ رّابعاً : متاهات الجنس. إنّ الجنس في رواية «الأقلف» يعبّر عن متاهات نفسيّة، إنّه يساهم في تعميق الهوّة التي تفصل بي منجز التّواصل اللاجتماعيّ، والطّموح الحضاريّ ؛ ذلك لأنّ السّياق الذي تتمّ فيه عمليّة الواصل هذه تبنى على علاقة غير متكافئة. إنّ العقدة التي تلهج بها فصول الرّواية تدور في دوائر قامعة للذّات الجنسيّة التي تحاول أنْ تسيّر الآخر دون الاعتراف بطبائع النّفس وحاجياتها. تنـزلق تلك الشهوات المفرّجة بين «يحيى»، و«ميري» في مزالق معتمة ناشئة عن القيم الدينيّة التي تفرضها على الآخر، فبعد أنْ حذّرتْ «ميري» أختها «جين» من مغبّة مهلكة، يوقعها في شرك الغريزية ، التي تتصادم مع (الأنا الأعلى) النور الإلهي الموعود. “إنّك تنـزلقين نحو علاقة ستهدم مستقبلك المهنيّ، ستفعلين مثل الأخريات ، تتزوجين وتغادرين أخواتنا، ثمّ تصطدمين وتحاولين أن تعودي إلى عملك بلا فائدة”(23). يتّضح لنا من خلال القطعة الحواريّة السّاخنة هذه أنّ النزعة الجامحة تسيطر على عاطفة الأخت، وترسم في الوقت ذاته ملامح شهوة مخبؤه في نفس الفتاة الأخت، ولكنّ النّزعة الهدّامة تسيطر عليها، فتصاب بنرجسّية التّسامي، لذا فهي تربأ بأختها أنْ تكون فتاةً ماجنة أو سلعة للنزوات الجسديّة. تبرز الخيوط المكوّنة لعناصر النّص على هيئة قطب محرّك يدور في فلك من الثنائيات المتصارعة :
غير أنّ شهوة الآخر تبدو في صراع مع (الأنا الأعلى)، (التي تمثّل الأخلاق والمجامع وهي السلطة العليا) (-) فهذه «جين» تقع في عراك مع أختها «ميري» التي أخذت توبّخ أختها المتداعيّة أم ضربات الشهوة أمام الذئب الفاتك “الذي حاول أنْ يعبث بأنوثتها ، و يبغي بغيها، وتدنيس نورها الإلهي”. “– إنّه معجب بي كثيراً، ولا أستطيع أنْ أرفض دعواته. خاصة إذا كانت ممتعة! – ولكنّك تعرفين إنّنا أخوات جئنا لمهمّة مقدّسة، وليس لإقامة صداقات مع مهندسي وموظفي شركة النِّفط !”(24). ترمي «ميري» عبر هذا الحوار إلى التماهي بالرّوح والرّقيّ إلى عالم النّور الإلهي المبشّر، إنها مبدأ خصام مع الطبيعة الإنسانيّة (الغرائز)، تلك الغرائز المستبطنة تجاه الآخر المعشوق «يحيى» في منطقة التوائم والائتلاف مع الآخر. في هذه الحالة تغيب الدّلائل الشهوية النـزويّة في ذات محبوبه البطل، وتسقط النّزوات الطبيعيّة وتجدها، وتوقظ غضب الأعلى المتسلّط كحاكم وقاضٍ لها. في المقابل يعاني صديقه « إسحاق» من الغياب الجنسي، أو بما اصطلح عليه علماء النّفس (الفطام الجنسيّ)، حيثُ (تبدأ تشكيلات مضادة للعمليّة الجنسيّة إذْ ينحرف النّشاط الجنسيّ جزئيّاً عن الإشباع ويتّجه نحو أغراض أخرى، ويصبح تساميّاً إلى حدٍّ ما) (-). لقد انقلبت النّزوة الجنسيّة إلى الضدّ هذا القلب الذي يمثّل قلباً في النشاط الغريزي المتعلّق بالجسد، حالة من الارتداد من السّاديّة إلى الماشوسيّة حيث التكثيف الهوامي. (إنّ انسحاب اللبيدو عن موضوعها في مثل هذه الحـــالات، و انسحاب النـزوات اللبيدويّة على حساب النزعات الجنسيّة لإيجاد حالة من التّسامي)(-). إنّ إكراه اللبيدو على التّراجع عن الموضوعات، وعن تراكمها في (الهو) شكّل نرجسيّة يسبب حالة من الكبت على. فالظروف القاسية التي نشأ عليها ظروف (خاصية) قد عطّلت طاقة اللبيدو وحاصرتها في دائرة مظلمة من القهر والضياع العاطفي، فاللّهجة الغاضبة، والعربة الحديديّة، والسواعد الفتيّة المفتولة، عناصر طوّحت بطبيعته البشريّة ، وجعلت منه حجراً متنقلاً يفقد الهاجس الغريزي . في المقابل يمثّل إسحاق رهاباً نفسيّاً للبطل، إنّه الصديق الذي ولّد في نفسه حالة الكره والخوف معاً، كما ستكشفه أحداث الرّواية، حتّى تشرّبت طفولته بالألم والحرمان والضياع، وتغلغل في منطقة اللاوعي، بعد أن تركت تداعيات في ذاكرة البطل الواعية. “ماذا تفعل أيّها الحيوان؟! لماذا لا تتكلّم .. ماذا بك .. هل أنت أخرس؟” . يبدو حضور« تومسون» لأول وهله في أحشاء النّص كعنصر مفرّج، ذو حضور إيجابي في واعية البطل، الذي بتزامن مع نفحات الطاقة الجنسيّة ، عنصر ذو حضور دلالي و قدرة على استدعاء احتياجات ذات البطل. غير أنّ في الآن نفسه يستدعي حالة الكبت، ويوّلد شعوراً حرمانيّاً. “وكان السيّد تومسون يلحّ عليها دائماً. ويذكّرها رسالتها العميقة”(25). (إنّ إكراه اللبيدو على التّراجع عن الموضوعات ، تسبب تراكماً في ألأنا) غير أنّ (الجهود التي تبذلها اللبيـدو للعودة إلى موضوعاتها، أيّ يمكن اعتبارها محاولة لاسترداد الصّحة، وللظفر والشّفاء)(-). إنّ حالة التفريج التي انتشلتْ نفسيّة البطل من جبروت (الأنا) ، قد حرّكت فيه نوازع الحبّ والأمل واللّذة الروحيّة، والنشوة الجسديّة، وأطاحت عن صدره أسوار الحزن وأطياف الجوع. إنّ العلاقة الاستيهاميّة التي ربطت بين البطل «يحيى» و«ميري» تختفي وراءه مشاعر تتّسم بالنّبل والعفّة والطّهارة، وفي الآن نفسه تنتقل بنفس البطل من منطقة الوعي إلى منطقة (اللاوعي). وهذا ما سوف نستشفّه من السياق الرّوائي الذي يفرزه الحدث المتأزم في نهاية فصول الرّواية. ولا شكّ في أنّ حضور «ميري» في النّص يرمز إلى الطّهر والمحبّة ، ويحكي لنا كيف أنّ استغراق ذات البطل في حبّها يؤكّد حالة إرواء عاطفي فقده منذ طفولته، بعد أنْ عجزت الجدّه من إشباعه، لذا فقد كان طبيعيّاً أنْ تنتقل تلك الخضوعيّة والتّبعية المطلقة بطريقة آليّة إلى امرأة أخرى على حساب القيم الدّينيّة التي تعدُّ في الحقيقة خطوة حاسمة في الحدث الرّوائي، وتركت بصماتها النّفسيّة فيه. إنّه أحبّها منذ الوهلة الأولى، ومنذ أوّل نظرة تلك المرأة التي تجمع إلى جمالها الجسدي جمالاً سماويّاً وخلقاً مستقيماً . “أنت يا ميري راهبة قبل أنْ تكوني ممرّضة. لم نحضركِ هنا لتقيمي علاقات غراميّة فاضحة وشائنة! منذ أنْ جيء بهذا الشّاب وأنت ملتصقة به . . يمكن أنْ أبرّر علاقتك به قبل أنْ يتحوّل، ولكنْ ما فائدة ذلك الآن؟!”(26). فبعد أنْ حذّرت الأخت الواعظة أختها من فتك الذئاب الضارية التي تحاول النيل من قدسيتها، نراها ترتمي في دائرة الغريزة التي رسمها عشيقها بسياج من الحبّ والعاطفة والحنان المتدفق مثلت حالة لاشعورية ومصدر إلحاح نفسي. غير أنّ حزمة من الهوامات ونعني به (سيناريو خياليّ يكون فيه المتخيَّل حاضراً، ويرسمُ هذا السيناريو – عن طريق العمليّات الدّفاعيّة صورة مشوّهة لتحقيق رغيةٍ لا واعية، ويأخذ الهوام اشكالاً مختلفة منها الهوام الواعي، وأحلام اليقظ والهوام اللاّوعي..) (-) التي تحاصر وعي الفتاة الجميلة كعنصر محقّق لطاقة (اللبيدو ) ومنشطّ لها، لا تلبث أنْ تتعثر في دائرة أبديّة. “كانت ميري مرهقة. كان لونها المتورّد مصفرّاً، بدا عليها شرود غريب، وهو عندها داخل عليها من حطام الشوارع، ومنفلتاً من عيون النّواطير، كان عاجزاً عن الفهم، يدور في اضطراب المكان وأشلائه”(27)، بينما تنشط هوامات (الآخر) الذي يمارس دور (الأنا الأعلى المتسلّط). تعاني «ميري» من هيجان عصابي، وهو أطلق عليه علماء النفس اسم (النكوص اللبيدو)، (وهو الارتداد إلى الموضوعات الأولى فهو على التّخصيص ما نلتقي به في إطار ميل عند العصابيين) (-)، وحدة مزدوجة وضعت الأغلال في عنق الشهوة الإنسانيّة. غير أنّ الكاتب يحاول حل العقد الأوديبيّة التي يعاني منها «يحيى»، فكل خطوة تقرّبه من الفتاة يستشرف فيها خلاصاً من سلطة الآخر التي تول دون إروائها، ويتجلى ذلك في اللّقاء الغراميّ، واعتناق المسيحيّة. غير أنّ حركة خفيّة تحرّك عناصر النّص وتجلّي أزمة البطل إذ تظهر (الأنا الأعلى)+ «تومسون» وتنفتح مغاليق الدّائرة، وتتسبّب في تحطيم (النّـزوة الفتيّة)، فيوبّخ الفتاة المبشّرة في مشفى الرّسالة. تنكشف عبر الوقائع التي يحتضنها التسلسل الزّمني لوقائع الرّواية شخصية القدّيس «تومسون» الذي تجلّى في شخصيّة هرميّة ترابيّة مثّلت نظاماً استبداديّاً وطاغياً لا يعرف شيئاً من العاطفة، حملت تلك الصّورة الإجرامية متاريس ذات شحنات نفسيّة، ولّدت جواً من الصراع بينه وبين البطل، كمحور دفاعي يحول دون إخصاء الابن الأوديبي القابع في أحشاء زوجته. يعني هذا أنّ «تومسون» يعاني من انفصام في شخصيّته، وهي حالة نفسيّة متأزّمة يمكن أنْ ترميّ بثقلها المزمن، وتسبّب متاهات نفسيّة منغلقة، هذا ما تسوقه أحداث الرّواية. “بدلاً من أنْ تلّوث هذه المرأة وتفضحها إلى الأبد تخلّص من هذه المضغة من اللّحم، دعها تتطهّر من وسخكَ وعارك ! هيّا قم وقل لها ذلك . . تتطلّع في بابتسامة شاحبة وحزن غامر . . أهذا هو ذاته الرّاعي الطيّب الذي ينتزع أورام الجسد والأرواح ويقود القطيع الهائج البائس إلى مملكة الرّب؟ أينَ ذهبت ترانيم الأحد وصلوات الأعلى”(28). بعد هذه القطعة الحواريّة التي تكتنز دلالات نفسيّة يصــــاب يحيى بمرض نفسي يسمّى الأصدمة (TRANUMATIC NEUROSES)، وهو نوع من الاضطراب الصدمي، وينجم عنه عجز المريض عن أنْ يستجيب بطريقة سويّة إلى خبرة انفعاليّة لا قبل له بها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باحث من البحرين ** رواية الأقلف / عبدالله خليفة الطبعة الأولى / المؤسّسة العربية للدّراسات والنّشر . 2002م . الهوامش : (1) الرّواية العربيّة والمقاومة الوطنيّة . شؤون عربيّة أيار/ مايو 1982 / العدد (15) . ص/140 (2) الاتجاه القومي في الرّواية (ملاحظات عامّة وقراءات نقدّيّة) هاني لبيب الكويت/ سلسلة عالم المعرفة 1994 / العدد (188) ص/ 142 . (3) التّفسير النّفسي للأدب . د / عزّ الدّين إسماعيل . مكتبة الغريب / الطبعة الرّابعة . ص /.. (4) دليل النّقد الأدبيّ د / ميجان الرويلــي . د/ سعد البازعي . المركز الثّقافي العربيّ / الطبعة الثّانية . 2000 م. ص/ 225 (5) صراع المقهورمع السّلطة (دراسة في التحليل النّفسيّ لرواية الطّيب صالح) .د/ رجاء نعمة بيروت / 1986. ص 9 (6) التّفسير النّفسي للأدب . ص/ 5 (7) معجم مصطلحات التحليل النّفسي جان لابلانش / ج . ب. بونتاليس ترجمة/مصطفى حجازي الطبعة الأولى / المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر والتّوزيع 1985م . ص /356 (8) المصدر السّابق . ص/416 (9) المصد ر السّابق . ص/540 (10) المصدر السّابق . ص/356 (11) رواية الأقـلف . ص/9 (12) المصدر السّابق . ص/6 (13) عقدة أوديب ( في الأسطورة وعلم النّفس تأليف / باتريك فلاهي ترجمة/ جميل سعيد منشورات مكتبة المعارف / بيروت . ص / 15 (14) رواية الأقـلف . ص / 120 (15) رواية الأقـلف . ص / 5 (16) رواية الأقـلف . ص / 11 (17) رواية الأقـلف . ص / 126 (18) بناء الزّمن في الرّواية المعاصرة ، د/مراد عبدالرّحمن مبروك، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب 1988م. ص 158. (19) رواية الأقـلف . ص / 5 (20) التّقنيّات السّرديّة في روايات عبدالرّحمن منيف . عبدالحميد المحادين المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر الطبعة الأولى 1999م . ص 64. (21) رواية الأقـلف . ص / 20 (22) رواية الأقـلف . ص / 150 (23) رواية الأقـلف . ص / 45 (24) رواية الأقـلف . ص / 44 (25) رواية الأقـلف . ص / 56 (26) رواية الأقـلف . ص / 111 (27) رواية الأقـلف . ص / 128 (28) رواية الأقـلف . ص / 132 المراجع : 1- محاضرات تمهيديّة في التحليل النّفسي تأليف سيجموند فرويد ترجمة د/ أحمد عزّت راجح . مكتبة الأنجلو المصرية / الطبعة الرّابعة . 1978م . 2- عقدة أوديب ( في الأسطورة وعلم النّفس تأليف / باتريك فلاهي ترجمة/ جميل سعيد منشورات مكتبة المعارف / بيروت . 7- معجم مصطلحات التحليل النّفسي جان لابلانش / ج . ب. بونتاليس ترجمة/مصطفى حجازي الطبعة ألأولى / المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر والتّوزيع 1985م . 4- دليل النّقد الأدبيّ د/ ميجان الرويلي . د/ سعد البازعي المركز الثّقافي العربيّ / الطبعة الثّانية . ص 225 5-التّفسير النّفسي للأدب . د / عزّ الدّين إسماعيل . مكتبة الغريب / الطبعة الثّانية . 6- المنهج الموضوعي (نظرية وتطبيق) د/ عبدالكريم حسن دمشق / الطبعة الثّانية 1996 م . 7- صراع المقهور مع السّلطة ( دراسة في التحليل النّفسيّ لرواية الطّيب صالح ) . بيروت / 1986م. 8- الاتجاه القومي في الرّواية (ملاحظات عامّة وقراءات نقدّيّة) الكويت/ سلسلة عالم المعرفة 1994 / العدد (188) ص/ 142 . هاني لبيب. 9- بناء الزّمن في الرّواية المعاصرة د/مراد عبدالرّحمن مبروك الهيئة المصريّة العامّة للكتاب 1988م. 10- التّقنيّات السّرديّة في روايات عبدالرّحمن منيف . عبدالحميد المحادين المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر الطبعة الأولى 1999م .
السماءُ ذات مستطيلات صفراء ووهجٌ أحمر يشعُ فجأة ويتوارى.البحر اختفى، أو بقيت بقعٌ أخيرةٌ منه، على هيئة تلالٌ كثيرة من القار.الگبگب سامي يخرجُ بصعوبة من الأرض اللزجة، وينتزعُ عضويه المسودين شبه المهروسين من الطين، ويتطلعُ بأسى إلى الوراء، حيث زوجته تغرق، غير قادرةٍ على إخراج البيض.في هذا المدى الموحشِ من الأشياءِ ومن تلاشي النهار، لم…
أنا الكلب عنتر ، كما أسماني صاحبي ومكتشفي الأول: عطية المجنون، أتقدم بمحاضرة في هذه الجامعة العتيدة ، متشرفاً بالتحدث أمام نخبة من المفكرين والباحثين، متمنياً أن تكون مداخلتي المتواضعة فرصةً لإثراء الفكر في هذا البلد المعطاء. لقد تغيرت مدينتنا كثيراً منذ أن تفتحت عيناي لتراها لأول مرة. لقد كانت مدينة عظيمة وهائلة . كانت…
كتب : عبدالجليل حسن* تمهيد:تجيء هذه الدّراسة لرواية «الأقلف»** لــ «عبدالله خليفة» وللمتسائل أن يستفهم ما الداعي التي حملتنا لدراسة هذه الرواية دون غيرها من الأعمال الأدبية؟إنّ من الضروري هنا تسليط الضوء على الأسباب التي من خلالها نستحضر ماهيّة البحث، للوقف على النتائج المرتقبة.وتأتي في طليعة تلك الأسباب أنّ رواية «الأقلف» لم تحضَ بدراسة تعطيها…
كتب : د. زهير ياسين شليبهالنغل نغل!الشرق الشرققد يبدو لقارىء «الأقلف» أن مؤلفها البحريني عبدالله خليفة أراد ترسيخ هذه الدمغة الإجتماعية المتخلفة على خلق الله اللقطاء باعتبارهم بشرا من الدرجة العاشرة إلا أن الأمر ليس كذلك بالضبط فقد اراد الروائي إثبات العكس. فهذا يحيى الأقلف الذي تحمل الرواية صفته الأجتماعية لا إسمه يغدو في نهايتها…
د. أنيسة السعدون مثلت إشكالية الهوية إحدى القضايا الأساسية للرواية العربيّة؛ وقد تناولها عدد من الكتّاب بالنظر إليها من زوايا مختلفة، ووقفوا على وجوه علاقتها مع قضايا شتّى ومتباينة المجالات؛ بما يكشف تعدد الرؤى في رصد مظاهرها، وتعقّد عوام تكوّنها، وما يطبعها من صراع اجتماعي وثقافي وحضاري يجلّي آثارها المكينة في الشخصية العربية.ولا شك في…
عبدالله خليفة روائي بحريني متميز، يكتب منذ سبعينيات القرن الماضي، له العديد من الروايات والمجموعات القصصية.قراءة : أحمد العربيالأقلف ، رواية كُتبت في عام 1988م، ونشرت في عام 2002م.{لغة الرواية وأسلوبها جميل جدا، جزل، مليء بالصور والتشابيه، يومئ لما يريد الوصول اليه، يبتعد عن المباشرة والتبشيرية والتعابير الكبيرة، يجعلك كقارئ تصل للمعلومة ضمنا، بكثير من…
كتب : فيصل عبدالحسن يضعنا الكاتب البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة في روايته «الأقلف» في إشكالية الصراع العقائدي – الديني – مع الآخر وما حمله المستعمر الأجنبي لمنطقتنا العربية بداية القرن الماضي مما كان يعتقده ضروريا لتكريس وجوده في منطقتنا لفترة طويلة ، فاستخدم الإرساليات التبشيرية ، التي باشرت أعمالها من خلال تقديم المساعدات الإنسانية لسكان المناطق…
يشتغل عبـــــــدالله خلــــــــيفة في هذه الرواية بأسلوب يأسر القارئ حتى النهاية، معتمداً على مخزون لغويّ ثرّ، وقدرة على التقاط الصور والمشاهد ببراعة لا يتقنها كاتب عادي، ليوصل القارئ في نهاية الرواية إلى أفق ينفتح على أكثر من نتيجة أو قناعة، أو مقولة، ودافعاً إيّاه إلى إعادة تشكيل عالم مختلف، أو إعادة قراءة الواقع بشكل مغاير.
كتب: شادية الترك الرواية عند ‹‹عبـــــــدالله خلــــــــيفة›› تنطلق من الماضي وتذوب في أطيافه ، تمتزج بالواقعية ، وتتمادى في تعقيد حبكتها الروائية ، تؤسس لحياة غابرة بقلم الحاضر، تستدعي شخوصها وأمكنتها بتاريخ هذا اليوم وتحاول عبر عالمها الروائي أن تشيد الزمن برؤى الحاضر ، تحكي بصوت الراوي المنفرد أصواتاً مختلفة وتعبر عوالم لا منتهية ،…
كتب : د. زهير ياسين شليبه النغل نغل! الشرق الشرق قد يبدو لقارىء «الأقلف» أن مؤلفها البحريني عبدالله خليفة أراد ترسيخ هذه الدمغة الإجتماعية المتخلفة على خلق الله اللقطاء باعتبارهم بشرا من الدرجة العاشرة إلا أن الأمر ليس كذلك بالضبط فقد اراد الروائي إثبات العكس. فهذا يحيى الأقلف الذي تحمل الرواية صفته الأجتماعية لا إسمه يغدو في نهايتها حاملا هموم الناس يطارده تأنيب الضمير ويحملُ هموم الأمة على كتفيه. ماهي جريمة هذا اللقيط الأقلف يحيى؟ ليس هناك اكثر من ان والده القادم من «غابات المحبة» غامر بحياته متجها نحو الصحراء ليلقح نخيل الشرق. لكن مصيبة يحيى أنه بقي وحيدا في هذا العالم الصامت مع جدته الخرساء! لماذا هذه المصادفة؟ أهي صدفة ارادها الروائي ان تكون تحديا للشرق والأصالة والأسلام وبالتالي بلاده البحرين مكان الحدث الروائي؟ هل هي صدفة ان يخرج يحيى “كالنتوء” من بيئة هلامية، رمادية، غامضة مليئة بالقاذورات والحرمان والعدم وأن يكون كل هذا العالم المنسي المظلوم تحديا خطيرا للغرب الأستعماري وثقافته التبشيرية رغم تنصره وحمله الصليب؟ وهل هي صدفة أخرى أن يقف على طريق حياته الأليغوري لقيط آخر لا نعلم إن كان هو ايضا أغلف ام لا، ولكن لم يعد الأمر في هذه المرة يعني شيئا في السرد الروائي إذ إن هناك موضوعات أهم منها. هل هو تأكيد على الأليغوريا الروائية والمغزى الفني لهذا العمل الذي تنبأ باصطدام الشرق بالغرب ام أنها رفض للمفاهيم الأجتماعية البالية والراسخة في اذهان الناس وتقسيم البشر إلى أصناف وانواع ودرجات إجتماعية؟ الجواب بالتأكيد: كِلا الأمرين فالروائي يضيف إلى هذين الهمّين هموما ومعاناة اخرى واراد ان يكرس روايته لها. يحيى نتاج بيئته الصماء، كوخ ابكم يضم جدته الخرساء لكنه في حقيقة الأمر ليس اخرس حقيقيا بل مخرسا إن جاز التعبير، طفل مهمل لم يحصل على مستلزمات العيش والحنان الكامل. فالقارىء لا يسمع يحيى يتكلم مع الآخرين إلا بعد لقائه مع زميله في «النغولة» إسحاق حيث يبدأ التعبير عما في خلجات النفس البشرية لدى هذين الكائنين البشريين ليتقاسما مشاعرهما ومعاناتهما من الأضطهاد والفقر والحرمان. إسحاق هو اللقيط الآخر، بطل الرواية الرئيس أو بالأحرى منافس يحيى في البطولة، بل إنه ينافسه في كل شيء بدءا من المعاناة الروحية والفقر والحرمان وانتهاءا بالبطولات والمغامرات والثبات والتحدي بغض النظر عن الأساليب والأهداف. يشكل إسحاق التحدي الثاني الذي يقدمه الروائي في هذه الرواية، وهو النتاج الثاني الأكثر إيغالا في معرفة قسوة المكان ووحشيته. إنها في حقيقة الأمر جريمة يقترفها البشر يوميا، يحاول الروائي من خلالها وبزمكانيته الخاصة به أن يميط اللثام عن رياء المجتمع. ولابد من الإشارة بأنه لا يمكن الحديث هنا عن هذا الأغلف بدون عينه الثانية، إسحاق مرآته الحقيقية، التي يتمثل فيها التحدي الأكبر لعامة الناس «الأسوياء» والإحتلال البريطاني. يقول هذا اللقيط إسحاق محدّثا زميله يحيى عن نفسه «وحين أنهارُ من التعب، ويسجنني المخزن في عفونته وظلمته وأغدو كيسا من أكياسه، تحرقني مشاعر غربة عنيفة وأصرخ: لماذا .. لماذا .. لماذا يعاملني أهلي بهذه القسوة … رحت أحدق في جلدي الغريب .. لم أكن إبنهم. وجدني الأب عند باب المسجد … صرت إبن حرام!» أنظر (الأقلف) ص 20. إذن هما لقيطان يواجهان مقولة «النغل نغل»، التي يرددها الناس في كل مرة يستاؤون فيها منهما ص 21 و هو التحذير الأكبر، الذي اراد عبد الله خليفه أن يقدمه للمجتمع المحلي والاحتلال البريطاني. أليغوريا الشرق والغرب وإذا كان التلاقح غير المشرعن بين الغرب والشرق قد ولد يحيى بلا اعتراف أبعد «غرلته عن موس المسلمين» ص 26 لترميه في عزلة على هامش المجتمع، تطارده زرقة عينيه دليل الهجينية المريب، فإن اللقاء الثاني بين هذين العالمين يتم في مستشفى الإرساليات حيث يلتقي بالممرضة ميري، التي تصبح حبيبته وشريكة حياته فيما بعد. وهو لقاء بين شخصين غير متكافئين، فالأول مريض، فقير، معدم، مهمّش، لقيط ومحروم من كل الحقوق الإنسانية، أما الثانية فهي ممرضة نصرانية غربية، تعمل في مستشفى الإرسالية الأميركية بعقد عمل يصون كامل حقوقها ويعطيها إمتيازات معروفة. يقول يحيى لميري «أبي ليس منهم. لوني وزرقة عينيّ تفضح إنتمائي إليكم. ثمة بحار أو طيار بذر في أمي بذرة ورحل … أنا لا انتمي إلى هذه المقابر الكالحة … أنا لا انتمي إلى هذا الخوص الكالح …». ص 85 وهي لغة تمثل بلا شك صوت الكاتب وليس الشخصية الروائية مما ابعدها كثيرا عن الطابع البوليفوني بسبب البون الشاسع بينها ومستواها الفكري والإجتماعي وهذا ما يؤكد أليغوريتها. حتى التوسل بان على لسان رفيقه في الحرمان إسحاق «بجاه النبي مصطفى وسيدنا عيسى المسيح». ص 30 هل هي اليغوريا علاقة الشرق بالغرب؟ وقد يكون كل هذا الأمر ليس بالصدفة بل من وحي الكاتب واستلهاماته بحيث يبدو جليا في طريقة تفكير ميري وكأنها صياد يطارد فريسته بينما يقوم القس بتقديم الإرشادات لها. تتميز هذه العلاقة الأليغورية أيضا بإستعلاء الطرف الأول المنقذ ميري على الجانب الآخر الذي تتجسد فيه مظاهر العصور الوسطى. تفكر ميري قائلة عن يحيى : «وقد تراه ذات يوم يجلد نفسه في الشوارع أو يجر إمرأته المحجبة بحبل!». ص 39 فيقع يحيى فريسة بين مخالب التبشير بسبب حاجته للمساعدات الإنسانية في المستشفى ويبدأ بقراءة الإنجيل و«يندهشُ مدرّسُه اللبناني من التبتل الدراسي لهذا الشاب، ومداومته وحفظه السريع وأكله للمعرفة أكلاً، وتجاوزه لأقرانه السئمين من الكتب والحروف، وبمطالبه المعرفية المتزايدة، وضجره من البطء». ص 41 وهل هناك أسهل من استدراج هذا الأقلف المعاني من التهميش والحرمان والرفض حتى من عاهرة تبيع الهوى! «أنت نجس أيها الكافر غير المختن!». ص 69 إلا أن تنصّر يحيى يحمل أيضا أليغوريا شائعة في الشرق «الصبي الأخرس يريد أن يكون موظفا كبيرا، أو شرطيا قاسيا» ص 108، بعد أن يقرأ الإنجيل ُتمحى صفة الخرس عنه «إن الصبي الذي كان أخرس يغدو معلما». ص 70 يدفع تطور الأحداث اللاحقة يحيى إلى إتخاذ موقفٍ آخر مغاير لحالته المستكينة وهو يعاني من الضغط والحرمان والفقر، فإن ظهور «شاحنات إنجليزية مليئة بالجنود الذين بدوا هادئين كالصخور وخوذاتهم وألبستهم البنية وبنادقهم المنتهية بحراب لامعة، بدت مخيفة، لكن الجمع المغبر الصارخ الكثيف سار كأنه يعرف بعض هؤلاء الضباط أيضا، كأنه التصق بهم في حفلات أعياد الميلاد البهيجة….». ص 126 هذه المجابهة العسكرية بين الغرب والشرق حسمت الأمر بالنسبة ليحيى حيث يلتحق بالشعب ويساعد البحار المصوب برصاص الإنجليز مذكرا بموقف جان فلجان بطل «البؤساء». يُعتقل يحيى ويتم التحقيق معه من قبل ضابط إنجليزي. وعندها تبدأ حالة البوح عن المشاعر والمناجاتية والتعلق بعالم الصبا المتجسد برفيق العمر والشباب ودروبه فيما بعد إسحاق. أنظر الفصل 35 المكرس لعلاقته بإسحاق، الذي يودع في السجن. لكن هناك غموضا حول تطور يحيى وتوظيفه محررا أو مترجما في صحيفة الإحتلال بعد أن أعتقل من قبل الإنجليز. وهذا ما يلاحظه القارىء في الفصلين 36 و37 حيث تتميز اللغة بالغموض وكثرة الإنتقالات بين الوعي واللاوعي والحقيقة والخيال والحلم وتطور الأحداث. ومقابل تجذر الصلة الروحية بينه والرمز الشعبي إسحاق، الذي أصبح له مريدون وحماية شعبية تنتهي علاقته بميري حيث يقول يحيى في هذه المرة: «ليس لهم علاقة بالإله الذي ُصلب، إنهم حشد من الذئاب الضارية القادمة من وراء الصكوك والأسهم». ص 149 أي أن كل ماكان ينظر إليه نظرة سوداوية وإنتقادية في عالمه القديم أصبح اليوم طعمه أكثر حلاوة وأقرب إلى النفس. ومن خلال العلاقات الهرونوتوبية تتجسد ثيمة اصطدام الحضارات والأديان والمصالح الإستعمارية وبالذات الشرق والغرب، الإسلام والنصرانية. العلامة الأولى لهذه المواجهة الخطيرة يعبر عنها السائق الحاج سلمان بقوله موجها كلامه إلى يحيى: «كيف تغير دينك؟ هذا حرام». ص 75 بينما يُجابَه يحيى برد فعل أعنف من قبل إسحاق نفسه، الذي يتهكم به قائلا: «أنت أغلف وهذه السكين ستحررك…». ص 105 إلا أن هذه المواجهة تأخذ فيما بعد طابعا آخر يبدأ برد فعل يحيى نفسه الذي يضع يده على القضية ويكتشفها بنفسه وينظر إلى هؤلاء القادمين من الغابات الغربية نظرة شكوكية رغم أنه لا يزال على ديانتهم ومنتميا إليهم ويحمل الصليب في رقبته. «كيف نزعم أننا مخلوقات الإله ثم نتقاتل على بقعة زيت وقطعة قماش …». ص 128 ويكتشف فيما بعد حقيقة القس الأب تومبسون «أهذا هو ذاته الراعي الطيب الذي ينتزع أورام الأجساد والأرواح والقطيع الهائج البائس إلى مملكة الرب؟ اين ذهبت ترانيم الأحد وصلوات الأعالي؟ بدا له انه خرف أو أصيب بلوثة مفاجئة …. ». ص 132 وفي مكان آخر من الرواية يشير الكاتب إلى هذه الأليغوريا ما بين النخيل والغابات على أنها علاقة الشرق بالغرب وأن إبنة يحيى عائشة تجسيد لهذا التلاقح تجمع هذين الطرفين المتضادين والمتصارعين منذ الأزل. ص 159 لكن هذه الطفلة الهجين عائشه لم تشفع لا لأبويها ولا للعالم كله كي تحل العقدة ويعم الوئام بين البشر، بل تغدو سلاحا بيد الغرب ضد الشرق حيث يهدده الضابط الإنجليزي قائلا ليحيى «سوف تدلنا على مخبأ إسحاق». ص 16 وبهذا يضع الروائي بطله اللقيط البحريني، الهجين، المتنصر أمام اختبار ُيعد من أهم عناصر الرواية المعاصرة ليختار بين الانتماء إلى مكانه السفلي وبيئته بكل ما فيها من حرمان وقذارات وسفالات والتضحية بحياته وكل إمتيازاته مقابل إنقاذ حياة إسحاق وعدم الغدر به. يفضل يحيى الخيار الأول فتفصل بينه وبين حياته رصاصة يطلقها الضابط الإنجليزي في راسه ليودع إبنته التي قد تستمر على دربه الأليغوري. لم تكن عملية تنصر سهلة، بل مرت من خلال عدة مظاهر يتجسد فيها التخلف وإحتقار الإنسان مثل مقابر المسلمين الوسخة. «كانت مقبرة المسلمين الموحشة لا تستقبل سوى الفقراء والجنازات الكئيبة المتقشفة … اما مقبرتا اليهود والمسيحيين …. فكانت جنازاتها مختلفة، والبشر الحزانى يبدون بجمال غريب: بدلات سوداء وباقات زهور ونعوش خشبية جميلة فيظن ان القوم ذاهبون الى فرح صامت». ويقول في مكان آخر من الرواية : «وفي النهار تتفجر الصيحات من مآذن المساجد، ليندفع كورس جماعي يزلزل الفجر والنائمين، وتندفع بعده أصوات الحمير والكلاب والديوك والبشر، ويخرج أناس يقطعون اجسادهم ويضربونها…» أنظر ص 24، وص 46 وإنتقاده للختان وحالة المرض بسببه أنظر صفحات 51، 53 كمثال على ذلك يمكن ايضا الإشارة هنا إلى قصة العلاقة الخفية بين المعلم النصراني التبشيري نصيف البستاني والمرأة المحجبة من عائلة العنود التي ترتدي الملابس السوداء من راسها إلى أخمص قدميها. ص 87 هرونوتوب الرواية يبدو المكان أبعد عن التوثيق، حاول الكاتب التمويه من خلال الإبتعاد قدر الإمكان عن ذكر أسماء الشوارع والمدن والمحلات وكأننا نعيش في مدينة ما في الشرق. لكنه يستعين بالهرونوتوب او الزمكانية للإشارة إلى مكان الحدث. فهنا كل شيء معلوم ومعروف بالنسبة للقارىء الواعي العارف والمطلع على تاريخ البحرين المعاصر. نقرأ في الرواية: «وجد نفسه… ملحق بكوخ، وبأرض خلاء، وبسماء عالية … الأرض الخلاء الواسعة التي تلي الأكواخ، تبدو رمادية كالحة، تنتشر فيها الحفر الكبيرة التي تتخذ أمكنة لقضاء الحاجة، وهي تتحول إلى مستنقعات سبخة عندما ينهمر المطر. وتقع فيها مزابل واراضي رحبة مليئة برمل ناعم… وفي شرق هذه الأرض تقع أكواخ تمتليء بعبيد سابقين…». ص 5 اما مدينة الأحداث فإن الروائي يشير إليها بدون ذكر إسمها من خلال وجود شركة النفط ولكن ماهي هذه البلدة مدينة النفط؟ أول مرة يذكر فيها الروائي شركة النفط في صفحة 44 «لكنك تعرفين أننا أخوات جئنا لمهمة مقدسة، وليس لإقامة صداقات مع مهندسي وموظفي شركة النفط». ص 44 ويقول ايضا عن مكان الحدث الروائي بطريقة غير مباشرة «إن البلدة تغرق في النوم والظلام … ذهبتا إلى مدينة النفط ذات البيوت الأوروبية …». ص 46 ومن الملاحظ أن الكاتب يبدأ بوصف المكان ثم يقدم شخصياته على أنها نتاج له: «رأينا في البستان المهجور مجموعة من الصبية. يدخنون ويسطون على الأعشاش، ويمارسون العادة السرية في الزوايا … أنظر هذا هو عالمك … مشيا ووصلا السوق. كانت هناك حشود من البشر المصطفة على جوانب الشوارع، تحدق في مسيرات دامية. … رجال أشباه عراة يضربون أجسادهم بالسيوف…». ص 68 لكن الروائي يذكر إسم مدينة المنامه أول مرة في صفحة 76 حيث يقول : «قالت إن اسمها سارة، وهي يهودية! وابوها القادم من العراق أسس له تجارة مزدهرة في سوق المنامة». ص 76 هناك بعض الغموض في مكان الحدث الروائي وزمانه في بعض الحالات ولا سيما في بداية السرد، لكن القارىء يلاحظ إشارة الروائي في نهاية الرواية إلى جسر يربط مدينة بأخرى «الشاحنة تعبر الجسر لتصل الى المدينة الأخرى…» ص 167 الوصف الخارجي للشخصيات تظهر ملامح يحيى على دفعات: «كان شكله المميز، ولونه البرونزيين وعيناه الجميلتان، مدعاة لتحسسات لاذعة غامضة لجلده، وكانت ايديهم تتسلل وراءه …». ويقول في مكان آخر عن نفسه «ابي ليس منهم. لوني وزرقة عيوني تفضح إنتمائي إليكم». ص 84 وتكاد الاوصاف الخارجية لملامح يحيى تقل إن لم نقل تختفي بعد هذه الصفحة. ويمكن القول بشكل عام إن الأوصاف الخارجية للأبطال تبدو غير تفصيلية وغالبا ما تشير إلى الحالة وتكرس كرمز لها. الناستولجيا يمكن اعتبار وفاة جدة يحيى بداية حالة الناستولجيا حيث طقوس الفاتحة والدِلال و«صلاة، يقف فيها كما يقفون» ص 121 «ويشتاق إلى أهل حيه، ذهب إلى أكواخهم ودكاكينهم ومجالسهم». ص 122 تتوج ناستولجيا يحيى بحنينه إلى رفيق دربه إسحاق رغم شكوكه بأنه هو الذي حرق الكوخ وجدّتَه «هل يقوم بذلك حقا». ص 122 لكنه «يود لو يكون قريبا من إسحاق» ويبقى مع ذلك متعلقا به لأنه أصبح رمز المقاومة. ص 125 وتتجسد ثيمة الناستولجيا ايضا بالبحث الدائم والدؤوب عن ملاذ آمن روحيا متمثل بإسحاق الرمز وذكريات الطفولة «سيذهب إلى إسحاق. سيسأله أن ينقذه من هذه الكتابة والرتابة… يندفع إلى الأزقة والمقاهي ويسأل عنه». ص 146 مقابل تعمق ارتباط يحيى بعالمه القديم، نجد أن علاقته مع الجانب الآخر المتمثل بالكنيسة وزوجته ميري تتحول إلى منحى آخر يصل إلى القطيعة والعداء والتضاد في ضل اصطدام القوة الإستعمارية بالشعب. نقرأ في الرواية: «والآن هو في دورة المياه الفائضة، … ويرى وجه ميري المتعب يسال عن الأدوية ويصرخ في الشراشف القذرة، وهما يتعاركان فوق السطح بين الغسيل المتطاير والريح وضجة الطائرات العسكرية المدوية الهابطة». ص 146 هل هي نهاية غير سعيدة لعلاقة حميمية بين الشرق والغرب؟ وهل يا ترى ستنتقم الطفلة الهجين عائشة لجريمة قتل والدها يحيى؟ أم أنها ستجرب رأب الصدع بين الشرق والغرب ودمجهما. قد يفاجؤنا الروائي عبدالله خليفة بالإجابة على هذا السؤال الصعب في رواية جديدة تتناول جيل هذه البنت اليتيمة ومستقبلها في عالم أصبح قرية صغيرة في ظل العولمة.
السماءُ ذات مستطيلات صفراء ووهجٌ أحمر يشعُ فجأة ويتوارى.البحر اختفى، أو بقيت بقعٌ أخيرةٌ منه، على هيئة تلالٌ كثيرة من القار.الگبگب سامي يخرجُ بصعوبة من الأرض اللزجة، وينتزعُ عضويه المسودين شبه المهروسين من الطين، ويتطلعُ بأسى إلى الوراء، حيث زوجته تغرق، غير قادرةٍ…
أنا الكلب عنتر ، كما أسماني صاحبي ومكتشفي الأول: عطية المجنون، أتقدم بمحاضرة في هذه الجامعة العتيدة ، متشرفاً بالتحدث أمام نخبة من المفكرين والباحثين، متمنياً أن تكون مداخلتي المتواضعة فرصةً لإثراء الفكر في هذا البلد المعطاء. لقد تغيرت مدينتنا كثيراً منذ أن…
كتب : عبدالجليل حسن* تمهيد:تجيء هذه الدّراسة لرواية «الأقلف»** لــ «عبدالله خليفة» وللمتسائل أن يستفهم ما الداعي التي حملتنا لدراسة هذه الرواية دون غيرها من الأعمال الأدبية؟إنّ من الضروري هنا تسليط الضوء على الأسباب التي من خلالها نستحضر ماهيّة البحث، للوقف على النتائج…
كتب : د. زهير ياسين شليبهالنغل نغل!الشرق الشرققد يبدو لقارىء «الأقلف» أن مؤلفها البحريني عبدالله خليفة أراد ترسيخ هذه الدمغة الإجتماعية المتخلفة على خلق الله اللقطاء باعتبارهم بشرا من الدرجة العاشرة إلا أن الأمر ليس كذلك بالضبط فقد اراد الروائي إثبات العكس. فهذا…
د. أنيسة السعدون مثلت إشكالية الهوية إحدى القضايا الأساسية للرواية العربيّة؛ وقد تناولها عدد من الكتّاب بالنظر إليها من زوايا مختلفة، ووقفوا على وجوه علاقتها مع قضايا شتّى ومتباينة المجالات؛ بما يكشف تعدد الرؤى في رصد مظاهرها، وتعقّد عوام تكوّنها، وما يطبعها من…
عبدالله خليفة روائي بحريني متميز، يكتب منذ سبعينيات القرن الماضي، له العديد من الروايات والمجموعات القصصية.قراءة : أحمد العربيالأقلف ، رواية كُتبت في عام 1988م، ونشرت في عام 2002م.{لغة الرواية وأسلوبها جميل جدا، جزل، مليء بالصور والتشابيه، يومئ لما يريد الوصول اليه، يبتعد…
كتب : فيصل عبدالحسن يضعنا الكاتب البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة في روايته «الأقلف» في إشكالية الصراع العقائدي – الديني – مع الآخر وما حمله المستعمر الأجنبي لمنطقتنا العربية بداية القرن الماضي مما كان يعتقده ضروريا لتكريس وجوده في منطقتنا لفترة طويلة ، فاستخدم الإرساليات…
يشتغل عبـــــــدالله خلــــــــيفة في هذه الرواية بأسلوب يأسر القارئ حتى النهاية، معتمداً على مخزون لغويّ ثرّ، وقدرة على التقاط الصور والمشاهد ببراعة لا يتقنها كاتب عادي، ليوصل القارئ في نهاية الرواية إلى أفق ينفتح على أكثر من نتيجة أو قناعة، أو مقولة، ودافعاً…
كتب: شادية الترك الرواية عند ‹‹عبـــــــدالله خلــــــــيفة›› تنطلق من الماضي وتذوب في أطيافه ، تمتزج بالواقعية ، وتتمادى في تعقيد حبكتها الروائية ، تؤسس لحياة غابرة بقلم الحاضر، تستدعي شخوصها وأمكنتها بتاريخ هذا اليوم وتحاول عبر عالمها الروائي أن تشيد الزمن برؤى الحاضر…
مثلت إشكالية الهوية إحدى القضايا الأساسية للرواية العربيّة؛ وقد تناولها عدد من الكتّاب بالنظر إليها من زوايا مختلفة، ووقفوا على وجوه علاقتها مع قضايا شتّى ومتباينة المجالات؛ بما يكشف تعدد الرؤى في رصد مظاهرها، وتعقّد عوام تكوّنها، وما يطبعها من صراع اجتماعي وثقافي وحضاري يجلّي آثارها المكينة في الشخصية العربية. ولا شك في أن ثمة محددات تضبط هذا التعدد في الرؤى والمآلات، وأبرزها اختلاف طريقة معالجة الكتاب هذه الإشكالية بسبب ما يصدرون عنه من رؤية خاصة تعكس تفاوت درجة وعيهم لها، واختلاف انتماءاتهم الأيديولوجية، واهتماماتهم الفكرية. إلى جانب تبدل ما تشهده كز مرحلة تاريخية من ملابسات، وما تفرضه من قيم وتصورات وأفكار، وما تحتاج إليه من محركات تستجيب إلى مقتضيات المرحلة. ذلك أن الرواية التي صورت محنة الاحتلال ركزت على صورة الصراع بين غرب مستعمِر وبلد عربي مستعمَر، وما يمارسه المستعمر من أشكال القهر والاستلاب، في مقابل صورة العربي المحتج الصامد، أو الثائر من أجل التحرير. وأحسن الروايات عرصاً لهذا الواقع (مدن الملح) لعبدالرحمن منيف، و(الريح الشتوية) لمبارك ربيع، و(اللاز) للطاهر وطار. وقد وقفت روايات أخرى على العرب ما بعد الاستعمار، لتجسد آثار التفوق الصناعي والاقتصادي الذي يتبوأه الغرب على العرب؛ إذ وجدوا أنفسهم أمام صراع حضاري آخر يتجلى في الصراع بين غرب متقدم ومتحضر بينما هم يغرقون في التخلف على أكثر من صعيد، وهكذا اعتنت كثير من النصوص الروائية بأسباب هذا الصراع ومآلاته التي اقتضت ترسيخ هيمنة الغرب، وتعميق أشكال التبعية له، وإثبات مركزيته في مقابل هامشية العالم العربي، وإرساء الروح الفردية، والاقتصاد الرأسمالي. ومن أمثلة الروايات التي اكترثت بالنظر فى هذا الجانب (وليمة لأعشاب البحر) لحيدر حيدر، و(ألف ليلة وليلتان)، و(وشرخ في تاريخ طويل) لهاني الراهب، و( سلالم الهواء) لمحمد عبدالملك. فيما صورت روايات أخرى العلاقة مع الغرب على أنها موضوع افتتان، وأخذت تبحث فكرياً وجمالياً فيما يسود الغرب من قيم الحرية والعدالة والمساواة، وهي ما يتطلع إليه الإنسان العربي، ويتوق إلى تجسيده في أرضه. ومن هنا حرصت هذه الروايات على الدعوة إلى ضرورة الانفتاح على الآخر؛ لأنه «من المستحيل أن ندرك وجود أي كائن بصورة منفصمة عن علاقاته. التى تربطه مع الآخر»(1)، ولكنها بدعوتها هذه لم تغفل الإشارة إلى ضرورة صون مقومات الأصيل في الذات العربية الحضارية. ولعل الكتاب الذين سنحت لهم فرصة السفر إلى الخارج هم أبرز من كتب في هذا الاتجاه. نذكر منهم على سبيل المثال محمد حسين هيكل في روايته (زينب)، وتوفيق الحكيم في روايتيه (عودة الروح)، و(عصفور من الشرق)، ويحيى حقي في (قنديل أم هاشم)، والطيب صالح في (موسم الهجرة إلى الشمال)، ومحمد العروي فى (الغربة). وما ينبغي التأكيد عليه هو أن هذه الاتجاهات في التعبير عن إشكالية الهوية لم ترد في كثير من الروايات على هذا الوجه من التحديد؛ بل جاءت متشابكة متداخلة تكشف تعقد مسألة العلاقة مع الآخر. وإذ قد بان أنه لا يمكن قصر هذه العلاقة في إشكالها على صورة واحدة في الرواية، فكيف سيتجلى سؤال الهوية في رواية الأقلف؟ وكيف سيكون تعاطي الشخصيات معه؟ ثم ما موقف الكاتب من هذا السؤال؟
1 ـــ واقع الاستلاب وثورة البحث عن الكيان (الأقلف) هو عنوان الرواية، وقطب الرحى فيها. إذ يحيل هذا العنوان إلى بطلها، وهو (يحيى) الذي عيره أهل حيه بهذا اللقب لأنه لم يُطَهّر كما هو شأن أي مولود عند المسلمين. وقد أشار الراوي العليم إلى ذلك في أكثر من موضع من الرواية إما على لسانه(2)، وإما على لسان الشخصيات(3). ولعل هذه النزعة التقييميّة في عنونة النص تضيء لنا، منذ البداية، الوضعية الاجتماعية ليحيى؛ إذ إن مخالفته سنة المسلمين؛ قد تفضي به إلى الاصطدام بقيم مستقرة، وأعراف أصيلة يقدسها المجتمع، وبالتالي تجعله محل ازدراء وسخرية، وإدانة ونبذ وتهميش. جاء السرد في (الأقلف) بضمير الغائب، لراو يحتل درجة أولى من السرد، وقد افتتح النص برواية تفاصيل حياة شاحبة، ومواقف شائكة، تطرح إشكالية الإنسان المقهور. فالأقلف شابٌ لقيط، «وجد نفسه بلا أم ولا أب. ملحق بكوخ، وبأرض خلاء، وبسماء عالية، وثمة امرأة عجوز خرساء تغذيه بصرر الخضروات المنتزعة من البراري، وبكسرات الخبز اليابسة»(4). وقد قاسى (يحيى) كثيراً من بؤس الواقع، وما يسوده من ظلم وقمع واستلاب طبع مسيرة حياته؛ فهو منذ أن «كان طفلاً يتسلل كالقطة الصغيرة إلى الأشياء المهملة والمزابل، فينتزع أشياءه ومأكولاته منها»(5). على هذا النحو يخسر (يحيى) بشريته، ويفقد كرامته، ويأخذه الجوع إلى مكان قصى عن منازل الإنسانية. ولم يكن أهالي الحي، في علاقتهم به، بأحسن حالاً من تلك الظروف القاسية؛ فقد عاملوه بفظاظة وغلظة، وخصوه بأحط النعوت وأوضعها بالطعن في شرفه(6)، وأمعنوا في تعذيبه نفسياً وجسدياً؛ وهو الضعيف العاجز الذي لا حيلة له سوى الهروب، وأنّى له الخلاص منهم وهم يتعقبونه إلى فضائه الذاتي (كوخه)، فلا يستطيع أن يزاول فرديته، ويتحرر ولو إلى حين عن قيودهم وتطاولهم؛ فيقبع هناك «خائفاً من الرجال والأولاد الشرسين الذين يصفعونه، أو يتسلون باكتشاف جسده»(7)؛ إذ «كان شكله المميز؛ ولونه البرونزي؛ وعيناه الجميلتان، مدعاة لتحسسات لاذعة غامضة لجلده (…)، فيخاف ويحزن ويجري بعيداً حيث الكوخ، و”السيخ” الصدئ الذي يمنع أقدامهم من الدخول، لكن كلماتهم الفظة كانت تتقافز من خلال الخوص إلى مسامه مثل قراد الكلاب»(8). هكذا يقف الخارج عامل تهديد وتحد للداخل، فيخضعه لهواه ومشتهاه؛ ممارساً عليه ضرباً من ضروب الإرهاب النفسي الذي يتجسد في اوجه؛ في المقطع السابق؛ من خلال انتهاك ألصق حيز بيحيى وهو جسمه الذي هو موطن حرمة وقداسة في كثير من الثقافات. ولقد صاغ الراوي بصوته الممزوج بصوت الشخصية الكثير من صور الحرمان ومعاناة الطفولة البائسة التي انفرد بها (يحيى) عن بقية أبناء حيه، ذلك من خلال مقارنات تظهر جوانب اختلافه البيولوجي والنفسي والاجتماعي. وقد ضاعفت هذه الاختلافات درجة حيرته؛ وأججت في نفسه مشاعر الضياع والوحدة وهو «يرى كل شرايين المدينة مرتبطة بالأمومة والأبوة»(9). ويراقب بإعجاب الأولاد تلاحقهم عصيٌ الآباء لتعيدهم إلى المدرسة(10)، ويحلم بعيشة مثلهم وهم «ينتزعون أمكنتهم على المسفرات الكبيرة الملأى بأطباق الأرز ودوائر السمك المشوي»(11). وما أجدت هذه الأحلام، وأنّى لها أن تجدي في محيط ينبذه ويهجوه، ويتربص به ليصيب كرامته في الصميم، بدليل ما ذكره الراوي عنه عندما ذهب متوارياً إلى البحر لــ«يغسل ثوبه الوحيد وملابسه الداخلية الممزقة، وينشرها على الصخور، وينتظر عارياً، محتمياً في الشقوق عن الأنظار (…) وفي غفوة مباغتة، دهش لاختفاء أسماله (…) وفجأة أطل الأولاد برؤسهم حوله، وانفجروا ضاحكين.. ! لم يتركوها إلا عندما وقف غاضباً (…) دهشتهم انفجرت فجأة(…) صاحوا وهم يلقون ثيابه، ورددوا كلمة غريبة جديدة! شعر في ذلك الموقع المرتفع عن الحي، إنه إنسان مختلف غريب. لقد نبت خطأ، أو ظهر بصورة خارقة.»(12). هكذا يُحرم (يحيى) من ممارسة صيرورته الخاصة وشرطه الذاتي الذي يكفل إنسانيته؛ فيضطهد اجتماعياً إذ تجاهل الأبُ الاعتراف ببنوته، وفكرياً بحرمانه من التعليم، وجسدياً عبر إرغامه على التعرّي. وضمن هذا السياق والأفق يستلب حقه في مزاولة تجربة الحياة، وينفرط عقد الجماعة في نفسه. ومتى انقطع هذا الرابط، اعتلت علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وعسر التواصل بينهما، واستبد به الشعور بالاغتراب. وهو ما آل إليه يحيى، وقد ذكر ذلك الراوي بأسلوب تصويري مكثف، ولغة إيقاعية مشبعة بالرمز للإيحاء بمدى انفعال الشخصية، وشدة تأزم واقعها: «يتطلع إلى الطرق الموحشة، وإلى المستنقعات الساخنة، حيث تتراءى كالأدخنة الحارقة حشود الذباب والبعوض، وتمضى الأحذية عائدة إلى المنزل، وإلى الأبواب التي تغلق على الثلل المتعانقة، والشجارات السعيدة، والأكلات الصاخبة، هو وحده الذي يغفو، وتترنح رأسه على الجريد»13. ما تتفق فيه هذه الأمثلة أنها تؤسس بنية قمعية تتشكل في نطاقها ذات (يحيى) بعد أن قهرها المجتمع وصيرها إلى التهميش، وبمقتضى ذلك تخترم هوية يحيى وتشوه ، فَيَكُفٌ عن التعاطي مع محيطه الاجتماعي، ويجترح لنفسه عالماً خاصاً، ويعقد علاقة صداقة مع كلبة مقتنعاً أن عالمها أوسع عليه، وأرحم به من بني جنسه. وفي ذلك يقول الراوي: «يحتضن كلبة ويطعمها (…) كانت صداقة سريعة وأليفة بينهما. لقد أوجد لها طعاماً بصورة منتظمة، وتخلى عن بعض حصصه (…) لقد قدرت حنانه وتدلهت بحبه. فتروح تمرغ رأسها في حضنه، وتبحث عنه، وتقدم له خدمات كثيرة.. ولكنها لم تَصِرْ أمّهُ»14. لقد عمد الراوي إلى تكرار مشاهد عديدة تجسد ذات (يحيى) المتداعية؛ وذلك لتقوية الإحساس بفظاعة واقعها، وإقناع المتلقي بما تتخذه من قرار. والحق أن عالم الاستغلال والتشرد والوحدة والاغتراب وتدهور الأصيل من القيم، لم يمنع (يحيى) من ممارسة الوجود، بل كان بمثابة قادح يوقظ في نفسه بوادر الصمود، ودواعي المواجهة لفك أغلال الواقع المتهافت بسؤال المعرفة. يقول الراوي في ذلك: «إن شكله الغريب، ووجوده المريب، لم يجعلاه يدمن الكآبة، فكانت الوحدة والعزلة تدريباً له على الحفظ وترديد أسماء الناس والأشياء، وأسئلة حارقة عن هذا القدوم، والأب المتواري، والأم القاسية»15. ويمكن أن نلمس إصرار (يحيى) على الدفاع عن كيانه، وتجاوز الشعور بالانبتات، من خلال ما نقله الراوي من حديث (يحيى) إلى جدته، وقد غلبت عليه أسئلة إشكالية، تدعوه إلى لون مختلف من التفكير، وتغرس فيه بذور الوعي الأولى في سبيل البحث عن الذات: «يقف فوق رأس جدته (…) ويشير إلى نفسه، ويرسم إشارات استفهام مروعة كبيرة، لو كان يستطيع أن يشحنها بكل جراحه لفعل، يصرخ مزلزلاً الكوخ الأخرس: – جدتي.. كيف جئت إلى هنا؟ بل كان يريد أن يلعلع بصوته : – من أنا؟ ِلمَ أنا قطعة من اللحم النتن مرمية على قارعة الطريق ؟ ِلمَ أنا وحيد.. في كل هذا الوجود الصخب الشرس؟»16. إلا أنه أسقط في يده ؛ إذ ليس لأسئلته الممضّة سوى عجوز خرساء يستنطقها فلا تبوح إلا بهمهمات وإشارات معقدة. كما أنه لم يجد إجابة في محيطه الخارجي اللاهي عن كل تغير، والذي يهيمن عليه الروتينى والعادي، فكأنه يكرر نفسه ويلوكها. ومن الطبيعى أن يولد هذا الشعور الانغلاق والانحباس، لأن كل شيء منمّط ومقنن لا يفصح عن جديد، ولا يتيح مجالاً للاستكشاف، ولا يلبّي أسئلة هاجس المعرفة؛ ما يفسر أسباب القطيعة بينه وبين أهل حيه : «كانت الأسئلة الكبيرة تملأ رأسه. ويجد الأفق لا يجيب، والبحر صامت، والنخيل يغرق في العتمات، وأهل الحي تأخذهم الطرق المليئة بالعصيّ، والعجلات، والمآذن والتسابيح ودخان الحشيش والقيود والدم، ويغرقون في النوم، والأكل والشجار، ولا أحد يجيبه»17. ولكن بعض الملامح العسيرة لهذه الحال ما تلبث أن تولت بقدوم (إسحاق) إلى الحي. وهي شخصية مهمشة تقاسم (يحيى) مغامرة الوجود ومعاناته، فنشأت بينهما صداقة حميمة، ومعها اقتحم يحيى حياة العمل الذي أطلعه على ألوان أخرى من الظلم الاجتماعى تمارس ضد الكادحين. وفى بيان ذلك يقول الراوي: «اندفع مع إسحاق في الأسواق ينقلان الأكياس الثقيلة والألواح وعلب الصبغ وكتل الحديد (…) وحين يريان حصيلة النهار في كوخ أحدهما يفاجآن بذلك المبلغ الهزيل»18. ومن هنا لم يكن هذا العمل عوناً ليحيى على امتلاك ذاته بقدر ما كان أداة هدم واستعباد؛ مما عمق من بؤسه المادي والنفسي، كما أنه لم يجبه عن سؤال الهوية العالق، بدليل مخاطبته إسحاق مستفهماً: «هل سنحيا هكذا.. بلا أسماء.. نخاف من عيون الناس وألسنتهم»19. غير أن أحداث القصة تشهد منعرجاً حاسماً غيّر مجرى حياته، فمرضه كان سبيلاً له إلى عالم آخر، وكانت عربة (إسحاق) معبراً له وجسراً إلى ذلك العالم حيث مستشفى الإرساليّة الأمريكية. وهناك تعرف إلى (ميري) التى أعجبت به، ووجدت الفرصة سانحة لأن «تجرب رسالتها في هذا الطين البشري الذي لم يتشكل»20. أما يحيى فقد رأى فيها سبيل تعويض لإحباطه النفسي والاجتماعي، ومتنفساً له ومهرباً من حياة القهر والضياع والتشرد، ومجازا إلى الوعي. وبالاشتغال معها بدأ يكتشف ذاته شيئاً فشيئاً، وازداد انبهاره بالآخر، وتضخمت في نفسه علامة الاستفهام ضمن سلسلة من التداعيات الذهنية اضطلع الراوي بنقلها: «لماذا هو مرمي هكذا في الفراغ الأرضي وحيدا، بلا جذور، بلا عكاز، بلا اسم.. هل يبيع جسده وروحه على أول بائع يعرض شراءه؟ أيعطي ماعونه لأغراب يملؤونه بما يريدون؟ (…) هل يمضي وراء الشعاع الجميل الذي أعطاه الحياة والصحة والأمل أم يهرب بعيدا، نحو سوق الصفارين يغوص في الرماد وشرائط النحاس والهباب وضرب المعلمين والزبائن؟»21. ولا شك في أنه توجس ريبة من هذا التغيير في البداية، وأدرك أنه سيبلغ به مبلعاً من الخطورة؛ إذ كيف يعلن عن مسار حياته الجديد الذي لن يتفهمه حتي صديقه (إسحاق)؟ يبوح لنا الراوي بما يدور في نفس يحيى قائلا: «أحس أنه انقطع عن صديقه. لقد بدا غريباً عنه، وهو بحاجة إلى إنسان يُصغي لأسئلته. ماذا سيقول له، بل ماذا سيقول للناس؟ سيقولون إنه التحق بالكفار الأغنياء المتسلطين القادمين من وراء البحار، وأنه باع نفسه بدريهمات ما! كيف يمكن أن يعرفوا عمق اختياراته؟»22. تنتهي الرواية ولا ينتهي السؤال، فقد تكاثفت مثل هذه الأسئلة في تضاعيف الرواية؛ إذ كانت السبيل الوحيد لاستكشاف الذات، ومواجهة مصير الوجود. وبذلك كانت الرواية سؤالاً لجوجاً متتابعاً ينمو بنمو السرد؛ ليغدو يحيى «شخصية إشكالية تعريفاً، يبحث عن موضوع أضاعه بأدوات تزيده ضياعاً، أو يبحث، ضائعاً، بموضوع لم يلتق به أبدا»23. وقد أفضى به ذلك لأن يخوض صراعاً مزدوجاً مع الذات والعالم الخارجي؛ مما يجلي وجوها شتى من مظاهر التأزم تحكم الواقع على أكثر من صعيد. وتنم عن وعي يعكس إرادة التغيير، وهي الإرادة التي وجد أدواتها ومسالكها عند الآخر. ومن الطبيعي، والحال هذه، أن ينحاز أهل حيه إلى تصوراتهم ومعتقداتهم القارة، ويبنوا أحكامهم على أساس تقليدي بسيط، وينطلقوا منها لاتهام (يحيى) وتخوينه. ومن الطبيعي أيضاً أن تقعد بهم آفاقهم الفكرية المحدودة عن فهم جوهر القضية التي يحتكم إليها، فهو يريد أن يحدد مصيره، يريد أن يحول عجزه إلى فعل، وضياعه إلى قرار، يربد أن يضع حدا لحالات الفقر والامتهان والقهر والاستلاب، ويرتقي سلم التحضر الذي اعتلاه الآخر، ويحيا أفقاً حياتياً أفضل من الراهن. وبوحي من هذا المنطق تتحقق كرامته وحريته، ويستعيد بناءه الإنساني السامي. على هذا النحو بدأ سحر الآخر يجتذب (يحيى) بقوة، للتصدي للبنى الذهنية الراسخة في مجتمعه بدأ يعد نفسه للمواجهة، ويجتهد في تقديم المسوغات التي يمكن بها أن يدافع عن اختياره، ويدعم صواب قراره، ويقيم الحجة على قومه. وفي هذا السياق جاءت كل أقواله مندرجة ضمن منطق حجاجى داخلى طرفاه صورة في ذهنه لأهل حيه يحاسبهم على مواقفهم وسلوكياتهم إزاءه، وصورة مقابلة للآخر يكشف فيها مدى دهشته منه وانبهاره به. بالأجنبي هو من أضاء عتمة جهله بنور العلم، ولقد وعى (يحيى) أة سبيل تحرره من قيوده الذاتية وسلطة المجتمع هي المعرفة «التي تصنع كل الأشياء المذهلة، وتقتحم البحار والقارات، وتحلق في السماء، وتجعل الحديد ينطق»24. وأسهم ذلك إيجابياً في تقرير مصيره، وتشكيل وعيه بالوجود، وتحديد رؤيته للعالم بلزوم التحول عن عالم الضياع والتهميش؛ وهو ما دفعه إلى بذل الجهد ليعرف المزيد كما وعد (ميري) : «هناك أشياء كثيرة ينبغى أن تتعلمها.. – سوف أتعلم وأبحث»25. كما فهم أن مصيره البائس المتقهقر إنما يكمن في تباين أساليب المعاملة بين قومه وبين الأجنبي. وحسبنا دليلاً ما رصده (يحيى) في الشاهد الآتى: «كيف يكون الكفار بهذه الطيبة، يقدمون الطعام والدواء والأسرة والابتسامات المنعشة؟ كيف يصنعون فتاة مثل ميري.. هذه الحمامة الطليقة الخيّرة؟ من هم الكفار حقاً، أليسوا هم هؤلاء الذين ألقوه في المزبلة، وتخلوا عنه؟ أليسوا هم هؤلاء الذين يمرون به، وكأنهم يحاذون طوفة أو جذعاً؟»26. وتمتد هذه المقارنات إلى مدى أبعد فتطال قيم المجتمع الفكرية والإيديولوجية؛ إذ إن عمله الجديد في المستشفى جعله يكتشف ما كان خافياً من حقيقة الواقع وملابساته، فنزع إلى انتقاد العقلية التي يصدر عنها أهل حيّه والتي تنهض في مجملها على المحظورات والممنوعات، وتغرق في الترهات والتصورات المشبعة بالتخلف. وهو ما يمكن الوقوف عليه في المناجاة الداخلية الآتية: «ماذا يريد من أولئك الناس الذين ألقوه على قارعة الطريق، ويثقبون جلود المرضى بأسياخ الحديد، ويضعون التمائم على الزنود والصدور، ويحبسون النساء في الغرف المظلمة والألبسة السوداء الثقيلة»27. بهذا الحجاج الموسوم بصبغة انفعالية لا تخلو من السخرية تتباعد المسافة النفسية المعنوية بين (يحيى) ومجتمعه، وبفضلها يبرم الصلح مع الآخر، لا سيما بعد أن عثر على روافد خير وافرة فيما تلاه المدرس نصيف البستانى من آيات مقدسات تواسى المساكين والمحزونين والودعاء، وتهنئ الجياع والعطاشى إلى الحق28. ولم يبق للأجنبى أخيراً إلا أن يطهر ما تدنس من جسد يحيى، ويعيد إليه ما انتهك من كرامته، وللاتصال بهذه المعاني العزيزة يمنحه (البستانى) جواز سفر إلى رحلة الاختلاف الطاهرة، وذلك عندما أخبره أن (الأب) خلصه من أي ذنب، وعليه فلن يسمع تلك اللفظة القبيحة المؤذية التي ألصقها أهل حيه به29؛ لأنه لم يعد في هذا الدين لقيطاً: «أحس يحيى بأن الرجل هو أبوه الغائب»30. وما يستنتج مما سبق أن (يحيى) يتخذ من الآخر، في جميع الأمثلة السالفة، رمزا للتفوق والمثالية في مناحٍ حياتية شتى افتقدها لدن أهله؛ ليكون بذلك معادلاً موضوعياً للحياة، ويمكن أن يحقق ذاته بمبادئه وقيمه، ويملأ كيانه بتصوراته ومعتقداته. وبمقتضى ذلك كله اقتنع بالمضي قدماً في قراره باعتناق المسيحية، وظن الوجاهة في رأيه فحسب، وقاده ذلك إلي المواجهة الفعلية، بعد أن كانت ذهنية تنطوي في مقام داخلي. نستدل على ذلك من حديثه الآتي عندما ناقشه أحد الرجال في مسألة دينه الجديد: « ــــ ليس لدي أي شيء أخسره.. وهذا الوطن لا يخصني! ـــــ جلدك، دمك، روحك، كلها تخصنا! ـــــ هذه كلها تعود بملكيتها إلى المزابل، أما روحي فقد أعطيتها لرجل لا تؤمن به»31. بهذه الحجج يقنع (يحيى) الصوت الشاذ والمتردد فيه بمشروعية ما يود القيام به، ليخلص إلى نتيجة مفادها: «أن يصير مسيحياً الآن لم تعد قضية روحية محضة!»32. والوصول إلى هذه النتيجة ليس حداً للحجج، بل هو منطلق لحجج أخرى ستنكشف مع اكتسابه موقعاً عند الآخر، على نحو ما سنقف عليه لاحقاً. تلك هي قصة نشوء الوعي الجديد لدى (يحيى)؛ وإرادة التحول التي تجلت بالانفتاح على إشكالية الهوية. وقد عمدت الرواية إلى التعبير عنها جمالياً بمحاورتها أو مخاصمتها أو مجادلتها. وإذا سألنا: إلى أي مصير سيؤول (يحيى)، المعذب بتعاسة ماضيه، المحتار من تشابك حاضره، وهو يعقد العزم على إنفاذ قراره؟ فلا بد لنا، للحصول على إجابة، من ترجمة الرواية إلى دلالات أعمق بالوقوف على بليغ الإشارات التي طفح بها النص. وما يكشفه في هذا المجال ازدواجية الزمن بين الماضي والحاضر، وتداعياته على (يحيى) في علاقته بالآخر.
2 ـــ صراع القيم في ضوء تحولات الزمن إن ما يميز الزمن فى رواية (الأقلف) هو تفتيت مسار الأحداث بعرضها في وحدات زمنية متكسرة ومتقطعة تنهض الشخصيات بشدها إلى دائرة واحدة هي ذات (يحيى). وقد أتت هذه الشخصيات لتعكس، من جهة أولى، وجوها من قيم الواقع ومظاهر تأزمه وأبعاده المتناقضة التي يواجهها (يحيى) ، وهو يخوض تجربة البحث عن الذات. وتُخضع، من جهة ثانية، الرواية لبنية ثنائية مزدوجة في الزمن، إذ إن التغيير الذي عزم عليه (يحيى) سيصيب مجرى الأحداث في الجوهر، وسيوقفنا على لحظتين زمنيتين حاسمتين، الأولى تقترن بأهل حيه؛ والثانية تتعلق بالآخر. وهاتان اللحظتان تتبادلان في حضورهما في النص؛ لتشير الأولى إلى الماضي، والأخرى إلى الحاضر. إن رغبة (يحيى) في التحرر من كل أشكال القمع والقهر والتسلط على صعيد الذات واسع بوقفها على شخصيات تمثل إما الزمن الماضى، وأما الزمن الحاضر وإما الزمنين معاً. فبمحور الماضى تتجسد أمامنا شخصيات تبلور الذاكرة التاريخية ليحيى، ومنظومة القيم والعلاقات التي تربطه بها، وتشكل توجهاته وأحكامه. وأبرز من يمثل هذا المحور: الجدة وصديقه (إسحاق)، وأهل حيه. أما محور الزمن الراهن فيتعلق في غالبه بالآخر، وأوضح نموذج له (ميري). إلا أن الحدود بين الزمنين قد تتداخل وتتقاطع فيمْثل الماضي في الحاضر عبر تذكر الأحداث المنصرمة، وما ارتبط بها من وقائع في لحظة السرد. ولم يمنع التقابل بين هذين الزمنين من الانفتاح على المستقبل، وهو الزمن الذي اتخذه الراوي ليفتح النص على تأويلات متعددة تصنع الالتحام بقارئ حر في رسم موقعه. يحضر الماضي من خلال الجدة الخرساء التي حاول (يحيى) بإصرار أن يستحضر عن طريقها تاريخه، إلا أن رجاءه يخيب بسبب خرس الجدة: «أخبريني.. يا جدتي! كأنه كان يخاطب الزمن المتواري، والأحبة المختفين وراء القسوة والشهوة. ليس ثمة ذاكرة هنا، ليس ثمة سوى خرس مُحب. يترنح ويسقط في حفرة الفراغ والغياب»33. ولعل خرس الماضي أوهن اتصال (يحيى) به، فشحبت ملامحه داخل نفسه، وسهل عليه الانبتار، والانفصال عن جذوره. فماذا يبقى للإنسان إذا نُحِي عن تراثه وتاريخه، وأهمل تعبئة ذاكرته وصياغة كيانه بهما؟ بل ماذا يبقى من الإنسان إذا خسر كنز الذكريات وجذور الانغراس في نفسه وبيئته؟ إن هذه الذكريات والتاريخ والتراث قصة حياة ووجود وفعل، ومتى طُمست وضُعِت هذه القصة موضع شك، وافتقد الماضي حرارته ووهجه وقيمته ورؤاه فكأنه باطل لا يقبض من ورائه على شيء. ومن هنا قتلت الرواية الجدة في الوقت المناسب34، قبل أن يأتي مولود (يحيى) الجديد من (ميري) ، وهو يرمز إلى استشراف زمن قادم؛ فإذا كان الماضي قد خرس عن النطق في الحاضر، فماذا عساه يقول في المستقبل؟ هكذا يعطي موت الجدة مسوغاً حكائباً ليشغل يحيى هويته على النحو الذي يشاء. أما (إسحاق) فقد مثل ليحيى في الزمن الماضي حالة وجودية خاصة؛ إذ كان يشاطره حياة البؤس والاستغلال. إلا أنه ظل مستمسكا بالقيم الموروثة، وبالرغم من هامشيته كان متصالحاً مع الواقع، يستمد من تهافته وتأزمه ما يشحن إرادته بقدرة فائقة على الصمود، فطابت له الحياة، وركن إليها، وحاول أن بوثق حبالها بيحيى ليتمدد الماضي في حاضره. إلا أن إرادة يحيى في التغيير، وانشداده إلى حاضر ينفتح فيه على الآخر يحول بينه وبين مرام إسحاق. وهو ما ولد في نفس هذا الأخير حقداً وكرها ليحيى، ورأى أنه بذلك إنما يتنكر لأصله وقيمه، ويسقط في أوحال الحاضر الذي يستغرق مداه الأجنبيٌ. لذا حاول إسحاق، بعد محاولات خاسرة من النصح، أن يتخلص من يحيى35 ، ولما لم تكن الطعنة قاتلة، عمد إلى إضرام النار في الكوخ الذي تقبع فيه جدته36، والمعنى الرمزي لهذين المشهدين أبين من أن يحتاج إلى دليل، ومؤداه إصرار إسحاق على إنهاء كل علاقة له بيحيى، ونسف هويته المتصلة بتراثه وتاريخه. أما أهل حيه فلا يختلفون كثيراً عن الجدة فهم الماضي القديم، وهم شبكة القيم والمفاهيم التي يصدر عنها أي فرد ينتمي إليهم، وهم البنية الاجتماعية والعقدية التي تحدد مسار يحيى، وتندس في أعماق لاوعيه، وتكون ذاكرته الجمعية، وتصب ذاته في قالب لا يند عن قوالبهم. ومن أجل ذلك شنوا عليه حرباً ونفسية محمومة عندما علق الصليب على صدره. ولكنهم، على ذلك، ظلوا متمسكين به في حاضره كما ماضيه، بدليل زيارتهم له في المستشفى عندما طعن، إذ وجدهم يتدفقون عليه، ويحيطونه بلطفهم وثرثرتهم وحكاياتهم37. وكذا كان شانهم في وفاة جدته؛ إذ «اندفع الناس إليه، وراح بعضهم يصافحه قائلأ: ـــــ عظم الله أجرك! وهو لا يعرف بماذا يرد، وأمسك بعضهم يده بحراره، وراح يقبله، فهدأ (…) ووجد أبناء حيه يحضرون الأكل، وتصطف الصواني المليئة بالأرز واللحم، وهز جمعٌ غفير المكان، لكن الغرفة اتسعت له، وتداخلت أرجله وسواعده وكلماته وكرات أرزه ولحمه»38. ومن هنا أدرك أنهم، وإن قسوا عليه وحاربوه، سيبقون رمزاً للجذور العميقة الضاربة في أعماق التاريخ، فبوجودهم ينوجد، وبدونهم يستحيل أن تنهض حياته ويستوي عمقه الإنسانى بمختلف أبعاده. وهذا ما أفصح عنه بصوته المندرج في خطاب الراوي: «إنهم أهله، خلاياه الصلبة من قدورهم وأكياسهم (…) أكان من الممكن أن يكون لولا هذا الجمع الإنساني المتواري تحت جلده»39. كما أنهم ظلوا شاخصين أمام مرآه في مستقبله، إذ لا يكادون يغفلون عن ذهنه في كل ما يستشرفه لبناء مستقبل أفضل من الراهن، على نحو ما سيتضح بعد قليل. أما ميري فقد مثلت المنعطف الرئيسي في حياة يحيى إذ نقلته إلى حاضر راهن يناقض الماضي، ومعها اكتشف دواعي حياة تعترف بكرامته وحقوقه، وكيانه الإنساني النبيل؛ فاضطر إلى مراجعة موقفه من مجتمعه وانتمائه لهم. وقرر نفي الماضي، رغبة في تشكيل حياة تتفق مع إرادته ومآربه. والحق أن ميري أعجبت بيحيى، وأرادت أن تكون معه حياة عاطفية جديدة تصير متنفسا لما كبت في نفسها من رغبات. والشاهد على ذلك تساؤلها عبر حديث داخلى: «أين هو كيانها الخاص وملكيتها العاطفية؟»40. كما أنها شاءت أن ترتبط بيحيى ليعوضها عن تلك العلاقة الشاذة المنحرفة التي أراد أن يقيمها أبوها معها في الماضي؛ فهربت منه؛ لتضطلع بمهمة التبشير في دور ممرضة بمستشفى الإرسالية الأمريكية41. ومن هنا كان يحيى بمثابة المنقذ الذي دفعها إلى مساءلة الماضي المنتكس، وفتح لها آفاق وعي جديد في الحاضر. ولذا أرادت أن تقول لمسؤولها تومسون: « ـــــ أرجوك.. اعفني من هذا العمل! لكنها لم تقلها، لأن انفجار الجملة سيعني عودتها إلى بلادها وحرمانها من هذه الفرصة للعيش وللتجربة الروحية»42. وأنقى وأشفٌ تجربة روحية يمكن أن تلون بها رحلةُ التطهر من دنس الماضى، لذلك ترفعت عن سفاسف الحياة، وأَنِفَتْ من اتخاذ يحيى طعماً لغاية نفعية. وقد نقل لنا الراوي بصوته ما يجول في خلدها من صراع بقوله: «لكن الضمير الذي اشتعل بعد استلام النقود، وصرخات التأنيب، جعلاها تغوص في بركة الدم والأعضاء المتطوعة، وتمزق الروح (…) إنها الآن تدرك محنتها: إنها لا تستطيع أن تدفع يحيى في طريق التجربة الوعرة، لأنها قد تخسره. إنها لا تستطيع أن تتاجر به، أو تجعله كبش فداء لإرسالية خائبة»43. ولا يقتصر وجود ميري على هذين الزمنين، بل كانت المحرك السردي لولوج المستقبل لأنها تصنع الأمومة، وستضع ليحيى طفلاً سيرسم مصيراً جديداً للإنسان، ويفتح إشكالات ورؤى جديدة تجعل مسألة الهوية تنفتح أبدا على السؤال. «أما الدكتور تومسون فهو ماضٍ في صفقته مشترياً روحه (يحيى) دون أن يدفع قلقاً أو حباً»44. هكذا تبدى ليحيى أن علاقته بتومسون إنما تنهض على المصالح ومبدأ استغلال طرف لطرف؛ وما البعد الروحي السامي لدينه، والمبادئ المثالية التي يتشدق بها إلا مجرد قناع يتخفى من ورائه لتحقيق منافعه؛ فيتاجر بالإنسان، ويتمعش من يحيى، ويتعاطى معه على أنه غدا سلعة ينبغي التحايل عليها بإخفاء التافه والحقير منها بالتزيين والتهذيب. يقول مخاطباً يحيى: «نحن انتزعناك من مستنقع الوثنيين والمجرمين ورفعناك إلى ألق المسلح؛ صرت تتكلم بلغة لم يحلم أجدادك بمعرفتها، وضعناك في فاترينة ملونة»45. هكذا أخذ (تومسون) يذكر (يحيى) بحقيقته في الماضي؛ ويصور له ما آل إليه بهدي من قيمهم وغاياتهم؛ ليستلب إنسانيته، ويظهر له تميزهم واختلافهم العنصري عن أجداده. وهو اختلاف غالباً ما يسوغ به الاستعمار نفسه، وأحقية وجوده؛ وبالتالي جدارة بنيته الهرمة التي ينهض عليها، والعلاقة بين طرفيها علاقة سيد بمسود. ويكفينا شاهدا على هذا طلبه بكل بظاظة وصلف من يحيى بالانفصال عن ميري، وإسقاط الجنين46. محولاً بذلك فاعليته التي توهم اكتسابها إلى عجز، ومبطلاً في نفسه جدوى حرية الاختيار، وحق مزاولة الفعل والوعى والتجربة. وليس من الهين على (يحيى) احتمال هذه الحياة القائمة على الطاعة وتطبيق الأوامر التي تُقلص فيه البعد الإنساني؛ وهو الذي تمرد على أهله؛ فما كان منه إلا أن هرب مع ميري47. |ن الأمثلة الأخيرة في علاقتها مع الأمثلة الأولى تجلي ثنائية الأنا والآخر بشكل صريح، فهي بمثابة المرآة التي تعكس جملة القصة؛ لتعبر عن عمق المعاناة التي يتجرعها يحيى وهو يبحث عن ذاته؛ ويروم تشكيل هويته. فهو دائم الاضطراب بين قيم تتصارع وتتصادم في ذاته ووقعه، وما يكاد يحدد موقفه من الحاضر الذي اعترف به، ووجده معادلاً موضوعياً يعوض به ما افتقده في الماضي، حتى تطالعه علاقات جديدة، ويستجلي رؤى مضادة لما واجهه في مفتتح علاقاته. ولعل أكثر المواقف تأزماً موقفه مع تومسون؛ إذ انكشف له أنه «لم يفز إلا بقطعة من الحديد معلقة في رقبته، وأصبح محرجاً وهي تهتز وتكاد تبرز هويته، خارجة إلى دهشة العيون !»48. فاستحال الإعجاب انحداراً وتقهقراً، واتضح له أن الآخر لا يعكس صورته، ولا يمثل شخصيته، والأدهى من ذلك أنه لم يغنم منه إلا تبعية تغريه بزيف الانتماء، ووهم التحضر، وتكرس، في الآن ذاته، مبدأ الإذعان والامتثال لها. وقد سرد لنا الراوي، بلغة تعبيرية موحية، أحاسيس المرارة التي يجترها يحيى نتيجة هذا الوضع الصعب: «الصليب يتوارى في الخزانة (…) السأم يتملكه، والكآبة تستوطن غرفة صدره أبداً (…) ولولا الخمرة والسجائر لألقى بنفسه من النافذة»49. يتبين مما سبق كيف يضحى الزمن في الرواية محلّ نظر ومساءلة؛ لتتراجع الحكاية إلى الوراء كلما استجدت أحداث في الزمن الراهن. ومن هنا كان ماضي يحيى متلبساً بفعل التذكر، يستحضر ما انصرم من أحداث، ويعلق عليها، وينظر في أسبابها ومآلاتها؛ ما يكشف إحساسه الحاد بالازدواجية والتذبذب من جهة، وضرورة إثبات الذات، ومواجهة الواقع الجديد، من جهة ثانية، إذ إنه «مع ازدياد الوعي بالحاضر، يزداد الاهتمام بالتاريخ، بوصفه خلفية الحاضر أو (تاريخ الحاضر)»50. ولذلك يحق القول إن الزمن في (الأقلف) ليس ذا وظيفة سردية خالصة، وإنما وظيفته أيضاً تفسيرية تنهض برصد وجوه العلاقة الثنائية بين الأنا والآخر، وتوجيهها وجهة خاصة تكسبها بعداً إيديولوجياً. ولئن أفضت هذه الثنائية إلى ازدواج البنية الزمنية وتأرجحها بين الماضي والحاضر، واشتركت الشخصيات، المندرجة ضمن طبقتين زمنيتين متباينتين، في إضاءة هذه الثنائية؛ فإنها أفضت أيضاً إلى ازدواجية الفضاء، ليتشكل من بعدين لهما مرجعية قيمية متصادمة. فما تداعيات ذلك على سؤال الهوية؟
3 ـــ مرجعية الفضاء وإشكالية الانتماء: إن السمة الأساسية لفضاءات (الأقلف) مرجعيتها الواقعية من خلال أمكنة يسهل استحضارها والتعرف إليها. وهي فضاءات قائمة في بنيتها على ثنائية الأنا والآخر، فهما المستقران اللذان تنقل بينهما يحيى ليرمز الأول إلى القضية الوطنية، ويرمز الثاني إلى القضية الاستعمارية. ومن الملاحظ أيضاً في هذين الفضاءين أنهما مبنيان على أساس طبقى يعطي قيمة الوجاهة والتفوق للمستعمِر المنتصب في المركز، على حساب المستعمَر القابع في الهامش. وسنعمد فيما يلي إلى اختيار أبلغ الأمكنة دلالة، وأقدرها إفصاحا عن سؤال الهوية، وإبرازاً لرمزية المكان المزدوجة. يقف الراوي منذ مفتتح النص على فضاء مغلق ينزوي فيه يحيى ويتوارى عن الأنظار. يقول في بيان ذلك: «ملحق بكوخ، وبأرض خلاء (…) الأرض الخلاء الواسعة التي تلي الأكواخ، تبدو رمادية كالحة، تنتشر فيها الحفر الكبيرة التي تتخذ أمكنة لقضاء الحاجة، وهي تتحول إلى مستنقعات سبخة عندما ينهمر المطر. وتقع فيها مزابل وأراضٍ رحبة مليئة برمل ناعم»51. كما حرص على وصف الفضاء المحيط بهذا الكوخ. يقول: «وفي شرق هذه الأرض تقع أكواخ تمتلئ بعبيد سابقين، وفرق الرقص ومنازل الشاذين وشلل القمار والرجال «الإزكرت»، وبعدها يتراءى البحر. وفي غربها تمتد مستنقعات وأكواخ متناثرة وبنايات قليلة ومقابر غريبه. هذه الساحة، كانت الوجود المرئي والمغذي ليحيى»52. هكذا يدلنا الراوي على فضاء التجربة الحياتية ليحيى في بؤسها وشقائها، وهي مياسم تكفل برسم بعض ملامحها الفضاءُ الذي يجسد الأحياء الشعبية البائسة والفقيرة للمهتشين؛ ليتحول إلى لغة رمزية توحي بسمات الشخوص، وطبيعة أعمالهم، ومشاغلهم، وما يصدر عنهم من قيم أخلاقية وسلوكية. ولعل ما يستفز العين بكل وقاحة وجرأة هو أن هذه الأحياء المعدومة تقع قُبالة أحياء اليهود والنصارى الراقية الغائرة بين بقايا البساتين وثلل الفلل الزاهية الموحية برفه العيش53، ولا يخيم هذا التمايز العنصري والتركيب الطبقي بظلاله الثقيلة على تخوم الحياة، بل حتى على تخوم الموت، فيستقطب تلك الفضاءات التي انزاحت عنها الحياة، وران عليها الفناء ليرسم ملامح الاختلاف والتنافر بين مقبرة المسلمين ومقبرتي المسيح واليهود54. وجميع ذلك يطرح في المكان كمية هائلة من الغبن والظلم، ويضخم الشعور بالقهر والاعتساف وهدر الكرامة. ولكن بالرغم من قسوة هذا التقابل المرئى إلا أنه كان واقعاً معيشاً يستمرئه الحى الفقير، ويعترف به، ويتعامل معه بنوع من التحجر والتبلد الوجداني دون إحساس بما يطرحه من ظلم، بل إن الأولاد يقضون في تلك البساتين لحظات مرح وحياة، وهم بذلك يقدمون شهادة على استساغة أهل الحي هذا الوجود الطبقي، فهو في اعتقادهم قدر محتوم، وسنة كونية لا سبيل إلى الفرار منها. وفي تأكيد ذلك يقول يحيى: «إن المقامات محفوظة للبشر. إن السمر والسود غير البيض، والغرباء الممتلؤون مالاً وعلماً غير المشردين، ومن يضعون رؤوسهم على وسائد حريرية غير من يضعونها على الأرض ذات «العناصيص»، ومن يمتلكون لغة وسحراً غير الخرس الجياع..»55. وليس أخطر من هكذا اعتراف يمنح الآخر أحقية التميز والاختلاف؛ ليُختم بالتفوق أبداً، ويقيم دائماً في المركز. ويُقصى إلى الهامش من هو دونه، وتُستلب إنسانيته، ويوصم بالتخلف، ، ويعمد إلى تغرييبه عن وعيه لذاته. ولئن عبر يحيى بعباراته السابقة عن قناعة متأصلة في البنية الذهنية لحده، فإنه من جانب آخر يكشف بها عن وعيه الحاد بالصراع الطبقي، ولا يخفى ما في مقارناته المتلاحقة والمصطبغة بنزعة قيمية، من رغبة لاعجة في التغيير، وامتلاك البديل. ولن ينتظر طويلاً لتحقيق هذه الرغبة، إذ ستلوح له بشائرها الأولى بانتقاله من الكوخ إلى مستشفى الإرساليّة الأمريكية للعلاج. يجسد فضاء المستشفى نسقاً مرجعياً ذا دلالة، وخطاباً إيديولوجيا يعكس قيما متشابكة تمثل الآخر في قيمه وتصوراته ومبادئه وغاياته. وقدوم يحيى إليه كشف له ضروباً صارخة من التناقض بين مكانه القديم وبين هذا المكان، ليس فقط في المعالم الميتافيزيقيا، وإنما أيضاً في القيم والرؤى التي تجلت بصورة واضحة من خلال ميري؛ وبمقتضى ذلك انتابه شعور جامح في الانتماء إلى الأجنبي الذي يمثل هذا الفضاء خير تمثيل، مقتنعاً بأن لا قيمة سواه، وكأنه المكان الملاذ في مقابل المكان المرفوض. وعلى هذا النحو يلبي يحيى رسالة هذا المكان في بعدها الروحي، ويعتنق دين الآخر الذي ساع إلى استغلاله على نحو ما سنرى في مبنى الصحافة. ووفقاً لهذا القرار المصيري الذي أقدم عليه يحيى، وبارتباطه بميري وجد نفسه مجبراً على مشاركة الآخر حياته وتبني تصوراته وقيمه. واقتضى منه ذلك إقامة علاقة جديدة بالمكان مناوئة للمكان السابق، ولم يكن هذا باليسير عليه. ومن الشواهد الدالة على ذلك ما أفشاه الراوي من خواطر مكتومة في نفس يحيى عندما كان جالساً بمعية ميرى إلى جماعة من الأجانب. يقول الراوي: «يأخذهما الجيران إلى أصدقاء لهم في الريف، حيث البيوت الفاخرة المتوارية وراء ثلل النخيل والأشجار، والبرك وضجيج الماء. يثرثرون ويغنون وتمتلئ الطاولات بالأطباق وتنتشر السفافيد التي تقلب لحوم الخراف، وتزهو الكؤوس المترعة.. وهو لا يستطيع أن يمضغ اللحم واللغة، ولا يعرف كيف تراءت له صورة حيه القديم، وعربة علي المدخن تلهب الأرض الساخنة بعجلاتها»56. هكذا يتصارع في ذات (يحيى) مكانان. الأول مكان قديم، ولكنه لا يزال يملأ وجدانه ويكيف سلوكه وتصرفاته بما يحويه من قيم ومشاهد وشخوص، ويصدر عنه في مواقفه وتصوراته وردود أفعاله. ومكان حديث لا يقدر على صياغة مقتضياته في رؤى ومفاهيم وقيم يتمثلها، ويترجمها عملياً في حياته. ونتيجة لذلك ينفصل يحيى عن هذا الفضاء الحديث، إذ يحول بينهما صلابة واقع معيش يحضر في كيانه بأدق تفاصيله وخباياه، وتستولي على مشاعره شخصيات مكدودة التحم بها التحاماً في قريته الفقيرة المعدومة؛ فهم مرآة تعكس ذاته، وتستجلي أغواره الدفينة. وهو جزء لا يكتمل إلا بهم، وكم يعز عليه أن يبقوا ضحايا ظروف القهر المادي والمعنوي، وقد ساقه هذا التعاطف معهم إلى الانتصار لهم في عالمه الخيالي؛ فثبت يقيناً في نفسه أن العدل والحق والكرامة ستحل يوماً ما قريباً من دارهم؛ وتبعاً لذلك نجده في شاهد سابق يقول: «إن سكان الأكواخ كعلي المدخن وابنه غلام وعائشة وسالم الأسود وغيرهم سيندفعون ذات يوم ليسكنوا البيوت والقصور والحدائق.. وسيكون الله معهم.. يعطيهم العالم كله»57. وقد يفضح انحشار القرية القديمة في كيان يحيى، وهو في حياض الأجنبي، ملمحاً قيميّاً آخر يدلل على أنه لا يعيش الفضاء المنسوب إلى الآخر ليمحي خصوصيته، وذاك الماضي المترسب في الذاكرة الجماعية، بل يعيشه ليدرجه ضمن خطة حجاجية يحاكم بها المستعمِر، ويقيم عليه البرهان الذي يسوغ للمستعمَر التصدي له، والوقوف ضد ما يمارسه من ظلم اجتماعي؛ إذ ليس من العدل أن يستأثر الأجنبي بكل مقومات الحياة الرغيدة، ويترك الفتات والسقط للشعب. ويمكن استجلاء هذه المعاني من خلال المقطع الآتي: «المدينة المرتفعة المسيجة. البيوت من خشب ملون، والسقوف من القرميد، والمداخن تنفث حياة، والأحواش ممتلئة بالأشجار وألعاب الأطفال (…) وجوه متوردة، وسواعد مكشوفة بضة، وكؤوس مترعة وبالونات طائرة، وموسيقى هادرة ورقص وقُبَل، وخدم يوزعون الكؤوس والطعام والأنس (…) أحس أنه غريب.. وأبصر في أسفل الجبل عشش عمال النفط الكثيفة المتراصة، وجاءت روائح وأدخنة فظيعة»58. على هذا النحو يتعمق إحساس (يحيى) بالغربة عن المكان، ويشعر بأنه دخيل وناتئ وممزق بين الذات والموضوع، بين ذاته التي لا قدرة لها على استيعاب نفسها إلا من خلال شبكة العلاقات التي تصلها بتاريخها الماضي المستقر في أولئك العمال الذين أبصرهم؛ وبين الواقع الراهن أمامه، وفيه تلحّ مرجعية الفضاء على معاني البعد والتمييز بين مكان مرتفع تزهو فوقه بيوت الأجانب الخشبية الزاهية التي «امتلأت بقناديل ملؤنة وأشرطة، وكان ثمة فناء واسع مغطى؛ ترامت تحته الطاولات والمقاعد والمأكولات والبشر»59. وبين مكان آخر مقصى خفيض تملأه عشش عمال النفط. لا شك إذن في أن هذا الأجنبي يوجد نفسه في المكان على أساس طبقي، وشساعة المسافة بينه وبين عشش العمال تأتي للإيهام بالاختلاف الحضارى، واستحقاق الرئاسة؛ والإبقاء على السيطرة والنفوذ. والوقوف على هذه الحقيقة أدت إلى اضطراب يحيى لا سيما بعد وقوعه على هوية العمال الوليدة؛ فهو «يعرف كل هؤلاء الرجال القادمين من العشش، غسالي الثياب والبحارة والحمّارين»60. ولما كانت صلته بهم على هذا النحو من الاتحاد بما يذيب الفوارق المصطنعة، ارتد إلى ذاته متسائلاً: «هل ينزل إلى أسفل الجبل يوزع الطعام، أم يتغذى بلحم أهله؟ أيذوب في هذه الطقوس البهيجة أم يبتر جسده؟»61. وبما أن الثنائية بين هذين الفضاءين تنهض أصلاً على مبدأ الاستغلال والتسخير؛ فقد كان الصدام حتمياً؛ فما هي إلا لحظات حتى انطلقت «ضجة عالية تصعد من الحضيض. رأوا اضطراباً في عشش العمال وناراً مشتعلة»62. وما إن قامت الثورة حتى انهار كل شيء فجأة؛ وتعرى الأجنبي من مبادئه، وحط عليه القبح، ورفض على الناس حقهم في الكرامة، وأطلق فيهم يد القوة لتنالهم بالضرب والسجن والتقتيل. عندها فاق يحيى من صدمة الانبهار التي وقع تحت وطأتها، ورأى مَنْ «التصق بهم في حفلات أعياد الميلاد البهيجة، ونافسهم في مخاصرة الفتيات الجميلات، وأصغى إلى خطبة الأحد معهم»63، يطلقون النار على المتظاهرين فتتساقط أجسادهم على الأرض. بهذه الطريقة يتبين كيف أغرى الأجنبي (يحيى)، وانتزعه من ذاته ومجتمعه، ولم يكتفِ بذلك بل لم يلبث أن جعله عبداً لمخططاته وغاياته. فيسر له مهنة بصحيفة «يصوغها موظفون إنجليز وهنود وعرب، ويروح هو يترجم بيانات وأوامر إدارة الاحتلال»64. ومعها أدرك أنه يتنازل عن هويته ووطنيته، فأخذ يحدث نفسه مستنكراً: «أي تقارير غريبة عليه أن يتقيأها بلغة ناصعة (…) كانت الكلمات تغصّ في حلقه مثل عظام السمك»65. وبما أن المستعمَر في عقلية الأجنبي الإقطاعية ليس سوى موضوع استغلال، وأداة تقوم بوظيفة ما؛ فإن الطريقة الأمثل في التعامل معه إفراغُه من أبعاده النفسية والاجتماعية، وإشباعه بقناعاته هو وثقافته وتوجهاته فهي بالنسبة إليه حقيقة مطلقة ينغلق عليها، ويجعلها شارة للتميّز؛ ولذا رفض الأجنبى مقالات (يحيى) التى يدعو فيها إلى الحوار والتعايش، وردها ساخراً منها. يتجلى ذلك فيما ذكره الراوي عن يحيى: «يود أن يقيم جسراً بين النخيل والغابات. يجمع الصحراء والمحبة. أن يكون لعائشة ابنته فرصة العيش والحلم الجميل. لكن المدير يهزأ من خطبته ويشير إلى الباب والشارع»66. إن يحيى، في منطق السيد الأجنبي، ليس إلا أجيراً؛ ولذا أرغمه على تحقيق غاياته بــ«كتابة أسطر الزيف، وخداع االحمام؛ وبالسخريات من الثياب والعُقُل والعباءات والمساجد».67 وتجنيده للسخرية من هذه الأشياء يأتي لكونها رمز هويته وموروثه الثقافي؛ وأمارة انتمائه الديني والحضاري وفي امتهانها تغريب للذات؛ وقبولٌ لهوية الآخر، وطمس هوية الأنا وتشويشها. لقد أطلعت هذه المهنة يحيى على ما كان خافياً عنه من حقيقة الآخر؛ وأغنت وعيه برؤى جديدة أجّجت في نفسه دعوات الالتفاف على قوى القهر المتجسدة في المستعمِر؛ لذا ترقب ذلك المكان المؤمل أن تشتعل فيه الثورة، وهو الشارع رمز الحرية والكرامة؛ وذوبان الفوارق والالتحام، للدفاع عن قضية واحدة تشمل المجتمع هي القضية الوطنية. وما إن هبت الثورة في الشارع حتى سكنت قلب يحيى فرحة عارمة. يقول الراوي في تأكيد ذلك: «كان ينصت إلى الدويّ العميق الذي يهزّ الأبنية والشوارع، فيشعر بالفرح الغريب والقلق الممَضّ»68. وعلى إثر مشاركته في الثورة يجرجر إلى السجن؛ وهناك وقف بين يدي «ضابط إنجليزى يحدّق فيه. هذا الوجه سبق أن رآه (…) اسم مألوف مدوّ. ظنه قد اكتنز بحكمة الغرب: عصارة لقطاراته ومكانته وكتبه. لكنه فوجئ بسوقيته، وبهت من يده وهي تجره من قميصه وتصفعه».69 هكذا يظهر الأجنبي على حقيقته؛ فاقداً بذلك أي حسّ إنساني في سبيل تحقيق غايته؛ منصّباً السجن فضاء أبوياً قمعياً، يُخضع من خرج عنه إلى قانونه الخاص الذي يقوم على حق القوة، لا قوة الحق. فالسجن فضاء اضطرار ينهض في كليته على الأوامر والمحظورات، ولا متسع فيه للحديث عن مساحة للتسامح والتساوي والاختلاف والحوار؛ إذ إن «العلاقات الآلية وحدها هي التي تفتقر إلى الطبيعة الحوارية»70. ومن الطبيعي في مثل هذه الحالة، أن تختل صلة يحيى بالآخر، وتنكمش علاقته معه. وهو ما يدل عليه هذا الشاهد: «يحاول أن يتجرد وينسحب من كل هذا العالم المجلوب، الذي بعثر أهله وضميره في شقوقه وألقه»71. إن كل هذه الفضاءات بما تنطوي عليه من معطيات ايديولوجية وما تطرحه من تجاذبات ومواقف وردود أفعال، قادت يحيى إلى مراجعة موقفه، ومواجهة المستعمِر بتغيير جهة الصراع من الداخل إلى الخارج، بدل الصراع الذاتي الذي استولى عليه في المحورين السابقين. وقد اتخذ يحيى من الكتابة أداة نضال وصمود للانتصار لمقام العمال والكادحين، ومقاومة الغريب، والدفاع عن قضية الشعب المصيرية بامتلاك الأرض التي هي أهم محامل الهوية الوطنية. ولتحقيق ذلك «كان عليه أن ينتقم من جريدته. أن يكشف عن حزوز الأرض وأسنان العلل التي تقضم المجهولين المقبورين في زواياهم وحظائرهم وأسياخ الحديد والمشارط المهترئة والأسرة القذرة والقلاع الجهنمية تطحن عظامهم»72. يُصِرّ يحيى على تمسكه بالأسلوب الحضاري في مواجهة المستعمِر، فهو لا يريد أن يكافح الشر بالشر، كما فعل صديقه القديم إسحاق الذي عكس مسار الثورة الصحيح ليأخذ حقه بالقتل73. وهذا المقصد النبيل الذي يسلكه يحيى في مقاومة المستعمِر يدلل بصورة واضحة على أن الإنسانية لا تتحقق ولا تسمو إلا بمجافاة العنف والاستبداد ذلك «أن الوجود الإنساني هو ما يوجد فقط في حالة حوار؛ في الوجود يجد المرء الآخر»74. وهذا ما لا ينتهجه المستعمِر الذي يتأبى على حذف المسافة الحضارية بينه وبين الآخرين، ويستهويه داء الاستعباد والاستبداد؛ لاقتناعه التام بجدواه في فرض هيبته وهيمنته. لذا أسفرت آلة الحرب وعقلية العنف اللتان يمتطيهما عن مقتل زوجته ميري حرقاً جراء ألسنة النيران التي التهمت العمارة التي تقطنها75. وسلب منه ابنته (عائشة) التي كُتِبَتْ لها النجاة. ينقل الراوي هواجس يحيى إزاء حدث انتزاع ابنته منه فيقول: «من سيراها في علبة كاتونية ملقاة عند أحد الأزقة، أو في سرير ملجأ؟ ستصرخ من أجل معرفته وتلعن خطيئته!»76. على هذا النحو الرمزي يبقى سؤال الهوية قائماً بلا جواب؛ لأنه منفتح أبداً على الواقع في إشكالاته المعقدة؛ وصيغه الشائكة؛ ومظاهر اضطرابه، وتقاطعات الذات وتداخلاتها مع الآخر؛ ما يجعل القبض على ملامح علاقة الأنا مع الآخر أمراً يكاد يكون مستحيلاً. وأخيراً ينتهي المطاف بيحيى ليكون فداء للوطن. وتأتي هذه التضحية شهادة على أن الوطن أعلى وأعز من أن يتحكم فيه الأجنبي؛ فهو الضامن للكيان؛ والحرية، والكرامة، والكافل للسيادة، وعن طريقه يصنع الإنسان تاريخه ومصيره، ويترجم كفاحه من أجل الوجود. تلك هي المسألة التي أصرّ عليها (يحيى) في كل الرواية، وناضل من أجلها؛ وحاول اختيار المواقف العارضة والأصيلة في سبيل تبينها. فالوطن هو الهوية هو يحيى نفسه الذي ضحى بكل ما فيه من أجله، فشارك في المظاهرات ضد الأجنبي الغريب، وكتب المقالات الوطنية إخلاصاً ووفاءٍ لأرضه، وقاوم المستعمِر بعد أن أدرك غاياته، فنقض خططه، وحرض عليه، ودعا إلى الاحتجاج ضده. ولئن كان كذلك فلأنه عنوان الرفض القوي المتشبث بالجماعة، المتأبّي على محاولات المسخ والطمس والتشويه. ومما يبرز هذه المعاني بجلاء خاتمة الرواية التى تصور لحظة درامية مكثفة من فصول حياة (يحيى) الأخيرة: «فتح عينيه بقوة ليرى شيئاً يشبه المشنقة، أو الصليب، وجسماً ما يُقاد إليها.. سمع صرخة باسم الوطن، ثم تأرجح الجسد في المطر»77. بهذا الشكل تبدّت علاقة الأنا مع الآخر في الرواية، وقد استجلى الكاتب صيغ تفاعلها، ودلالاتها المتعددة، بالوقوف على العوامل المسؤولة عنها، والنظر في معطياتها الإيديولوجية والفكرية، واستنباط المفاهيم والرؤى التي تعيننا على ترجمة شخصيتنا، ومزاولة تجربتنا الحياتية. ومؤدى القضية عنده أن الذات لا تستطيع فهم كيانها الشخصي وعمقها الإنساني، ولا تستطيع تقديم رؤية للعالم تضبط بها موقفها وموقعها، وتبلور من خلالها وعيها وشروطها إلا بفهم الآخر؛ ذلك أننا «نقيم أنفسنا من منظور الآخرين (…) بصورة ثابتة تماما يمكن القول إننا نتفحص تأملاتنا وتفكراتنا بحياتنا الخاصة ونتفهمها عبر وعي الأشخاص الآخرين»78. إن هذا الاتجاه لمما يمنح مسالك الوعي وجاهتها، ويجعل التعامل مع الهوية التي هي معادل ذهني مجرد للواقع تعاملاً يستند إلى العلمي الموضوعي. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المصادر: 1 ــ تزفيتان تودوروف: ميخائيل باختين: المبدأ الحواري، ترجمة: فخري صالح، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت/ عمّان، ط ٢، ١٩٩٦،ص ١٧٥. 2ــ ينظر: عبدالله خليفة: الأقلف، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط ١ ، ٢٠٠٢ ، ص،٥٤،٢٦،١١. 3 ــ ينظر: المصدر السابق، ص٦٩، ٢٨، ٦٩، ١٥٢. 4ــ المصدر السابق، ص ٥. 5ــ المصدر السابق، الصفحة نفسها. 6 ــ ينظر: المصدر السابق؛ ص٩. 7 ــ المصدر السابق؛ ص٦. 8 ــ المصدر السابق،ص٩-١٠. 9ــ المصدر السابق، ص١٣ . 10ــ ينظر: المصدر السابق، الصفحة نفسها. 11ــ المصدر السابق، ص١٣ -١٤ . 12ــ المصدر السابق، ص ١١ . 13ــ المصدر السابق، ص ١٤. 14ــ المصدر السابق، ص ١٤. 15ــ المصدر السابق، ص١٢ . 16ــ المصدر السابق، ص١٣ . 17ــ المصدر السابق، ص٣٧. 18ــ المصدر السابق، ص ١٨. 19ــ المصدر السابق، ص ٢١. 20ــ المصدر السابق، ص٢٨. 21ــ المصدر السابق، ص٣٣. 22ــ المصدر السابق، ص٣5. 23ــ فيصل دراج: نظرية الرواية والرواية العربية، المركز، الثقافي العربي، الدار البيضاء ط١،١٩٩٩، ص١٤. 24ــ عبدالله خليفة: الأقلف، مصدر سابق، ص٤٣. 25ــ المصدر السابق، ص ٥١. 26ــ المصدر السابق، ص ٣٤. 27ــ المصدر السابق، ص٤٣ . 28ــ ينظر: المصدر السابق، ص ٤١. 29ــ ينظر: المصدر السابق، ص٤٣. 30ــ المصدر السابق، ص 50. 31ــ المصدر السابق، ص٨٦-٨٧. 32ــ المصدر السابق، ص 54. 33ــ المصدر السابق، ص١٣ . 34ــ ينظر: المصدر السابق، ص١١٨. 35ــ ينظر: المصدر السابق، ص١٠٨ – ١١٠ . 36ــ ينظر: المصدر السابق، ص ١١٠، ٠١٢٥ 37ــ ينظر: المصدر السابق، ص 115. 38ــ المصدر السابق، ص١٢٢. 39ــ المصدر السابق، ص ١١٥. 40ــ المصدر السابق، ص ٥١. 41ــ ينظر: المصدر السابق، ص١٠٣-١٠٥. 42ــ المصدر السابق، ص٥٧. 43ــ المصدر السابق، ص، ٥٦، ٥٧، ٥٨. 44 ــ المصدر السابق، ص ٩٩. 45 ــ المصدر السابق، ص١٣١. 46 ــ ينظر: المصدر السابق؛ ص ١٣٢. 47 ــ ينظر: المصدر السابق؛ ص١٣٤. 48 ــ المصدر السابق، ص ١٠٠. 49 ــ المصدر السابق، ص ١٤٥. 50 ــ جورج لوكاتش: الرواية التاريخية، ترجمة: صالح جواد الكاظم، دار الشؤون الثقافية العامة بغداد، ط٢، ١٩٨٦، ص٧. 51 ــ عبدالله خليفة: الأقلف، مصدر سابق، ص 5. 52 ــ المصدر السابق، الصفحة نفسها. 53 ــ ينظر: المصدر السابق، ص ٨ -٩. 54 ــ ينظر: المصدر نفسه، ص٢٣-٢٤. 55 ــ المصدر نفسه، ص٣٣. 56 ــ المصدر السابق، ص ١٤٧. 57 ــ المصدر نفسه، ص ٤٢ . 58 ــ المصدر السابق، ص57-٧٦. 59 ــ المصدر السابق، ص٧5. 60 ــ المصدر السابق، ص١٢٤-125. 61 ــ المصدر السابق، ص٧٦. 62 ــ المصدر السابق، ص٧٦. 63 ــ المصدر السابق، ص١٢٦ . 64 ــ المصدر السابق، ص١٤٣. 65 ــ المصدر السابق، الصفحة نفسها. 66 ــ المصدر السابق، ص 158. 67 ــ المصدر السابق، ص ٠ 5 ١. 68 ــ المصدر السابق، ص ١٦٠. 69 ــ المصدر ال سابق، ص ١٣٦. 70 ــ ميخائيل باختين: شعرية دوستويفسكي، ترجمة: جميل نصيف التكريتي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط١، ١٩٨٦. ص٥٩. 71 ــ عبدالله خليفة: الأقلف، مصدر سابق، ص ١٥٠. 72 ــ المصدر السابق، ص ١٥٤. 73 ــ ينظر: المصدر السابق، ص ١٥٢. 74 ــ تزفيتان تودوروف: ميخائيل باختين: المبدأ الحواري، مرجع سابق، ص١٧. 75 ــ عبدالله خليفة؛ الأقلف مصدر سابق، ص١٦٣. 76 ــ المصدر السابق، ص ١٦٨. 77 ــ المصدر السابق، ص ١٦٩. 78 ــ تزفيتان تودوروف: ميخائيل باختين: المبدأ الحواري، مرجع سابق. ص ١٧٥- ١٧٦.
السماءُ ذات مستطيلات صفراء ووهجٌ أحمر يشعُ فجأة ويتوارى.البحر اختفى، أو بقيت بقعٌ أخيرةٌ منه، على هيئة تلالٌ كثيرة من القار.الگبگب سامي يخرجُ بصعوبة من الأرض اللزجة، وينتزعُ عضويه المسودين شبه المهروسين من الطين، ويتطلعُ بأسى إلى الوراء، حيث زوجته تغرق، غير قادرةٍ على إخراج البيض.في هذا المدى الموحشِ من الأشياءِ ومن تلاشي النهار، لم…
أنا الكلب عنتر ، كما أسماني صاحبي ومكتشفي الأول: عطية المجنون، أتقدم بمحاضرة في هذه الجامعة العتيدة ، متشرفاً بالتحدث أمام نخبة من المفكرين والباحثين، متمنياً أن تكون مداخلتي المتواضعة فرصةً لإثراء الفكر في هذا البلد المعطاء. لقد تغيرت مدينتنا كثيراً منذ أن تفتحت عيناي لتراها لأول مرة. لقد كانت مدينة عظيمة وهائلة . كانت…
كتب : عبدالجليل حسن* تمهيد:تجيء هذه الدّراسة لرواية «الأقلف»** لــ «عبدالله خليفة» وللمتسائل أن يستفهم ما الداعي التي حملتنا لدراسة هذه الرواية دون غيرها من الأعمال الأدبية؟إنّ من الضروري هنا تسليط الضوء على الأسباب التي من خلالها نستحضر ماهيّة البحث، للوقف على النتائج المرتقبة.وتأتي في طليعة تلك الأسباب أنّ رواية «الأقلف» لم تحضَ بدراسة تعطيها…
كتب : د. زهير ياسين شليبهالنغل نغل!الشرق الشرققد يبدو لقارىء «الأقلف» أن مؤلفها البحريني عبدالله خليفة أراد ترسيخ هذه الدمغة الإجتماعية المتخلفة على خلق الله اللقطاء باعتبارهم بشرا من الدرجة العاشرة إلا أن الأمر ليس كذلك بالضبط فقد اراد الروائي إثبات العكس. فهذا يحيى الأقلف الذي تحمل الرواية صفته الأجتماعية لا إسمه يغدو في نهايتها…
د. أنيسة السعدون مثلت إشكالية الهوية إحدى القضايا الأساسية للرواية العربيّة؛ وقد تناولها عدد من الكتّاب بالنظر إليها من زوايا مختلفة، ووقفوا على وجوه علاقتها مع قضايا شتّى ومتباينة المجالات؛ بما يكشف تعدد الرؤى في رصد مظاهرها، وتعقّد عوام تكوّنها، وما يطبعها من صراع اجتماعي وثقافي وحضاري يجلّي آثارها المكينة في الشخصية العربية.ولا شك في…
عبدالله خليفة روائي بحريني متميز، يكتب منذ سبعينيات القرن الماضي، له العديد من الروايات والمجموعات القصصية.قراءة : أحمد العربيالأقلف ، رواية كُتبت في عام 1988م، ونشرت في عام 2002م.{لغة الرواية وأسلوبها جميل جدا، جزل، مليء بالصور والتشابيه، يومئ لما يريد الوصول اليه، يبتعد عن المباشرة والتبشيرية والتعابير الكبيرة، يجعلك كقارئ تصل للمعلومة ضمنا، بكثير من…
كتب : فيصل عبدالحسن يضعنا الكاتب البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة في روايته «الأقلف» في إشكالية الصراع العقائدي – الديني – مع الآخر وما حمله المستعمر الأجنبي لمنطقتنا العربية بداية القرن الماضي مما كان يعتقده ضروريا لتكريس وجوده في منطقتنا لفترة طويلة ، فاستخدم الإرساليات التبشيرية ، التي باشرت أعمالها من خلال تقديم المساعدات الإنسانية لسكان المناطق…
يشتغل عبـــــــدالله خلــــــــيفة في هذه الرواية بأسلوب يأسر القارئ حتى النهاية، معتمداً على مخزون لغويّ ثرّ، وقدرة على التقاط الصور والمشاهد ببراعة لا يتقنها كاتب عادي، ليوصل القارئ في نهاية الرواية إلى أفق ينفتح على أكثر من نتيجة أو قناعة، أو مقولة، ودافعاً إيّاه إلى إعادة تشكيل عالم مختلف، أو إعادة قراءة الواقع بشكل مغاير.
كتب: شادية الترك الرواية عند ‹‹عبـــــــدالله خلــــــــيفة›› تنطلق من الماضي وتذوب في أطيافه ، تمتزج بالواقعية ، وتتمادى في تعقيد حبكتها الروائية ، تؤسس لحياة غابرة بقلم الحاضر، تستدعي شخوصها وأمكنتها بتاريخ هذا اليوم وتحاول عبر عالمها الروائي أن تشيد الزمن برؤى الحاضر ، تحكي بصوت الراوي المنفرد أصواتاً مختلفة وتعبر عوالم لا منتهية ،…
عبدالله خليفة روائي بحريني متميز، يكتب منذ سبعينيات القرن الماضي، له العديد من الروايات والمجموعات القصصية. قراءة : أحمد العربي الأقلف ، رواية كُتبت في عام 1988م، ونشرت في عام 2002م. {لغة الرواية وأسلوبها جميل جدا، جزل، مليء بالصور والتشابيه، يومئ لما يريد الوصول اليه، يبتعد عن المباشرة والتبشيرية والتعابير الكبيرة، يجعلك كقارئ تصل للمعلومة ضمنا، بكثير من السلاسة والراحة}. {الرواية مكتوبة بلغة السرد عن واقع تغوص فيه بذاتيات شخوصه، بعمق وشفافية، لكنها تمر على الجانب العام المجتمعي للبحرين المحتل من الإنكليز، بمقدار ما يمس ذلك الواقع هؤلاء الأشخاص}. {الحياة المعاشة في أي مجتمع في أي وقت طالما هي ملوثة بالمظلومية واللاعدالة ووجود المستعمر والحاكم الظالم المستبد ستبقى دائما حياة لا انسانية. وتبقى الثورة على المستعمر والفقر واللامساواة والاستبداد قانون يحرك البشر في كل زمان ومكان}. تبدأ الرواية من وصف حياة الطفل الصغير يحيى، الذي يعيش في عشّة صغيرة في مزابل المدينة، تحتضنه الجدة، تلك المرأة العجوز الخرساء، التي وعى يحيى نفسه على الدنيا وهو يعيش في المزابل بصحبتها وحمايتها، ينبش وإياها في المزابل باحثا عن بقايا طعام وملابس وأشياء ينتفع بها، ليعيشا عليها، يتصارع مع الكلاب الشاردة والأطفال الآخرين أمثاله من لقطاء المدينة وفقرائها وأيتامها. كان للآخرين دور في قدرته على تعلم النطق والتحدث، كان أقرب للخرس كما الجدة، بقي كل عمره ضنين الكلام، يعيش مشاعره موّارة في نفسه. استجد على حياة يحيى حضور شاب يكبره إلى المزابل ومعه عربة يجمع عليها بقايا الأنقاض وبعض ما يباع لإعادة تدويره. تبادل الشاب مع يحيى الرصد المتبادل، سرعان ما اندفع الشاب اتجاه يحيى وعرفّه بنفسه، اسمه اسحاق، من أسرة ثرية وله عدد كبير من الأخوة والأخوات، كبر بينهم، ومع كبره ونضجه أصبحوا يعاملونه بطريقة تمييزية، لم يسمحوا له بإكمال تعليمه، وبدؤوا يوكلون إليه الأعمال القاسية والخدمية للعائلة، أحس بدونية بينهم لم يفهم سببها، وعندما واجههم بتلك المعاملة، أخبروه أنه ليس ابنهم، وهو مجرد لقيط وجدوه على باب الجامع. فُجع إسحاق بمعرفة حقيقة حاله، غادرهم غير آسف وبدأ يعمل في جمع الأنقاض من المزابل وبيعها ويعيش حياة شقاء وفقر. أما يحيى فقد أخبره أنه لا يعرف عن نفسه إلا أنه ابن هذه المزابل وجدته الخرساء، وأنه لقيط رمته أمه هنا لتحمي نفسها من عار أو انتقام، أدرك يحيى أنه بلون عيونه الزرقاء وبشرته البيضاء، قد يكون ابنا لأحد هؤلاء الجند الانكليز الذين يحتلون البحرين ويعيثون فيها فسادا. تصاحب يحيى وإسحاق وبدءا العمل على عربة إسحاق، يجمعان ما يتوفر لهما، ويذهبان به للسوق ويبيعانه بدراهم قليلة تفيد بطعام نظيف وإحساس بالإنسانية أكثر من النبش بالمزابل والعيش على فضلاتها. استمر الأمر على حاله ذلك إلى أن جُرح يحيى ذات مرة أثناء النبش في المزابل، وأخذه اسحاق إلى المشفى الأمريكي في المدينة، المشفى الذي يعالج بالمجّان وتديرة إرسالية تبشيرية مسيحية، استقبلتهم الممرضة إيمي وهي أيضا راهبة. وقعت إيمي منذ اللحظة الأولى في غرام يحيى، واهتمت به كثيرا. أطالت فترة علاجه، حاولت أن تستميله وإسحاق للالتحاق بالمشفى يقومون ببعض الخدمات، وتهتم بهم تخضعهم للتعليم والتأثير الديني ليكونوا مسيحيين، كانت إيمي جزء من إرسالية دينية تتغطى مع غيرها بالعمل الصحي لتنصير هؤلاء “الوثنيين” على حد تعبيرها. رفض يحيى وإسحاق ذلك، وتركاها مع الفرصة التي قدمتها لهم، طعام لذيذ ومأوى مناسب وعمل محترم وتعليم وتلقي مبادئ الدين المسيحي. يحيى احسّ اتجاه ايمي مشاعر خاصة لعله الحب، يحيى لا مشكلة عنده في موضوع الدين، فهو ابن المزابل وجدته الخرساء، لم يلقنه أحد يوما دينا معينا، علاقته مع الله والدين ضبابية، مسكون بهاجس المظلومية التي أوجدته لقيطا في مزابل المدينة، لكن اسحاق كان مدركا لحقيقة ما تريد منهما إيمي وبقية فريقها الطبي. لكن الحاجة للمشفى استمرت، عاد يحيى وإسحاق يحملان على عربتهم الجدة التي مرضت واحتاجت للعلاج. وكان تأثر يحيى بإيمي هذه المرة أكثر، رضي أن يلتحق بالعمل بالمشفى وتعلم القراءة والكتابة والدين المسيحي، وجد ذاته باللغة التي امتلك ناصية حروفها، وبالإله المسيح المصلوب لأجل خلاص البشرية من الذنوب. ابتعد إسحاق عن يحيى وهو يعاديه، اعتبره خائنا لدينه الإسلام ولشعبه في البحرين. تعلق يحيى وإيمي ببعضهم في حب قوي، لكنهما بقيا على مسافة جسدية عن بعضهم. كانت ايمي ابنة لعائلة ثرية امريكية، عاشت طفولتها وبداية نضجها بسعادة بين أهلها، لكن والدها بدأ التحرش الجنسي بها، فما كان منها الا أن قررت الالتحاق بالكنيسة، ترهبنت وجاءت إلى البحرين مع فريق طبي تبشيري، كان الاتفاق معها على أن تلغي عواطفها الذاتية وحاجاتها الجسدية وتعطي نفسها للتبشير المسيحي. لكن يحيى أيقظ فيها مشاعر الحب، والحاجة للجنس مع الآخر رغم عقدتها من والدها، راقب مديرها رئيس البعثة تحولات إيمي وطلب منها أن تبتعد عن يحيى وأن تستمر مخلصة لدورها وتعهدها، صحيح أنها دفعت يحيى للتعليم، وأن يعلن انتماؤه للدين المسيحي، ويعمّد في الكنيسة التابعة للإرسالية، لقد أخبرها مسؤولها أن هذا كاف، لكن يحيى وإيمي وصلا بعلاقتهما إلى مرحلة اللا عودة واقتنعا ببعضهما وعاشا علاقة جسدية كاملة كزوجين. أما إسحاق فقد حمّل نفسه مسؤولية معاقبة يحيى عن تنصره وخيانة أهله وناسه، واجهه في إحدى المرات وطلب منه العودة عن تنصره وأن يتوب إلى الله، لم يستجب يحيى للطلب، طعنه اسحاق في صدره وهرب، تم إسعاف يحيى وإنقاذه من الموت المحقق، مما ضاعف العلاقة والحاجة بين إيمي ويحيى. طُردت ايمي من العمل، ذهبت إلى بيت يحيى الذي كان قد استأجره بعد عمله في المشفى، وعاشا سويا وسط أجواء عداء عامة. لم تكن الحالة في البحرين مقبولة على مستوى شعبها، لقد كان المستعمر الانكليزي وجنده مسيطرين على البلد ومقدراته، والشعب يعيش الفقر والفاقة. بدأ بعض الشباب بالعمل للثورة على هذا الوجود المستعمر، كان إسحاق على رأسهم، بدؤوا بأعمال عنف بحق الانكليز ومن والاهم، كان لليهود أبناء البلاد نصيب من التنكيل، قتل ونهب وإحراق بيوت، كان انتقاما أعمى. حاول يحيى أن يصل لصديقه القديم حتى يوضح له أنه وإيمي لم يعودا مع الإرسالية وطردوا من المشفى. لم يتمكن من ذلك. كان رد المستعمر الانكليزي قاسيا فقد بدء في ضرب الأحياء وحرقها ردا على ثورة الناس. كان يحيى يحتمي في بيته مع إيمي التي حملت وأنجبت له طفلة اسمها عائشة. هجمات الانكليز وإحراقهم البيوت وصل لبيته، احترقت زوجته إيمي وأنقذت الطفلة، أحسّ يحيى بالكارثة التي أحاقت به، أحس أنه مسكون بالظلم منذ مجيئه إلى الدنيا لقيطا. وإن زوجته أيمي وابنته عائشة هما النور الوحيد في حياته، لكنه خسره. احتضن طفلته بعد احتراق زوجته، لكن قائد الجند الإنكليزي اختطف الطفلة وطلب منه أن يأخذهم إلى حيث يعيش صديقه القديم إسحاق، الذي أصبح زعيما للمتمردين الثوار. كان يحيى جاهلا بمكان إسحاق، ولم يقبل أن يخون صديقه ومطالبه المحقة، أخذهم في متاهات المدينة ولم يوصلهم إلى شيء، أطلق الانكليز عليه النار، ادموه ثم شنقوه. هنا تنتهي الرواية في تحليلها نقول : ◈ بداية، لغة الرواية وأسلوبها جميل جدا، جزل، مليء بالصور والتشابيه، يومئ لما يريد الوصول اليه، يبتعد عن المباشرة والتبشيرية والتعابير الكبيرة، يجعلك كقارئ تصل للمعلومة ضمنا، بكثير من السلاسة والراحة. ◈ الرواية مكتوبة بلغة السرد عن واقع تغوص فيه بذاتيات شخوصه، بعمق وشفافية، لكنها تمر على الجانب العام المجتمعي للبحرين المحتل من الإنكليز، بمقدار ما يمس ذلك الواقع هؤلاء الأشخاص، راسمة أقدارهم بكل دقة وحرفية. المجتمع البحريني الفارق بالفقر والأمية والفاقة، مجتمع قائم بذاته في المزابل، قاع قاع المجتمع، حياة البشر الكثر الذين يعيشون على النبش في الفضلات، وجزء آخر من المجتمع يتمثل بيهود البحرين على علاقة مع المستعمر والإرساليات التبشيرية ممتلئ بالمال والالتحاق بالإنكليزي والغرب ومصالحهم، حضور الإنكليز الطاغي بصفتهم حكام القلعة، عسكر وقتل واعتقال وبطش. ◈ شعب بدأ رحلة النضال لتحقيق الحرية عبر عمليات عنف طالت الإنكليز وأذنابهم من اليهود وغيرهم. وسط كل هذا تنشأ حالات إنسانية من حب الأضداد، يحيى اللقيط الفقير وإيمي ابنة التبشير، لا يخفى استحالة هذا الحب، رغم كون إيمي هربت من تحرش والدها إلى الرهبنة والتبشير والتمريض، وأن يحيى وكونه ابنا للمزابل ولا وطن له. مع ذلك حاسبه المستعمر بكونه صديقا لزعيم الثوار. نعم لا يستطيع أي أحد أن يخرج أو يهرب من شروطه الحياتية العامة والخاصة. لذلك حُرقت إيمي مع الحي الثائر من قبل المستعمر وأعدم يحيى صديق الثوار. أخيرا نقول إن الحياة المعاشة في أي مجتمع في أي وقت طالما هي ملوثة بالمظلومية واللاعدالة ووجود المستعمر والحاكم الظالم المستبد ستبقى دائما حياة لا انسانية. وتبقى الثورة على المستعمر والفقر واللامساواة والاستبداد قانون يحرك البشر في كل زمان ومكان. هذا ما قاله الواقع العربي بعد عقود من زمن كتابة الرواية. حيث حصلت الثورة لتحقيق الحرية والعدالة والديمقراطية والحياة الأفضل لكل الناس في بلدان عربية كثيرة.
السماءُ ذات مستطيلات صفراء ووهجٌ أحمر يشعُ فجأة ويتوارى.البحر اختفى، أو بقيت بقعٌ أخيرةٌ منه، على هيئة تلالٌ كثيرة من القار.الگبگب سامي يخرجُ بصعوبة من الأرض اللزجة، وينتزعُ عضويه المسودين شبه المهروسين من الطين، ويتطلعُ بأسى إلى الوراء، حيث زوجته تغرق، غير قادرةٍ على إخراج البيض.في هذا المدى الموحشِ من الأشياءِ ومن تلاشي النهار، لم…
أنا الكلب عنتر ، كما أسماني صاحبي ومكتشفي الأول: عطية المجنون، أتقدم بمحاضرة في هذه الجامعة العتيدة ، متشرفاً بالتحدث أمام نخبة من المفكرين والباحثين، متمنياً أن تكون مداخلتي المتواضعة فرصةً لإثراء الفكر في هذا البلد المعطاء. لقد تغيرت مدينتنا كثيراً منذ أن تفتحت عيناي لتراها لأول مرة. لقد كانت مدينة عظيمة وهائلة . كانت…
كتب : عبدالجليل حسن* تمهيد:تجيء هذه الدّراسة لرواية «الأقلف»** لــ «عبدالله خليفة» وللمتسائل أن يستفهم ما الداعي التي حملتنا لدراسة هذه الرواية دون غيرها من الأعمال الأدبية؟إنّ من الضروري هنا تسليط الضوء على الأسباب التي من خلالها نستحضر ماهيّة البحث، للوقف على النتائج المرتقبة.وتأتي في طليعة تلك الأسباب أنّ رواية «الأقلف» لم تحضَ بدراسة تعطيها…
كتب : د. زهير ياسين شليبهالنغل نغل!الشرق الشرققد يبدو لقارىء «الأقلف» أن مؤلفها البحريني عبدالله خليفة أراد ترسيخ هذه الدمغة الإجتماعية المتخلفة على خلق الله اللقطاء باعتبارهم بشرا من الدرجة العاشرة إلا أن الأمر ليس كذلك بالضبط فقد اراد الروائي إثبات العكس. فهذا يحيى الأقلف الذي تحمل الرواية صفته الأجتماعية لا إسمه يغدو في نهايتها…
د. أنيسة السعدون مثلت إشكالية الهوية إحدى القضايا الأساسية للرواية العربيّة؛ وقد تناولها عدد من الكتّاب بالنظر إليها من زوايا مختلفة، ووقفوا على وجوه علاقتها مع قضايا شتّى ومتباينة المجالات؛ بما يكشف تعدد الرؤى في رصد مظاهرها، وتعقّد عوام تكوّنها، وما يطبعها من صراع اجتماعي وثقافي وحضاري يجلّي آثارها المكينة في الشخصية العربية.ولا شك في…
عبدالله خليفة روائي بحريني متميز، يكتب منذ سبعينيات القرن الماضي، له العديد من الروايات والمجموعات القصصية.قراءة : أحمد العربيالأقلف ، رواية كُتبت في عام 1988م، ونشرت في عام 2002م.{لغة الرواية وأسلوبها جميل جدا، جزل، مليء بالصور والتشابيه، يومئ لما يريد الوصول اليه، يبتعد عن المباشرة والتبشيرية والتعابير الكبيرة، يجعلك كقارئ تصل للمعلومة ضمنا، بكثير من…
كتب : فيصل عبدالحسن يضعنا الكاتب البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة في روايته «الأقلف» في إشكالية الصراع العقائدي – الديني – مع الآخر وما حمله المستعمر الأجنبي لمنطقتنا العربية بداية القرن الماضي مما كان يعتقده ضروريا لتكريس وجوده في منطقتنا لفترة طويلة ، فاستخدم الإرساليات التبشيرية ، التي باشرت أعمالها من خلال تقديم المساعدات الإنسانية لسكان المناطق…
يشتغل عبـــــــدالله خلــــــــيفة في هذه الرواية بأسلوب يأسر القارئ حتى النهاية، معتمداً على مخزون لغويّ ثرّ، وقدرة على التقاط الصور والمشاهد ببراعة لا يتقنها كاتب عادي، ليوصل القارئ في نهاية الرواية إلى أفق ينفتح على أكثر من نتيجة أو قناعة، أو مقولة، ودافعاً إيّاه إلى إعادة تشكيل عالم مختلف، أو إعادة قراءة الواقع بشكل مغاير.
كتب: شادية الترك الرواية عند ‹‹عبـــــــدالله خلــــــــيفة›› تنطلق من الماضي وتذوب في أطيافه ، تمتزج بالواقعية ، وتتمادى في تعقيد حبكتها الروائية ، تؤسس لحياة غابرة بقلم الحاضر، تستدعي شخوصها وأمكنتها بتاريخ هذا اليوم وتحاول عبر عالمها الروائي أن تشيد الزمن برؤى الحاضر ، تحكي بصوت الراوي المنفرد أصواتاً مختلفة وتعبر عوالم لا منتهية ،…
يضعنا الكاتب البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة في روايته «الأقلف» في إشكالية الصراع العقائدي – الديني – مع الآخر وما حمله المستعمر الأجنبي لمنطقتنا العربية بداية القرن الماضي مما كان يعتقده ضروريا لتكريس وجوده في منطقتنا لفترة طويلة ، فاستخدم الإرساليات التبشيرية ، التي باشرت أعمالها من خلال تقديم المساعدات الإنسانية لسكان المناطق ، وأغلب تلك الإرساليات جاءت على شكل بعثات صحية وتعليمية لمساعدة السكان العرب ومن خلال عملها ذلك كانت تحتك بهم فكريا وعقائديا لتغيير قناعاتهم الدينية والفكرية ، بالرغم من أن القائمين على تلك الإرساليات – كما يخبرنا الروائي في متنه الروائي – غير مؤمنين بما يقومون به من فعل عقائدي وأن عملهم كان ستارا لتكريس وجود دولهم الاستعماري في المنطقة من خلال البحث عن أتباع محليين يمكن تجنيدهم بمختلف وسائل الإغراء ، ومن بين تلك الإغراءات ، استخدام الجنس من خلال توظيف الممرضات الأوربيات الجميلات للتأثير على الشباب المحليين من السكان العرب وتغيير قناعاتهم الدينية ، كما في حالة علاقة يحيى – بطل الرواية – و«ميري»الممرضة في مستشفى الإرسالية الأمريكية واللقاءات الغرامية التي كان يشجعها تومسون الكنائسي والطبيب بالمستشفى بيحيى المشرد الذي لا أصل له ولا عائلة ، فتجد فيه “ميري” النموذج الأمثل ، للتنصير ، وتأتي الرمزية العالية في الرواية عندما يشير الروائي إشارة دالة إلى هذا النموذج الروائي ، الطفل يحيى الذي وجد نفسه بحالة لم تكن مألوفة في مجتمعه ، فهو لم يختن كباقي الأطفال في الحي الذي يعيش فيه ، فهو أقلف ، لا ينتمي إلى ميثولوجيا وعقائد – أهل حيه – الذين يعتقدون بنجاسته بسبب ذلك وتعود سنة الختان إلى النبي إبراهيم عليه السلام ، والختان ميثاق بينه وبين الخالق ، وقد ورد ذلك الميثاق في التوراة في النص القائل : – وقال الله لإبراهيم : أما أنت فتحفظ عهدي بيني وبينكم ، يخـتـتن كل منكم ، فتختنون في لحم غرلتكم ، فيكون علامة عهد بيني وبينكم ، فيكون عهدي في لحمكم عهد أبديا-* 🌴 التطرف الديني وعبـــــــدالله خلــــــــيفة عندما اختار بطله من عامة الناس ومن أكثر الطبقات بؤسا فقد كان يختار النموذج الذي يصلح لممارسة التغيير الديني عليه (التنصير) ، فيحيى لقيط وجدته عجوز صماء وبكماء – والكاتب هنا يشير إلى أن لا تأثير للتربية العائلية على بطله – وأننا أمام (نموذج خام) يمكن أن يقع تحت تأثير جميع المؤثرات الفكرية المستقبلية ، وحدبت عليه هذه العجوز بعطفها وأطعمته مما تلتقط كل يوم من المزابل ، وكبر يحيى في كوخ يقع بين أكواخ تمتلئ بعبيد سابقين ، وفرق الرقص ومنازل الشاذين وشلل القمار والرجال«الازكرت»ليتراءى له البحر من الشرق وإلى غرب كوخه تمتد مستنقعات وأكواخ متناثرة وبنايات قليلة ومقابر غريبة – ص 5 – وبالرغم من أن دولة البحرين ، جغرافيا ليست لها مساحة كبيرة وشعبها قليل العدد ، وعادة تكون البلدان الكبيرة هي الأكثر مادة للروائي حيث يكون متنه الروائي غنيا بالأحداث والشخصيات والصراعات وتشابك المصالح ، إلا أن -عبـــــــدالله خلــــــــيفة- استطاع أن يجد مادة مضطرمة بالتصادمات الفكرية كصراع الأديان من جهة ، وصراع الدين الواحد من خلال معتنقيه ، وعادة يكون الصراع بين المتطرف دينيا وبين معارضيه من الديانة ذاتها ومعاناة الإنسان العربي بسبب تراكم أحقاب من التخلف ، الثقافي والسياسي ، والكبت العام الذي يعانيه الشاب العربي في حاجاته الجسدية والنفسية ، وبالرغم من محدودية الأجواء التي ينتقل بها بطل الرواية ، والتي لا تتعدى الأميال القليلة ، التي هي مساحة عالمه الجغرافي إلا أننا شعرنا – بسبب استخدام الكاتب للغة شعرية في السرد وحتى في الحوار – إننا إزاء مساحة جغرافية مترامية الأطراف ، وفي مجتمع ضاج بالمتغيرات والصراعات والحيوات والمستجدات السريعة وصرخة البطل ، توضح لنا مدى الأزمة التي عاناها الكاتب ليكتب لنا نصا «كالأقلف» يعتمد الكثير من وجهات النظر المتعارضة ، واستمع إلى صرخة البطل ، التي هي في وجه من الأوجه صرخة الكاتب ذاته : «أنا لا أنتمي إلى هذا الخوص الكالح ، ولقضاء الحاجة في الخلاء ، وللأبواب الواقفة على زجاجات تئن ، ونهارات رمضان المقفرة ، ولحرق جثث الأطفال بالأسياخ» – ص 85 – ويصاب سكان الحي الذين يعيش بينهم يحيى بالذهول عندما يعرفون بتنصيره ، فتسأله عائشة المبروكة مدهوشة : – هل سيعطونك أرضا وبيتا عندما تصير نصرانيا ؟ – أبــدا ! ! – إذن لماذا تعذب نفسك ، الناس هنا لا يفهمون ! – ص 90 – ومن محاسن المصادفات إني وقعت على بحث قيم كتبه الروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة بعنوان «تطور الوعي الديني في المشرق القديم» عالج فيه تطور الوعي الديني في المشرق القديم الذي صار فيما بعد وعينا العربي ، وقد تناول جوانب البنى الاجتماعية والفكرية وتداخل الظروف الجغرافية بالسيسوتاريخي ، ولقد أضاء لي البحث جوانب من أسئلة فكرية كنت أواجهها وأنا أقرأ نصه الروائي -الأقلف- فمثلا كانت هناك معركة فكرية خفية تقع بين (تومسون) مدير المستشفى والذي كان غارقا في جداول خسائر المستشفى المتفاقمة ، فعطايا الكنائس البعيدة والمؤمنين فيما وراء البحار شحيحة والمرضى يتدفقون ولا أمل لبروز صور ساطعة لمسلمين يتنصرون وإيمان (ميري) التي كرهت أن يتسرب الإيمان من جداول الربح والخسارة ، وأن الحب العميق الذي تعتقده في الإيمان المسيحي غدا سلعة ! والسلعة في العادة تشترى وتباع… والمتابع يرى هنا ثمة مشكلة حقيقية في فهم البعض للهدف الحقيقي من وراء التنصير للشعوب الأخرى التي لها إرثها الديني والعقائدي ، وهنا اجتزئ هذا النص من البحث الذي نشره مؤلف الرواية ، كأنما يقدم للقارئ الجانب النظري الذي أقام عليه عوالم روايته الإشكالية ، فهو يقول فيما يشبه السرد التاريخي لأصل الصراع بين أصحاب الديانة الواحدة : وقد استمر الغليان المسيحي في المشرق ، مركز إنتاج الفكر الديني ، وظهرت حركات المعارضة المسيحية الكبيرة فيه ، مما يعبر عن صراع المصالح ، صراع الطبقات ، لم توقفه المظلة التسامحية ، وعبرت النسطورية عن مهاجمة قلب العقيدة الرسمية التي شكلتها الدولة ، فألغت التثليث الإلهي ، وهذا ما فعلته الفكرة الأريوسية بإنكار أن يكون المسيح إلها. -وللظاهرة أسبابها التاريخية ، فهي كما جاء في كتاب العصور الوسطى للدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور «إن حرية الفكر كانت معدومة في الغرب الأوربي في القرن الثاني عشر أو في العصور الوسطى ، فالواقع أن هذه الحرية ظلت أقل مما تصورها البعض عليه ، وكل ما هنالك هو أن الناس كانوا أحرارا في تفكيرهم وكتاباتهم داخل نطاق تعاليم الكنيسة»* 🌴 لمـاذا ؟ لمـاذا ؟ تتشابك المصائر في رواية الأقلف إلى حد أن ميري التي تحمل من يحيى تقرر ترك مستشفى الإرسالية لتعيش مع يحيى في كوخ خاص بهما ، رافضة إملاءات تومسون عليها بالرغم من أنها في البداية كانت مشاركة رئيسية في المؤامرة التنصيرية ليحيى ، واستمع إليها تأمر يحيى ص 71 : «ستحمل الصليب في رقبتك وتجهر بدعوتك.. ولن نتحمل نحن أية مسؤولية ، لم نخدعك ، لم نغرك ، وقد تخرج من المستشفى ومن الكنيسة ولا تراني …» ، وقد أصابته هذه الكلمات بالوجع ، مما اضطرته أن يصرخ : لماذا ؟ لماذا ؟ فهو من جهة يريد (ميري) ولا يريد أن يكون أي شيء في الدنيا حاجزا بينهما ، وهو مستعد لدفع الثمن المطلوب لذلك ، فهي صارت تعني له الحياة بمباهجها الحسية والدنيوية الأخرى : كالمأكل والمشرب والملبس ، وكان ثمة فكر معارض في أعماقه يرفض الذي تطلبه منه ميري ، كأنما كان يستمع لمن يتلو عليه آية القرآن الكريم التي يقول فيها الله تعالى : «وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين»، لذلك جاءت (لماذا) على لسانه شديدة المرارة والإدانة لما يحدث ، وبالرغم من مواقف (يحيى) كانت رخوة أمام الإغراءات إلا أنه ولأسباب غير واضحة في النص الروائي أثر بميري أكثر مما أثرت هي به ، فهي لم تتخلص من حملها منه بالرغم من الشروط القاسية التي وضعوها لها لتمارس عملها في مستشفى الإرسالية ، اسمع تومسون يخبرها بواجباتها ص 111 : «أنت يا ميري راهبة قبل أن تكوني ممرضة ، لم نحضرك هنا لتقيمي علاقات غرامية فاضحة وشائنة ! منذ أن جيء بهذا الشاب وأنت ملتصقة به.. يمكن أن أبرر علاقتك به قبل أن يتحول ، ولكن ما فائدة ذلك الآن ؟» لقد تعرض (يحيى) للاغتيال من قبل صديقه (إسحاق) بعد أن طعنه بالسكين لأنه بدل دينه ، وصار نصرانيا ، وهذه التضحية لم تحرك شيئا في نفس تومسون ولكنها غيرت ميري ، وفضحت دعاة التنصير أمامها ، فالغاية لم تكن دينية خالصة ، إنها شيء آخر ، إنها مزيج من ترسيخ الاستعمار في البلدان المستعمرة واستغفال الناس في عقائدهم ، اسمع يحيى يعاتب ميري ص 129 : «ثمة أفكار غريبة شكاكة رهيبة تدور في ذهني لقد صدقتك وإلهك.. ولكنني الآن أشك في كل شيء… أنت لست راهبة الآن.. أنت عشيقة رجل شكاك ، لديه كلمة طيبة للبشر – لقد لخص العلاقة بينهما ، فهي ليست مخلصة لروحه ، إنها ليست إلا عشيقة تنام في حضنه… لم تفهم التوراة ولا الإنجيل ولا القرآن ، ومثلها مثل جماعة المستشفى الذين قال فيهم القرآن الكريم – مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين»* 🌴 مستويـات الروايـــة الأقلف رواية مبنية على عدة مستويات ، المستوى الأول يقارن الروائي فيه بين اهتمامنا كمسلمين بحياة القطيع وتمجيدها ومنع من يحيد عن القطيع من دون الاهتمام الإنساني بالفرد وبين الغربيين الذين يرون أن القطيع لا يأتي إلا من وحدات بنائية مفردها -الفرد- الذي يجب أن ينال عنايتهم ، والمستوى الثاني يأتي من العلاقة المتشابكة التي إحدى بؤرها حاجات الإنسان وفكره من جهة ومصيره المرتبط بحالة وطنه ، ومستوى الصراع الثالث في الرواية يركز على إدانة التطرف بكل أنواعه ، فهو يدين ما فعله المتطرفون حين أحرقوا كوخ يحيى لأنه صار نصرانيا ، فلم يصاب ولكن جدته (مربيته البكماء) تعرضت لإصابات خطيرة بسبب الحريق المدبر ص 118 «جدته كتلة من الفحم والجمر والألم ، آهاتها تكهرب جسمه كله والمستشفى كائن عليل عاجز» ويدينهم بشخص صديقه إسحاق الذي حاول قتله قبل ذلك طعنا بالسكين فأصابه بجروح خطيرة ، أما المستوى الأخير في المعالجة الروائية فقد جاءت من خلال متابعة ما يحدث في الشارع من أحداث ونقرأ عن ذلك في ص 161 «البذلة تتحد بالرماد ، والوجه يسبح في الدخان ، والروح تتشكل من الحزن الجارف ، والقدمان تتسربان بعيدا عن الحشود الهائجة.. الجسر الرابط بين المدينتين ممتلئ بالعابرين والهاربين والجرحى» وفي هذه الفوضى يضطر إلى ترك ابنته من (ميري) لمصيرها ويتساءل متألما ص 168 «كيف يتخلى عن صغيرته الآن ، ويدعها مثلما تركته أمه للصدفة ، وللأيدي العابرة وللمحطات غير المرئية المتوقعة للزمن» رواية الأقلف للروائي البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة إعادة تشكيل لماضي وحاضر البحرين و ليس فقط لواقع الإنسان المحبط الذي لا يملك شيئا لمصيره بل وحتى لأولئك الذين يعتقدون أنهم ملكوا مصائر وأرواح الناس وأفكارهم واكتشفوا في النهاية أنهم ساهموا في لعبة الحياة خيرها وشرها فقط من دون أن يغيروا شيئا في حيوات غيرهم… رواية الأقلف / عبـــــــدالله خلــــــــيفة المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت / لبنان ط 1- 2005 – عدد الصفحات 172 قطع متوسط. كتب فيصل عبدالحسن
السماءُ ذات مستطيلات صفراء ووهجٌ أحمر يشعُ فجأة ويتوارى.البحر اختفى، أو بقيت بقعٌ أخيرةٌ منه، على هيئة تلالٌ كثيرة من القار.الگبگب سامي يخرجُ بصعوبة من الأرض اللزجة، وينتزعُ عضويه المسودين شبه المهروسين من الطين، ويتطلعُ بأسى إلى الوراء، حيث زوجته تغرق، غير قادرةٍ على إخراج البيض.في هذا المدى الموحشِ من الأشياءِ ومن تلاشي النهار، لم…
أنا الكلب عنتر ، كما أسماني صاحبي ومكتشفي الأول: عطية المجنون، أتقدم بمحاضرة في هذه الجامعة العتيدة ، متشرفاً بالتحدث أمام نخبة من المفكرين والباحثين، متمنياً أن تكون مداخلتي المتواضعة فرصةً لإثراء الفكر في هذا البلد المعطاء. لقد تغيرت مدينتنا كثيراً منذ أن تفتحت عيناي لتراها لأول مرة. لقد كانت مدينة عظيمة وهائلة . كانت…
كتب : عبدالجليل حسن* تمهيد:تجيء هذه الدّراسة لرواية «الأقلف»** لــ «عبدالله خليفة» وللمتسائل أن يستفهم ما الداعي التي حملتنا لدراسة هذه الرواية دون غيرها من الأعمال الأدبية؟إنّ من الضروري هنا تسليط الضوء على الأسباب التي من خلالها نستحضر ماهيّة البحث، للوقف على النتائج المرتقبة.وتأتي في طليعة تلك الأسباب أنّ رواية «الأقلف» لم تحضَ بدراسة تعطيها…
كتب : د. زهير ياسين شليبهالنغل نغل!الشرق الشرققد يبدو لقارىء «الأقلف» أن مؤلفها البحريني عبدالله خليفة أراد ترسيخ هذه الدمغة الإجتماعية المتخلفة على خلق الله اللقطاء باعتبارهم بشرا من الدرجة العاشرة إلا أن الأمر ليس كذلك بالضبط فقد اراد الروائي إثبات العكس. فهذا يحيى الأقلف الذي تحمل الرواية صفته الأجتماعية لا إسمه يغدو في نهايتها…
د. أنيسة السعدون مثلت إشكالية الهوية إحدى القضايا الأساسية للرواية العربيّة؛ وقد تناولها عدد من الكتّاب بالنظر إليها من زوايا مختلفة، ووقفوا على وجوه علاقتها مع قضايا شتّى ومتباينة المجالات؛ بما يكشف تعدد الرؤى في رصد مظاهرها، وتعقّد عوام تكوّنها، وما يطبعها من صراع اجتماعي وثقافي وحضاري يجلّي آثارها المكينة في الشخصية العربية.ولا شك في…
عبدالله خليفة روائي بحريني متميز، يكتب منذ سبعينيات القرن الماضي، له العديد من الروايات والمجموعات القصصية.قراءة : أحمد العربيالأقلف ، رواية كُتبت في عام 1988م، ونشرت في عام 2002م.{لغة الرواية وأسلوبها جميل جدا، جزل، مليء بالصور والتشابيه، يومئ لما يريد الوصول اليه، يبتعد عن المباشرة والتبشيرية والتعابير الكبيرة، يجعلك كقارئ تصل للمعلومة ضمنا، بكثير من…
كتب : فيصل عبدالحسن يضعنا الكاتب البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة في روايته «الأقلف» في إشكالية الصراع العقائدي – الديني – مع الآخر وما حمله المستعمر الأجنبي لمنطقتنا العربية بداية القرن الماضي مما كان يعتقده ضروريا لتكريس وجوده في منطقتنا لفترة طويلة ، فاستخدم الإرساليات التبشيرية ، التي باشرت أعمالها من خلال تقديم المساعدات الإنسانية لسكان المناطق…
يشتغل عبـــــــدالله خلــــــــيفة في هذه الرواية بأسلوب يأسر القارئ حتى النهاية، معتمداً على مخزون لغويّ ثرّ، وقدرة على التقاط الصور والمشاهد ببراعة لا يتقنها كاتب عادي، ليوصل القارئ في نهاية الرواية إلى أفق ينفتح على أكثر من نتيجة أو قناعة، أو مقولة، ودافعاً إيّاه إلى إعادة تشكيل عالم مختلف، أو إعادة قراءة الواقع بشكل مغاير.
كتب: شادية الترك الرواية عند ‹‹عبـــــــدالله خلــــــــيفة›› تنطلق من الماضي وتذوب في أطيافه ، تمتزج بالواقعية ، وتتمادى في تعقيد حبكتها الروائية ، تؤسس لحياة غابرة بقلم الحاضر، تستدعي شخوصها وأمكنتها بتاريخ هذا اليوم وتحاول عبر عالمها الروائي أن تشيد الزمن برؤى الحاضر ، تحكي بصوت الراوي المنفرد أصواتاً مختلفة وتعبر عوالم لا منتهية ،…
يشتغل عبـــــــدالله خلــــــــيفة في هذه الرواية بأسلوب يأسر القارئ حتى النهاية، معتمداً على مخزون لغويّ ثرّ، وقدرة على التقاط الصور والمشاهد ببراعة لا يتقنها كاتب عادي، ليوصل القارئ في نهاية الرواية إلى أفق ينفتح على أكثر من نتيجة أو قناعة، أو مقولة، ودافعاً إيّاه إلى إعادة تشكيل عالم مختلف، أو إعادة قراءة الواقع بشكل مغاير.
أحياناً نقرأ أسماء الكتّاب على صفحات الجرائد، أو نسمع بهم من الأصدقاء، ثم تشغلنا أمورنا اليومية عن قراءة أعمالهم، وخاصة حين يكونون بعيدين عنا، جغرافياً، وأحياناً نقرأ نصوصاً متميّزة، فنتابع إنتاجات كتابها، تاركين غيرهم من الزملاء الكتاب للمصادفات، ولا شك أن النشاطات الثقافية التي تقام في مناسبات للتواصل بين كتّاب من أقطار مختلفة، تخلق مناسبة للتعارف، وتبادل إهداءات الكتب، وحين تجد نفسك وجهاً لوجه أمام أعمال أحد الكتّاب الذين سمعت بهم ولم تقرأ لهم، في هذه الحالة تكون دوافع القراءة مضاعفة. تعرفت إلى عبـــــــدالله خلــــــــيفة من خلال روايته ‹‹الأقلف›› في أسبوع الثقافة البحرينية الذي أقيم في دمشق بمناسبة كونها عاصمة للثقافة العربية، وبعد الانتهاء من قراءة الرواية انتابني إحساس شديد بالتقصير، وجدت نفسي أمام كاتب كان عليّ أن أعرفه منذ زمن. عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب قادر أن ينقلك إلى عوالم لم تكن تتصوّر مدى فجائعيتها، يندمج فيها الأسطوري، والديني، والاجتماعي، والسياسي، والوطني. ليتشكل أمامك نسيج روائي متميّز، يذكّرك مرّة ‹‹بهوميروس›› ومرة أخرى بـ‹‹نجيب محفوظ›› ومرّة ثالثة بواقعية ‹‹ماركيز›› السحرية، ومرّة يذكرك، وهذا الأهم بما أنت عليه في جوّانيّتك. بطل الرواية ‹‹يحيى›› الملقّب بالأقلف، يجد نفسه نابتاً في محيط لا ينتمي إليه، فهو أقلف، وسكان الحي مسلمون. يحاول البحث عن إجابة لأسئلة كثيرة تدور في ذهنه، كل ما يربطه بهذا المحيط هو جدّة خرساء، (ولا يغيب عنا أن الكاتب أخرس الجدّة ليقطع طريق اليقين أمام فتى لا يعرف أباه ولا أمه، ولتبقى الحيرة واللوبان في فراغ دون قرار). وجغرافية المكان تذكرك بأطراف المدن العربية، حيث تنتشر الأكواخ، وغرف الصفيح، ولكن بتصوير مبالغ فيه بوظيفيّة متقنة، الفقر والعوز والتلوث، وما يمكن أن ينتجه هذا المحيط من بؤس وتشرد، وقطاع طرق. يتعرّف ‹‹يحيى›› إلى ممرضة إنكليزية تعمل كراهبة في مشفى خيري يتبع لقوات الاحتلال الإنكليزية، يعشقها ويتزوجها، وهنا يتشارك الزوجان مخالفة السائد، يتعرضان لعقوبات شتّى، العقوبات طارئة على الزوجة ‹‹ميري›› لكنها عادية بالنسبة ليحيى الذي عرف العقوبات بمختلف أشكالها، وعرف الخيانة من أعزّ أصدقائه حين حاول قتله بطعنة سكين، لكن يحيى سامحه، أحرق الصديق بيت يحيى، وقتل جدته، وقرّر يحيى أن يسامحه مرّة أخرى. هذه الروح الإنسانية السامية التي قلّما نجدها، هي منبوذة من مجتمع متشكّل من عادات وتقاليد، لا يعيرها ‹‹الأقلف›› أي اهتمام، يعمل بوحي من ضميره الذي يرى الله بشكل مختلف، ويرى مهمة الإنسان بطريقة مغايرة، وهذا ما يظهر في الجزء الأخير من الرواية، حيث يتحول يحيى إلى مدافع شرس عن بلاده، ويصير الوطن أكبر بكثير من كوخ بسيط محروق، أو غرفة بائسة مهدّمة، ويرى أن من واجبه الحرص على حياة صديقه الذي غدر به أكثر من مرة، ذلك الصديق الذي تحوّل إلى قائد لمجموعة ثوار ملاحقين من قبل الجنود الإنكليز الذين حاولوا الاستعانة بالأقلف ليدلّهم على مكان الثوار، وذلك تحت التهديد بقتل ابنته بعد ما قتلوا زوجته، لكن خيار يحيى ‹‹الأقلف›› لا يختلف عن خيارات جميع المخلصين لأوطانهم، والمدافعين عن شرف وكرامة المنبت. يشتغل عبـــــــدالله خلــــــــيفة في هذه الرواية بأسلوب يأسر القارئ حتى النهاية، معتمداً على مخزون لغويّ ثرّ، وقدرة على التقاط الصور والمشاهد ببراعة لا يتقنها كاتب عادي، ليوصل القارئ في نهاية الرواية إلى أفق ينفتح على أكثر من نتيجة أو قناعة، أو مقولة، ودافعاً إيّاه إلى إعادة تشكيل عالم مختلف، أو إعادة قراءة الواقع بشكل مغاير.
السماءُ ذات مستطيلات صفراء ووهجٌ أحمر يشعُ فجأة ويتوارى.البحر اختفى، أو بقيت بقعٌ أخيرةٌ منه، على هيئة تلالٌ كثيرة من القار.الگبگب سامي يخرجُ بصعوبة من الأرض اللزجة، وينتزعُ عضويه المسودين شبه المهروسين من الطين، ويتطلعُ بأسى إلى الوراء، حيث زوجته تغرق، غير قادرةٍ على إخراج البيض.في هذا المدى الموحشِ من الأشياءِ ومن تلاشي النهار، لم…
أنا الكلب عنتر ، كما أسماني صاحبي ومكتشفي الأول: عطية المجنون، أتقدم بمحاضرة في هذه الجامعة العتيدة ، متشرفاً بالتحدث أمام نخبة من المفكرين والباحثين، متمنياً أن تكون مداخلتي المتواضعة فرصةً لإثراء الفكر في هذا البلد المعطاء. لقد تغيرت مدينتنا كثيراً منذ أن تفتحت عيناي لتراها لأول مرة. لقد كانت مدينة عظيمة وهائلة . كانت…
كتب : عبدالجليل حسن* تمهيد:تجيء هذه الدّراسة لرواية «الأقلف»** لــ «عبدالله خليفة» وللمتسائل أن يستفهم ما الداعي التي حملتنا لدراسة هذه الرواية دون غيرها من الأعمال الأدبية؟إنّ من الضروري هنا تسليط الضوء على الأسباب التي من خلالها نستحضر ماهيّة البحث، للوقف على النتائج المرتقبة.وتأتي في طليعة تلك الأسباب أنّ رواية «الأقلف» لم تحضَ بدراسة تعطيها…
كتب : د. زهير ياسين شليبهالنغل نغل!الشرق الشرققد يبدو لقارىء «الأقلف» أن مؤلفها البحريني عبدالله خليفة أراد ترسيخ هذه الدمغة الإجتماعية المتخلفة على خلق الله اللقطاء باعتبارهم بشرا من الدرجة العاشرة إلا أن الأمر ليس كذلك بالضبط فقد اراد الروائي إثبات العكس. فهذا يحيى الأقلف الذي تحمل الرواية صفته الأجتماعية لا إسمه يغدو في نهايتها…
د. أنيسة السعدون مثلت إشكالية الهوية إحدى القضايا الأساسية للرواية العربيّة؛ وقد تناولها عدد من الكتّاب بالنظر إليها من زوايا مختلفة، ووقفوا على وجوه علاقتها مع قضايا شتّى ومتباينة المجالات؛ بما يكشف تعدد الرؤى في رصد مظاهرها، وتعقّد عوام تكوّنها، وما يطبعها من صراع اجتماعي وثقافي وحضاري يجلّي آثارها المكينة في الشخصية العربية.ولا شك في…
عبدالله خليفة روائي بحريني متميز، يكتب منذ سبعينيات القرن الماضي، له العديد من الروايات والمجموعات القصصية.قراءة : أحمد العربيالأقلف ، رواية كُتبت في عام 1988م، ونشرت في عام 2002م.{لغة الرواية وأسلوبها جميل جدا، جزل، مليء بالصور والتشابيه، يومئ لما يريد الوصول اليه، يبتعد عن المباشرة والتبشيرية والتعابير الكبيرة، يجعلك كقارئ تصل للمعلومة ضمنا، بكثير من…
كتب : فيصل عبدالحسن يضعنا الكاتب البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة في روايته «الأقلف» في إشكالية الصراع العقائدي – الديني – مع الآخر وما حمله المستعمر الأجنبي لمنطقتنا العربية بداية القرن الماضي مما كان يعتقده ضروريا لتكريس وجوده في منطقتنا لفترة طويلة ، فاستخدم الإرساليات التبشيرية ، التي باشرت أعمالها من خلال تقديم المساعدات الإنسانية لسكان المناطق…
يشتغل عبـــــــدالله خلــــــــيفة في هذه الرواية بأسلوب يأسر القارئ حتى النهاية، معتمداً على مخزون لغويّ ثرّ، وقدرة على التقاط الصور والمشاهد ببراعة لا يتقنها كاتب عادي، ليوصل القارئ في نهاية الرواية إلى أفق ينفتح على أكثر من نتيجة أو قناعة، أو مقولة، ودافعاً إيّاه إلى إعادة تشكيل عالم مختلف، أو إعادة قراءة الواقع بشكل مغاير.
كتب: شادية الترك الرواية عند ‹‹عبـــــــدالله خلــــــــيفة›› تنطلق من الماضي وتذوب في أطيافه ، تمتزج بالواقعية ، وتتمادى في تعقيد حبكتها الروائية ، تؤسس لحياة غابرة بقلم الحاضر، تستدعي شخوصها وأمكنتها بتاريخ هذا اليوم وتحاول عبر عالمها الروائي أن تشيد الزمن برؤى الحاضر ، تحكي بصوت الراوي المنفرد أصواتاً مختلفة وتعبر عوالم لا منتهية ،…
الرواية عند ‹‹عبـــــــدالله خلــــــــيفة›› تنطلق من الماضي وتذوب في أطيافه ، تمتزج بالواقعية ، وتتمادى في تعقيد حبكتها الروائية ، تؤسس لحياة غابرة بقلم الحاضر، تستدعي شخوصها وأمكنتها بتاريخ هذا اليوم وتحاول عبر عالمها الروائي أن تشيد الزمن برؤى الحاضر ، تحكي بصوت الراوي المنفرد أصواتاً مختلفة وتعبر عوالم لا منتهية ، عوالم البشر والطبيعة ، عوالم الزمن والمكان الذي يشتغل برمزيته على الأحداث ويؤطرها وفق فترة زمنية وحقبة تحكي بشخوصها وملامحها ملامح عصر ربما عفت عليه الأيام لكنه يعيد تشكيل ذاته من جديد وبشكل مغاير يختلف بطريقة ما عن سابقه ولكنه يعتصر من الماضي مقومات حضوره . هكذا كانت هي رواية «الأقلف» لــ«عبـــــــدالله خلــــــــيفة» رؤية تسرد حكاية من لا يعرف لذاته طريقاً ، ومن يجهل ملامح صورته ومن يسأل عن جذور هويته ولكن لا سبيل للوصول فالحقيقة تظل سراباً والواقع أكبر من ان نفهمه . من أنا ؟ ومن أكون ؟ ما هي ديانتي وهويتي ؟ أسئلة كثيرة في حياة«يحيى» هي من أسس لبداية بناء العقدة في خط السرد الروائي لرواية «الأقلف» فالوطن والحب والأثنية ثلاثي أنتج قلقة مبعثرة هادئة لكنها صاخبة ، مسالمة لكنها قوية ، حالمة لكنها مستاءة وحزينة ، مجهولة لكنها موجودة صامتة لكن ملامحها تحكي عنها ، شخصية شكلت في غرابتها وبساطتها رواية من لا يعرف لذته طريقاً ومن لا يجد لأسئلته مجيباً ومن لا يكف عن البحث عن السكون إشكالية الوجود وعبر إشكالية الذات تتمحور إرهاصات الحياة وتبرز ثنايا النفس وعيوبها . 🍀 الحبكة الروائية : من الملفت في رواية «الأقلف» أن الروائي «عبـــــــدالله خلــــــــيفة» عن المألوف ويحفز لبناء حدثه بإسلوب جديد ، فالعقدة في الرواية عادةً تتدرج لذروة التعقيد وتنهار بتدرج أيضاً النهاية السردية ولكن في رواية «الأقلف» تظل العقدة قائمة وأزلية تغادر ساحة الورق إلى أرض الواقع وبقاء عقدة البحث عن الذات وانتماءها عقدة لا تنتهي فالرواية تبلغ ذروتها عند تخلي «يحيى» عن ديانته لكنها في حالة الوصول هذه لا تتراجع نحو حالة الهبوط المتوخاة ولكنها تظل في صعود وشد مستمرين . الأحداث في جوهرها متشابهة ولكن الشخوص مختلفة ، البدايات ظاهرة ولكن نهاياتها مجهولة المشكلة واحدة ولكن حلولها لا تلتقي ، الصور والوجوه متعددة (يحيى ، إسحاق ، ميري) ولكن الموجهات والظروف متضاربة .، الإحساس واحد لكن التعبير عنه غير متجانس . هكذا كان السرد في رواية «الأقلف» يدور في خط سردي روائي واحد ولكنه متشعب عبر ثلاثة شخوص محورية تدرجت في تعاملها مع الموقف وفقاً لرؤية الراوي العالم بتلك الشخصيات وتصوره المنحاز نحو شخوص روايته . 🍀 الرؤية العامة للرواية : تدور الرواية في رؤيتها العامة حول قضية «الأقلف» الذي لا يعرف لذاته طريقاً ، الإنسان الذي يولد عبثا ويظل طوال عمره يبحث عن نفسه ولكن دون جدوى فذاكرته ممحية وماضية مجهولة وواقعية لا شئ لأن لا جذور له . «الأقلف» رواية تجسد في رؤيتها العامة حالة القلق والبحث ليس عن جذور الأهل ولكن عن كل انتماءات الذات (الوطن ، الدين ، الهوية) (يحيى الفتى الذي ولد في عالم المجهول دون هوية معروفة ، وتحت وطأة الذل والتشرد والجوع والعطش والمجتمع المنسي الذي لا يشكل سوى ذات فارغة من إنسانيتها ولا تملك سوى جسد مفرغ من كل حقوقه يجد نفسه مجروراً وراء إغراءات الإرسالية الأميركية التبشيرية بدين الحق والخلاص والنجاة المزعوميين . يستسلم (يحيى) ويعتنق المسيحية التي تتمثل بالنسبة له النجاة والسلام ، والحياة الكريمة التي قدمت له كل شئ (العلم ، الاستقرار، العمل) وفي طيات هذا الصراع تتسرب عاطفة الحب التي قادته وراء مشاعره وأحاسيسه وتغيب عاطفة الصداقة المتضاربة مع هويته الجديد . 🍀 شيفرات رمزية : شكلت شبكة المفاهيم المشفرة لـ عبـــــــدالله خلــــــــيفة لائحة من الرموز التي يستتر وراءها معنى بعيد لذلك المعنى الذي جاءت فيه . ☷ فالصليب الذي ارتداه «يحيى» لم يأت فقط ليشير إلى أن يحيى غير ديانته ولكن كي يكشف لنا مدى الاضطهاد والنبذ اللذين سيعترضان حياة يحيى جراء جريمة اعتناق المسيحية وارتداءه لهذا الصليب . ☷ الثوب الأبيض للممرضة «ميري» رمز يكشف ذلك الفارق ما بين المعنى الظاهر للون الأبيض الساتر والطاهر والشفاف وما تخفيه شخصية ميري في حقيقتها من روح ضعيفة ومنساقة وراء أهواءها ورغباتها التي برغم أنها تحاول كبتها تعيد فرض ذاتها . ☷ كذلك الوصف الموجود لتقارب المقابر المسيحية واليهودية الإسلامية إيحاء يرمز إلى ما كانت عليه البحرين في تلك الحقبة الزمنية من روح حوارية وقبول تعددي بات في عصرنا هذا مغلقاً لحد النزاع الطائفي . ☷ الخرس البشري المتمثل بعجز الجدة عن الكلام إنه يعدو كونه خرساً وظيفياً في عضو من أعضاء الجسد إلى كونه نوعاً من الخرس النفسي والمجتمعي الرافض للإجابة عن كل تلك الأسئلة المتعلقة بسؤال الهوية . ☷ أكواخ الدعارة وفتيات الهوى في مجتمع قروي بسيط كشف فاضح لحالة الكبت والقمع التي تعانيها المرأة فترتكب جراءها أبشع الجرائم بحق نفسها لتؤكد أن محاولة خنقها خلف العباءة السوداء أو البرقع ليس إلا مظهرا لا جوهر . ☷ الوضع الاجتماعي رؤية واقعية : قلنا منذ البداية أن الرواية لدى «عبدالله خليفة» تمتزج بواقعيتها وتستلهم من الماضي حضورها ، وهكذا كانت هي بالفعل فالوضع الاجتماعي الذي طرحته الرواية هو واقع السبعينات الذي عاشه أهل الخليج العربي بكل عمقه وسطحيته حياة ريفية بسيطة ، صيادون معدمون، عمال منهكون ،نساء مغطيات وأطفال حفاة ، زوجة مظلومة وفتاة مغصوبة رجل قوي ومسيطر وآخر تعب ومستغرق في البحث عن لقمة العيش ، حياة صعبة و واقع من الجهل والعتمة التي تظل أفرادها ،إرسالية أمريكية وأخرى بريطانية والهدف تبشيري مقنع ومستتر خلف أقنعة الحب والعطاء ، العم والنور ولكن الغاية مسمومة والهدف مجهول لا تراه سوى عيون الضحايا الواقعة تحت قبضته ن فالموت والحياة العلم والجهل ، الحب والنبذ ،الاستقرار والتشرد ، الوطن والدين ثنائيات لا تكف عن حرق الزمن وكي البشر منشار يشطر ذواتنا تحت عجز الاختيار . أخيراً … هل من يولد من فراغ يظل بلا هوية وهل كان لابد (لميرى الصغيرة) أن تلاقي المصير الذي لاقاه أبوها لتظل يتيمة ووحيدة تعيد حكاية الماضي أفليس «الأقلف» من لا يعرف لذاته طريقاً ، ومن لا يعرف لنفسه انتماء ؟؟! . كيف تتجلى له ميري الآن مرسومة بخطوط الألعاب والمأساة النارية؟ كيف يتخلى عن صغيرته الآن ويدعها مثلما تركته أمه للصدفة وللأيدي العابرة وللمحطات غير المرئية المتوقعة للزمن؟ من سيراها في علبة كرتونية ملقاة عند أحد الأزقة أو في سرير ملجأ تصرخ من أجل معرفته وتلعن خطيئته . كتب شادية الترك
السماءُ ذات مستطيلات صفراء ووهجٌ أحمر يشعُ فجأة ويتوارى.البحر اختفى، أو بقيت بقعٌ أخيرةٌ منه، على هيئة تلالٌ كثيرة من القار.الگبگب سامي يخرجُ بصعوبة من الأرض اللزجة، وينتزعُ عضويه المسودين شبه المهروسين من الطين، ويتطلعُ بأسى إلى الوراء، حيث زوجته تغرق، غير قادرةٍ على إخراج البيض.في هذا المدى الموحشِ من الأشياءِ ومن تلاشي النهار، لم…
أنا الكلب عنتر ، كما أسماني صاحبي ومكتشفي الأول: عطية المجنون، أتقدم بمحاضرة في هذه الجامعة العتيدة ، متشرفاً بالتحدث أمام نخبة من المفكرين والباحثين، متمنياً أن تكون مداخلتي المتواضعة فرصةً لإثراء الفكر في هذا البلد المعطاء. لقد تغيرت مدينتنا كثيراً منذ أن تفتحت عيناي لتراها لأول مرة. لقد كانت مدينة عظيمة وهائلة . كانت…
كتب : عبدالجليل حسن* تمهيد:تجيء هذه الدّراسة لرواية «الأقلف»** لــ «عبدالله خليفة» وللمتسائل أن يستفهم ما الداعي التي حملتنا لدراسة هذه الرواية دون غيرها من الأعمال الأدبية؟إنّ من الضروري هنا تسليط الضوء على الأسباب التي من خلالها نستحضر ماهيّة البحث، للوقف على النتائج المرتقبة.وتأتي في طليعة تلك الأسباب أنّ رواية «الأقلف» لم تحضَ بدراسة تعطيها…
كتب : د. زهير ياسين شليبهالنغل نغل!الشرق الشرققد يبدو لقارىء «الأقلف» أن مؤلفها البحريني عبدالله خليفة أراد ترسيخ هذه الدمغة الإجتماعية المتخلفة على خلق الله اللقطاء باعتبارهم بشرا من الدرجة العاشرة إلا أن الأمر ليس كذلك بالضبط فقد اراد الروائي إثبات العكس. فهذا يحيى الأقلف الذي تحمل الرواية صفته الأجتماعية لا إسمه يغدو في نهايتها…
د. أنيسة السعدون مثلت إشكالية الهوية إحدى القضايا الأساسية للرواية العربيّة؛ وقد تناولها عدد من الكتّاب بالنظر إليها من زوايا مختلفة، ووقفوا على وجوه علاقتها مع قضايا شتّى ومتباينة المجالات؛ بما يكشف تعدد الرؤى في رصد مظاهرها، وتعقّد عوام تكوّنها، وما يطبعها من صراع اجتماعي وثقافي وحضاري يجلّي آثارها المكينة في الشخصية العربية.ولا شك في…
عبدالله خليفة روائي بحريني متميز، يكتب منذ سبعينيات القرن الماضي، له العديد من الروايات والمجموعات القصصية.قراءة : أحمد العربيالأقلف ، رواية كُتبت في عام 1988م، ونشرت في عام 2002م.{لغة الرواية وأسلوبها جميل جدا، جزل، مليء بالصور والتشابيه، يومئ لما يريد الوصول اليه، يبتعد عن المباشرة والتبشيرية والتعابير الكبيرة، يجعلك كقارئ تصل للمعلومة ضمنا، بكثير من…
كتب : فيصل عبدالحسن يضعنا الكاتب البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة في روايته «الأقلف» في إشكالية الصراع العقائدي – الديني – مع الآخر وما حمله المستعمر الأجنبي لمنطقتنا العربية بداية القرن الماضي مما كان يعتقده ضروريا لتكريس وجوده في منطقتنا لفترة طويلة ، فاستخدم الإرساليات التبشيرية ، التي باشرت أعمالها من خلال تقديم المساعدات الإنسانية لسكان المناطق…
يشتغل عبـــــــدالله خلــــــــيفة في هذه الرواية بأسلوب يأسر القارئ حتى النهاية، معتمداً على مخزون لغويّ ثرّ، وقدرة على التقاط الصور والمشاهد ببراعة لا يتقنها كاتب عادي، ليوصل القارئ في نهاية الرواية إلى أفق ينفتح على أكثر من نتيجة أو قناعة، أو مقولة، ودافعاً إيّاه إلى إعادة تشكيل عالم مختلف، أو إعادة قراءة الواقع بشكل مغاير.
كتب: شادية الترك الرواية عند ‹‹عبـــــــدالله خلــــــــيفة›› تنطلق من الماضي وتذوب في أطيافه ، تمتزج بالواقعية ، وتتمادى في تعقيد حبكتها الروائية ، تؤسس لحياة غابرة بقلم الحاضر، تستدعي شخوصها وأمكنتها بتاريخ هذا اليوم وتحاول عبر عالمها الروائي أن تشيد الزمن برؤى الحاضر ، تحكي بصوت الراوي المنفرد أصواتاً مختلفة وتعبر عوالم لا منتهية ،…