
لم تفقد الحكاية بريقها الطموح المشع في أكثر من اتجاه ولاسيما قدرتها على الترميز ومرونة تشكيلها الفني وإمكانية إعادة صياغتها من أجل أن تستوعب هموم عصر آخر وأن تتكيف لسياق مختلف تماماً عن السياق الذي وردت فيه أول وهلة مما يمنحها فرص الديمومة والامتداد إلى ما لا نهاية. فالحكاية كما عبر إ. م. فورستر – دودة الزمن العارية التي يصعب علينا أن نضع لها بداية أو نهاية (1)، ومن البديهي أن يرتكز إليها القاص المعاصر بوصفها ركيزة ومهاداً ونبعاً سواء أكان هذا في مضامينها ذات الطابع الترميزي أم تشكيلها الفني وأدواتها وتقنيتها المتمثلة بالحدث الذي يبدو من أقرب الأدوات الفنية للحكاية نظراً لارتباطه بغريزة حب الاستطلاع لدينا جميعاً، فنحن لسنا أقل شوقا من شهريار كي تكمل شهرزاد أحداث حكاياتها ولكي نعرف ماذا جرى بعد ذلك(2). وقد تمتد الصلة إلى عناصر فنية أخرى كالشخصية والزمان والمكان أو تشذير الجملة السردية بـ (موتيفات) مستقاة من بنية الحكاية ولوازمها.
وفي مجموعة سيد الضريح للقاص البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة نلمس نسقاً حكائياً في أكثر من قصة من قصص المجموعة، ومن ذلك قصة (محاكمة علي بابا) وإن سعت هذه القصة إلى استثمار نقيضين هما الحكاية العريقة الضاربة في أعماق الفن القصصي عامة من جانب ومن الجانب الآخر التقنية السينمائية القائمة على (دايولوج) يطغى على القصة ويقرب صياغتها من الصياغة القصصية، يرد على لسان المذيع الذي يسترسل في حديثه فلا ننكر عليه ذلك (هل تصدقون ذلك أيها السادة؟ إنني أصور لكم المشاهد لحظة بلحظة، ولكن الكاميرا لا تستطيع أن تندس وتلاحق (الجيب) المغطى بالقضبان، المندفع، والرجل الكهل يخفي ملامحه بغترته التي غدت صفراء ذابلة، أين كان منها ذلك التاج المتلألئ وحشود الحرس شاكية السلاح والسيارات السوداء الطويلة التي تمرق مروق البرق صارخة بأبواقه ودرجات مرورها النارية، قافزة ضلوع المشاة والإشارات والهدوء؟ إننا نتقدم الآن نحو المحكمة، ثمة زحام هائل…) (3) ونفاجأ بأن الرجل الكهل هو علي بابا بطل إحدى حكايات ألف ليلة وليلة وقد منحه النص بعض سمات البيئة المحلية ومن خلال غترته التي أخفى بها ملامحه، ونلمح وعي النص وحرصه على أن يوجه شخصية علي بابا وجهة أخرى مختلفة إذ يضفي عليها طابعاً سياسياً، فعلي بابا في سياق النص هو حاكم المدينة السابق، وكان قد حكمها أربعين عاماً ولا يخفى ما يعنيه العدد فهو صدى لعدد شركاء علي بابا اللصوص(علي بابا غير قادر على اختراق كتل المصورين والميكروفونات والأيدي والرؤوس… علي بابا يختلط بأرباب السوابق الذين قذفتهم شاحنة… ها نحن الآن ندخل قاعة المحكمة الكبرى ولاتزال كتل البشر تموج بنا) (4) وهنا لا يحتاج النص إلى أن يصرح بطبيعة شخصية الحاكم السابق لأن الدلالة دانية ومستقاة من طبيعة الشخصية الأصل (علي بابا) بيد أن ثمة من ينسب للحاكم السابق انه (هو الذي فتح الكنز.. هو الذي شيد ناطحات السحاب.. هو الذي أجرى الماء من الأرض اليباب، هو الذي شق النهر الأزرق ووضع الحدائق المعلقة وملأ البحر بالسمك والبراري بالغزلان… والتلفزيون بالأخبار)(5) فيبدو علي بابا بوجهين متضادين وبإهابين متباينين، أحدهما تراثي والآخر معاصر يبرر انتقاء الشخصية وعلى هذا النحو الجديد. وتأتي شهادة أحدهم – وهو من نزلاء مستشفى المجانين – مثقلة بالإدانة (هذا الرجل القابع في القفص كان بدويا وقاطع طريق ومطلوبا للعدالة… كان يقود ثلة من المجرمين احتلوا بيت المال وأخذوا الذهب وسندات التنمية ومدخرات العمال والأجيال وحلي النساء. هل يمكن أن يفتح جبل بكلمة سمسم؟ أتعرفون ماذا تعني هذه الكلمة؟ إنها صيحات المعذبين وهم يصبون الحمم في آذان رفاقي)(6) وإذا كان النص ينحاز إلى إدانة الحاكم السابق من خلال انتقاء شخصية علي بابا بوصفه معادلاً موحياً بسجيتها فإنه لم يختم القصة بقرار إدانته بل أعلنت المحكمة براءته لعدم كفاية الأدلة وعودة الشاهد الذي أدانه إلى علاجه بمستشفى الأمراض العقلية، ترميزاً لاختلاط الأوراق في هذا العصر وغياب الحقيقة تحت ركام وسائط الإعلام وأضوائها وأساليبها في الإيهام والتضليل بحيث قد تغيب الحقيقة إلى الأبد. ويمضي النص في استثمار التقنية السينمائية كي يشكل منها خاتمة غير تقليدية للنص (صخب وضجة عارمة، المذيع: بسرور ودهشة ها أنتم أيها المشاهدون الكرام ترون وتسمعون الكلمة الفصل التي… اهتزازات حادة وانقطاع البث) (7)، ويهب هذا التآلف بين النقيضين (الحكاية في مقابل التقنية السينمائية) وفي غضون النص طرافة فضلا عن أنه يضفي عليه بعدا مكانيا وزمانيا مطلقين ومن خلال حاكم ما ومدينة ما كانت أرض الحدث ومكان وقوعه.
وتنفتح قصة وراء الجبال على آفاق مختلفة مرتكزة إلى أرض مكانية أخرى مختلفة ترد عبر استهلال القصة (القرية بيوت صغيرة كالحة تحت الجبال الشاهقة… معبر وحيد أخير للحياة في قبر الأحجار)(8)، ولكن لا مناص من البحث عن وسيلة للنجاة يسعى إليها يحيى بطل القصة (ليلاً ونهاراً يعمل في هذه الآلة الغريبة وسط عريشه المفتوح للعيون الشكاكة والأيدي العابثة)(9). ولكي يضفي النص مصداقية على هذه الآلة التي يبدو أنها طائرة يتطلع يحيى أن ينفذ من خلالها إلى أجواء جديدة وآفاق مختلفة عبر جبال الحصار الشاهقة، إذاً كيف جمع يحيى مادة صنعها؟ لقد (تشكلت من بقايا المحاريث والصفائح، تضج في الليل والنهار، تقذف الهواء الساخن، وتدير المراوح القوية)(10).
ولأن هذا الشأن الجديد غريب في تلك القرية النائية المنعزلة المنطوية على جهلها فإن أهل القرية (يثرثرون في مجالسهم، يغضبون، يأتون إليه بفؤوسهم: ماذا تريد أن تفعل.. لماذا تكلم الجن؟ – إنني أصنع شيئاً لعبور هذه الجبال.. أتعجبكم هذه العيشة الرهيبة كالضفادع والهوام؟ هناك وراء الجبال الأرض الخضراء والمدن والسعادة)(11) حيث يكمن خلف منعطفات القرية ودروبها أعداء الجديد والخائفون من أي تغيير.
وحين يصرخ يحيى بطل القصة (ثمة طوفان قادم، ثمة جليد عارم جبار سيتدفق ستكتسح الصخور المنازل والزرع، هلموا إلي)(12) فإن شخصية نوح عليه السلام وعناد قومه الجاهلين يردان إلى الأذهان، ويتوضح هذا التوظيف الواعي لحدث الطوفان عبر هذه الدمدمة الرهيبة التي(تكتسح كل شيء… تنغلق الكهوف على السحرة في الجبال ويركض الناس للشرائط المعلقة على القبور)(13) وتتسلل الإضافة العصرية إلى بنية الحكاية الأصل حين تنجح آلة يحيى وهي قسيم لفلك نوح عليه السلام في أن تنقذ الحياة متمثلة بشابين اثنين فقط هما نورة وسامي (لم يكن سوى هذين الزوجين معه ولكنهما كافيان لبدء حياة جديدة)(14).
وهنا يومض أكثر من إيحاء، فلعل آلة يحيى هذه هي التقنية الحديثة التي لا مناص من إتقانها كي تعبر بنا إلى آفاق جديدة، لأن الاقتصار على ما لدينا قد يعرضنا للانقراض تماما كما انقرض سكان تلك القرية الرامزة التي غمر أهلها الطوفان وإلى الأبد، ولاسيما ان هذا الطوفان كان جليدا عارما جبارا على حد وصف النص مما يعطيه هوية شمالية وملامح أوروبية. وربما يئس النص من إمكانية صلاح القرية الرامزة وأهلها ورأى أن يعيد صياغة الحياة بحيث تكون أقل بؤسا وأكثر إشراقا.
وتتخذ قصة الرؤيا هيئة حكاية متخيلة تصوغها مخيلة النص وهي تستوحي الحكاية على لسان الحيوان مع أن الكلب عنتر – وهو بطل القصة وراويها بضمير المتكلم – كان بصدد إلقاء محاضرة في إحدى الجامعات العتيدة – كما عبر النص – ولذلك فإنه يبدأ بأن يعرف نفسه منذ استهلال القصة (أنا الكلب عنتر كما أسماني صاحبي ومكتشفي الأول عطية المجنون، أتقدم بمحاضرة في هذه الجامعة العتيدة متشرفا بالتحدث أمام نخبة من المفكرين والباحثين متمنيا أن تكون مداخلتي المتواضعة فرصة لإثراء الفكر في هذا البلد المعطاء)(15) إذاً تعتمد القصة على هذا الكائن المتخيل عنتر الذي يجمع وبقدرة غرائبية بين الملامح البشرية وسمات الكلب المعهودة، فهو يحاضر ويكتب مما يشي بأنه يمتلك ثقافة واسعة ولكنه في الوقت نفسه يستعيد أجواء النباح حين يشده عطية المجنون صاحبه ومنقذه من المزابل كما عبر عنتر ذاته (ويشدني الحبل بقوة من عنقي فتختفي كلماتي ويتفجر نباحي)(16)، ولا نستغرب حين يرى عنتر قرص القمر المتألق ليلا (يشبه عظمة كبيرة في السماء تسيح منها خيوط الدهن واللحم)(17)، ومن الطبيعي أن يعبر عنتر عن معاناته بقوله (كنت أنبح طوال الليل أرسل صرخاتي إلى المارة وإلى أصوات المذيعين… أنا هيكل عظمي مرهق يترنح وراء شبح رجل)(18) مما يفضح جانبا من مقاصد النص فعنتر المثقف الذي يصوغ نشرات الأخبار ويزود الصحف والمجلات والكتب والميكروفونات بالمادة المطلوبة يسعى النص إلى تأصيل شخصيته عبر منطقه وعالمه وأجوائه وأسلوب تفكيره المفترض (هيا هيا يجب أن أغير نفسي، كنت أقول لذاتي هذا، بل كنت أعضها كما لو كانت عظمة، ولا أطعم إلا خلها)(19).
وأما الرؤيا التي ترد من خلال وعي عنتر فإنها قريبة من أجواء النسق الحكائي لأنها تقع بعيدا عن أحكام المنطق وقيوده، وهي تنتقل بلا عوائق من مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر أو كما عبر إريش فروم (الحق أننا في الحلم صانعو عالم ليس للمكان وللزمان اللذين يضعان حدودا لكل فعاليات جسدنا سلطان فيه)(20). تنعكس الرؤيا على وعي عنتر وعبر (دايولوجه) المتواصل الذي يشكل قوام التقنية السردية في القصة (كنت أرى ذلك النور البرتقالي الواسع المدهش ذا الأصوات المنفجرة والدوي المخيف… راحت كرة النار تكبر في رؤياي كل ليلة…)(21).
وتتكرر هذه الرؤيا في غضون النص بحيث تنتظم كيان القصة (يستدعونني إلى غرفهم المعتمة الباردة، أتلقى رفسات كثيرة، يقذفون بي إلى الجدران – من أنت لتفسر هذه الرؤيا؟ مجرد كلب يعيش على المزابل، فلتحترق هذه الأرض ثانية وثالثة وعاشرة…)(22).
وتلمح القصة في خاتمتها محورا مهما من محاور النص الذي يتخذ من الرؤيا وسيلة تعبيرية إذ يرد على لسان عنتر (مازلت أحلم بالنار، هناك محطات كثيرة مفتوحة وتضج الحمم هناك) بمعنى ان الرؤيا المرعبة لم تنته ولن تنتهي إذ إن آفاق تحقيقها قائمة وستتكرر الحرائق مما يفتح الباب أمام أكثر من قراءة لهذا النص، فمادام عنتر (الكلب) يخضع لعطية المجنون عرابه وأبيه الروحي الذي أنقذه من عفونة المزابل فإن الذهن يتجه للمثقف عامة (الكاتب الصحفي والأستاذ الجامعي وسواهما من رموز الثقافة) حين يكون ذيلا للسلطان ووسيلة لتبرير حماقاته وأخطائه. وأما إمكانية أن تأتي الحروب على ثمار الحضارة الإنسانية بحيث تتحول المدن العظيمة إلى خرائب كما هو شأن قصة الرؤيا التي بدأت بالإشارة إلى مكان القصة (لقد تغيرت مدينتنا كثيرا… كانت ناطحات السحاب على مدى البصر… لماذا عدنا إلى الخرائب؟) فإن احتمال تحقق مثل هذه الرؤيا ممكن وقائم بل إنه هم راهن ينمو في ظلال الأخيلة المريضة والأفكار التسلطية لبعض قادة هذا العالم وتحت وطأة الأورام الخبيثة التي يطلق عليها أسلحة الدمار الشامل التي يمكن أن تطيح بمستقبل الإنسان في هذا العصر.
وثمة تساؤل يرد على لسان عنتر وهو مما يتبادر إلى ذهن القارئ (لماذا أسماني عنترا؟ هل كان يدرك هذا الاسم؟ هل وصلت شظاياه إلى قعر عقله البعيد؟)(25) حيث يمنح النص قارئه بعض مفاتيح قراءته لأن عنترة رمز عربي مستقر في الذهن ولكن عنترة هذا العصر ما هو إلا دون كيخوته جديد يثير السخرية بل الاشمئزاز، ومعنى كهذا يحيل إلى أسلوب الروائي الايرلندي جيمس جويس حين وظف شخصية (يوليسيس) في روايته الشهيرة حيث بدا مستر بلوم بطل الرواية شخصية متضادة تماما مع يوليسيس الأصل(26) إذ يخلو بلوم من البطولة ويبدو صورة للإنسان الأوروبي المحبط بعد الحرب العالمية الأولى في القرن الماضي وهو ما قصده جويس على وجه الدقة.
وتنطلق قصة (سيد الضريح) من صميم المعتقد الشعبي الذي ينسجم مع منطق الحكاية وآلياتها, فهذا السيد الذي تنطوي عليه تلك القبة الذهبية الكبيرة يقرر أن يغادر ضريحه (بغتة تنشق القبة، المعدن الصلب انصهر أولا، وأخذت الأحجار التي تكلست منذ قرون تتصدع …) وتنطلق مخيلة النص كي تجوس أعماق السيد المغترب عما يراه من مظاهر الاحتفاء بضريحه وبالهيئة التي لم يتخيلها حتى انه يتساءل وبمرارة (هل تحسبونني إلها؟ أنا رجل فقير جئت من الصحراء بقبيلتي، ضاقت علينا رمالها، فانحدرنا بين الطعوس واللصوص والذئاب … ولا أعرف كيف سجنتموني بين هذه الجدران ورحتم تتضرعون إلي وكأنني ساحر أحك خرزة فتحدث الأعاجيب)(28) وتزداد حيرته حين يرى كتابا يحكي سيرته (قرأ عن شخص كأنه لا يعرفه… دهش من حشود الأكاذيب… صاح برعب – ماذا فعلوا بي)(29) ويكاد النص يفصح عن مكنونه على لسان الخطيب المتحدث عن اختفاء سيد الضريح (لماذا يتمسك بعض الناس بالحصى التي لا تنفع ولا تضر ويتبركون بأشخاص من البشر، وهاكم سيد الضريح هذا الذي زعموا أنه حي، فحدث زلزال وانكشف، فلا هو حي ولا موجود، ولا هارب مطلوب، وإنما هو وهم معدوم)(30).
ويمضي النص في تقصي هذه الرغبة البعيدة في أعماق الإنسان الشعبي حين يدعي أكثر من شخص انه سيد الضريح مما يخلق فوضى بين الناس تتطلب تدخل الضابط الذي يقول (الحل المقترح الآن بعد الفوضى العارمة التي حدثت هو أن نقوم بإدخال هذا الرجل الضريح ونعيد بناءه كما كان)(31) ويختم القصة شاب عالم – كما وصفه النص – (وفي هذه الحالة علينا أن نبحث عن سيد الضريح طويلا الذي ربما ذاب بين الناس)(32) حيث يتعزز المعنى الذي دار في خلد النص وهو ان هذه الرغبة الدفينة في أعماق الإنسان الشعبي تنبع من سجية المعتقد الشعبي بعيدا عن منطق هذا العصر بل ومنطق الدين الحنيف ذاته الذي يرفض مثل هذا التقديس حتى ان سيد الضريح الذي هو بشر، وما من شك في أنه استحال إلى هيكل عظمي بال لو أتيح له في إطار النسق الحكائي الذي انتظم القصة أن يخترق ضريحه وأن يتحرر من سطوة الموت إذن لأنكر أسلوب التعامل معه والتضرع إليه ومنحه من الصفات والقدرات ما ليست فيه وليست في متناول يده حيا ناهيك أنه ميت.
وتستعير قصة البركان أجواء أسطورية وأخيلة خرافية لصيقة بالنسق الحكائي الذي لا يستند إلى نص حكائي بعينه بل يصوغ حكايته الخاصة به بدءا بالمكان المتخيل المتمثل بتلك المدينة التي ينتشر فيها مسحوق بركاني ذو لون رمادي, وكان بطل القصة وساردها (بضمير الغائب) تمتلئ يده بالبثور المؤلمة وهو (لا يكاد يتنفس, يسحب الهواء من الفراغ والعدم)(33).
وحين يخرج بطل القصة الذي يعمل في المؤسسة العامة للشيخ نصار فإنه يجد الشارع قد (امتلأ بحشد من المجذومين والبرص, يهتزون رقصا وغناء وبكاء، يلتقطون المسحوق البركاني ويمسحونه على وجوههم وأذرعهم وأرجلهم وملامحهم الباقية)(34) مما يكرس أجواء حكائية غرائبية تمهد لمضمون القصة الذي يقترب من موضوع قصة سيد الضريح في بعض محاوره وإن اختلف أسلوب التناول.
يرد على لسان الشاب بطل القصة وفي مجلس للشرب: بركاتك يا شيخ نصار وهو مشهد ينطوي على طرافة وتضاد, فمثل جلسات الشراب نائية عن أجواء شيوخ المعتقد, ومع ذلك فإن بطل القصة (لم يرفع كأسه ويشربه, حدقوا فيه غاضبين, نهض بهدوء, قال : أود أن أعرف من هو هذا الشيخ نصار؟ ماذا فعل لكم؟ أنتم تعيشون أسوأ من الحمير, انظروا إلى المدن التي حولكم حدائق غناء وأنهار صناعية وأنتم تعيشون في زرائب.. لم يستطع أن يكمل خطبته…. جاءته لكمات رهيبة ونعال صلدة قاسية ثم حضرت المليشيا الشعبية واقتادته إلى إحدى قلاعها)(35) مما يعيد إلى الأذهان أساليب الاضطهاد والتعذيب والإقصاء بسبب المعتقد.
ويصر بطل القصة على إبطال خرافة الشيخ نصار (يصرخ: الشيخ نصار كذبة كبرى في حياة هذه المدينة, يكسر أسطوانة على رأسه, اسكت/ اسكت, الرجل ضحّى بنفسه، ماذا فعلت أنت غير أن ثرت قليلا، إنه رجل مغمور طلع من قمح الأرض وأسكت الوحش في الأعماق، والآن كل الحصالات تتغذى من تمائمه)(36) فيتعرض النص لجدلية الثائر ورجل الدين من خلال انعكاس صورتيهما على الوعي الشعبي . ولكن السياسي الثائر يسعى إلى أن يبرهن على تفاهة خرافة الشيخ نصار الذي يقف عاجزا مثل سواه أمام سطوة البركان – عنوان القصة -، ويختم النص بهذا المعنى (يصعد نحو البركان، الأرض تعوي متشققة والحمم تبقبق وتغلي صاعدة نحو الفوهة الهائلة, ولم يفعل الشيخ نصار شيئا)(37)، مما يفضح هدف قصة البركان والبؤرة الأساسية التي انطوى عليها بناؤها السردي وفي سياق المعتقد الشعبي في بعض مظاهره التي مازالت نائية عن العصر وطبيعته وسياقاته.
وبعد، فإن ثمة اتجاهين سادا مجموعة سيد الضريح القصصية, أحدهما واقعي مستمد من نبض الحياة الراهنة, ومن ذلك قصة (طائران على عرش النار) و(ثنائية القتل المتخفي) و(وتر في الليل المقطوع) و(أطياف ) و(الحارس), وإن تخللت نسيج هذه القصص شذرات المخيلة الخصبة للقاص عبـــــــدالله خلــــــــيفة وعبر تجربته العريضة في مجال السرد القصصي والروائي. وأما الاتجاه الآخر فهو الذي اتخذ من نسق الحكاية مهادا للصياغة القصصية وهو أيضا يتشكل في هيئتين إحداهما هيئة الحكاية المعروفة التي يستمد منها النص بعض عناصرها، وكما وضح هذا في قصة (محاكمة علي بابا) وقصة (وراء الجبال)،أو إن النص يشكل حكايته الخاصة به, وينطبق هذا على القصص, (الرؤيا) و(سيد الضريح) و(البركان) مما يفصح عن سعة عالم القاص وامكانية أن يستوحي من ذلك المعين الحكائي الضخم الذي ورثناه بحيث يعيد تشكيله بما ينسجم مع الراهن والنابض في هذا العصر, وعلى أن يتواءم مع تقنية القصة القصيرة ذات الطابع المكثف. ولا سيما ان النسق الحكائي الذي له القدرة على اجتياز زمنه والنفاذ إلى عصرنا الراهن يتسق مع طموح النص القصصي لــ عبـــــــدالله خلــــــــيفة في أن يتخطى حواجز الزمان والمكان كي ينسجم مع الهم الانساني ذي الطابع الشمولي. وقد اتسمت تقنيات قصص سيد الضريح وخطوطها السردية ذات الأثر القوي في الذاكرة بتنوع أجوائها القصصية بحيث لا نجد صدى لإحدى قصصه في الأخرى فيما عدا الهمّ السياسي الممتزج بالهم الاجتماعي والنفسي إذ يشع صدى ذلك في معظم قصصه سافرا حينا ومغلفا بتقنية النسق الحكائي حينا آخر.
بقلم: الدكتور صبري مسلم
تاريخ النشر : ٨ يناير ٢٠١١
اخبار الخليج
7 – سيد الضريح «قصص»، 2003.
❖ «القصص: طائران فوق عرش النار – وراء الجبال – ثنائية القتل المتخفي – البركان – سيد الضريح – وتر في الليل المقطوع – أطياف – رؤيا – محاكمة على بابا – الحارس».
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
** عبدالله خليفة،سيد الضريح, وكالة الصحافة العربية, القاهرة 2003. وكان القاص قد أصدر عدة مجاميع قصصية منها: الرمل والياسمين, يوم قائظ, سهرة, دهشة الساحر, كما أصدر أكثر من سبع روايات, وهو ما يزال يواصل تجاربه القصصية والروائية.
(1): إ . م . فورستر, أركان القصة, ترجمة: كمال عياد جاد, دار الكرنك, القاهرة 1960, ص 34 .(2): نفسه, ص 36
(3) : سيد الضريح, ص 85 – .(4) : نفسه, ص 86
(5) : نفسه, ص 88.(6) : نفسه, ص 89
(7) : نفسه, ص 90.(8) : نفسه, ص 19
(9) : نفسه ‘ ص 19.(10) : نفسه, ص 20
(11) : نفسه, ص 21.(12) : نفسه, ص 22 –23
(13) : نفسه, ص 23.(14) : نفسه, ص 23
(15) : نفسه, ص 77.(16) : نفسه, ص 78
(17) : نفسه, ص 79.(18) : نفسه, ص 80
(19) : نفسه, ص 83.(20) : إريش فروم, الحكايات والأساطير والأحلام, ترجمة : صلاح حاتم دار الحوار, اللاذقية, ص 12
(21) : سيد الضريح, ص 79. (22) : نفسه, ص 83
(23) : نفسه, ص 84. (24) : نفسه, ص 77
(25) : نفسه, ص ..2 .(26) : جيمس جويس, عوليس, ترجمة : د . طه محمود طه, المركز العربي للبحث والنشر, القاهرة 1982
(27) : سيد الضريح, ص 41 – 42
(28) : نفسه ‘ ص 43
(29) : نفسه, ص 44 – 45
(30) : نفسه, ص 48
(31) : نفسه, ص 49
(32) : نفسه, ص 49
(33) : نفسه, ص 37
(34) : نفسه, ص 37
(35) : نفسه, ص 38 – 39
(36) : نفسه, ص 40
(37) : نفسه, ص 40
