
عبـــــــدالله خلــــــــيفة:
وتماثيله وفضيلة أن تقول لا في بعض الأحيان!
كتب فيصل عبدالحسن*
رواية «التماثيل» للروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة، تؤشر لنا مدى أهمية هذا الجنس الأدبي في فهم المجتمع، البحريني، خاصة والمجتمع العربي عامة، الذي ينتمي إليه الروائي ويعبر عنه أدبيا، فالرواية التي يكتبها عبـــــــدالله خلــــــــيفة تحيلنا دائما إلى الحلم، والنظر إلى الواقع من خلال حلم ثري بالصور تبدو من خلاله تفاعلات المجتمع البحريني، وتطور مزاج الناس، وصعود مفاهيم اجتماعية معينة واندثار مفاهيم سابقة كانت سائدة، كما أن الوجوه دائمة التغير والمواقف كذلك، ولا شيء ثابت على حاله مطلقا، وثمة حركة دينامكية، تحرك الأبطال والمصائر، انه يعطيك صورا من واقع الحياة البحرينية لا كما هي بل كما تنبت الأرض الأشجار المثمرة من مكوناتها الأولية، فترى برتقالا وكمثرى وتمرا برحيا، وأوراقا خضراء وزهورا يانعة، وكل ذلك أتى من تراب الأرض، وعرق الناس.
وذلك ما يفعله الفنان الصادق، الحقيقي مع نفسه ومع فنه، شكلا ومضمونا، انه يأخذ مكونات رواياته من شخصيات الحياة البحرينية البسيطة، ويملأها بالآمال والأحلام، وحب الحياة، ثم يجعلها تعيش حياتها، وسط المطامع وصراعات المجتمع، ويضعها على الورق كما هي في نقائها وخبثها، فقرها وغناها، بساطتها وعقدها النفسية، ولا يفوته أن يضع جملة ساخرة هنا ونكتة هناك، وهو يسخر دائما من أبطاله ومن الناس، ومن الحياة، خيرها وشرها.
كتابة عبـــــــدالله خلــــــــيفة الفكهة، تجعلنا نقف أمام مبدع استطاع عبر السخرية، والنكتة، والمفارقة الاجتماعية، والتعليق الفكه، أن ينقل لنا أراءه بالحياة وموقفه من الخير والشر في المجتمع، فهو على سبيل المثال يقدم لنا صديقه ياسين كافود في رواية التماثيل تقديما كاريكاتيرا، فانظر كيف قدمه للقارئ: «كان ياسين كافود غريبا وظهر فجأة إلينا كأنه غدا ممسوسا. صحيح إنه كان طفلا نزقا، كثير الحب للأكل وسرقة البيض والكعك من الدكاكين، لكن أن يظهر بغتة هادئا، صامتا، وينزوي عند الشاطئ، ويتوارى في غرفته، ويدمن القراءة، فهذه كلها كانت علامات لدينا على الخبل»! (ص5)، أو قوله عنه حين اختار دراسة الطب البيطري في جامعة خارج البحرين: «وسمعت أن بعض أصحابنا حاولوا ثنيه عن هذا التخصص، حيث لم يكن يرسل حينا طائرا أو حيوانا ما إلى العلاج، بل إلى المسلخ أو القدر، ولعل ذلك بسبب شقاوة طفولته وكثرة قتله للقطط والكلاب في الحارة، حيث كان يتفنن في شنقها»! (ص9) أو وهو يصف والده: «لم يكن أبي ذا قيمة في المجتمع، فعامل بسيط أمي ماذا يمكن أن يقدم لابنه»؟ (ص11) أو قول مسؤوله في العمل في المحاكم، وهو يوصيه عن حكمة العمل في وظيفة حكومية: «دعك من كل هذه السوالف، وركز على قبض المعاش آخر الشهر وكفى بالله حسيبا… ثم طوي بشته تحت ساعده وخرج كطائر الفينيق». (ص12) أو قوله عن يومه الأول في الوظيفة الحكومية: «كان للوظيفة دوي مخيف في حياتي، ويوم أن قبلت واستعددت للخروج لأول نهار عمل، كان اخوتي وأمي وأبي في لحظة تجل تاريخية، أحاطوني من كل جهة، ونظروا لثوبي، وعلقوا على غترتي التي لم تكن مكوية بشدة، وأعطوني عطرا وورقة مالية صغيرة، بعد أن قدموا لي لأول مرة فطورا، ولم يتعاركوا معي»!! (ص15)، أو قوله عن بدرية البدينة التي ستكون المرأة الأولى التي تبيعه الهوى العابر، عند غياب زوجها: «رأيت بدرية تتحامل على نفسها لكي تعبر مسطحا مائيا صغيرا. قلت في نفسي هذه امرأة تصلح لمثل هذا الشتاء الكئيب»!! (ص17) وهذه البدرية ستكون في السنوات القادمة هي ونسلها من الإناث العمود الفقري لحياته الجنسية، إذ لا يعرف غير نسلها من بنات حواء ليقيم معه علاقة، كأنها لعنة صبت فوق رأسه، يقول عن لقائها الأول بها: «وقد حسبت بدرية أنها معجبة بفتوتي وفحولتي دون خلق الله أجمعين، ولكن المرأة حين تمكنت من الانفراد بها قرب مزبلة الحي، فاجأتني بالسؤال عن السعر، بل طرحت سعرا مرتفعا، وأنا الذي كنت أتسلل إلى غابة الأكواخ وأدفع أقل من نصف روبية وأعتبره قيمة عالية، فإذا بها تطالب بخمس روبيات دفعة واحدة، وهي بذات البرميل من الشحم واللحم المتكدس» (ص19).
ونرى من خلال تتابع الأحداث في الرواية تطور المجتمع البحريني، وتقدمه المادي، بسبب طفرة أسعار النفط في السبعينيات من القرن الماضي، وبروز ظواهر اجتماعية جديدة كمجيء العمال والوافدين من دول آسيوية وعربية للعمل في البحرين، ومن خلال انتشار العمارة والبناء العمودي في البلاد، واختفاء البيوت الصغيرة التي كانت تؤوي العائلات الفقيرة في الخمسينيات والستينيات، وبدلها صارت بنايات من عدة طوابق مؤجرة للعمال الوافدين.
تنقسم الرواية إلى 42 فصلا، والكاتب يستخدم تقنيات روائية متعددة في عمله، فهو يستخدم السيرة الذاتية، فتبدو الرواية كما لو كانت سيرة لحسان يوسف تحكي حياته من الطفولة حتى بلوغه الكهولة لتختم بدخول السجن في قضية تؤدي بصاحبها إلى الإعدام أو السجن المؤبد، وهي أيضا سيرة لياسين كافود غير مكتملة، تحكي صعوده وتحولاته الدراماتيكية من بطل في مجموعة ثورية لم يسمها المؤلف إلى سارق آثار، ومن كاتب تهمه أحوال الناس، ويرغب في جعل حياتهم أفضل مما هي، إلى صاحب مؤسسة صحفية ودار نشر، واعتماده أهم قواعد الميكافيلية الفلسفية والبرجماتية في إدارتها وشعاره الأوحد: الغاية تبرر الوسيلة، وحتى نهاية السيرة، كذلك استخدم الكاتب تقنيات الرواية – اللارواية، فالرواية لا تنهج أي المناهج الروائية المعروفة، بل هي أقرب إلى اليوميات التي يرويها راو عارف بكل شيء، فهو يكلمنا عن وجهة نظره حول الآخرين، ولم يسمح لأحد غيره أن يحدث القراء عن وجهة نظر مغايرة، فنحن لم نعرف من «نرجس»زوجة ياسين دوافع خيانتها لزوجها مع حسان حين كان في السجن وهل أحبته حقا؟! أم الموضوع برمته من خيال حسان، ولا نعرف أيضا ما هي مبرراتها لقبولها به زوجا لابنتها ندى وهو أب أخيها علي منها! والأخير هو ثمرة الخيانة التي وقعت والزوج في السجن، وكذلك استخدم الكاتب في نصه ما يسمى المتواليات القصصية، ضمن النسيج العام للعمل، فهناك قصة علي البحراني الموغلة في القدم، وقصة عبدالحسين العارف بأمكنة الآثار وخرائطها وأسرار تواريخها ومواقعها، حتى تصير هذه المعرفة وبالا عليه فيقضي بالسجن على يد ياسين كافود بدس السم له، أسمعه يخاطب ولده كريم عبد الحسين: «ماذا فعلت لك؟ لم أقتل أباك بل ياسين هو الذي فعل، دس مواد كيمياوية في أكله، وقلت لك ذلك ولكنك لم تصدقني وقدتني إلى الخرابة» (ص 182) والكاتب يستخدم المنللوج الطويل، الذي يحيلك إلى لغة الحلم، ويستخدم الدايلوج، المشبع بكلمات دارجة بحرينية، كأنما ينقلك من تحليقك في السماء إلى أرض الواقع الصلبة.
والرواية، التي أزعم أنها من نوع روايات «الحساسية الجديدة»، التي كتبها كتاب مثل إدوار خراط في نصه الرائع (يا بنات الإسكندرية) و(رامة والتنين)* وأميل حبيبي في نصه (المتشائل) وغيرهما. وأزعم أن الكاتب تجاوز أساليب هذه الحساسية ونجح في نقل القارئ إلى عالم غريب غير معهود، لم يسبق لكاتب عربي آخر أن كتب عنه، أو حكى فيه عن مصير الإنسان، الذي لا يستطيع أن يقول لا للمغريات التي تعرض عليه، ولا يعرف فضاءل أن يقول لا في بعض الأحيان، فلو انه قال: «لا» لياسين كافود منذ أول لحظة طلب فيها منه خدمة، لتجنب كل المصائب التي أحاطت به وأحالت حياته إلى جحيم حقيقي.
تبدأ رواية «التماثيل» بـ «حسان يوسف» ابن العائلة البحرينية الفقيرة، وهو يبحث عن حياة أفضل، له ولعائلته، وتنتهي الرواية به، وقد عاش حياة كاملة في وحل الحياة، فقد عاش موظفا صغيرا في توثيق المحاكم ثم طرد من عمله بعمل خسيس من صديقه ياسين، ودخوله السجن، ومن عابر لذة مع امرأة هوى غليظة تخون زوجها، «بدرية» إلى عشيق لابنتها المتزوجة من صديقه ياسين، ويتردى أكثر من ذلك فيصير زوجا لابنتها ندى، التي أنجبت له فاتن، وهي بعمر بناته، وهناك شك مرير لديه بأنها أخت «علي» ابنه من أمها، ويقضي حياته من سجن إلى آخر ومن تهمة إلى أخرى، وانتهى في النهاية نهاية تراجيدية في المستشفى، والشرطة تلقي عليه القبض بتهم عديدة، أولها الإرهاب وآخرها سرقة أموال، وحيازة لقى وآثار تاريخية تعود للبلاد.
وكما قاده صديق طفولته وشبابه ياسين كافود، إلى ما هو عليه من وضع سيئ، فإنه يطل عليه أيضا في نهاية الرواية كما يفعل الشيطان عادة قبل الموت ليعرض عليه أن ينقذه، مقابل ما يريد أن يمليه عليه، انه يشبه الشيطان الذي يطلب روح من يوشك على الموت ليغلق بوجهه الأمل الأخير برحمة وغفران من الله تعالى، أسمعه يقول له وهو في المستشفى، والشرطة تحيط به: «اندفع نحوي ياسين.. السلامة يا أخي.. لن يخرجك أحد من هذه الحبسة سواي. أصبحت عنقك مهددة الآن. لدي مشروع لا يمكنك إلا أن ترحب به في مثل وضعك البائس من كل جهة.. هذه آخر فرصة لك.. لدي أوراق».. (ص183) وياسين كافود الذي اشتهر فيما بعد بياسين الفينيقي، قاد صديقه السابق إلى الضياع التام وخسران وظيفته البسيطة بنشر ما كان يزوده له من معلومات عن ملكيات العقارات وأصحابها، في مقالاته وبعد ذلك بنشر مقال باسم صاحبه الصريح، مما دفع إدارة المحاكم للتحقيق معه وطرده من عمله، كموثق في المحكمة، وبعد ذلك أدخله السجن بتهمة بيع الآثار.
رواية تماثيل من الأعمال المتميزة للروائي الرائد عبـــــــدالله خلــــــــيفة، وقد استطاع أن يحرك لقراء روايته الناس الذين عاشوا في البحرين في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن السابق، والذين غابوا في طيات الماضي، وجعل القارئ كأنما يتابع فيلما، بلغة تصويرية شفافة ومقاطع نثرية تقترب في وصفها للشخصيات إلى شخصيات حقيقية، لايزال قسم منهم يعيشون ويمارسون حيواتهم، بعضهم تحول من السيئ إلى الأحسن والقسم الآخر بقي على حاله متبوعا بإدانة الكاتب ورفضه له.
- فيصل عبدالحسن روائي عراقي مقيم في المغرب
- قمرٌ فوق دمشق
- قراءة في أعمال الأديب عبدالله خليفة
- قصص من دلمون
- كريستين هانا
- المكانُ في روايات عبد الله خليفة دراسة تحليليّة لنماذجَ مُختارة
- عبدالله خليفة: الرؤية الفكرية والفنية لأدبه
المقالات
مرحبًا بك في عالم من الإمكانيات اللانهائية، حيث الرحلة مثيرة تمامًا كالوصول، وحيث كل لحظة فرصة لتحقيق إنجازك.
-

General articles The roots of capitalism in the Arabs Abdullah_Khalifa The_Qarmatians .. Historical Roots Abdullah_Khalifa : Domesticated Creatures Abdullah_Khalifa : What is the rope of God? Abdullah_Khalifa : Our simple, humble man Abdullah_Khalifa : Iran between siege and heritage Abdullah_Khalifa : The Russian State and Dictatorship Abdullah Khalifa: Dance and its social implications Abdullah_Khalifa : My throat is filled with fire for my homeland Abdullah_Khalifa Farewell, friend of jasmine…
-

اليوم 10/21/ الذكرى لــ 11 لوفاة عبـــــــدالله خلـــــــيفة في رسالة بعثتها الى موقع عبـــــــدالله خلــــــــيفة مرحبا أنا كريستين هانا، مؤلفة كتاب «النساء»، و«العظيم وحده» و«العندليب» وأكثر من عشرين رواية أخرى تستكشف الحب والشجاعة ومرونة الروح البشرية. بدأت رحلتي في الكتابة قبل وقت طويل من أي قوائم من أكثر الكتب مبيعا أو تعديلات للأفلام. بدأ الأمر…
-

الـسفـــــر ــ قصةٌ قصـــــــيرةٌ الحي القديم يتفتحُ بدروبهِ الضيقة اللتوية، كالأيام والأنام ، أحجارهُ تآكلت وتساقطت قشرتها ، وتحولت غيرانها ملاجئ للهوام .بيوتٌ متراكمة فوق بعضها ، تتشاجرُ ضلوعها وأبوابها ، قميئة ، كالحشائش الفطرية الذابلة ، قماماتها حدائقٌ للذباب ، ومسامُ دروبها تنزف هياكل وفئرانٌ وأشباحٌ ومجانين وغرباء .في أيامهِ ، كان هذا الحيُ…
-

المقالات الخــــــروج ⇜ قصةٌ قصيرةٌ انتشى وهو يصعدُ السلم ، صعدَ قمةٍ شاهقةٍ ولمسَ السحبَ وذاقَ المطر . الدنيا صيفٌ والشمسُ تنورٌ متجولٌ . صعدَ وابتسم وود لو يقفزُ إلى الشارع البعيد ويقبل أخاه ويغرقان في احتساءِ هرمٍ من العلب ذات المياه الفضية . هل سيحضنهُ؟ هل سيراهُ أم يبقى وحيداً ؟سمعَ نداءات السجناء الأخيرة…
-

المقالات المذبحة ⬅ قصةٌ قصيرةٌ كان يوماً رائعاً، جميلاً، إذ هبت نسمات منعشة فوق الوجوه، وتطاير الغبار في مكان ما، وأهتزت أشجار، وكأن ذلك الفرن المشتعل قد توقف فجأة، وأنفتح الباب لصباح رقيق، كثيف النور.أحسن عاشور بكل العالم بين يديه، وهو يصل إلى سطح خزان الماء. أحتضن الهواء، وأمتلك ببصره كل آفاق البحر الواسعة، الزرقاء،…
-

⬅ اسم الكتاب: اللآلئالمؤلف: عبدالله خليفةالصفحات: 124 يكتب عبدالله خليفة الروائي البحريني المعروف، روايته الأولى، مُنكّهةً برائحة البحر، والغوص، وصيد اللؤلؤ، الذين كان تجارة عظيمة في البحرين والكويت وسواحل الخليج العربي عموماً، ما بارت إلا عند ظهور اللؤلؤ الصناعي، يكتب هذه الرواية متلمساً الماء، واللآلئ رزق الجزيرة الصغيرة الوفير، حيث تدور أحداث العمل حول موسم…
-

بقلم القارئ علي عيسى من البحرين الكاتب والروائي عبدالله خليفة كاتب قدير معروف وهو احد اقطاب القصة القصيرة في البحرين؟ وكان هذا الكاتب المعروف في قصصه السابقة يعني بالدرجة الاولى بالإنسان؟ فالإنسان يحظى عنده بالمرتبة الاولى من الاهتمام.وفي هذه المرة طلع علينا كاتبنا برواية (مريم لا تعرف الحداد) التي كرسها لخدمة الإنسان وإبراز ما يعانيه…
-

كتب: فيصل عبدالحسنرصد الروائي عبدالله خليفة في روايته الينابيع التي صدرت قبل وفاته بشهور قليلة تاريخ البحرين ابتداء من القرن الثامن عشر، والتاسع عشر وانتهاء بأيام الهاتف النقال الحالية، وجعل خليفة بطله محمد العوّاد مدخلاً لعصر التنوير، وبداية لتاريخ التدخل الأوربي المباشر في شؤون المنطقة العربية ومنها البحرين .ومن البديهيات المعروفة أن كل بلد في…
-

كتب : وجدان الصائغ إذا كان الخطاب الشعري المعاصر قد استجلب وبوعي منه التقنيات السردية ليخلق له هيكلية شعرية جديدة يتماهى فيها الشعري بالسردي نائياً بذلك عن الغنائية المباشرة ، فان الخطاب السردي (القصصي والروائي) لم يكن بمنأى عن الترسيمات الجغرافية الجديدة لحدود الأجناس الأدبية وعبر تفكيكه البنية التحتية للنص السردي واعادة صياغتها مستثمراً إمكانات…

