كتب : عبدالمحسن الشمري
عبـــــــدالله خلــــــــيفة له العديد من الأعمال التي تقيمُ بينه وبين القارئ العربي جسراً من الألفة، ففي مجال الرواية صدر له(اللآلئ)،(القرصان والمدينة)،( الهيرات)، (أغنية الماء والنار)،(امرأة)، (الضباب)، (نشيد البحر).
وفي مجال القصص القصيرة له(لحن الشتاء)،(الرمل والياسمين)،(يوم قائظ)، (دهشة الساحر).
صدر لخليفة بالقاهرة (جنون النخيل)، مجموعة قصصية، يدخلُ من خلالها إلى عالم جديد يتجاورُ فيه الأحياء والموتى، القبور تصبح دكاكين ومطاعم، ومن المنازل المحفورة تنبثق فجأة الهياكل العظمية، وتتكسر المناجل، ويلعبُ الأطفالُ بأصابع الموتى وأناشيدهم وخواتمهم، وتستعيرُ الفتيات حليهن من آذان المصعوقات ويأخذن تسريحاتهن وأزياءهن.
أشباحُ الموتى تستولي على روح الخلق فيندفعون إلى أمكنة اللهو، ويرقصون حتى الفجر، وتلقي النسوة ثيابهن السوداء، ويصبحن مثل الدمى المزوقة. كما صدرت له أيضاً رواية جديدة بعنوان (الينابيع) عن منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات. وثمة إشارة على الغلاف الداخلي إلى أن الينابيع هي (الجزء الأول)، مما يشيرُ إلى جزءٍ ثان أو أجزاء أخرى خاصة وأن زمن احداث الروايو يعود بنا إلى أ,ائل القرن العشرين وقد تمتد مساحته الزمنية في الأجزاء التالية: الجزء الأول حمل عنوان (الصوت). ومن البداية نعيش مع بطل الرواية محمد:
(كان محمد يصغي إلى صوت العود الواهن، كأن الفجر يترنم، كأن وجعاً ينهار في قلب زهرة. كأن الطفلة تصعد إلى ذروة التلة المشتعلة. هوذا العود يسري في الليل، ويجلبُ الفجر إلى الفراغ الواسع والبرية الثكلى. هوذا يقطرهُ في ثقوبه ويحرقه فراشات وصرخات، ويعصرهُ، في هذا السرير الفائض بالعرق والخوف وتلال القطن اليابس، لماذا يتخفى أخوه وراء الجدران ويعزف وينزف في هذه العتمة المسربلة بدم الضوء الشحيح، ويئد الأوتار في التربة القاحلة).
ثم نتابع قصة محمد ذلك الطفل الصغير الذي لسعته عصا المطوع عندما وجدهُ يدندن بأغنية حيث يموت أبواه. . ويصارع رغبته بالعزف عندما يرفض أخوه أن يعطيه العود . . ويرفض أخوه أن يصبح محمد مطرباً. ونتابع رحلة محمد بعد ذلك في بيوت الطرب والغناء . . ثم رحلته في البحر . . وارتباطهُ بشخص آخر اسمه غلوم، يعمل في أحد المقاهي.
تتابع الأحداث مع بطل القصة محمد الذي يعشق الغناء لكنه يصطدم بواقع يرفضُ ذلك تماماً ويعاقب من يمارسه من الرجال.
ومع رحلة محمد الساعي إلى ممارسة الغناء والتقائه بعدد من الأشخاص نتابع رحلة الرجل الأجنبي الذي يقوقل عنه أحد أبطال الرواية فارس(هذا الرجل الأجنبي سيدم(؟) بلادنا أيها الرجال، سيحيل حياتنا إلى ليلٍ دامس، يريد أن يكون الآمر الوحيد على هذه الأرض، فلا بد من محاربته والدفاع عن شيخنا الذي يحاصرهُ بمدمراته وعساكره).
ونتابع أيضاً صورة أخرى لفتاة أحبت محمداً وترفض الزواج من رجل طاعن في السن وتلجأ إلى محمد لانقاذها.
الرواية تتداخل فيها الأحداث والشخصيات، ويتداخل فيها الصراع بين عدة أطراف حتى تصل في نهايتها إلى مقتل والد بدر الوزان الذي كان مصغياً إلى الدرس في الفصل ويأتيه الخبر الحزين.
(أهذا ما فعله الزمن بنا؟ كل شيء شح، البحر انسد في وجوه الرجال، أهو سحر أم سوء طالع، أم هو القدر الملعون الذي سيترصدني منذ أن ترنحت على مقعد النار هذا؟).
عندها يتوقف محمد ويصرخ(الرجال يموتون في كل مكان، والسفن خائسة على الشواطئ، لعله عقاب إلهي. . أنا لا يأتيني النوم. رأسي يكاد ينفجر وهؤلاء الأغراب سدوا كل الأبواب ف يوجوهنا).
لكن هذا السكون لم يستمر طويلاً حيث تدب ثورة بين الجماهير ضد الأجنبي عندما يطلع البحارة من تحت الحفر. عندها يتدلى رأسا الميجر والمستشار معاً في ذهول مشترك وغضب عارم.
(فجأة دوت رصاصة أمام وجهه، أحس بنار تلسعه، كان البحار الجريح قد قطع خده وأذنيه وعنقه . . سقط مترنحاً وأحس بالأرض ساخنة، والدم يفور ويغسل بدلة السهرة الجميلة).
إن الرواية تسجل لحظات من الصراع الطويل والدفين بين أهل الأرض وبين دخيل مستعمر يريد أن يسلب منهم كل شيء.
- عبدالمحسن الشمري
- القبس، الأثنين 18/1/1999
